المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

عَرِّف حدودَ رُسومِها … وامنَحْ برأْيٍ منك يُرْسَمْ علِّقْ غَرِيبَ حديثِها - نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة - جـ ١

[المحبي]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌الباب الأولفي ذكر محاسن شعراء دمشق

- ‌الشام ونواحيها لا زالت طيبة العرار والبشام

- ‌فصل

- ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌دَوْر

- ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌دَوْر

- ‌‌‌‌‌‌‌‌‌دَوْر

- ‌‌‌‌‌‌‌دَوْر

- ‌‌‌‌‌دَوْر

- ‌‌‌دَوْر

- ‌دَوْر

- ‌دَوْر

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌بسم الله الرحمن الرحيمبقية الباب الأول

- ‌في محاسن شعراء دمشق ونواحيهافصل ذكرت فيه مشاهير البيوت

- ‌السيد محمد بن السيد كمال الدين

- ‌أخوه السيد حسين

- ‌السيد عبد الرحمن

- ‌السيد عبد الكريم

- ‌السيد إبراهيم

- ‌شهاب الدين بن عبد الرحمن

- ‌أخوه إبراهيم

- ‌فضل الله بن شهاب الدين

- ‌ علي بن إبراهيم

- ‌ حفيده إسماعيل

- ‌ولده عبد الغني

- ‌أحمد بن ولي الدين

- ‌ولده عبد الوهاب

- ‌عمر بن محمد

- ‌حفيده محمد بن علي

- ‌حسين بن محمد

- ‌القاضي محب الدين

- ‌عبد اللطيف

- ‌ أخوه محب الله

- ‌محمد بن عبد اللطيف الشهير بالخلوتي

- ‌ السيد أبو الأمداد فضل الله بن محب الله

- ‌فصل

- ‌محمد بن عمر الصوفي

- ‌على بن جار الله

- ‌حافظ الدين العجمي

- ‌مرعيّ بن يوسف الكرميّ

- ‌‌‌فصل في معاتبةٍ

- ‌فصل في معاتبةٍ

- ‌فصل في الحثّ على المواعيد

- ‌فصل في شكوى حال غريب

- ‌فصل في مخاطبة محدّث

- ‌فصل في مخاطبة منطقيّ

- ‌فصل في مخاطبة نحويّ

- ‌خير الدين بن أحمد الحنفي

- ‌نجم الدين بن خير الدين

- ‌أحمد الخالدي الصفدي

- ‌حسن الدّرزيّ العيلبونيّ

- ‌محمد بن محي الدين المعروف بالحادي الصّيداويّ

- ‌حسين بن عبد الصمد الحارثيّ

- ‌ولده بهاء الدين

- ‌حسن بن زين الدين الشهيد

- ‌سبطه زين الدين بن محمد

- ‌السيد نور الدين بن أبي الحسن الحسيني

- ‌ولده السيد جمال الدين

- ‌أخوه السيد علي

- ‌نجيب الدين بن محمد بن مكي

- ‌محمد بن حسن بن عليبن محمد، المعروف بالحر

- ‌محمد بن علي بن محمود الحشريّ

- ‌حسين بن شههاب الدينبن حسين بن محمد بن يحيى ابن جاندار البقاعي الكركي

- ‌عبد اللطيف البهائي البعلي

- ‌حسن بن درويش الكاتب الطرابلسي

- ‌عبد الجليل بن محمد الطرابلسي

- ‌رجب بن حجازي المعروف بالحريري الحمصي

- ‌فصل في وصف عمامة

- ‌المعروف بابن الأعوج

- ‌الباب الثاني في نوادر الأدباءبحلب الشهباء

- ‌مصطفى بن عثمان البابي

- ‌السيد موسى الرَّامحمدانيّ

- ‌أبو مفلح محمد بن فتح الله البيلوني

- ‌السيد محمد بن عمر العرضي

- ‌فتح الله بن النحاس

- ‌السيد أحمد بن محمد المعروف بابن النقيب

- ‌ولده السيد باكير

- ‌ السيد عبد القادر بن قضيب البان

- ‌ولده السيد محمد حجازي

- ‌السيد عبد الله بن محمد حجازي

- ‌ السيد يحيى الصادقي

- ‌السيد عطاء الله الصادقيّ

- ‌السيد محمد التقوى

- ‌السيد أسعد بن البتروني

- ‌السيد حسين النبهاني

- ‌القاضي ناصر الدين الحلفاوي

- ‌محمد بن تاج الدين الكوراني

- ‌ولده أبو السعود

- ‌محمد بن أحمد الشيباني

- ‌حسين بن مهنا

- ‌محمد بن عبد الرحمن

- ‌محمد بن الشاه بندر

- ‌صالح بن قمر

- ‌صالح بن نصر الله المعروف بابن سلوم

- ‌مصطفى الزيباري

- ‌مصطفى بن محمد بن نجم الدين الحلفاوي

- ‌محمد بن محمد البخشي

- ‌إبراهيم بن أبي اليمن البتروني

- ‌أحمد بن محمد المعروف بابن المنلا

- ‌محمد بن حسن الكواكبي

- ‌الباب الثالثفي نوابغ بلغاء الروم

- ‌الباب الرابعفي ظرائف ظرفاء العراق

- ‌والبحرين والعجم

- ‌شعراء البحرين

- ‌فصل جعلته للمعرباتقديماً وحديثاً

- ‌الباب الخامسفي لطائف لطفاء اليمن

- ‌ذكر بني القاسم الأئمة

- ‌ذكر آل الإمام شمس الدينبن شرف الدين بن شمس الدين

- ‌فائدة

الفصل: عَرِّف حدودَ رُسومِها … وامنَحْ برأْيٍ منك يُرْسَمْ علِّقْ غَرِيبَ حديثِها

عَرِّف حدودَ رُسومِها

وامنَحْ برأْيٍ منك يُرْسَمْ

علِّقْ غَرِيبَ حديثِها

فمَحاسنُ الآدابِ تُرْقَمْ

في هذا البيت إشارةٌ إلى قاعدتين من علوم الحديث.

الأولى المعلق، وحقيقته ما سقط من مبادي سنده رجلٌ بعد التابعي أو رجلان، وهو من قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف.

والثانية الغريب، وهو ما تفرد بروايته شخصٌ واحد في أي موضع من السند.

وابعَثْ قرِيضَك عُوذةً

لفؤادِ مُختبَلٍ مُهَيّمْ

فالشوقُ أنْجَد فيه ل

كنْ صبريَ المسكينُ أتْهَمْ

وارْغَبْ إلى الوهَّاب في

جَمْعٍ لفُرْقِتنا مُنظَّمْ

وخِتامِ عُمْرٍ من شَذَا

نَفحاتِه الأعمالُ تُخْتَمْ

فأجابه بقوله:

بأبِي وبِي عَيْشٌ تقدَّمْ

كان المُنَى لو أنه تَمّ

أيامَ أرْفُل في ثِيا

ب شَبابِيَ الْهانِي المُنعَّمْ

‌فائدة

إنما سمي الغزل تشبيباً؛ لذكر الغريب فيه أيام الشباب، فما بكت الأعين شيئاً كما بكته، ولا رثت غائباً باشعارها كما رثته.

ويروى أن منصور النمري لما أنشد هارون الرشيد أبياته العينية التي منها:

ما تنْقضِي حسرةٌ منِّي ولا جزَعُ

إذا ذكرْتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ

ما كنتُ أُوفِي شبابِي كُنْه قِيمَتِه

حتى مضَى فإذا الدُّنْيا له تَبَعُ

استعبر الرشيد، وأجرى دمعه ذلك النشيد.

وما أشجى قول ابن طباطبا:

للهِ أيامُ الشسبابِ فإنَّها

كانت لسُرعةِ مَرِّها أحْلامَا

لو دام عَيْشٌ رحمةً لأخِي هَوىً

لأقام ذلكم السرورَ دَوامَا

يا عيْشَنا المفقودَ خُذْ من عيْشِنا

عاماً ورُدَّ من الصِّبا أيَّامَا

وأشجى منه قول ابن الأثير في المثل السائر، من رسالة: أعوامٌ تعد أياماً لقصر أعمارها، وشهورٌ لا يشعر بأنصافها ولا سرارها.

فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها شمائل، والمآرب في ساعاتها رياضٌ في خمائل.

فما أدري أهي خيالات أحلام عزت، أم أحاديث أمانٍ مرت.

والأحْورُ الأحْوَى ومعنى الْ

عيشِ أحْوى الطرْفِ أحْوَمْ

رَشَأٌ مُؤشَّرُ ثَغْرِهِ الْ

بَرَّاق مَعْسولٌ مُوشَّمْ

كأسٌ كخاتِم فِضَّةٍ

أضْحَى بمِسكِ الخالِ يُخْتَمْ

يُذْكِي الغرامَ مُبَرَّدٌ

منه مليحُ الطعمِ والشَّمّ

لو أشْرقتْ للبدرِ غُرَّ

ةُ وجهِه صَلَّى وسلَّمْ

من أجْلِه قد سَلْسلَتْ

عيْنِي حديثَ الدمعِ عن دَمْ

يا ليْته يوماً يَرِقُّ

لحالِ مظلومٍ تظلَّمْ

حتَّى مَ أشكُو واصْطبا

رُ أخِي الهوى فَرْضٌ مُحتَّمْ

للهِ مولىً مالكٌ

أهْدَى ليَ الدُّرَّ المُنظَّمْ

أهْدَى لِيَ الوردَ الجَنِيَّ

وقالَ لي فاشْتَمَّ والْثَمْ

يا مالكِي والمالكُ الْ

مولَى جزيلُ الفضلِ يخدمْ

شرَّفْتني ولك الفخَا

رُ كما لَك الشرفُ المقدَّمْ

بمُشَرِّفٍ لقُدومِه

قدِم الربيعُ وخيرُ مَقْدَمْ

فكحَلْتُ منه ناظرِي

بالشمسِ والبدرِ المُتَّممْ

والسبعةُ الأفلاكُ جا

ءتْ في دقائِقه تنظَّمْ

ما زلتُ أطْوِيه وأنْ

شرُه وأمْسحُه وألْثَمْ

هو نُصْبُ عيني مُذْ أتَى

ما زال بيْن الفْتحِ والضَّمّ

ما زلتُ أسْتشْفِي به

ورسائلُ الأحبابِ مَرْهَمْ

فرأيتُه لِجَوايَ أحْ

سَنَ قاطعٍ لي وأحْسَمْ

وشكرتُ أجملَ نعمةٍ

من فضلِ مَولانا وأجْسَمْ

ونظَمتُ حَصْباءَ التُّرا

بِ ولم تكن ممَّا تنَظَّمْ

ص: 424

وغُرِرتُ أنِّي كنتُ أنْ

ظِم في زمانٍ قد تقدَّمْ

فاعذِر فهذا النَّظمُ يدْ

فعُ في لَهازِمِه ويلْطِمْ

ولأَنْت أكرمُ ساتِرٍ

لعُيوب خادمِه وأرْحَمْ

وإذا تكاملتِ المَودَّ

ةُ يا صديقُ وأنت أعلَمْ

طُوِيَ البِساطُ فلم أكُنْ

ممَّن تَحاشَى أو تجهَّمْ

والحمدُ للهِ الذي

أعْلاكَ مِقْداراً وعلَّمْ

واللهُ يجمعُ شَمْلَنا

من فضْلِه جَمْعاً مُنَظَّمْ

ومن بدائعه قوله:

شوقٌ تَجنَّاه الحبيبُ بلا جُرْمِ

ورئْمٌ غَرِيرٌ لا يُوافِي ولا يحْمِي

وشوقٌ أن النارَ من قَدْحِ زَنْدِه

فكيف يرُوم العاذلون له كَتْمِي

وجَفوةُ نَشْوانِ المَعاطِفِ حالِيَ المَرا

شِف بدرٌ تَمَّمَ البدرَ في التِّمِّ

حلَا مُرُّ حُسَّادِي عليه بذكرِه

كأن المُسمُّى منه في صورةِ الإسْمِ

وكم ليلةٍ بتْنا على غيرِ ريبةٍ

تُطارحني نَظْماً فينْظِمُه نَظْمِي

وأرْشُفُ رِيقاً علَّه يُطْفىءُ الجوَى

ولم أدْرِ أن البردَ إفْراطُه يُظْمِي

جِناسِي على رشْفِي لذاك مُحرَّفٌ

ولا شَكَّ أن الظَّلْمَ نوعٌ من الظُّلْمِ

على خَدِّه قد وقَّع الحُسْنُ أسْطُراً

فيكتبُها دمعي ويخْتِمها لَثْمِي

رمَى جُرْحَ أحشائي عليه صَبابةً

وعهْدي به قد كان يُدْمِي ولا يَدْمِي

أحِبَّتَنا كم من رقيبٍ عليكمُ

أُدارِيه حتَّى في الدجَى مُقْلةَ النَّجْمِ

سقى عهدَكم صَوْبُ العِهادِ ومُقْلتي

فعهْدي بها من هجرِكم دِيمَةٌ تَهْمِي

ألا ليت شِعْرِي هل أقولُ قصيدةً

ولا أشْتكِي فيها إلى صاحبٍ هَمِّي

ومَن ذا يُشكِّيني إذا جئتُ شاكياً

وقاضِي الورَى دون الورَى كلِّهم خَصْمِي

هو الماجدُ السَّباقُ في حَلْبة الوغَى

نعمْ وكذا في حَلْبة العلمِ والحِلْمِ

وما فيه من عَيْبٍ سوى أنَّ كُتْبَه

تُعوِّذني من طارقِ الليلِ بالنَّجْمِ

حكمتُ له بالسَّبْقِ في كلِّ غايةٍ

وظنِّي به أن يُثْبِت الحكمَ بالحُكْمِ

عسى المُبدِىءُ الخلَاّقُ يُرجِعُ سالفاً

فيَرْجِعُ رُوح الأُنْسِ منِّي إلى جسْمِي

ودونَكها عَذْراء كالشمسِ رِفعةً

عَلا بيتُها عن عِلَّة الكشْفِ والخَرْمِ

ومن غزلياته الرقيقة قوله:

أشاقَك بَرْقُ نَعْمانِ

فعُدْتَ مُدَلَّهاً عانِي

رُوَيْدَك إنَّني يا صا

حِبي في الحالِ سِيَّانِ

تعالَ نذكُر الأحْوَى ال

ذي أصْغَى إلى الشَّانِي

وأطْعمنِي فلمَّا أن

أنِسْتُ به تَجافانِي

وأغْضَبنِي واصْلَح بيْ

ن تسْهيدِي وأجْفانِي

وما بالغتُ في ذِكْرِي

له إلَاّ تَناسانِي

فسَلْنِي كيْ أُحقِّق أنَّ

دهرِي فيه يَوْمانِ

فيومٌ يومُ تهْديدٍ

وآخرُ يومُ هِجْرانِ

أُراقبُ حاسدِيه له

فأصْحَب كلَّ إنسانِ

فسُكَّانُ الغَضا سكنُوا

وأهلُ الأثْلِ جيرانِي

أيا زمنِي على الأثْلِ ال

خَصِيبِ وعيْشيَ الهانِي

سَقاك من الغَمامةِ صَوْ

بُ هتَّانٍ بهَتَّانِ

لقد قلَّدْتني مِنَناً

تُحقِّر كلَّ إحسانِ

وكنتَ ليَ السرورَ فهلْ

تُعِيد مَسَرَّتي ثانِي

وتحفظُ حُرْمتي أبداً

فيَرْعاها ويرْعانِي

ص: 425

أليس من العجائبِ أنَّ

عَزْمِي ليس بالْوانِي

وحظِّي كلَّما خالَلْ

تُ من خِلٍ تعَدَّانِي

وبَدْرِي حاضرٌ ناءٍ

فقُل في غائبٍ دَانِي

وما نَفْعِي بقُرْبِ الدَّا

رِ مَعْ صَدٍ وحِرمانِ

فرُبَّ قريبِ أوْطانٍ

يُعَدُّ بِعيدَ أوطانِ

أراني قد جُبِلتُ على

هواكَ فلسْتَ تخْشانِي

وقلبِي بالورَى قَلْبٌ

وقلبُك فيه قَلْبانِ

وقوله:

