المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفقه النبوة والرسالة

- ‌1 - فقه الاصطفاء والاختيار

- ‌2 - فقه النبوة والرسالة

- ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

- ‌4 - حكمة موت الرسل

- ‌5 - فقه الدعوة إلى الله

- ‌6 - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌7 - فقه النصيحة

- ‌8 - فقه الهداية

- ‌9 - فقه الابتلاء

- ‌10 - فقه الشورى

- ‌11 - فقه الإنفاق في سبيل الله

- ‌12 - فقه الهجرة والنصرة

- ‌13 - فقه الجهاد في سبيل الله

- ‌14 - فقه النصر

- ‌15 - فقه الخلافة

- ‌الباب الحادي عشرفقه الأخلاق

- ‌1 - فقه الخُلق

- ‌2 - درجات الأخلاق

- ‌3 - تغيير الأخلاق

- ‌4 - فقه حسن الخلق

- ‌5 - فقه الأدب

- ‌6 - فقه مكارم الأخلاق

- ‌7 - فقه المروءة

- ‌8 - فقه الإيثار

- ‌9 - فقه الحكمة

- ‌10 - فقه العزة

- ‌11 - فقه المحبة

- ‌12 - فقه الرحمة

- ‌الباب الثاني عشرفقه الشريعة

- ‌1 - فقه الحق والباطل

- ‌2 - فقه العدل والظلم

- ‌3 - فقه الأمر والنهي

- ‌4 - فقه النفع والضر

- ‌5 - فقه الحلال والحرام

- ‌6 - فقه السنن والبدع

- ‌7 - فقه العبادات

- ‌1 - فقه الصلاة

- ‌2 - فقه الزكاة

- ‌3 - فقه الصيام

- ‌4 - فقه الحج

- ‌8 - فقه الذكر والدعاء

- ‌9 - فقه المعاملات

- ‌10 - فقه الحسنات والسيئات

الفصل: ‌3 - فقه الصيام

‌3 - فقه الصيام

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183].

وقال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

الصيام: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بنية الصيام لله تعالى.

والصيام فريضة الله في كل دين أنزله الله، ودين الله في صيغته الأخيرة الخاتمة قد فرض فيه الصوم بصيغة نهائية وخاتمة، ولذلك كان صوماً ما شئت أن ترى من واقعيته إلا رأيت، ومن سهولته إلا رأيت، ومن نفعه إلا رأيت، ومن آثاره الطيبة على الحياة البشرية إلا رأيت.

والصيام المفروض علينا هو صيام شهر رمضان، وفي شهر رمضان نزل القرآن، ففيه كان بدء الدعوة الإسلامية، وبدء نزول كتابها فيه.

فصيام هذا الشهر تخليد لذكرى ينبغي أن تبقى حية في نفس المسلم كل وقت.

وجعل الشهر القمري الذي له علامته الكونية الكبيرة، القمر بدءاً وانتهاءً يحمل في طياته عوامل الوضوح والثبات، فلا تستطيع سلطة أو جماعة أن تخفيه أو تحرف المسلمين عنه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» متفق عليه (1).

واختيار السنة القمرية في التوقيت له فيها حكم عظيمة، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام، فعلى هذا يتقدم شهر رمضان كل عام عنه في

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1909)، واللفظ له، ومسلم برقم (1081).

ص: 2821

السنة الماضية عشرة أيام، وعلى هذا ففي خلال ستة وثلاثين عاماً لا يبقى يوم من أيام السنة إلا وقد صامه المسلم، يشهد له بصومه لربه.

اليوم القصير .. واليوم الطويل .. واليوم الحار .. واليوم البارد.

وبذلك يتساوى المسلمون في كل أقطار الدنيا في مقدار الصيام وشدته، ولولا هذا لكان نصيب أهل المناطق الحارة أشد من نصيب أهل المناطق الباردة، وناس يصومون يوماً طويلاً أبد الدهر، وناس يصومون يوماً قصيراً، فلله الحمد والمنَّة أن أكرمنا بشهر المنافع والخير والبركات:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)} [البقرة: 185].