مُصدِّق الكاشِح والشانِي

ومُرسِ الدَّمعِ من الشَّانِ

ذاك الي مُلْكُه مُهْجتِي

من كلِّ يومٍ هو في شَانِ

مَن أجمعَ الناسُ على حبِّه

لم يختلفْ في وصْفِه اثْنانِ

غُصْن من الدُّرِّ لذيذُ الجَنَى

لكنَّه عَزَّ عن الجانِي

حلُو التَّثَنِّي والثَّنايا التي

أزْرَت على بارقِ نَعْمانِ

أصْلَي فؤادِي نارَ هجْرٍ لنا

مُقْتبَسٌ من خدِّه الْقانِي

أُعِيذه باللهِ أن ينْتَحِي

ظُلْمِ بلا واضحِ بُرهانِ

إلَاّ على الشُّورَى التي أُودِعتْ

إليه من زُخْرُفِ غَيْرانِ

يا لِي من الواشِي الغَيُورِ الذي

أغْراهُ بالزُّورِ وأغْرانِي

لكنَّني لم أستمِعْ فيه قَوْ

لَ الزُّورِ من إنْسٍ ولا جَانِ

يا ساحرَ الطرفِ الكحِيل الذي

أخْرَجني من أرضِ سُلْوانِ

وكيف أسْلُو وغريمُ الهوى

في كلِّ حينٍ يتَقاضانِي

أشْكُوك حالاً أنتَ أدْرَى بها

يَرْثي لها شامخُ ثَهْلانِ

قد كِدْتُ أن أكتُمَها دائماً

وإنَّما فِعْلُك ألْجانِي

فما عَدا فيما بَدَا بيْننا

حتى تهاوَنْتَ بأيْمانِي

وأنْتَ قد أمَّنْتَنِي بعدَها

سَطْوةَ إعْراضٍ وهجْرانِ

أخْلَفْتني أوَّلَ وعدٍ فهلْ

أطمَعُ في الثالثِ والثانِي

ثَناكَ رِيحُ العَذْلِ عن وَالهٍ

والرِّيحُ تَثْنِي غُصُنَ الْبانِ

قد كاد من قبْلِك أن ينْثنِي

وإنَّما حَظِّيَ أقْصانِي

فهْو الذي أزْدادُ عِلْماً به

يسْعَى لإقْصائِي وحِرْمانِي

وهاك عَتْبِي فاحْتمِلْه وإنْ

أسأتُ عاملْنِي بإحْسانِ

وأنت في أوْسعِ حِلٍ ولا

وَاخَذك اللهُ بأشْجانِي

واحْكُم بما شئْتَ وما تَرْتضِي

فكلُّ ما يُرْضِيكَ أرْضانِي

وكلُّ أرْضٍ أنتَ ثَاوٍ بها

تصيرُ من جُملةِ أوْطانِي

أخوه محمد أديبٌ كما تقترح، له طبع طيعٌ وخاطر منشرح.

اقتفى أثر أخيه في أسلوبه، فتم له ما جنح إليه على وفق مطلوبه.

فمن رآهما عرف ابني صاعد، وقال كلا الفرقدين محلهما غير متباعد.

فهما يدٌ وساعد في الاتصال، وجسمان والروح واحد لا يقبل الانفصال.

وقد ظفرت لهذا بشعرٍ قليل، لكنه على ما قلته في وصفه أول دليل.

فمنه قوله:

حُثَّ الْمَطِيَّ إلى الأوْطانِ يا حادِي

أما ترى السَّعْدَ قد نادَاك بالنَّادِي

غدَتْ طَوالعُه بالسَّعْدِ تخبرُنا

وجَوَّدتْه بإتْقانٍ وإسنادِ

عَساك تبلُغ بي الأحْوَى الذي فتكَتْ

ألْحاظُه وأهاجتْ نارَ أكبْادِي

رمتْ فؤادِي على عَمْدٍ وما حفِظتْ

عهدِي ولا أنْجَزتْ بالوصلِ مِيعادِي

مَن لي برَشْفِ رُضابٍ من مُقَبَّلهِ

يَرْوِي ظَما قلْبِيَ المُستأْسِر الصَّادِي

ص: 426

مَن لي بذلك في أمْنٍ وفي دَعةٍ

من الوُشاةِ رَماهم سهمُ إبْعادِي

باللهِ باللهِ يا ريحَ الصَّباءِ خُذِي التَّ

حيَّةَ مِن ذا الرائحِ الغادِي

وصِفْ هَواي وما ألْقاه من كَمَدٍ

لِجيرةِ الجِزْعِ والباناتِ والْوادِي

هم أصلُ دائِي ولولاهم لمَا طرِبتْ

نفسِي إلى شادنٍ في الحيِّ أو شادِي

ليت الغُوَيْر تُعِيد المُلتقَى لِشَجٍ

كما مضَتْ وتساعِفني بإسْعادِي

وعَلَّ ساكنةَ الأحشاء تُطلِقُه

لِمُغْرَمٍ مالَه من أسرِها فادِي

إبراهيم بن المفضل إمامٌ تحلى بحلية التقى، وبلغ في الزهادة غاية المرتقى.

اجتهد في العبادة من عهد شبيبته واهتم، وسهر الليالي ثم قال لما يكره الله نم.

ومع ذلك فهو في الأدب مجيدٌ ملء فمه، مطلع لأحاسن الشعر من طرف قلمه.

وفي القول حقه، وادعى حر الكلام فاستحقه.

وقد أوردت له ما تشتم منه نفساً عابقاً، ولا تجد عنه إلا بعد مناله عائقاً.

فمنه قوله في الغزل:

أورَث جَفْني الأرَقَا

بجَفْنِه إذ رَمَقَا

ظَبْيٌ يُعِير قامةً

إذا انْثَنى غُصْنَ النَّقَا

رشِيقُ قَدٍ سلَب الْ

ألْبابَ لمَّا رشَقَا

صارمُ لَحْظيْه بمُهْ

جةِ المُعنَّى مَشَقَا

صُبحُ جَبِينِه إذا

أسْفَر جَلَّى الغَسَقَا

داءُ هواه أعْجزَ الرَّا

قِي فما تُغنِي الرُّقَى

قد صار قلبي في هَوا

هُ يا رِفاقِي مُرْتَقَى

ودمعُ عيني لم يزَلْ

مُذ صَدَّ عَنِّي مُطلَقَا

وقوله:

دَعْنِي أكابِدُ لَوْعتِي وأُقاسِي

أين الشَّجِيُّ من الخَلِيِّ القاسِي

باللهِ لا تُطلِ المَلامَ فإنَّ لي

قلْباً عليلاً مالَه من آسِ

في حُبِّ مَن يحْكِي الصخورَ بقلْبِه

والقدُّ منه حكَى قَضِيبَ الآسِ

يُخْفي الغزالة إن بَدا في حُسْنِه

ويفُوق بدرَ التِّمِّ في الأغلاسِ

شمس الدين أحمد، وبدر الدين حسين ابنا يحيى بن المفضل كوكبا كوكبان، اللذان ظهر فضلهما وبان.

توافقا صبغة وصنعة، وتظاهرا نعمة ومنعة.

فجمعا من المكارم ما به المجد يتأثل، وبمحاسنه الفضل يتمثل.

يضمان يديهما على الفضة والذهب، فلا يمسيان إلا والفضة انفتضت والذهب ذهب.

وقد ذكرت لهما ما لا يشبع منه الناظر، ولا يروى من الخاطر.

فمن شعر الشمس النير الأكبر قوله، من قصيدة كتب بها إلى أحمد بن حميد الدين صاحب الترويح.

ما ابتسمَ البرقُ ولا أبْرَقَا

إلا وأشْجَى قلبيَ المُحْرَقَا

ولا تغنَّتْ وُرْقُ بَانِ الحِمَى

إلا جَرى دمعي الذي مارَقَا

ولا سرَتْ نَسْمةُ رِيح الصَّبا

إلَاّ وأهْدتْ عَرْفَ رِيمِ النَّقَا

مُهَفْهَفٌ يُزْرِي بشمسِ الضَّحى

ويُخْجِل البدرَ إذا أشْرقَا

حاجِبُه المَقْرون عن مُقْلتي

قد حجَب النومَ فلن يطرُقَا

وطَرْفُه النَّعْسانُ من قوسِه

بسَهْم ذاك اللَّحْظِ قد فُوِّقَا

وخَدُّه الوردِيُّ قد حَفه

زهرٌ ونَسْرِينٌ به نُمِّقَا

وثَغْرُه قد زانَه مَنْطِقٌ

للهِ ما أحسنَه مَنْطِقَا

ورِيقُه الجارِي على دُرِّه

يشْفِي جَوَى قلبي الشَّجِي لا الرُّقَى

وجِيدُه السَّامي يفُوق الظُّبا

فحقَّ أن أصْبُو وأن أعشَقَا

وقَدُّه ما رُمْتُ تشبيهَه

بالغُصْنِ إلاّ كان ذا أرْشَقَا

ما خلَق الرحمنُ في خَلْقِه

مِثلاً له كلَاّ ولن يخلُقَا

ولا رأيْنا في الورَى مُشْبِهاً

لمَّا غدَا في دهرِنا المُنْتقَى

ص: 427

شمسُ الهدى أحمدُ أعنِي الذي

أحْيَى رُسوماً للعُلَى وارْتَقَى

عينُ بني المُختارِ في عصرِنا

العلَمُ الفَرْدُ حلِيفُ التُّقَى

سعَى إلى العَلْيا بعزْمٍ له

نال به المجدَ فلن يُلْحَقَا

له فَخارٌ أصلُه راسخٌ

في روضةِ العَلْياء قد أغْرقَا

صِفاتُه غُرٌّ فصِفْه بما

شئتَ فما أحسنَ ما أصْدقَا

ما كان في رَبْعٍ ولا منزلٍ

إلَاّ غدا من نُورِه مُشرِقَا

في كَوْكَبانَ العِزُّ لمَّا بدا

إليه شاهدْنا له رَوْنَقَا

وزادَه حُسْناً إلى حسنهِ

وجدَّد الوَجدُ له مَوْثِقَا

أسعدَه اللهُ بأيَّامه

ولطفه غرَّب أو شرَّقَا

فأجابه بقوله:

يا زمنَ الأثْلِ بوادي النَّقا

سَقاك مُنْهَلُّ دموعِي سَقَا

يا بهجةَ العُمرِ ووجهَ المُنَى

قد كان بالَّلذَّةِ لي مُشْرِقَا

أيامَ لا ألْوِي على صادقٍ

مُناصِحٍ أو كاذبٍ صدّقَا

أيامَ لا أصحَبُ رِيحَ الصَّبا

ولا أُراعِي بارقاً أبْرَقَا

وروضةُ الحسين لنا مَوْئِلٌ

وغُصْنُها المَيَّاد قد أوْرَقَا

عيشٌ مضَى فالجَفْنُ من بعدِه

وقَّع سطراً بالبُكاء مُلحقَا

هل لِي إلى جَنَّاتِه ساجِعٌ

وهل أرى لي في الهوى مُشفِقَا

يا جِيرةَ الروحِ بحقِّ الوفا

لا تنْقُضُوا عهداً ولا مَوْثِقَا

أتحسَبوني قد تناسيْتُ ما

قد حلا قِدْماً بعصر اللِّقَا

فلم أزَلْ إن عَنَّ لي ذِكْرُه

مُفكِّراً في عَوْدِه مُطْرِقَا

لي في هواكم مَذهَبٌ مُذْهَبٌ

حقَّق فيه الدَّرْسُ ما حقَّقَا

توْضِيحُه يُزْهِي بتنْقيحهِ

تَلْوِيحه يُعْجِز من دَقّقَا

سألتُ مَن حمَّلني بُعْدَكم

يجعلُ لي من أمرِكم مِرْفَقَا

ويعمرُ الفضلَ بإبْقاءِ مَن

أكْسَبه في دهرِنا رَوْنَقَا

قد رفع النظمَ فقلنا له

نظمُك في الذِّرْوة يا مُنتقَى

أحمدُ مَن حَمْدِي له دائماً

ما سجَع الطيرُ وما صَفَّقَا

يا ماجداً طَوَّقني مَنُّه

أعْجزني أفْحَمنِي مَنْطِقَا

بدأتَ بالفضْلِ وأنتَ الذي

سبقتَ بالفخرِ فلن تُلْحَقا

للهِ ما شنَّفْت سَمْعِي به

من غَزَلٍ حَيَّرني أقْلقَا

تَخِذْتُ صَبْرِي دونه جُنَّةً

ثم ترقَّبْتُ لنَفْثِ الرُّقَى

فما اهْتدَى قلبي إلى سَلْوةٍ

ولا هذَي كَلَاّ ولا فرَّقَا

ضَمَّنتُه ذِكْر اجْتماعٍ لنا

كَمَّله اللهُ بطُولِ البَقَا

كان ليَ الحظُّ به كُلُّه

فلم أزَلْ مُغْرىً به شَيِّقَا

ودونكم نَظْمِي الذي جاءكم

مُجدِّداً للعهد مُستوثِقَا

واعذِرْ سَرِيعي إن مشَى مُسْرِعاً

يطلبُ من أفواهِكم فُسْتُقَا

واستُرْ عليه إن تجِدْ عَثْرةً

فإنه نَزْرُ كلامِ اللِّقَا

وسَل لنا التوفيقَ والعفوَ والْ

غُفرانَ فالفائزُ من وُفِّقَا

وله:

بالبِعاد تجْزِينِي

يا غزالَ يَبْريِنِ

هل لذاك من سَبَبٍ

أم تُريد تَبْريني

قد وَلِيت حُكْمَ شَجٍ

في هواكَ مَفْتونِ

ما تَخافُ يا أمَلِي

من تِلافِ مسكينِ

بالصدودِ تقْتُلني

والهوانَ تُولِينِي

ص: 428

أيُّ حاكمٍ يُفْتِي

يا حبيبُ بالْهُونِ

هل يصحُّ ذاك ومَن

بالجوازِ يُفْتينِي

ليس ذاك يُوجَد في

شِرْعةٍ ولا دِينِ

كَمْ جمعْتَ من حَسنٍ

كاملٍ بتحْسينِ

اللِّحاظُ فاتِرةٌ

بالسِّهامِ ترمينِي

والخدودُ ناعمةٌ

أزْهرَتْ بنَسْرِينِ

والجبينُ حاجبُه

في القِرانِ كالنُّونِ

والقَوامُ مُعتدِلٌ

كالغصُون في اللِّينِ

والسَّقامُ من مُقَلٍ

ناعساتِ تَسْبِينِي

والدواءُ في شَنَبٍ

كالأقاحِ مكْنونِ

لَثْمُه شِفا أملِي

والرُّضابُ يرْوِينِي

كم أقولُ من شَغَفٍ

فيك مَن لِمَفْتونِ

مَن لِمُغرَمٍ دَنِفٍ

بالجآذرِ العِينِ

وله:

جُدْ بوصلٍ يا ناعسَ الأجْفانِ

وترفَّق بالمغرمِ الوَلْهانِ

رامَ كَتْمَ الهوى فَنَمَّ عليه

سُقْمُ جسمٍ له ودمعٌ قانِي

قسَماً بالجفونِ والخدِّ والثغْ

رِ وبالقَدِّ مُخْجل الأغصانِ

ما يمُرُّ السلُوُّ في البالِ مذ غِب

تَ ولا تعرِفُ الكرَى أجْفانِي

كم وكم رُمْتُ سَلوةً في هواكم

أين منِّي ما رمتُ من سُلوانِ

لَحمامِ الربُوعِ شَجْوٌ ولكنْ

في فؤادي تتابُعُ اللَّمعانِ

أتمنَّى يقال في كلِّ حينٍ

وإلى كم وَيْلاه منِّي الأمانِي

هل سبيلٌ إلى الوِصالِ قريبٌ

أم بعيدٌ وما إليه تَدانِي

ضاق بي مذ غِبتمُ كلُّ رَحٍْ

وتجافَيْتُ بعدكم أوْطانِي

ذاب قلبي من لَوْعةٍ في فؤادي

يا مُنايَ قد أشْعلتْ نِيرانِي

إن تجنَّى في حبِّه فهْو عبدٌ

وإلى المالكِ انْتهاءُ الجانِي

فصِلوه جُوداً وإلا فصُدُّوا

لا عدِمْناكمُ مَدَى الأزمانِ

قلتُ للعاذلِ المُعنِّف فيه

لسْت أُصغِي فليس شأنُك شانِي

وصلاةٌ على الشفيعِ وآلٍ

ما أمال النسيمُ غصنَ الْبانِ

وللبدر من قصيدة، مستهلها:

رُعيتمُ أهلَ جَيْرونٍ ونَعمانِ

يا ساكنِي قلبِيَ الْعانِي وأعْيانِي

ففيكمُ ساحرُ الألْحاظِ ذُو غَنَجٍ

مُهَفْهَفُ القَدِّ لا يرْثِي لأشْجانِي

يا سامِيَ الجِيد هل للهجرِ من سبَبٍ

فالهجرُ والصدُّ والتْهدِيدُ أضْنانِي

ارْحمْ مُحِبَّك من طولِ البِعادِ فقدْ

حرَّمْتَ نومِي ولَذَّاتِي وسُلْوانِي

اللهُ يجمع شَمْلي بالذين لَوَوا

بالعهدِ فهْو كريمٌ خيرُ مَنَّانِ

محمد بن إبراهيم بن يحيى من أفراد اليمن وفو حظٍ متقد، وسلاسة لفظٍ يجري من خاطرٍ منتقد.

حاز قصب السبق نظاما، وأوسعه أهل خطته لفضله إجلالاً وإعظاما.

فقصرت نظراؤه عن مجاله، وعلموا أنهم ليسوا من رجاله.

وله نظمٌ إذا نعته فقد عبته، وإن وصفته فلعمري ما أنصفته.

فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى محمد بن حميد الدين.

مطلعها:

سَقْياً لِبانِ المُنْحَنى وزَرُودِه

وسُهولِ ذَيَّاك الحِمَى ونُجودِهِ

ولذلك الزمنِ الذي طَلعتْ على

باهِي مَنازِله نجومُ سُعودِهِ

عيْشِي مضَى في بَهْجةٍ ونَضارةٍ

وَاهاً لنَضْرته وخُضْرةِ عُودِهِ

ذاك الزمانُ هو الزمانُ وغيرهُ

لا فَرْقَ بين فَنائِه ووُجودِهِ

أعَلَى الليالي لو تجودُ بعَوْدةٍ

عَيْبٌ وهل أحدٌ يُعاب بجُودِهِ

يا صاحبَيَّ ومَن يُلام إذا شكَا

مَلَلَ الحبيبِ له وطولَ صُدُودِهِ

عُوجا على ذاك المَلُولِ تلَطُّفاً

وحَذارِ سَطْوةَ بِيضِه من سُودِهِ

ص: 429

لا تعْدُوَنْ ذا الرسمَ في تعْريفِه

إن الغرام مُجاوِزٌ لحدودِهِ

فعَساه يعطِف أو يرِقُّ لمُدْنَفٍ

يا صاحبِي ويلِينُ بعد جُمودِهِ

أمِن المُروءةِ أن أبِيتَ مُسهَّداً

ويبيتُ بين هُجوعِه وهُجودِهِ

وأنا الخليلُ ومن بموسَى ذا النَّوَى

قلبي الكليمُ مُقيَّد بقُيودِهِ

ما لي وللأشْواقِ لا ترْضَى سِوَى

إلْهابِ قلبي دائماً ووَقُودِهِ

ما لي وقلباً راح في الأُخْدودِ من

نارَيْ صُدودِ حبيبِه وخُدودِهِ

قِصَصُ المحبَّة زُخْرُفٌ واسْألْ به الشُّ

عراءَ عن أوْصافهِ وقُيودِهِ

ما أحلى قول ابن نباتة، في خطبة سرح العيون: وإن كنت من الشعراء فلست ببعيدٍ من القصص.

فإذا انْتهَى معك المديحُ إلى هنا

فاقصِدْ بذلك مُنتهَى مقصودِهِ

وامدَحْ به لتكونَ أصدقَ مادحٍ

ممدوحَ كلِّ مُفَوَّهٍ مقصودِهِ

فخَرتْ به آباؤُه وجدودُه

والفخرُ في آبائِه وجدُودِهِ

مولايَ دعوةُ عبدِ رِقٍ يَرْتجِي

بك نَفْحةً تأْتيه من مَعْبودِهِ

فارْجِعْ يديْك إذا قرأْتَ قصيدةً

تدعُو له في نيْلِ كلِّ قُصودِهِ

وكمُلتَ لا أحدٌ يفُوقك في عُلاً

فأتَى بكاملِ شِعرِه موجودِهِ

الصدر يتضمن ثاني أبيات الأندلسي، في بحر الكامل، وهو مركب من متفاعلن متفاعلن، مرتين.

عُذْراً إليك فإنه سلَب النَّوَى

منظومَ ذاك الدمْع مع مَنْضودِهِ

لكنْ تألَّق للجوارِح بارِقٌ

في عارضٍ مُتلفِّعٍ ببُرُودِهِ

ترك الفؤادَ لشوْقهِ وحَ، ِينِه

يخْتال بين بُروقِه ورُعودِهِ

عجز هذين البيتين متضمن بيت البحتري، مطلع قصيدة.

من أين لي كالبُحْتُرِيّ قلائدٌ

قامتْ له فيها عُدولُ شُهودِهِ

لكنْ بكُمْ شِعري غدا وكأنَّه

هو ذاك عند قِيامِه وقُعودِهِ

وصدورِه عند الوُرود فسَلْه عن

شَرْحِ الصُّدورِ وكيف حال وُرُودِهِ

فكتب إليه، مراجعاً له:

نَظمٌ كسِمْط الدُّرِّ نَظْمُ عُقودِه

لاحتْ على نحْرِ الزمانِ وجِيدِهِ

سِحْر هو السحرُ الحلالُ وإنما

لأُعِيذه من نافثاتِ عُقودِهِ

طِرْسٌ هو الرَّوض النضِيرُ نُضارُهُ

يخْتال بين زُهورِه ووُرودِهِ

وشَّتْ بطَرْز وَشْيه أثر الحَيا

فشَجاك مُعْلَمه ونَسْجُ بُرودِهِ

يا أيها الْحَبْرُ أبْقَى لنا الْ

بارِي الذين تقدَّموا بوُجودِهِ

يا كاشفَ الكشَّاف فينا مَن به

يُتلَقَّن التفْسِير عن مَحْمودِهِ

غَفْراً فما شِعْرِي لِشِعْرك مُشْبِهاً

أيُقاسُ شِعْرُ لَبِيدِه ببليدِهِ

شِعْر يعود حبِيبُ منه مُبغَّضاً

ويفُوق نَظْم يزِيده ووَلِيدِهِ

لكنه جُهْدُ المُقِلِّ وإنما

يأتِي الفتى بالقُلِّ من مَوْجُودِهِ

سابْقتني في الشوقِ مَهْلاً إنني

وَحْدِي عمِيدُ القلب وابنُ عَمِيدِهِ

وسألْتني بَذْلَ الدعاءِ لجَمْعِنا

يا رَبِّ عجِّلْ باللِّقاءِ وعودِهِ

إبلاغُ خيرٍ بعد مَدْحِك مُلْحَقٌ

والنَّفْلُ بعد الفرضِ في تعْدِيدِهِ

أشْكُو إليك نوىً تَطاوَل عُمرها

وعجزتُ عن دفْع النَّوَى وجُنودِهِ

وبِيَ الذي صِرْتُ الكلِيمَ بنارِه

وهو الخليلُ وكيف لي ببَرُودِهَِ

لولاه ما قال العمِيدُ صَبابةً

سَقْياً لِبَانِ المُنْحنَى وزَرُودِهِ

يا مُنْجِزَ الإِيعادِ في أفْعالِه

ومُخالِفَ المرجُوِّ من مَوْعودِهِ

ومُصدِّقَ العُذَّالِ في شَرْعِ الهوى

من غير بُرْهانٍ له بشُهودِهِ

ص: 430

ذَا مَدْمَعٌ للوصلِ أضْحَى سائلاً

لا تنْهرَنَّ الدمعَ في أُخْدودِهِ

يا طَرْفَه السَّفاحَ لستُ بمُهْتدٍ

هيْهات يا مُهدِي الهُدَى برَشيدِهِ

لا تعْجلَنَّ فإنَّ عبدَك طائعٌ

أوَ لستَ تنظُر منه في تسْوِيدِهِ

مَن لي بوَقْفتِك الشَّهيرةِ مَرَّةً

يرْثِي لها الصَّفْوانُ في جُلْمودِهِ

بُعْداً يُرَى في العيْن مَيْلاً قُرْبُه

ويطُول فَرْسَخُه كطُولِ بَرِيدِهِ

هل نافعٌ لي عاصِمٌ يا مالكِي

في سُورةِ الدعوَى وفي تجْوِيدِهِ

يا كامل الأوْصافِ دونَك كامِلاً

تُزْرِي ببَحْر طوِيلِه ومَديِديدِهِ

مطهر بن صلاح الهادي أظن أن هذا الاسم لا يتخلف، وإنما اره يتحد مع مسماه ويتألف.

فإن الأصل أصلٌ طاهر، واستفادة الكثرة من الفرع معنىً ظاهر.

فهذا المطهر ازداد طهارة في الروح والجسم، واحتسى كأس المحبة من يد ساقي الغيب وما غير ذلك الاسم.

وله شعر جرى فيه على ذائقة أهل التصوف، وملك به في حلبة الواصلين إلى المعرفة عنان التصرف.

فمنه قوله:

صار حُبِّي لأحبابِي سلِيقَهْ

وهوَى الغيرِ اخْتلاقٌ لا خلِيقَهْ

هكذا مَرَّ زماني معهم

والهوَى فيه مَجازٌ وحقيقَهْ

ففؤادِي لأحبابِي غدَا

صادقاً يخْتارُه أهلُ الطريقَهْ

لستُ ممَّن وُدُّه زُورٌ ولا

أنا ممَّن بالنَّوَى ينْسَى حُقوقَهْ

بل وِدادِي ذلك الوُدُّ الذي

قد غدَتْ فيه عُرَى عهدِي وَثِيقَهْ

ليتَ مَن أضْنَى فؤادِي حبُّه

يتلافانِي بسُقْيا خَمْرِ رِيقهْ

السيد لقمان ابن أحمد بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المعي هوى المعارف فحذقها، ولزم الحكمة فنطقها.

كان يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين.

فمما كتبه إلى السيد محمد بيتان قد طارا كل مطار، وزانا ببهتهما الأقطار.

وهما:

واسِطةَ العِقْدِ متى تأتِنا

فعِقْدُنا أضْحَى بلا واسِطَهْ

وحالُنا أضْحَت بلا صاحبٍ

وجُملةُ الوصلِ بلا رابطهْ

وكتب إليه السيد: إلى سيده وأخيه لقمان بن أحمد أبقاه الله حلياً لعاطل الزمن، وسناً لمحيا اليمن، وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقمت، وأرسلتها إليه، وقد طلع إلى ذمار:

مَن عَذِيرِي مولايَ منك فقد

غادَرتْ قلبي لما به من غَرامِ

رحْتَ عنِّي في نَوْمتي فتوهَّمْ

تُ بأن اللِّقاءَ طيفُ مَنامِ

وشَجَى نفسِيَ الفِراقُ فناجَتْ

نِي إن الفِراقَ في الأحْلامِ

زعمْتني وَسْنان وَجْداً ومالتْ

بِي لما زَخْرفَتْ من الأوْهامِ

وأنا الآن لستُ أدرِي أيْقظا

نُ أنا أم مُهَوِّم لهيامِ

سَكْرةٌ من جَوَى فِراقِك مَولا

يَ ولا سَكْرةُ الرَّحِيقِ المُدامِ

فأجابه بقوله:

سيِّدي لا ترى عليَّ فإنِّي

بطُلوعِي بادرتُ صَوْبَ الغَمامِ

وثِيابِي كما علمتَ من الرِّقَّ

ةِ قد أذَّنَتْ بصِدقِ انْصرامِ

لو ترى السُّحْبَ قد أطلَّتْ لسالتْ

فوق مَتْنِي أبِتْ لليْل التَّمامِ

فابْسُط العُذْرَ يا أخي إنَّ فعلِي

قد تجاوزْتُ فيه حَدَّ احْتشامِ

ونِظامِي هذا فقيرٌ إلى سَتْ

رِك فاسْتُرْ فأنت رَبُّ النِّظامِ

بيت المهلا المهدوي الشرفي هذا البيت له نبأٌ يذكر، وحديث غير معلٍ ولا منكر.

وبنوه في العلم والجاه، مآل الأماني والآمال المرتجاة.

سمتهم توفيق وهدى، ومنذ التحموا في المعارف لم يدعوا شيئاً سدى.

فمنهم: عبد الحفيظ بن عبد الله كبيرهم المنتقى، ورئيسهم الشامخ المرتقى.

الورع المجتهد، والساهر المهجد.

جلى وبرز، وحاز فضل السبق وأحرز.

وقد أنار بصيرته، وجبل على الخير سيرته.

ص: 431

فأهل بلاده على كثرة مفاخرهم، مقرون بفضله التام عن آخرهم.

وله في الأدب مرتبةٌ علية، وأشعاره بمثابة علمه واضحةٌ جلية.

فمما بلغني من شعره، وقد أنشد بعضهم بيتي ابن حزمٍ الظاهري.

وهما:

إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتنِي

فعليكِ إثمُ أبي حنيفة أو زُفَرْ

الواثِبينَ على القياس تمرُّداً

والرَّاغبين عن التسُّكِ بالأثَرْ

فأنشد:

ما كان يحسُن يا ابنَ حَزْمٍ ذَمُّ مَن

حاز العلومَ وفاق فَضْلاً واشْتَهرْ

فأبو حنيفةَ فضلُه مُتواتِرٌ

ونظِيرُه في الفضلِ صاحبُه زُفَرْ

إن لم تكنْ قد تُبْتَ مِن هذا ففِي

ظَنِّي بأنك لا تُباعَد من سَقَرْ

ليس القياسُ وقد تكون أدِلَّةٌ

للحُكْمِ من نَصِّ الكتاب أو الخبَرْ

لكنَّ مَعْ عَدَمٍ تُقَاسُ أدِلَّةٌ

وبذاك قد وَصَّى مُعاذاً إذْ أمَرْ

ابنه الناصر حامل راية الاجتهاد وناصرها، وقاطف أغصان البدائع وهاصرها.

منظور بالمهابة والجلال، مدلٌّ بالخصال البارعة والخلال.

وله الخاطر الوقاد بتلسن لهبه، والفكر النقاد لذهب القول ومذهبه.

وكان استوزره الإمام المؤيد بالله فانتظم الأمر أيام وزارته، وتصرفت الأيام طوع إشارته.

فأحسن الله له نيل وطره، وفخر بالظهور على من انحط خطره عن خطره.

وهو صاحب رأيٍ سديد، وله في الأدب وأنواعه باعٌ مديد.

وشعره صور محاسنه مجلوة، ونثره سور بدائعه متلوة.