وفي تعيين شهر رمضان بالذات شهراً للصوم، دون ترك التعيين للإنسان ليختار شهراً معيناً لنفسه من السنة، فيه إشعار للمسلمين بوحدتهم، ومن تعويدهم النظام والانضباط والاستسلام لله عز وجل، وفيه فتح الباب لأعمال موحدة من الخير، ينال كل مسلم من المسلمين فيها نصيبه، وإعلان لدخول المسلمين جميعاً في يوم واحد مدرسة واحدة فيها الصيام والقيام، والبذل والإحسان، وتلاوة القرآن.

وفي الصيام حبس النفس عن الإسراف في الشهوات، وكبح جماحها عن كل سوء، وتعويد لها على الانضباط في الأكل والكلام والأخلاق.

وشهوتا البطن والفرج أعتى شهوات الإنسان، فمن استطاع أن يحفظ نفسه خلال فترة الصوم من هاتين الشهوتين كان على غيرها أقدر، فلا يخرج عن حدود الحلال.

ص: 2822

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» أخرجه البخاري (1).

وفي الصيام ضبط لجوارح الإنسان وشهواته، فلا ينضبط اللسان بشيء كانضباطه بالصيام، فالشبع الدائم للإنسان يجعل أعضاءه في كامل طاقتها ويجعل نفسه كذلك، واللسان ينطلق وقد لا يستطيع ضبطه.

واللسان أداة التعبير عن النفس، فمهما كان في النفس من شرود عن طريق الله ظهر في اللسان، وفي اليد، وفي الرجل، وفي السلوك، وفي العمل.

فحبس النفس عن شهوة الطعام إضعاف لها عن الانطلاق في أي طريق، وترويض لها على الانضباط على الطريق الشرعي الصحيح.

ففي الصيام كف للنفس عما لا ينبغي لها، وعما يشينها من الأقوال والأعمال والأخلاق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» متفق عليه (2).

وما لم يحقق الإنسان من صيامه هذا الجانب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أخرجه البخاري (3).

ومن رحمة الله عز وجل بعباده أن علق الصوم والإمساك على علامتين سماويتين يسهل تمييزهما هما طلوع الفجر، وغروب الشمس، وفي ذلك ضبط للوقت يستطيعه أي إنسان في أكثر مناطق العالم كما قال سبحانه:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].

(1) اخرجه البخاري برقم (6474).

(2)

متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1904)، واللفظ له، ومسلم برقم (1151).

(3)

أخرجه البخاري برقم (1903).

ص: 2823

وقد أعطى الله الإنسان في رمضان وقتاً يعوض فيه كل ما فقده في صيامه من حاجة الجسد، وذلك بإباحة الطعام والشراب والنكاح ليلاً، ومنعه منه نهاراً، وبذلك يتمحض الصيام نفعاً خالصاً للإنسان بدنياً ونفسياً.

وليس هذا هو المقصود من الصيام فقط، بل المقصود الأعلى والأسمى طاعة الله وتقواه، فالتقوى هي الخلق الذي علق الله عليه فلاح المسلم في دنياه وآخرته، كما قال سبحانه:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17)} [الطور: 17].

والتقوى خلق عظيم، وحتى يستجمعها المسلم في قلبه فتكون له خلقاً، لا بدَّ أن يسلك لها طريقها.

وأهم الطرق المؤدية إلى التقوى:

الصيام .. والقيام .. والأذكار .. والدعاء .. وقراءة القرآن .. والإنفاق في سبيل الله .. والاعتكاف .. والصبر .. والاستغفار .. والتوبة.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)} [البقرة: 183].

وشهر رمضان هو الشهر الذي يسير به المسلم في كل طرق التقوى بشكل عفوي، ففيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وفيه تكثر الصدقات، وتزداد الأعمال الصالحة، وتكثر تلاوة القرآن، فما ينتهي شهر رمضان إلا وقلب المسلم قد امتلأ نوراً وإيماناً وتقوى، وتحلى بأحسن الأخلاق، وتلذذ بطاعة الله وعبادته.

والصوم شكر لله تعالى من حيث كونه عبادة، والعبادات مطلقاً شكر من العبد لمولاه على النعم التي لا تحصى .. والله عز وجل يعلمنا بالصوم كيف نحافظ على أداء الأمانة ولا نضيعها أبداً، ولا نفرط فيها، وذلك بالأمر بالإمساك عن الطعام والشراب أثناء الصيام. وفي الصيام تصفو نفس العبد وتخلص روحه من صفة البهيمية، وترتقي إلى صفة الملكية التي مزاجها الطاعة ولزوم العبودية .. وفي الصوم صحة البدن وخلوصه من الأخلاط الرديئة .. وفي الصوم إضعاف

ص: 2824

لشهوة الجماع التي تزداد مع الأكل والشرب وإطلاق النظر .. والإنسان إذا صام وذاق مرارة الجوع حصل عنده عطف ورحمة على الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم من القوت فتصدق عليهم وأحسن إليهم.

والبدن مع العمل يكل، فيجب أن تستريح الأعضاء وقتاً من الأوقات لتستعيد نشاطها وقوتها مرة أخرى، فمن رحمة العزيز العليم أن جعل للمعدة وقتاً تستريح فيه كما يستريح غيرها.

والصوم قمع للنفس عن شهواتها، ومن استطاع قمع نفسه ومنعها من الأكل استطاع منعها من الحرام والإجرام والإفساد، والانهماك في الطعام والشراب والملاذ يطغي النفوس، ويجعلها لا ترحم الضعفاء، ولا تعطف على البؤساء؛ لأنها لا تحس بما هم فيه من ألم المسغبة والفاقة.

فيجب أن يشعر العبد أثناء الصوم أنه هبط إلى الفقير في حالته الغذائية، فيعرفها ليشفق عليه.

وكثير من الناس يشكون من سوء التغذية، وسببها عند الأغنياء يرجع إلى زيادتها، وعند الفقراء إلى نقصها المعيب.

والله عز وجل يريد من عباده المؤمنين أن يكون شهر رمضان شهر زهد وتعبد، وبر بالفقراء والبائسين، وصون للمعدة واللسان والقلب، وتطهير للجسد من الأخلاط، وتطهير للروح من سوء الأخلاق.

فما أعظم منافع شهر الصيام وما أكثر بركاته، وإن الناس لفي حاجة إلى العلم بحكمة العبادات قبل التعبد بها أكثر من حاجتهم إلى معرفة أحكامها.

والله يقول: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)} [البقرة: 184].

وإذا كان الربيع يكسو الأشجار أوراقها وأزهارها، ويبسم الوادي بعد أن كان خشناً يابساً، فكذلك رمضان في الشهور نال من إكرام الله ما لم ينله شهر سواه:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

ص: 2825

فهو وحي السماء إلى النفوس يهتف بها إلى داعي الله، ويحفزها إلى طريق الحياة، ويهديها إلى سبل البر والرشاد والنجاة، ويذكرها بما في دين الله من رحم وتواصل، وإخلاص وتنافس في الأعمال الصالحة، ويعظها أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.

وفي الصيام تشعر النفس الإنسانية أن هؤلاء البشر كلهم على تفاوت درجاتهم واختلاف أمزجتهم متساوون في الاحتياج إلى الطعام والشراب.

والصوم الذي فرضه الله على المسلمين جميعاً الغني منهم والفقير، والأمير والحقير، والذكر والأنثى، يعظ بوجوب تغليب سلطان العقل على سلطان البطن، وسلطان البصر، وسلطان السمع، وسلطان الشهوات، وسلطان الغفلة.

والمقصود من الصوم التقوى التي يحصل بها كف جميع الجوارح عن مباشرة كل ما يحرم فعله شرعاً، ويتم ذلك بأمور:

أحدها: غض البصر عن الاسترسال في النظر إلى ما يشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وما ينسي الإنسان ذكر الآخرة.

الثاني: حفظ اللسان عن النطق بالفحش والهذيان، والكذب والغيبة، ولزوم الصمت وعدم النطق إلا بما يحبه الله من ذكر الله، وتلاوة القرآن، والنصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه من غيبة ونميمة، وفحش وقول الزور ونحوها.

الرابع: كف بقية الجوارح عن المحرمات والمكاره، وحفظ البطن وقت الإفطار عن الشبهات والمحرمات، فلا يفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو على طعام مكتسب بغير وجه حلال.