فمن شعره ما كتبه إلى السيد الإمام يحيى بن أحمد الشرفي، عاتباً عليه في تأخره عن الدرس؛ لشغلٍ عرض له:

أحبابَنا ما لهذا الهجرِ من سَبَبٍ

وما الذي أوْجَبَ الإعْراضَ واعَجَبَا

يمْضِي الزمانُ ولا نحْظَى بقُرْبكمُ

على الجِوارِ وكَوْنِ الجار ذَا قُرْبَى

وليس شيءٌ على المُشْتاقِ أصْعبَ من

بُعْدِ اللقاءِ إذا مُشْتاقُه قَرُبَا

فصانَك اللهُ يا سِبْطَ الأكارمِ أن

يكونَ وُدُّك للأحْبابِ مُضْطرِبَا

هذا وإنِّيَ أدْري أن قَصْدَك لِي

وأنت معْ ذاك شَيْخي عَكْسُ ما وَجَبَا

لكنَّه لم يكنْ منِّي لحقِّكمُ

جهلٌ ولكنَّ عُذْرِي عنك ما عَزُبَا

وطلب السيد يحيى منه أن يرسل له مؤلفه المحرر في علم القراءات، فأرسله إليه وكتب معه:

سلامُ اللهِ ما هَمر السحابُ

ففاحَ عَبِيرُ زَهْرٍ مُستطابُ

وإكرامٌ وإنْعامٌ على مَن

له في المجدِ مَرْتبةٌ تُهابُ

على يحيى الذي ما نال كَهْلٌ

عُلوماً نالَها وكذا الشبابُ

وبعدُ فإنَّ أشْواقِي إليكمْ

كثيرٌ ليس يحصُرها كتابُ

وتقْصُر ألْسُنُ الأقلامِ عن أن

تقومَ بوَصْفِها وكذا الخطاُ

فيا ابْنَ مَدينةِ العلمِ التي لمْ

يكُن غيرُ الوَصِيِّ لتْلك بابُ

ومَن حاز المَكارِمَ والمَعالي

فمنه قل بَدا العجَبُ العُجابُ

إليك أتى المُحرَّر في حَياءٍ

لتُصْلِح منه ما العلماءُ عابُوا

وتنظُرَه بعينِ البشرِّ حتى

يزولَ إذا وجدْتَ به اضْطرابُ

فمَن قد زارَ من بلدٍ بَعِيدٍ

حَقِيقٌ أن يُلانَ له الجَنابُ

ورَاجِعْ في عبارتِه أُصولاً

لديْك بِحِفْظِها كُشِف الحِجابُ

وإنِّي طالبٌ بَسْطاً لعُذْرٍ

ويشملُني دُعاؤكم المُجابُ

فما لي غيرُ شِعْبِ الآلِ شِعْبٌ

وإن حسنُتْ بزَهْرتِها الشِّعابُ

ودُمْ واسْلَمْ مُعافىً في نعيمٍ

مُقيمٍ والقَرابةُ والصِّحابُ

فكتب إليه السيد:

سلامٌ لا يُحيِط به حِسابُ

ولا يُحْصِي فضائِلَه كِتابُ

ولو أنَّ البِحارَ له مِدادٌ

ولم يبْرَح له الدهرَ اكْتِتابُ

ص: 432

سلامٌ مِن فَتِيت المِسْك أذْكَى

ودُون مَذاقِ سَلْسَلِه الرُّضابُ

سلامٌ حَشْوُه وُدٌّ مُصَفىً

يرُوق فما بتكْديرٍ يُشابُ

ورحمةُ ربِّنا الرحمنِ تُهْدَى

مع البَركاتِ ما انْهَمر السحابُ

إلى مَن لم يزَلْ للمجدِ خِدْناً

ولم ينْفَكَّ بينهما اصْطِحابُ

حَليفُ مَحاسنِ الشِّيَمِ الذي لم

يُدنِّسْ مجدَه مُذ كان عَابُ

سَلِيلُ أكابرِ العلماءِ مَن لم

يكُن كنِصابِ فضلِهمُ نِصابُ

حُماةُ شريعةِ المُخْتارِ مِن أنْ

تُضامَ وأن يُخامِرَها اضْطِرابُ

وأوحدُ أهلِ هذا العصرِ طُرّاً

بما قد قُلْتُه لا يُسْتَرابُ

أليْسَ مُقصِّراً عن نَيْل أدْنَى

عُلاه الشِّيبُ منهم والشَّبابُ

وَجِيهُ الدِّين ناصرُه فما إن

يَزال له بنُصْرتِه احْتسابُ

حَماه اللهُ من كَيْد الأعادِي

وأرْغَم أنْفَهم عنه وخَابُوا

وأبْقاه الإلهُ لنا مَلاذاً

له في العِزِّ مَرتبةٌ تُهابُ

وبعدُ فإنه قد جاء منه

كتابٌ سَرَّني منه الخِطابُ

بلغْتُ به من الفرَح الأمانِي

وزايلنِي برُؤْيته اكْتئابُ

وفَى بالدِّين والدنيا جميعاً

فما لي غيرُ ما فيه طِلابُ

وكيف فَطَيُّه مُلْك عظيمٌ

يدُوم فما يُخافُ له ذَهابُ

هو الذُّخْرُ الذي من لم يحُزْه

ذخائرُه وإن كثُرتْ تُرابُ

وذاك العلمُ أفْضلُ ما تحلَّتْ

به نفسٌ وأفضلُ ما يُصابُ

وقد أهديْتَ منه لنا نصِيباً

به منَّا تطوَّقتِ الرِّقابُ

جمعْتَ به المُحرَّر من علومٍ

جَلاها أهْلُها طابتْ وطابُوا

فنِلْتَ بما أنَلْتَ عظيمَ فضلٍ

ومغفرةً ويهْنِيك الثَّوابُ

ولا برِحتْ فضائلُك اللَّواتِي

عَلوْنَ بها لنا يعلُو جَنابُ

ودُمْتَ مُسلَّماً ما لاح مجدٌ

وفاح عبيرُ نَشْرٍ يُسْتطابُ

الحسن والحسين ابنا الناصر فرسا رهان وعدلا جمل، وصنوا جرثومة في علم وعمل.

ينبت عزمهما الورد يانعاً في اللظى، ويطلع رأيهما الماء جارياً من صم الصفا.

وكلٌّ منهما غيثٌ في كرم، وليثٌ في حرم.

وبدر في أفق، وزهر في خلق.

طوقا اليمن نبلاً ومجدا، وانتحلا بها المعالي انتحال من ملىء صبابةً ووجدا.

في اقتبالٍ من العيش بهما كلف، وحظٍ من الأماني رائح إليهما مختلف.

وكانا يتهاديان شعرا، فيتنافثان سحرا.

ويقتدحان زندا، فيوريان عراراً ورندا.

وشعرهما مثقف المباني، مرهف كالحسام اليماني.

فمما كتبه الحسين إلى الحسن يعاتبه على القراءة في غيبته، وجعل أول كل بيت حرفاً من حروف المعجم:

أذاب فؤادي بارقُ الغَوْرِ إذ سَرى

بنَفْحة مِسْكٍ من حدائقها شَرَى

بحقِّك خَبِّرْني عن الغَوْر إنه

حديثٌ صحيحٌ ليس في القولِ مُنْكَرَا

تأمَّل به تلك المغانِي تَلْقَ لي

لطائفَ فاقتْ في المَحاسِن مَخْبرَا

ثمِلْتُ وقد دارتْ رَحِيقةُ وَصْفِه

فأنْهلنا التَّسْنيمُ من تلك سُكَّرَا

جرَى ذكرُ أحْبابي برَوْضةِ قُدْسِها

وقد كُسِيتْ بُرْداً من الوَشْيِ أخْضَرَا

حَوَوْا من مليح الوصفِ كلَّ غريبةٍ

كزُهْر سماءِ الأرض في حُسْنها تُرَى

خليليَّ ما وافٍ بعهدِيَ أنْتُما

إذا لم تَقُصَّا وصْفَها لي وتُخبِرَا

دعَوْتكما كي تُفْهمانِي حقيقةَ الْ

أحِبَّة فيها مُفْرقَيْن وتحضُرَا

ذكرتُ لهم ذكرَ الصِّفات فهاجَ لي

من الشوقِ ما ألفيْتُه مُتذكَّرَا

ص: 433

رأيْنا بها ما يملأُ العينَ قُرَّةً

فروَّحتِ الأرواحُ من حُسْنِ ما نَرى

زيارتُهم فيها لقلبي مَسَرَّةٌ

غدَتْ مَورِداً للصالحاتِ ومصدَرَا

سَلِي إن أردتِ اليومَ عنِّي وعنهمُ

تَرَىْ ما يسرُّ الأولياءَ بلا مِرَا

شَفَتْنا وأوْلتْنا فوائدَ عندها

يُسهَّل للأحبابِ ما قد تعسَّرا

صفَتْ عندنا تلك الصفاتُ التي علَتْ

وفاقتْ وراقتْ للقلوب بلا امْتِرَا

طوَيْنا لدى الأصحابِ كلَّ مَقالةٍ

وقد كان في نفسِي مقالٌ تكثرَا

ظفِرْنا بما نرجُو من الحسَن الذي

يُفِيدك إن أقْرَا الفوائدَ أوْ قَرَا

عليمٌ بأعْقاب الأمورِ كأنما

لِما في غدٍ من قبل يأْتيه أبْصَرَا

غدوْتُ عليه عاتباً حين أهْمل الْ

أخُوَّةَ لمَّا ينْتظرْنِي ويذكُرَا

فواعجَباً من فعْلِه حين غِبْتُ عنْ

مَحافلِه هلَاّ لحقِّيَ آثَرَا

قرأتَ حماك اللهُ لم تنتظِرْ لنا

وعُذرِيَ أن السحبَ بالغيثِ أمْطرَا

كفَى حُجَّةً بُرهانُها مُشرِقٌ بما

فعلتَ على إهْمالِ حقِّي بما عَرَا

لوَيْت عِنانَ الوُدِّ عنِّيَ عامداً

وأُنْسِيتَ حقّاً للإخاءِ مُؤثَّرَا

مَحلُّك فوقَ الشمسِ عندي وإنني

لأبْنِي له فوق المَجرَّةِ مَعْمَرَا

نَحَوتُكُم لمَّا تقشَّع سُحْبُها

وسرتُ إلى سُوحِ المَعالي مُبكِّرَا

وقد لاح في الصُّبْحِ الثُّريَّا كما ترَى

كعُنْقُود مُلَاّحِيَّةٍ حين نَوَّرَا

هو الصُّنْع إن تعْجلْ فخيرٌ وإن تَرِثْ

بِعُذرٍ فكم رَيْث به عاد أكْبَرَا

يقول لك القلبُ الذي ترَ الهوى

إذا أنتَ راعيْتَ الإخاءَ المُقرَّرَا

لأَعْظمِ من أوْلَى ووالَى صنِيعَهُ

وحاز من الخيراتِ سَهماً مُوفَّرَا

ألستَ من القومِ الذين وَلِيدُهمْ

يُرَجَّى لإقْرَاءِ العلوم وللقِرَى

بلغْنا السمَا مَجْداً وعزّاً وسُؤدداً

وإنا لَنرْجو فوق ذلك مَظْهرَا

تجرَّدْ لأخْذِ العلم عنهم فإنهم

أئمَّتُها وارحَلْ إليهم مُشمِّرَا

ثَباتُهم فيها عظيمٌ رُسوخُه

وذِكْراه قد يُولِي الثناءَ مُعَنْبَرَا

جزَى الله آبائِي عن الكلِّ خَيْرَه

وأبْقاهمُ ماقيل نظمٌ وسُيِّرَا

حَمَوْا بعَوالِيهم حِمَى الدِّين واستوَوْا

على فلَك العَلْياءِ لمَّا تنوَّرَا

عليك سلامُ الله ما انْهَلَّتِ السَّما

بوَدْقٍ على روضٍ أرِيضٍ فأزْهَرَا

فأجابه بقوله:

أُسَرُّ إذا حقَّقت في النومِ معشَرَا

وتكثُر أفْراحِي إذا كان أكْثَرَا

بِنَاءً على أن امْرَأً باد عمرُه

إذا كان في غيرِ العلوم تكثَّرَا

تبيَّنْتُ أن العِزَّ في العلمِ والعُلَى

وأن تِجَارَ العلم هم خِيرةُ الورَى

ثنائِي عليهم لا على كلِّ مُهْمِلٍ

يُجانبهم ممَّن عَتَا وتجبَّرَا

جَنوا ثمراً من روضِ كلِّ فُنونِه

وأعطاهمُ الرحمنُ حظّاً مُوفَّرَا

حَرِيُّون بالتقْديم أقدامُهم على الثُّ

ريَّا وأهلُ الجهلِ في أسْفلِ الثَّرى

خَلَا مَن غدَا في دهْرِه مُتعلِّماً

ومستمِعاً ما فاق دُرّاً وجوهرَا

دنا منهمُ فازداد فضلاً ورِفعةً

وعاش حميداً في الورى مُتبصِّرَا

ذكرتُ خِلالاً للحُسَين فسرَّني

بأن أخي للعلمِ أضْحى مُشمِّرَا

ص: 434

رَضِيتُ له هذا طريقاً ومَسْلَكاً

وصاحبُه فوق النجومِ كما ترَى

زيادةُ مَن فوقَ البسيطةِ لم تكُنْ

من العلمِ نْقصان وخُسْرٌ بلا مِرَا

سمَا من له العلمُ الشريفُ وَسيلةٌ

وما فازَ ذُو جهلٍ وخاب من افْتَرَى

شَرَى نفسَه يبْغِي الرِّضا من إلهِه

فيا فَوْزَه بالرِّبح من خيرِ ما شَرَى

صَبُور على درسِ الدفاترِ مُقْبِلٌ سَرِيٌّ سرَى والصبحُ قد يُحمَد السُّرَى

طويلٌ عليه الليلُ إن بات مُهمَلاً

قصيرٌ إذا للدرسٍ بات مُؤثِّرَا

ضَجِيعُ كتابٍ لا يفارقهُ ولا

يُرافِق إلَاّ عالِماً مُتبحِّرَا

ظفرتَ بما أمَّلْت فاشْكُر ولا تكنْ

مَلُولاً فإن الصيدَ في باطِن الفَرَا

على أنه وافَى نِظامُك عاتباً

علينا ومنْظوماً نِظاماً مُحرَّرَا

غدَوْتُ به في نعمةٍ لبلاغةٍ

حَواها وألفاظٍ لها قد تخيَّرا

فوا عجباً من عاتبٍ كان حقُّه

بأن يُبْتدَى بالعَتْبِ فيما تحرّرَا

قوافِيكَ أوْلَتْنا مَحاسِنَ عدها

نقولُ وقد خاطبت مَن كان قصَّرَا

كأنَّك لم تعلَمْ بمن سار أشهُراً

ليحْظَى بعلمٍ ثم عاد مُطهَّرا

له رِحْلةٌ معروفةٌ أنت أهلُها

فواصِلْ دُروساً دَرْسُها لك يُسِّرَا

مدَى الدهرِ لا تبْرَحْ على الدرسِ عاكفاً

فما العلمُ في الأسواقِ بالمال يُشترَى

نَبِيُّك لم يتركْ سوى العلمِ فاغتنِمْ

وِراثتَه بالدَّرْسِ عن سيّد الورَى

وأنتَ بحمْد اللهِ قد صِرْتَ علاِماً

ولكنْ نظَمْنا ما تراه مُذكِّرَا

هدانا إله الخلقِ نَهْجاً مُبلِّغاً

إلى جنَّةِ الفِرْدوسِ فضلاً ويَسَّرَا

لئن كنتَ تَرْعَى للحقوقِ فإنَّني

لأرْعَى لها واسألْ بذلك مَن دَرَى

يريد أخِي قلبَ العِتابِ فقُلْ له

يحِقُّ لِمثْلي أن يغُصَّ ويصبِرَا

إذا أنا لم أحمِلْ على النفس ضَيْمَها

سَدَدْتُ طريقاً للثناءِ مُنوَّرَا

بَدا لِيَ عُذْرُ الصِّنْو بعد جَفائهِ

وذلك أن السحب دام وأمْطَرَا

تَوَالت بذا الأسبوع فضلاً ونعمةً

فرَام لهذا أن يُقال ويُعذَرَا

ثلاثاً هجَرْتُم ثم زِدتُمْ كمِثلها

لك اللهُ أرجو أن تُقِيل وتعذِرَا

جرَى ما جرَى منكم من الهجرِ والقِلَى

وفوق ثلاثٍ حَرَّم الظَّهر ما جَرَى

عليك سلام اللهِ ما ذَرَّ شارِقٌ

وأسْأر ذُو عَزْمٍ لعلمٍ وما سَرَى

علي بن عبد الله بن المهلا بن سعيد النيساي الشرفي نخبة أهل العصر الغابر، وأفصح من استعمل الأقلام والمحابر.