الخامس: أن لا يكثر من الطعام وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه؛ لأن امتلاءه يهيج النفس البهيمية، ويبعث فيها الشهوة التي كانت راكدة خاملة طول النهار، وروح الصوم وسره إضعاف هذه القوى التي هي وسائل الشيطان في إفساد البشر.

ص: 2826

ومتى ضعفت تلك الوسائل قوي القلب، وزالت عنه الحجب، ونظر بعين البصيرة إلى جلال الملكوت وجماله، ومواطن رحمته، وسوابغ نعمه، وآلائه وإحسانه، فانقاد لطاعته، وامتثال أوامره، وهذا لب العبودية وروحها.

السادس: أن يكون قلب الصائم بعد فطره بين الرجاء والخوف؛ لأنه لا يدري هل قبل صيامه أم لم يقبل، وهكذا في كل عمل صالح يكون العبد راجياً ربه، وخائفاً من عدم قبول عمله.

فروح الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وسائر المفطرات، وحبس القلب والفكر عما سوى الله تعالى، فلا يفكر في شيء من أمور الدنيا إلا فيما لا بدَّ منه من مصلحة أو منفعة واجب قضاؤها.

وقد خص الله سبحانه الصوم بأنه له، وهو يجزي به، وإن كانت أعمال البر كلها له، وهو يجزي بها؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الملائكة الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم والمشرب.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قال اللهُ عز وجل: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» متفق عليه (1).

والصوم منه ما هو واجب كصيام رمضان، ومنه ما هو تطوع كصيام النفل.

وكما أوجب الله صيام رمضان لمصلحة العباد، فقد رغب في صيام النفل؛ تكميلاً للفرض، وقياماً بما يحبه الله، وسداً لما عساه أن يقع من خلل في الصوم الواجب، وتزوداً من الطاعات.

وصيام التطوع كصوم يوم الإثنين، وثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة لغير حاج، وصوم يوم عاشوراء، وصوم ستة أيام من شوال ونحوها.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1846)، ومسلم برقم (1151) واللفظ له.

ص: 2827

وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكثرون من صيام التطوع، فداود صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهو أحب الصيام إلى الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم.

ولقد كان من رحمة الله أن فرض الصوم على هذه الأمة التي فرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة على البشرية، وللشهادة على الناس، وجعله ركناً عظيماً من أركان الإسلام الخمسة.

فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها؛ إيثاراً لما عند الله من الرضا والرضوان والجنان.

فما أعظم صبر المسلم على الصيام، وإمساكه عن الطعام والشراب، والرغائب والشهوات تتناثر من حوله، وألوان المغريات تهتف به، إن ذلك تربية للمسلم على تقديم أوامر الله على محبوبات النفس، وإعداد له للثبات أمام الأعداء في الخارج كما ثبت وقمع نفسه عن شهواتها في الداخل.

والصائم لصفاء روحه وقلبه أكثر الناس ذكراً، وأحسنهم توجهاً إلى ربه، وأقرب الدعاة استجابة، ولذلك جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام في القرآن كما قال سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186].

وصلاح القلب واستقامته بإقباله بالكلية على ربه وأنسه به، ولما كان فضول الطعام والشراب، والكلام والمنام، وفضول مخالطة الأنام مما يقطعه عن ربه، ويزيده شعثاً، ويشتته في كل واد، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات التي تعوقه عن سيره إلى الله تعالى.

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده عكوف القلب على الله، وجمعيته عليه والخلوة به، والانقطاع عن غيره.

ص: 2828

وشرع للأمة حبس اللسان والجوارح عن كل ما لا ينفع في الآخرة، وشرع لهم قيام الليل، وتلاوة القرآن، الذين تحصل بهما منفعة القلب والبدن.

فما أعظم فضل شهر الصيام، وما أعظم أجر من صامه وقامه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه» متفق عليه (1).

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه» متفق عليه (2).

وقال صلى الله عليه وسلم: «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا باب يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ» متفق عليه (3).

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (38) واللفظ له، ومسلم برقم (760).

(2)

متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (37) واللفظ له، ومسلم برقم (759).

(3)

متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3257) واللفظ له، ومسلم برقم (1152).

ص: 2829