زجر طير البنان في أوكاره، وجاء بمعدن البيان من أبكاره.

وكان الحسن بن الإمام القاسم يشهد بتقدمه، ويرى مجاريه منتهى قدمه.

وله في مدحه أشعارٌ أعبق من نفحات الأنوار غب القطار، وأشهى من كأس المدامة في مغتنم فرص الأوطار.

فمنها قوله من لامية، مستهلها:

لا تحسَبُوه عن هواكم سَلا

كلَاّ ولا فارقكُم عن قِلَى

ولا ثَنتْ وَهْنانةٌ قلبَه

هَضِيمةُ الكَشْحِ صَموتُ الحُلَى

الوهنانة: اللينة الجسم، ناعمته، تكاد تسقط من النعومة.

تفضح بالقَدِّ غصونَ النَّقا

لِيناً وتحكي الشادِن الأكْحَلا

نَشْوانةٌ ما شرِبت قَرْقَفاً

سَحَّارةٌ ما عرفتْ بابِلَا

آهِلةُ الدارِ بأتْرابِها

لا عَفَتِ اررِّيحُ لها مَنزِلَا

نسِيمُها حدَّث عن مِسْكِها

فخَاله أهلُ الهوى مُرسَلَا

ص: 435

دعِ التَّصابي في المَقام الذي

فاق سناءً واقْصِد الأفْضَلا

وقُلْ بأعلَى الصوتِ إن جئْتَه

يا مَلِكاً حاز جميعَ العُلَى

هُنِيتَ هذا الشرفَ الأطْولَا

فالمَفْخرُ الباذِخُ فوق المَلَا

أدركتَ مَجْداً عُشْرُ مِعْشارِه

قد أعجز الآخِرَ والأوَّلَا

ما أنتَ إلَاّ آيةٌ أُنْزِلتْ

تقمَع من حَافَ ومن أبْطَلَا

يشْهد ما في الأرضِ من علمِه

أنَّك صِرْتَ الواحِد الأكْمَلا

نورَ هدىً يُهْدَى به ذو التقى

نارَ وَغىً حاميةَ المُصْطَلى

وبحرَ علمٍ ماله ساحلٌ

يزْخَر إن فَصَّل أو أجْمَلَا

دقيقَ فكرٍ ما رأَى مُشكِلاً

إلا وحلَّ المُشكِلَ المُعضِلَا

يا ابنَ أميرِ المؤمنين الذي

ما برِحَ النصرُ له مُقْبِلَا

رُمْحُك لا يألفُ إلا الحشَا

سيفُك لا يعشَق إلا الطُّلَا

طَرْفُك يخْتاضُ دماءَ العِدَى

كأنها كانتْ له مَنْهَلَا

مُنتَعِلاً في الرَّوْعِ هاماتِهمْ

مُجلِّلاً أكبادَهم والكُلَى

نهَدْتَ للتُّرْكِ وقد حَزَّبوا

أجْنادَهم تملأُ عُرضَ الفَلَا

تغَصُّ قِيعانُ زَبِيدٍ بهمْ

تَخالُ فرسانَهم أجْبُلَا

فدارتِ الحربُ وقد أمَّلُوا

رَأْياً وقد يُعْكَس مَن أمَّلَا

وزاوَلُوا منك فتىً ماجِداً

لا يرهَب الموتَ إذا أقْبلَا

يسْتحسِن الدِّرْعَ على جسمِه

ثوباً ويسْتخْشِن ثوبَ المُلَا

سابِغةً تسْخَر بالبِيضِ في الْ

هَيْجَا وتسْتزرِي القَنا الذُّبَّلَا

فَجُرِّعوا من بأسِه عَلْقَما

مُعْتصَراً من شَجَراتِ البَلَا

واستبْدلُوا عن صهوات الذُّرَى

والضُّمَّرِ الُجرْدِ بطونَ البِلَى

فمنهمُ مَن جاء مُستسلِماً

ومنهمُ مَن طار خوفاً إلىَ

فهكذا فلتكُنِ الهمَّةُ الْ

قعساءُ والفخرُ وإلَاّ فلَا

فانْقشعتْ تلك الغَياباتُ عن

مُهذَّبٍ كالقمرِ المُجْتلَى

عن فاطِمٍ ذِكْرُ أيامِه

يفعلُ في السامِع فعلَ الطِّلَا

الحسنِ بن القاسم النَّدْبِ مَن

غار على الإِسلامِ أن يُهْمَلا

وشاد رُكْناً لبني هاشمٍ

طاوَل مِن رِفْعتِه يَذْبُلَا

ساسَ من الشِّحْرِ إلى مَكَّةٍ

إلى الحِمَى عُمْرانَها والخَلَا

ودَوَّخ الأرضَ فلو رام تَخْ

تَ الشَّامِ بَلْه الرُّومَ والمَوْصِلَا

لأقْبلتْ بالطَّوْعِ مُنْقادةً

لأمْرِه أسْرَعَ مِن لَا ولَا

ونالَ منها كلَّ ما يبْتغِي

وحازَها بالسيفِ أو بالجَلَا

وما هِيَ الأرضُ وما قَدْرُها

عندك يا مَن قَدْرُه قد عَلَا

لو أنها عندك مجموعةً

وهَبْتَها من قبلِ أن تُسأَلَا

ولو أمرتَ الشُّهْبَ إقْبالَها

نحوك لا تلبَثُ أن تنزِلَا

وضَيْغمُ الأفلاكِ لو رُمْتَه

جَعلتَ من قُرونِه أنْعُلَا

ولو نهَيْتَ الدهرَ عن فِعْلِه

بالحُرِّ لاسْتعبَدَ واسْتمثَلَا

وإن يُرِدْ منه على بُخْلِه

يُوليِه بِرّاً كاد أن يفعَلَا

دُمْتَ لدِين المصطَفى مَعْقِلاً

ولِلهَّيِفِ المُعتفِي مَوْئِلَا

وقوله، من نونية، أولها:

هام وَجْداً بساكِني نَعْمانِ

حَسْبه من أحِبَّةٍ ومكانِ

جِيرةٌ خَيَّموا فخَيَّم قلبي

واستقلُّوا فهام بالأظْعانِ

ص: 436

ألِفَتْهم رُوحِي فهانتْ عليهم

قَلَّما يسلم الهوى مِن هَوانِ

الهوى شأْنُه عجيبٌ فكم مِنْ

مُسْبِلس ماءَ شَأْنِه إثْر شانِ

علِق القلبُ منهمُ بدرَ تِمٍ

ساحرَ اللَّحْظِ فاتِرَ الأجْفانِ

وافرَ الرِّدْفِ كاملَ الطَّلْعةِ الغَرَّا

ءِ مُرَّ الصُّدودِ حُلْوَ اللِّسانِ

مَن لقلبي بعَضِّ تُفَّاحِهِ الغَضِّ

وتقْبيل خدِّه الأُرْجُوانِي

فأُداوِي الفؤادَ من ألَمِ الحبِّ

ليُشْفَى مُعذَّبُ الهِجْرانِ

مالكِي ما تُرِيد أصلَحك اللَّ

هُ بإتْلافِ مُطْلَقِ الدمعِ عَانِ

نَمْ هنيئاً مِلْءَ الجفونِ فإن عا

وَد طَرْفِي الكرى فقُل لا هَنانِي

يَطَّبِينِي هوَى الحسانِ ولكنْ

ما رآنِي رَبِّي بحيث نَهانِي

بل تحامَى نفسِي القريضَ فَيُد

نيها إليه تشبيهُها بالغَوانِي

إِجماعٌ مع الصِّبا بعد ما لا

حَتْ ثلاثٌ بيضٌ ثَنَيْنَ عِنانِي

فاتنِي رَيِّقُ الشبابِ وأرْجُو

عَوْدَه من أكُفِّ فَرْدِ الأوانِ

يا أبا أحمدٍ بَقِيتَ فما غَيْ

رُك يُدْعَى إذا الْتقَى الْجَمْعانِ

ذُدْ عن الدِّين واحْمِه بالصِّفاحِ الْ

بِيضِ والصَّافِناتِ والمُرَّانِ

أنت مَهْدِيُّ هذه الأمة المَرْ

جُوُّ إحْياؤُه عَقِيبَ الزمانِ

زمِنَ الدهرُ عندما درَس الحقُّ

فمُذ جئت عاد في العُنْفُوانِ

غَبَن المُدَّعِي عُلاك لقد مَدَّ

يَداً وَيْحَه إلى كِيوانِ

يرْتجِي شَأْوَك الرَّفيعَ لقد ضَلَّ

وغَرَّتْه نفسُه بالأمانِي

رفع اللهُ منك رايةَ حَقٍ

يتَّقي بأْسَها أُولو الطُّغْيانِ

سَلْ زَبِيداً والنَّجْدَ نَجْد المُحَيْرِي

بِ وقاعَ القِبابِ من سخَّانِ

لو تصدَّى لها سواك إذاً آ

لَ كَسِيرَ القَنا قتِيل طِعانِ

ألِفَتْ خيلُك الوغَى فهْي من شو

قٍ إليه تهُمُّ بالطَّيَرانِ

كم جيوش غادرْتها للأعادِي

جَزَراً للنُّسورِ والعُقْبانِ

من رأى بأْسَك الشديد وإقْدَا

مَك يوم الوغَى على الأقْرانِ

مُعْلَماً يلْتقِي الكتائبَ فَرْداً

حيث تُنْسَى مَوَدَّةُ الإخوانِ

لا يرى غيرَ هامةٍ أو نَجِيعٍ

أو قَتامٍ أو صارمٍ أو سِنانِ

علِم الناسُ أن مالك ثانِي

واسْتبانُوا أن الفَخار يَمانِي

ذلك المَحْتدِ الرفيعُ وعَلْيا

ك على الخلقِ ما لها من مُدانِي

راق مَدْحِي فيمَن حوَى قصَب السَّ

بْقِ ودانتْ لأمْرِه الخافقانِ

ملِك يقْهر الجبابرةَ الصِّ

يدَ ويْعنُو له ذَوو التِّيجانِ

سَنَّ للناس مذهبَ الْجُودِ والْ

باسِ فما زيدُ الخيلِ وابنُ سِنانِ

نَشرَ اللهُ عَدْلَه في البرَرايا

ليفوزُوا بالأمْنِ والإيمانِ

وأعادَ الأعْياد تَتْرَى عليه

أبداً ما تعاقَب المَلَوانِ

أخوه محمد من ذوي اللسن الذلق، الموسومين بالأوجه الطلق.

تعلق به النبلا، وتروي عنه الفضلا.

وفيه تودد وألطاف، وله شعر تتمايل طرباً به أردانٌ وأعطاف.

فمنه قوله:

وأغْيَدَ مَعْسولِ الشَّنائبِ واللَّمَى

يُسائلِني عن شَرْحِ جَمْعِ الجوامعِ

فقلتُ له والعينُ تسكُب عَبْرةً

نعم يا خليلي شرحُ جمعِ الجوَى مَعِي

وقوله:

ص: 437

شريفٌ تِهامِيٌّ تعانَى وقال لي

أُرِيد من المولى نَوالاً ونَامُوسَا

فقُلتُ له ما الاسم قال أنا موسى

فقلت لقد أُوتِيتَ سُؤْلَك يا مُوسَى

أولاد الجرموزي الثلاثة الإخوة، الذين اجتمعت فيهم المروءة والنخوة.

سلسلة مجدهم متساوٍ شرفاها، وهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها.

أما: الحسن حاكم المخا فهو لخزانة الفضل إقليد، لا يليق بغيره لحكمة تقليد.

سمعت بخبره فعرفت كنهه، وزالت عني في مسلمات فضله كل شبهة.

فما تلقيت بأحسن مما فهمت، ولا انتقيت إلا تعشقت فهمت.

فروحي فدى مناقب، نجومها في سماء الفضل ثواقب.

إن لم تكن بذاتها زينة النحور، فمنها تكتسب الرونق دراري البحور.

وقد وقفت له على أشعار وفقت إليها، فرأيت الحسن جميعه وقفاً عليها.

فمنها ما كتب به إلى شيخه القاضي محمد بن إبراهيم السحولي، وهو إذ ذاك في صنعا، وقد أمره بوظيفة الخطابة في جامع صنعا:

حتَّى م تنْهلُّ البوادِرْ

وإلى مَ أغدو الدهرَ ساهِرْ

ويصُّدني رِيمُ الفَلا

ةِ أمَا لذاك الصَّدِّ آخِرْ

لا تعجبوا من فِتْنتِي

بمُمَلَّكٍ في الحب جائرْ

فالطَّرْفُ منه والقَوا

مُ اللَّدْنُ فَتّاكٌ وساحِرْ

أو ما تَرَوْنَ خُدودَه

بدمِي أقرَّتْ فهو ظاهِرْ

وترَوْنَ في الثَّغْرِ الأَنِي

قِ سُموطَ دُرٍ بل جواهرْ

يَهْدِينَ كالمِصباح إمَّا

رْتَ في ظُلَم الدَّاجِرْ

وتُنِيرُ أسْرَارُ البلا

غةِ في البيانِ لكلِّ ناظِرْ

فعلمتُ أن دلائلُ الْ

إعجازِ من تلك المَحاجِرْ

مُذْ صدَّني جَرَتِ الدُّمو

عُ على الخدودِ من النَّواظِرْ

فوَجْنتِي غُدْرانُها

وعلى المُتُون له غدائرْ

غادرْنَنِي فأفاضَ دمْ

عِي بالعَقِيق من المَشاعِرْ

وحكَتْ جُفوني المُعْصَرا

تِ فدمعُها هامٍ وهامِرْ

إلى أن قال في المديح:

هزَّتْ وباهتْ فَرْحةً

لِلِقاكَ أعْطافُ المَنابرْ

وتبسَّمتْ صَفحاتُها

عن طِيب أرْياحٍ عواطِرْ

ما قُسُّ ما سَحْبانُ وا

ئلِ في الخطابةِ من مُناظِرْ

ما سِيبَويْه النحوِ ما الْ

جَرْمِيُّ كَلَاّ وابنُ طاهِرْ

ما الصاحِبُ الْكافِي أو الصَّ

ابِي فكلٌّ عنه قاصِرْ

حُزْتَ المَكارمَ والعُلى

فلَك المَوارِدُ والمَصادِرْ

واسلَمْ ودُمْ في خَفْضِ عَيْ

شٍ ما زهتْ بك من دفاترْ

وبقِيتَما إن غرَّد الشُّ

حْرورُ مشكوراً وشاكرْ

فأجابه القاضي محمد:

بين المَحاجِر والمعاجِرْ

فُتِن الأصاغِرث والأكابرْ

وعلى الدُّمَى طُلَّتْ دِما

ءٌ للأوائِل والأواخِرْ

أمعلِّم الأغصانِ كيْ

ف تَميلُ في الورَقِ النواضِرْ

ومُعِيرَ آرامِ الظِّبا

ءِ الحاجِريَّات المَحاجِرْ

أعلمتَ وَسْنَانَ الجُفُو

نِ بحال ساهٍ فيك ساهرْ

يبكي فعيْنٌ دَمْعُها

هامٍ وهذا العينُ هامِرْ

إلى أن قال:

إن راق فيك تغزُّلي

وملأْتُ أوراقَ الدفاترْ

ورآهُ بعضُ الحاسِدي

ن من النَّقائصِ والجَرائرْ

جهلاً بحُسْن سَرِيرتي

واللهُ أعْلَمُ بالسَّرائرْ

فلأمْحوَنَّ خَطِيئتي

إن سلّمت واللهُ غافرْ

بمديحِ مولانا الكري

مِ ابنِ الكريم أخي الأطاهِرْ

حسنٍ سليلِ مُطهَّرٍ

نَسْلِ الغَطارِفة الأكابرْ

إلى أن قال:

ص: 438

مولايَ أفْصحَ ناظمٍ

في أهل جِلْدتِه وناثِرْ

قابلتُ هاتيك الغصو

ن بهذه الدِّمَنِ الدَّواثرْ

عِلْماً بأنَّك كاملٌ

وبأن بحرَ نَداك وافرْ

وبأنَّ علْمَك عاذِرٌ

فيما أتيْتُ به وساترْ

وهي طويلة، أجاد فيها كل الإجادة.

ومن شعره في الوعظ قوله مضمناً بيت ابن تومرت:

فيا حجر النَّجْدِ حتى متى

تسُنُّ الحديدَ ولا تقْطَعُ

ألا انْهَمِري أيها الأدمعُ

وذوبِي جَوىً أيها الأضْلُعُ

ونُوحِي على من له أُوقِعتْ

كِبارُ المَعاصِي التي تُصنَعُ

فكم غاص جَهْلاً بحارَ العمَى

ومِن عنده يُوجَد المَهْيَعُ

على أنه واعظٌ إن رَقَى

على مَتْن رَوْعٍ به يَرْدعُ

فمثِّلْه إن شئتَ في حالِه

بمثْل الذي قاله المُبدِعُ

فيا حجرَ النَّجْد حتى متى

تَسُنُّ الحديدَ ولا تقطعُ

وله:

باللهِ لا بسِواه

من الأنامِ تَمسَّكْ

فافْزَعْ إليه إذا ما

خَطْبُ الحوادثِ مَسَّكْ

تنَلْ بدُنْياك خيْراً

وفي حُلولِك رَمْسكْ

فإن وثِقْت بخَلْقٍ

سواه ضَّيعْتَ نفسَكْ

وله في التضمين:

تجاوزتِ يا هندُ المليحة في الحدِّ

غَنِيت عنه بما في حُسْنِك البَهِجِ

وأغمدتِ سيْفَيْ مُقْلتيْك بمُهجتِي

وهل يُجمَع السيفانِ أفديك في غِمْدِ

وله:

على مَ تتَّخذ الحَلَىْ النفِيس وقد

غَنِيت عنه بما في حُسْنِك البَهِجِ

الجِيدُ من فضةٍ والخَدُّ من ذهبٍ

والثَّغْرُ من لُؤْلؤٍ والصُّدْغُ من سَبَجِ

وله:

بأبي من قد سَبانِي حُسْنُه

وغدَأ قلبي به مُرْتهِنَا

فالِقُ الإصْباحِ مِن غُرَّتِه

جاعل الليل عليها سَكَنَا

ثَمِل العشاقُ في عشْقتِه

وأفاقُوا سَكْرةً إلَاّ أنَا

الثاني منتزع من قول الباخرزي، في أبياته المشهورة:

يا فالقَ الصُّبْحِ من لأْلاءِ غُرَّتِه

وجاعَل الليلِ من أصْداغِه سَكَنَا

بصورةِ الوثَن اسْتعْبدَتنِي وبها

فتْنتنِي وقديماً هِجْتَ لي شَجَنَا

لا غَرْو أن أحرقتْ نارُ الهوى كبِدِي

فالنارُ حَقٌّ على مَن يعبُد الوثَنَا

وله، وقد ذكرت بحضرته أبيات الأعشى، التي يقول فيها:

وتسْخُن ليلةَ لا يستطيع

نُباحاً بها الكلبُ إلَاّ هَرِيرَا

وتبْرد بَرْدَ رِداء العرُو

س ليلايَ ضَمَّخْن فيه العَبِيرَا

أفْدِي الذي زِينةُ الدنيا مَحاسِنُها

فلا مليحٌ على الدنيا يُدانِيهَا

في البردِ حَرَّى ووقت الحرِّ باردةٌ

وبُغْيةُ المُتمنِّي في مَعانِيهَا

وله:

للهِ ماءُ ثَناياكِ التي عَذُبتْ

وحبَّذا قُبَلٌ فيه وتَكْرارُ

لكنه بارِدٌ أذْكَى لَظَى كبِدِي

فاْعجَبْ لماءٍ غدَتْ تُذْكَى به النارُ

وله في معناه مضمناً بيت المعري:

قد قال لي الحِبُّ مُذ قَبّلْتُه سَحَراً

في الخدِّ لَمَاهُ الطِّيبِ العَطِرِ

أتهجُر الماءَ يا مغرورُ مُغتبِطاً

وتقصِد النارَ ذات اللَّفْحِ والشَّرَرِ

فقُلتُ من خَصَرٍ مولايَ أهجرُه

والعذبُ يُهْجَر للإفْراطِ في الخَصَرِ

وله في الزنبق:

انْظُر إلى الزّنْبَق الأنيقِ وقد

أبْدَع في شَكْلِه وفي نَمَطِهْ

يحكي قناديلَ فِضَّةٍ غُرِستْ

شموسُ تِبْرٍ تُضِيءُ في وسَطِهْ

وله:

رِيمٌ تسُلُّ البِيضَ أجفانُه السُّ

ودُ فتسْقينا كؤوسَ الحتوفْ

جَردَّها عَمْداً وفي ظلِّها

وردٌ على الخدِّ مَنِيع القُطوفْ

ص: 439

يا حبَّذا وَجْنتُه جَنَّة

لكنَّها تحت ظِلالِ السيوفْ

وهو من قول ابن الخطيب:

انْظُر إلى عارضِه فوقه

ألحاظُه تُرْسِل فيها الحُتوفْ

تُشاهدِ الجَّنةَ في وجهِه

لكنها تحت ظلالِ السُّيوُفْ

وأما: جعفر فهو طيار الصيت في الآفاق، سيار الذكر بين الرفاق.

خمرت طينته بالأدب كل التخمير، ودعي له بالفضل في الولاية والتأمير.

فضرب لمخيم علاه على الأثير سرادق، ووعد جعفر فضله بسقي العلى فيا له من جعفرٍ صادق.

وقد سمعت من مادحيه بعضاً يقول: إنه فرد الزمان، وبعضاً يقول: إن معه في التوحد توقيع الأمان.

وله شعر كنور الأقاح كاد أن ينفتق، أو كنور الإصباح هم أن ينفلق.

فمنه قوله من قصيدة يمدح بها جمال الإسلام علي بن المتوكل إسماعيل:

هكذا شرطُ الهوى سَلْبُ القلوبِ

وشروقُ الدمعِ من تلك الغُروبِ

وجوىً نامٍ وصَبْرٌ ناقصٌ

وزفيرٌ قد تعالَى بنَحِيبِ

وجُفونٌ قد جفَتْ طِيبَ الكرى

ما أعزَّ النومَ للصَّبِّ الكئيبِ

ما لِعُذْرِيِّ الهوى عُذْرٌ وقد

لاح كالصبحِ سَنَا وَجهِ الحبيبِ

أهْيَفٌ مهما تَثنَّى أو رَنَا

يا حياءَ الظبِْي والغُصْنِ الرَّطِيبِ

شادِنٌ كالظَّبْيِ يرْعَى أبداً

في رياض الحسنِ حَبَّاتِ القلوبِ

عَنْبرِيُّ الخالِ مِسْكِيُّ الشَّذَى

سُكَّرِيُّ الرِّيقِ دُرِّيُّ الشَّنِيبِ

ساحرُ الألْحَاظِ فَتَّاك الرّنَا

شَفَقِيُّ الخدِّ حُقِّيُّ الكُعوبِ

لو رآه عاذِلي ما عادَ لِي

سلَب الصبرَ عن القلْبِ السَّلِيبِ

قَصِّرِ اللَّوْمَ عَذُولِي في الهَوى

وأفِقْ باللهِ عنِّي يا رقيبي

أنت لا تبْرحُ تلْقَى نَصَباً

في حبيبٍ هو في الدنيا نَصِيبي

وعلى أيَّةِ حالٍ فاسْترِحْ

يا رقِيبي إنه غيرُ قريبِ

هو مثلُ البدرِ بُعْداً وسَناً

وجمالُ المُلْكِ مَعْدومِ الضَّرِيبِ

وله في الغزل:

برَّح الشوقُ فواصِلْ

أنت عمَّا بِيَ غافلْ

زُرْ فأيام المُحِبِّ

ين كما قِيل قَلائلْ

قد تركتَ القلبَ منِّي

ذاهباً والعقلَ ذاهِلْ

بأبي بدرٌ بدَا لي

في سماءِ الحُسْنِ كامِلْ

كلَّما فوَّق سَهْماً

لم يُصِب إلَاّ المَقاتِلْ

رِدْفُه للخَصْرِ منه

ظالمٌ والقَدُّ عادلْ

أقوامٌ ذاك أم غُصْ

نُ نَقاً في الدَّوْحِ مائلْ

وعيونٌ فاتراتٌ

تلك أم أسْحارُ بابلْ

وخدودٌ قَانياتٌ

أو ورودٌ في غلائلْ

قيَّدتْني عارِضاه

لهواهُ في سَلاسِلْ

قال لي لمَّا رآنِي

مِن هواهُ في حبائلْ

عارضِي المَقْرون نُونٌ

وعِذارِي سالَ سائِلْ

قد مضَى العمرُ ووَلَّى

لم أفُزْ منه بطائلْ

لستُ أُصغِي في هواه

لوُشاةٍ وعواذِلْ

إنَّ دينَ الحبِّ حَقٌّ

وسُلُوِّي عنه باطلْ

فدعِي العاذلَ فيه

فلْيَقُلْ ما هو قائلْ

هو لا شَكَّ لِما بي

من جوىً في القلب جاهلْ

أنْكَر العاذلُ وَجْدِي

وعلى الوجدِ دلائلْ

وكفَى السُّقْمُ دليلاً

ودَمٌ في الخدِّ هامِلْ

وله، في الغزل أيضاً:

سُمْتَ الفؤادَ مَنالَ المَنْزَعِ السَّامِيسَوْمَ العِداةِ مَرِيرَ السَّوْمِ بالسَّامِ

أذْكيْتَ نارَيْن فيه من هوىً ونَوىً

كلاهما ذاتُ إضْرار وإضْرامِ

ص: 440

عذَّبْتَه يا وَقالك اللهُ ظالِمَهُ

وهْو المُبرَّأُ عن ذنبٍ وإجْرامِ

أقْوَتْ مدارسُ صبرِي مذ نأيْتَ عَفاً

لم يبْقَ منها سوى نُؤْيٍ وآرامِ

ظننتُ مَهْلاً غرامِي فيك وهْو معي

كالحافِظَيْن ومِن خَلْفِي وقُدَّامِي

صحِبْتُه والهوى بُرْدِي ومعهدُه

عَهْدِي وحُلَِّته حَلِّي وإبْرامِي

وإذْ لُباناتُ خِلِّي في الغرام لُبا

ناتِي وأحكامُه في الحبِّ أحكامِي

وكنتُ والكونُ مسروراً بمَأْرُبتِي

ولا أخاف مَلاماً غِبَّ إلْمامِي

أيامَ كنتُ ولا أخْشَى جَفاك ولم

أحْفِل بتحْفيل عُذَّال ولُوَّامِ

ويا زمانَ التَّصابِي لا عَداك من الْ

وَسْمِيّ أغْدَق غيثٍ هامعٍ هامِي

يسْقي مَعالمَ أُنْسٍ كم قطعتُ بها

ساعاتِ دهري وأيَّامي وأعْوامِي

واهاً على سالِفٍ منها ظفِرتُ به

كأنه إذْ مضى أضْغاثُ أحْلامِ

يقِلُّ منِّي عليه حين أذكرُه

كَفٌّ يُعَضُّ وجَفْن دَمعُه دامِي

ومُهْجةٌ حَشْوُها ممَّا أُكابدُه

نارٌ وَقُودٌ وجسمٌ حِلْفُ أسْقام

ويا رَبِيبةَ مُلْكِ الحُسْن ليس يُرَى

في غير حُبِّك إسْرارِي وإحْرامِي

ولا ورَبِّك ما إنْ عَنَّ في خَلَدِي

سِوَى هواكِ ونعمَ الناشىءُ النَّامِي

مُكِّنتِ منه مَحَلاً دون مَبْلغهِ

صَدَّتْ نوازِعُ أفكارٍ وأوهامِ

عَقِيلةَ الحيِّ مُلِّكتِ السَّنا وبه

ملَكْتِ كلَّ رقيقِ القلبِ هَيَّامِ

ضارعْتِ مثلَك في البَيْداء سالفةً

أختَ الغزالةِ مَهْوَى قُرْطِك السَّامِي

ومُقْلة ما شَبَا الهِنْديُّ يوم وَغىً

منها أبَتُّ لأكبادِ وأجسامِ

رَنَتْ فكم طار من حِجْرٍ لذي أدَبٍ

طَيْرَ الحمامةِ خوف النَّابِل الرَّامِي

ذاتَ الفِراخِ نأتْ عنها محلَّتُها

وقد دَجَا الليلُ في ظلمٍ وإظْلامِ

وقبلَ عَيْنيك ما إنْ دار في خَلَدِي

أسْحارُ بابِلَ في ألْحاظِ آرامِ

حَكمْتها في عذابِي فعْلَ غانيةٍ

لم تعْرِف العدلَ في تصْريفِ أحْكامِ

لولاكِ ما باتَ طَرْفِي غيرَ ذِي طَمَعٍ

من المنامِ بإسْعافِ وإلْمامِ

وقد ملكتِ فؤادِي فاسْمحِي كرَماً

فإنه قلبُ ماضِي العَزْم مِقْدامِ

وليس قبلَك يا أختَ الغَزال سَطَتْ

بباسِلٍ في عَرِين الأُسْدِ صَمْصامِ

إذْ كنتُ لا أتوَقَّى هَيْبَ نازلةٍ

حتى بُلِيتُ بحبٍ منكِ قَصَّامِ

كالشمسِ عُذْر محبٍ صار فيك لَقىً

عن عَذْلِ كلِّ غليظِ القلبِ لَوَّامِ

باتتْ إليك نجومُ الأفق شاخصةً

تَحْديقَ طالبِ حُسْنِ منك مُسْتامِ

والبدرُ لمَّا حكَى مَرْآكِ كان له

معنَى الجمالِ وفيه بعضُ إيهامِ

وما سرَى الرَّكْبُ في أرضٍ حلَلْتِ بها

إلَاّ على ضوءِ ثَغْرٍ منك بَسَّامِ

وأهْدَتِ الرِّيحُ منها مَنْدَلاً عطِراً

ألْوَى بنَفْحة طِيبِ الهندِ والشَّامِ

وقد ملكت كتابَ الحُسْن منفرداً

ظفِرْت منها بأنْواعٍ وأقْسامِ

وله من قصيدة يمتدح بها ضياء الدين إسماعيل بن محمد بن الحسن:

ما غرَّد بُلْبُلٌ وغَنَّى

إلَاّ وأضلَّنِي وعَنَّى

في حبِّ مُهَفْهَفٍ غَرِيرٍ

من حُسنِك يا هلالُ أسْنَى

البدرُ يغَارُ إن تبدَّى

والغصنُ يموتُ إن تَثنَّى

والظَّبْيُ إذا رأى رَنَاهُ

والجِيدُ يكاد أن يَحِنَّا

لو شاهده العَذُولُ أضْحَى

فيه قلِق الوِسادِ مُضْنَى

ص: 441

أهْواه ولا أُلامُ فيه

ما أطيبَ عِشْقَه وأهْنَا

أُشْفَى بجمالِه وأشْقَى

أحْيَى بدَلالِه وأفْنَى

الحبُّ مع الوصالِ إسمٌ

والموتُ مع المِطالِ مَعْنَى

أهْوَى وأوَدُّ لو تَراهُ

يا عاذلُ كالهلالِ حُسْنَا

كي تعذِر في الهوى مُحِبّاً

قد صار من الخِلالِ أضْنَى

يا مالِك مُهْجتِي ترَفَّقْ

فضلاً وتَداركِ المُعَنَّى

في حُبِّك قد بذلْتُ رُوحِي

لا تحسبَنْه لَديْك رَهْنَا

يا غصنُ أما لكَ انْعِطافٌ

يا حُسْنُ أما لديْك حُسْنَى

يا وردَ خُدودِه الزَّواهِي

عهْدِي بك يا وردُ تُجْنَى

يا بدرُ أما تزُور وَهْناً

كالبدرِ إذْ يلُوح وَهْنَا

ما ضَرَّك هل عليك عارٌ

لو تُنْعِش مُغْرَماً تعَنَّى

هَبْ عُذْرَك واضحٌ فقُل لي

يا طَيْفُ كم الصدودُ عَنَّا

لا أُشْرِك في هواكَ خَلْقاً

ما وَحَّد مُسْلِم فثَنَّى

بل أنتَ وأنتَ كلُّ قَصْدِي

أغْنَى بصَبابتي وأفْنَى

ومن مقطعاته البديعية قوله:

عَاتْبتُهم حين حال وُدُّهُم

عند انْعِكاس الزمان مُمْتحِنَا

قالُوا فمن ذا تراه لم يكُ يَسْ

تحيلُ بالانْعكاسِ قلتُ أنَا

وله في الحمامة:

وحمامةٍ غنَّتْ على

غصنٍ يمِيل مع الرياحِ

وَرْقاء تبْعثُ للقلو

ب هوَى الصِّباحِ مع الصَّباحِ

صَبْراً فلاحِي صَبْوتِي

من قبل حَيَّ على الفَلاحِ

وله فيها:

يا صاحِبيَّ حمامةُ الْ

وادي أهاجتْ لي غَرامَا

غنَّتْ فغَنَّتْ مُغْرَماً

فيهمْ وهَي جسْماً وهامَا

قُلنا سلاماً تبْتغِي

في سَجْعِها قالتْ سلامَا

وكتب إليه الأديب حسام الدين ناصر بن سعد بن عبد الله، قبل المعرفة بينهما:

لقد خطَب الوُدَّ منك امْرُؤٌ

وأمْهَره المِثْل من وُدِّهِ

فإن تَرْضَه يا رَضِيَّ الهُدى

وإلَاّ فأحْسِن في رَدِّهِ

فأجابه بقوله:

خطبْتَ وِدادَ امْرِىءٍ لم يزَلْ

مَودَّتُك الجُلُّ من قَصْدِهِ

ومن يَحْظَ بالوُدِّ من ناصرٍ

قد أحْرزَ الجَدَّ من سَعْدِهِ

ومن شعره قوله:

بعَيْشِك حَدِّثْني عن الْبانِ هل سَرَى

به الركبُ أم مالوا إليه وخَيَّمُوا

فلِي أبداً شَوْقٌ إليهم مُبَرَّحٌ

ولِي أبداً قلبٌ عليهم مُتيَّمُ

وقوله:

تعانقَتْ أغْصانُ بانٍ بالحِمَى

فأشبهتْ أعْطافَ أحْبابِي

ومُذ صَبا قلبي صَبا صاحِبي

آهٍ على الصَّاحِبِ والصَّابِي

وقوله:

يا غزالاً لم يزلْ

وجدِي به أمراً عظيمَا

جُدْتَ بالوصل فأحْيَيْ

تَ أخا وَجْدٍ كَلِيمَا

أتُرى ضمَّ كريماً

منك أم ضَمَّك رِيمَا

وقوله:

ومليحٍ كالبدر وجهاً وكالظَّبْ

يِ الْتفاتاً وكالقَضِيبِ اعْتدالَا

كلُّ شيءٍ منه مليحٌ وإن جا

رَ وأما الهِجْران والاعْتدالَا

وقوله:

بأبِي الذي ما شبَّ إلَاّ

شَبَّ وجدِي فيه أكْثَرْ

وإذا تعذَّر مالكِي

فهناك صبْرِي قد تعذَّرْ

وقوله في مليح به شرط:

بي أحمرُ الوجْنَةِ مَشْروطُها

لَدْنُ التثنِّي ناعِسُ المُقْلتْينْ

لو لم تكنْ عيْناه مكسورةً

ما فعلُوا من تحتهما خفْضَتيْنْ

وقوله:

قالتْ وقد أفْنَتْ جميعَ تصبُّرِي

ونفَتْ لذيذَ النومِ عن أجفْانِي

إن رُمْتَ منِّي زَوْرةً في ليلةٍ

فاصبرْ وليس لَدَيَّ صبرٌ ثانِي

وقوله:

يا من إذا جاء يوماً

يُتابع المَنَّ بالمَنّ

ص: 442

أحْرَقْتَ بالمَنِّ قلبي

واحَرَّ قلباهُ ممَّنْ

وأما: محمد فإليه الحديث يساق، ويخجل خبره العقد في تناسبٍ واتساق.

فهو ممن اشتهر وبهر، وأضحى روضةً أطلت على نهر.

وله القلم البابلي السحار، والكلم التي عطرت نسائم الأسحار.

وقد ذكرت له ما تتنادم الألسن على ذكر مزاياه، وتستنشق الأرواح المسك الداري من عرف رياه.

فمنه ما كتبه إلى الأديب حسين بن علي الوادي، وهو إذ ذاك بصنعا:

السُّحْبُ أرْخَى أدمُعا لا يُفيقْ

وألْبَس الأغصانَ ثوباً أنِيقْ

ودبَّجَ الأرضَ فمِن أخصرٍ

أو أصفرٍ أو أحمرٍ كالعَقِيقْ

وكلَّما مرَّتْ بنا نَفْحةٌ

أهدتْ من الأزهارِ مِسْكاً سَحِيقْ

روَتْ حديثاً عادَ دمعِي له

مُسَلْسَلاً بالوُدِّ لا يسْتقِيقْ

أن الرّبَى قد كُلِّلتْ بالنَّدَى

وانْتظَم المَنْثورُ بين الشَّقِيقْ

يا أيُّها الوادِي الذي نَشْرُه

قد ملأ الأرجاءَ نَشْراً فَتِيقْ

بُعْدُك عنِّي والوفاءُ شِيمَتِي

مَالي إلى السُّلْوانِ عنه طرِيقْ

فأجابه الحسين بقوله:

إن الذي صيَّرني حُبُّه

دمعاً جرِيحاً وفؤاداً رَقِيقْ

لا يكْتفي عن مُهْجتِي بالغضَا

ولا عن العيْن بسفْحِ العَقِيقْ

واحرَّ قَلْباه ومن نافعِي

منه إذا يجْرح قلبي الحرِيقْ

من قمرٍ يفْعل بالعقل مَرْآ

هُ ولا فعلَ سُلافِ الرَّحِيقْ

مُكَوْثَرُ الرِّيقةِ كم لي دَمٍ

ومدْمعٍ في حبِّه قد أُرِيقْ

مالي عن عشْقتهِ سَلْوةٌ

ولا أرَى السُّلوانَ عنه يليقْ

إلَاّ حديثاً في جُمانِ الهدى

كأنما حُلَّ بمِسْكٍ سَحِيقْ

وهي طويلة.

ومن شعره فما كتبه إليه أيضاً:

قُم يا رسولِي نحوَ دارِ الحسينْ

وقُل له الوعْدُ شَبِيهٌ بدَيْنْ

لا زلتَ تُدْلِي لي حبالَ المُنَى

بوَقْفةٍ والأمرُ في ذاك هَيْنْ

وأيُّ يومٍ نلْتقي لم تقُلْ

غداً نُوافِيكم وما ذاك مَيْنْ

فأرقُب السَّاعاتِ حتى مضَى

ميعادُكم وأستخلِفُ الحَسْرتيْنْ

يا ابنَ عليٍ أنت أطْرَبَتْنِي

ولم أنلْ منك سوَى وَقْفتيْنْ

للهِ وادِيكَ وما حازَهُ

من نغمتٍ من كِلا الجانبيْنْ

بُلْبُلُه بَلْبَلَ بالِي فلَم

أزلْ أُراعِي في الدجَى الخافقيْنْ

فأجابه بأبيات، منها:

ذكرتَ أن الوعدَ ديْنٌ نعمْ

الوعدُ عند الحرِّ لا شكَّ دَيْنْ

وكيف يخفَى فيكم سائِلي

وسائِلي قد مَلأَ الخافقيْنْ

فهل سألتَ الرَّبْعَ عن وَقْفةٍ

وقفْتُها فيه بلا وقْفتيْنْ

وقلت للوادي هل جاءنا الْ

وادي وفَيْناه فما الأمرُ هَيْنْ

إن كان ذا مَطْلاً فنفسِي لَهُ

صبرٌ جميلٌ يقبل الحالتيْنْ

ومن جيد شعره قوله:

قِفا حَدِّثا عن لَوْعتِي وغرامِي

ففي القلب نارٌ أُجِّجَتْ بِضرامِ

وعنِّي خُذَا الأشواقَ والوجدَ والهوى

فليس دَعِيٌّ في الهوى كإمامِ

وفي الجِزْعِ حَيٌّ كلَّما شاق ذكرَهم

نسِيمُ اشْتياقٍ لا يلَذُّ مَنامِي

جفَوا مُغرماً لم يُثْنِه عن هواهمُ

سُلُوٌّ ولا أرْواهُ شُرْبُ مُدامِ

ولا لَحْنُ شادٍ مَعْبَدِيٍ غناؤُه

يُرجِّع ألْحاناً كسَجْعِ حمامِ

إذا سَلْوة رامتْ إلى القلب مَسْلَكاً

يقول لها الوجدُ ارْجعي بسلامِ

وله في صنعاء:

أرى المدائنَ شَوْها كلَّما ذُكِرتْ

صنعاءُ والبابُ منها بابُ سيرانِ

ما حلَّ فيها امْرُؤٌ إلَاّ وعايَنَها

جَنَّاتِ عَدْنٍ عليها حُور رِضْوانِ

وذيل عليهما صنوه السيد الحسن فقال:

ص: 443

إيَّاك إيَّاك أن تعدِل بها بلداً

هيهاتَ ما الدُّرُّ والحَصْباء سِيّانِ

تاهَتْ على الأرضِ ما نَهْرُ الأُبُلَّةِ والْ

وادِي المُقدَّسِ أو ما شِعْبُ بوَّانِ

السادة بنو الحجاف: السيد زيد بن علي أمير المخا، وخليفة المزن في السخا.

من سروات الأشراف، كريم الأسلاف والأطراف.

له خليقةٌ بذل المعروف ديمتها، وسجيةٌ نجدة الملهوف شيمتها.

ولاه المتوكل المخا فكان بخا حظاً زائدا لا ينتقص، وحرماً آمنا لا يباح صيده ولا يقتنص.

وله في أحكامه سيرةٌ رضية، وعزيمةٌ ما تخلفت بها عن حكمه قضية.

وأما أدبه فروض نسام، كأنه في ثغر الدهر ابتسام.

فمن شعره الذي لفظه بحره، وتزينت به لبة الزمان ونحره.

قوله:

ولي عَتْبٌ عل قومٍ أساءُوا

مُعاملتِي وسامُوني اغْترارَا

جنَوْا عَمْداً وما راعُوا حقوقاً

وما اعْتذروا وسامُوني صَغارَا

سأضربُ عنهمُ صَفْحاً وأُغْضِي

مَخافةَ أن أُقلِّدهم شَنارَا

ولو أنِّي ركبتُ مُتونَ عَزْمِي

إذاً لَسقيْتُهم مُرّاً مِرارَا

ولو أنِّي همَمْتُ بأخْذ حَقِّي

لَولُّونِي ظُهورَهمُ فِرارَا

فأجاه بعض أصحابه بقوله:

لك العُتْبَى ومنك الصفحُ يُرْجَى

إذا لم تسْتَبنْ مهم وَقارَا

وإنَّهم جنَوْا عمْداً وجَهْلاً

وما راعوا ولا طلَعوا اعْتذارَا

فإن البدرَ لا يثنِيه شيءٌ

من العجْما صِياحاً أو جُؤارَا

وأنت على أذاهمْ ُُو اقْتدارٍ

عَلِيٌّ أن تُسامَى أو تُبارَى

فطِبْ نفْساً فكلُّهُم ذليلٌ

لِعزَّتك اخْتياراً واضْطرارَا

وله:

أقول للوردِ لمَّا افْتَرَّ مبتسِماً

صنَعتَ فيما أراه صَنْعةَ الأدبِ

في فِيكَ لي صدقُ وُدٍ قد أضِنُّ به

شَيْءٌ من الضَّرَبِ الحالِي مع الشَّنَبِ

ومن بدائعه قوله:

ومالِي وللهمِّ الذي أنا حاملٌ

ولي صِلةٌ من لُطْف ربِّي وعائدُ

إذا عادةُ اللهِ التي أنا آلِفٌ

تذكَّرتُها هانتْ عليّ الشدائدُ

فلا أتَّقِي هَوْلاً وأرْهبُ طارِقاً

ولي ثِقةٌ باللهِ ما قام عابدُ

السيد عبد الرحمن بن الحسن القاسمي صاحب يدٍ في القريض وساعد، وجدٍ إلى أفق النيرات صاعد.

يزرع الدر في أرض الطروس، فيقتطف ثمارها طيبة المجنى والغروس.

بعبارات عذبت فأغنت غناء الثنايا العذاب، وإشاراتٍ يذيب بصوغها القوافي فتؤدي رونق الذهب المذاب.

وقد أثبت له ما يروق تطريزه، وينفق في سوق الأدب إبريزه.

فمن ذلك قوله، من قصيدة:

ألا أيُّها البرقُ الذي لاح من بُعْدِ

فهيَّج أشْجاني وجدَّد لي وَجْدِي

ومِيضُك من قلبي وغَيْثُك أدمُعِي

ومن زفَراتي والبُكا حَنَّةُ الرعدِ

وقد أنْحلتْ جسمي مَرارةُ مُهجتِي

ومُنْهمرِ الأعْيان قد خَدَّ في خَدِّي

عَساك إلى الأحْبابِ تُهْدِي تحيَّتي

وتُخْبرني عن دارِ هندٍ وعن هندِ

منها:

ففِي مُهْجتي من طولِ ذا البعدِ والنَّوى

بنارٍ وقد ذاب الفؤاد من الفقدِ

فيا ليت أحبابِي لِما بِيَ شاهَدُوا

ويا ليت شِعْرِي كيف حالُهُم بَعْدِي

ومنها:

مَنامِي طَرِيدٌ من فِراق أحبَّتِي

وقلبيَ لا يقْوَى وُقِيتُم على الصَّدِّ

فهل عندكم للعهدِ عند وَداعِنا

وفاءٌ فإنِّي لا أحُول عن العهدِ

وقوله:

أولَى وأحْرَى بالمَلامةِ لُوَّمِي

منّي وأجْدَى بالجِدالِ المُبْرَمِ

لامُوا على أن ظلَّ دمعِي ذارِفاً

والحقّ أن أبكى دُموعاً من دَمِ

بل لو بكَيْتُ دماً لَقَلَّ لحادثٍ

أضْحَى لديْه كلُّ ذي نظرٍ عَمِي

السيد إسماعيل، والسيد يحيى، ابنا إبراهيم الحجاف غصنا كمال، وكوكبا جمال، وكلٌّ منهما يمين للمجد وشمال.

ص: 444

قد لانت أخلاقهما، وما بات إلا بالأدب اعتلاقهما.

وكلاهما في حلبة الأدب من الفرسان، وفي شوطها ممن أحرز قصب الإحسان.

ولهما شعر لا تنجاب ديمته، ولا تغلو بغير قلمهما قيمته.

فمن شعر السيد إسماعيل، قوله من قصيدة يمدح بها المتوكل إسماعيل.

أولها:

أصبح الدهرُ طَيِّبَ الأوقاتِ

كاملَ الحُسْنِ وافِرَ الحسَناتِ

مُشْرِقَ الوجهِ باسمَ الثغر يزْدَا

دُ بِمَرِّ الشهورِ والسَّنَواتِ

كعَرُوسٍ من فوقه زادَها الْحَل

يُ جمالاً إلى جمالِ الذَّاتِ

غادة تسلُب العقولَ وتغْتا

لُ قلوبَ الأنامِ باللَّحَظاتِ

ينتُ سَبْعٍ وأربعٍ وثلاثٍ

برَعتْ في السكونِ والحَركاتِ

تتثنَّى فينْثني مِن وَراها

خافِقُ القلبِ ساكبُ العَبَراتِ

جَمْعت كلَّ مُفْرَدٍ من جمالٍ

وتثَّنتْ غُصْناً من المائساتِ

مُذ تولَّى أمرَ الخلافةِ فيه

أوْحَدِيُّ الأفعالِ جَمُّ الصِّفاتِ

ثابتُ الجأْشِ ثابتُ الرأيِ إسما

عيلُ حِلْفُ الهدى حلِيفُ الهُداةِ

هدوِيٌّ في نِسْبةٍ من أبيه

قاسمِيٌّ في نِسْبةِ الأُمَّهاتِ

تتلاقَى أطْرافُه في المَعالِي

بين خَيْرٍ وخَيْرةِ الصَّالحاتِ

منها:

يا إمامَ الزَّمانِ قد أسْعَد اللَّ

هُ أُناساً رأَوْك قبل المَماتِ

شاهدُوا فيك من صِفاتِ عليٍ

جُملةً أخْبرتْ عن الباقياتِ

منها:

بَّق الأرضَ جُود كفّيْك فيه

وعَمرْتَ الورى بأسَنْى الهِباتِ

يتبارَى كفاك والبحرُ جُوداً

فأنافَا سَبْقاً على الذّارِياتِ

صِفَةٌ من صفاتِ جَدِّك قد جا

ء بمضْمونِها حديثُ الرُّواةِ

وهي طويلة.

وللسيد يحيى من كتاب إلى الحسين بن الناصر، وقد اطلع على كتابيه المواهب القدسية ومطمح الآمال، في إيقاظ جهلة العمال، من سنة الضلال.

أما بعد؛ فإنه جاءني كتابٌ كريم، ومسطور أنشأه عظيمٌ عليم.

حفظه الله، وأطال في عافيةٍ بقاه، وأهدى إليه سلاما طبق فضله وكفاه، وحباه برحمته وبركاته غدو عمره ومساه.

فآنسني مجيئه وسر، ووصلني به منشيه وبر.

وبهرني كماله الباهر، وملأ صدري إعظاماً له فضله وإفضاله الغامر.

فدعوت الله أن يتولى مكافأته عني، ويجزيه أفضل ما جزى به المحسنين الواصلين نيابةً مني.

والله تعالى يشكر مساعيه الحميدة، وعوائد نفعه العديدة.

هذا، وقد طالعت مؤلفيه اللذين أحكمهما، فوقفت فيهما على علمٍ كبير، ووصلٍ خطير.

أما شرح المنظومة فقد انطوى على علم غزير، وفقه كثير.

وانتظم نظم المقارضة للفظ الأنيق، والجمع للزيادات مع أسلوبس رشيق.

وأما كتاب مطمح الآمال، فلقد جمع على حصره، من أعيان الهداة، ومن شمائلهم وسيرهم، وأمثلة تقواهم لربهم وخشيتهم له ومراقبتهم، ما هو لباب المطولات، ومقصود المبسوطات.

وتمم كماله ما ضمه إليه من مكاتبات العلما، ومباحثات الفهما.

فصار مصباحاً للبصائر، ومفتاحاً لما انغلق من منهاج الأخائر.

وإن فيما اشتمل عليه لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.

وإن طريق الحق لأبلج، لولا حب الدنيا فإنه رحيب المدخل ضيق المخرج.

ومن شعره قوله:

قد لَامَنِي العاذلُ لمَّا رأَى

صَبابتي في الشَّادِن الشارِدِ

وقال مهلاً لا تَرُم وَصْلَه

فقد غدا في شَرَكِ الصَّئدِ

السادة النعميون السيد علي بن الحسن ذو النسب الطاهر، والحسب الظاهر.

ليس له مدان، غير بني عبد المدان.

فيه شمائل نسمات نجد، وله كلفٌ بالمعلوات ووجد.

نشأ في بيت الفضل والنعمة، ونما على فرش اللين والنعمة.

إلى سجية مرتاضة، وطبيعة فياضة.

وثمة لفظٌ ألذ من حلاوة عدن، ومعنىً أشهى من العافية إلى البدن.

فمن شعره، قوله في الزهر:

سَرْحةُ الروضِ نُزهةٌ للنفوسِ

وبها مَرْهَمٌ لداءٍ وبُوسِ

ص: 445

وهْيَ أشْهَى لإلْفِها من سُلافٍ

قد أُدِيرتْ على نَدامَى الكؤُوسِ

ولها صورةٌ بمَنْظر قلبِي

هيَ أبْهَى من صورةِ الطاوُوسِ

فاسْتمرُّوا في دَرْسِها فالمَعالي

تتهادَى في حالكاتِ الدُّروسِ

والمَعاني مُهورهُنَّ مَغانٍ

وارداتٌ عن صَفْوةِ القُدُّوسِ

وجليسٌ مُذاكِرٌ في رَشادٍ

خيرُ خِلٍ وصاحبٍ وجليسِ

فإذا لم يكُن فصُحْبةُ سَفْرٍ

هي عند اللَّبِيبِ خيرُ أنِيسِ

واسْتمِدُّوا فضلاً من اللهِ يأْتِي

فيه نورٌ يفُوق نورَ الشُّموسِ

واسْتعِينُوا بالصَّبْر كيْما تفُوزُوا

بِخلالٍ عظيمةِ النَّاموسِ

فسلامٌ عليكُمُ مُستمِرٌّ

ما هَمَى عارِضُ الغمامِ الرَّجيسِ

وله من رسالة كتبها إلى الفقيه أبي القاسم بن محمد أبي هم، في مسألة حصلة بينهما فيها نزاع: وقد كان الأولى رفع النفس عن مجاراتك في جهلك، والالتفات إلى فرطات عقلك.

وكف اليد عن جوابك، وقطع المدى عن عتابك.

غير أني أعلم أنك لم تعدني بالإعراض متكرما، ولا بالازورار عنك مستحكما.

بل تقدر مع ذلك أنك قد أصبت معظم الصواب من هذا البحث، وأنك قد أخذت بمقالك الأقبح الأرفث.

وأيضاً، فإن من محكم كلام الجليل:" ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ".

ومن قول حكيم الشعر.

إذا أتَتِ الإساءةُ من وضيعٍ

ولم أَلُمِ المُسِيءَ فمَن ألومُ

وبعد هذا، فاعرف موضع قدمك قبل المسير، وتبصر في الأمور أيها الجاهل الغرير.

وقف عند انتهاء قدرك، وانظر في إصلاح أمرك.

فالأولى لك أن تكون متعلما لا معلما، وأن تكون متفهما لا مفهما.

وليس لك فيما سلكت جملٌ ولا ناقة، ولا تذكر في مقدمة ولا ساقة.

السيد محمد والسيد حسن، ابنا علي بن حفظ الله غرتان في جبهة الزمن، وشامتان في وجنة اليمن.

أماطا عن وجه البلاغة البراقع، وطلعا كالنسرين الطائر والواقع.

ولهما جمعية أدوات تعجز الإدراك، وانحيازه نزعات تأبى في سواهما الاشتراك.

وشعرهما في غاية ما يكون، يحرك بالضرورة طرباً له كل ذي سكون.

فمما يحمد لمحمد قوله، من قصيدة أولها:

مَن لقلبٍ مِزاجُه الأهواءُ

وعيونٍ أودَى بهِنَّ البكاءُ

لِشَجِيٍ متيَّمٍ مُستهامٍ

هَمُّه النَّوْحُ دَائباً والأساء

يا خليليَّ بالبُكا ساعِداني

في عِراصٍ ربُوعهنَّ خَلاءُ

دارِ ليلى ودراِ نُعْمٍ وهندٍ

وديارٍ تحُلُّها أسْماءُ

وقِفَا بي هُدِيتُما لو فَوقاً

فوُقوفِي على الطُّلولِ شِفَاءُ

أيها الرسمُ هل تُجِيبُ سؤالاً

لِمَشوقٍ أوْدتْ به البُرَحاءُ

كائناً عن ودادِ ليلى بهندٍ

وبنُعْمٍ وشوقُه أسْماءُ

وكذا كلُّ مُولَعٍ بحبيبٍ

يتكنَّى وهل تُفِيد الكُناءُ

بُحْ غراماً إن كنتَ حِلْسَ ودادٍ

وقُلِ اللومُ في الحسانِ هُذاءُ

أنا حِلْفُ الغرام في كلِّ حينٍ

وفؤادي من السُّلُوِّ هَواءُ

كلَّما أزْمع الفؤادُ سُلُوّاً

ذكَّرتْني وَهْنانةٌ هيفاءُ

بعيونٍ فواترٍ ساجياتٍ

رُسُلُ الموت بينها كَمْناءُ

قائلاتٍ لمن تمنَّى هَواها

لا بقاءٌ مع اللِّقا لا بقاءُ

وقُدودٍ بمَيْلها تتثَّنى

ظامِياتٍ أكْفالُهنَّ رِواءُ

يُطمِع الصبَّ لِينُها في لِقاها

وهْيَ للصبِّ صخرةٌ صمَّاءُ

لم أنَلْها بالعين إلَاّ اخْتلاساً

رَدَّ عيني عن الصَّفاةِ الضِّياءُ

وعَدانِي عن ازْدِيارِ حِماها

رُقَباها وصَدَّها الرُّقباءُ

فتارني أهْوَى المَمات طماعاً

لازْديارِي منها وبئس الرَّجاءُ

ص: 446

وأُرجِّي يوم النُّشورِ لِقاها

وكثيرٌ من الرجاءِ هَباءُ

إنما الحبُّ ذِلَّةٌ وغرورُ

وسَقامٌ يكِلُّ عنه الدَّواءُ

وقوله من أخرى، أولها:

تيَّمتْني ذاتُ الخُدودِ الرّهافِ

وبرَتْني ذاتُ القُدودِ اللِّطافِ

طَفْلةٌ تفْضَح القضِيبَ قَواماً

تُسْبِل الليلَ فوق رَمْلِ الحِقافِ

صَوَّر اللهُ شَخْصَها من ضياءٍ

ولُجَيْنٍ ولُؤْلُؤِ الأصْدافِ

أعلَى مَن هوى لتلك مَلامٌ

لا وربِّ الحديدِ والأحْقافِ

وقوله أيضاً:

سَمحتْ بوَصْل المُسْتهام العاشقِ

هَيْفاءُ خُصَّت بالجمال الفائقِ

بيضاءُ صامتةُ المُوشَّح طَفْلةٌ

تُزْرِي القضِيبَ بلِينِ قَدٍ باسقِ

من بَعْد ما شحَّتْ بِطيب وِصالِها

نَحْوِي ولم تسمحْ بطيْفٍ طارقِ

وافَتْ وثوبُ الليل أسودُ حالِكٌ

في جسمِ عاشِقها وزِيِّ السارقِ

باتتْ ذوائِبُها الحسانُ قَلائدِي

ومُوسّدي فَعْم الذِّراعِ الرَّائقِ

نشْكو الجوَى ونبُثُّ سِرَّ غرامِنا

في غَفْلةِ الرُّقَبا ونومِ الرَّامقِ

للهِ مِن وصلٍ هنالك نِلْتُه

في جُنْح ليلٍ غَيْهَبِيٍ غاسِقِ

من شادِنٍ غَنِجٍ أغَنَّ مُهَفْهَفٍ

باهِي الجمال بديعِ صُنْعِ الخالقِ

في ليلةٍ ظَلْما كأنَّ نجومَها

في لُجِّ بَحْرٍ أُوثِقتْ بوَثائقِ

ملك الفؤادَ بدَلِّه ودلالِه

فجوانِحي كجَناحِ طيرٍ خافقِ

تاللهِ لا أنْساه ليلةَ قال لي

لا تَنْسَ منِّي مَحْضَ وُدٍ صادقِ

واسألْ فؤادَك عن فؤادِي إنه

يُنْبِيك عمَّا جَنَّ قلبُ الوامقِ

ومما يحسن لحسن ما كتبه للحسين المهلا:

لأنتَ لِمُدْلَهِمِّ الأمرِ بدرُ

يضيءُ وشمسُ معرفةٍ وبحرُ

وطَوْدُ مكارمٍ وسبيلُ حَقٍ

لليلِ دُجىً من الشُّبُهاتِ فجرُ

ونُورُ هدىً لمن يعْرُوه جهلٌ

ويَمُّ نَدىً لمن فاجَاه فَقرُ

بُيوتُ عُلاك شامخَةٌ طِوالٌ

ورَوْض هُداك ناضِرُهُ يسُرُّ

علومُك أصبحتْ عسَلاً مُصفّىً

وفي أنهارِها لبنٌ وخمْرُ

وحُورُ حِسانِها مُتبخْتراتٌ

تدور بشأنها ولهُنَّ بِشْرُ

وأشْبَهُ بالنسيم الرَّطْبِ شيئاً

عِتابٌ فيه للمعْتوب عُذْرُ

لتأْخير الرسائلِ منك عنِّي

وذلك بين أهلِ الوُدِّ فَخْرُ

وأنت حَميْت نُورَ سوادِ عيْني

ورِقُّ وَلايَ تحت لِواك حِجْرُ

عليك سلامُ ربِّك في تَحايَا

تخصُّك ما أنار وضاءَ بَدْرُ

وكتب إليه، يتشوق لمروره بمحله:

مُنتظَرَ القلبِ متى وصلُكمْ

فحالُنا شَقَّ به الانْتظارْ

وشوقُنا لمَّا يزَلْ صالِياً

جوانحَ القلبِ بجمرٍ ونارْ

ورَبْعُنا تهْتزُّ أكْنافُه

شوقاً إليكم يا خِيارَ الخِيارْ

لا زلتُمُ للحقِّ قُوَّامَه

وفي المعالِي قادةً والفخارْ

فأجابه بقوله:

يا بدرَ أُفْقٍ في الليالي أنارْ

ومَن لأفْلاك المَعالي أدارْ

يا رافعاً دار العُلَى في المَلَا

فدارُه أضْحى رفيعَ المَنارْ

وساكناً أرْضاً به أصبحتْ

غرَّاءَ بيضاءَ كشمسِ النهارْ

ومَنْبَعُ السُّؤددِ والمجدِ في

دارٍ له صار به خيرَ دارْ

وافَى إلينا النظمُ كالُّلؤْلؤ ال

مَنْظومِ في حَوْراءَ فيها حوارْ

فهو لقلبي وفؤادي شِفَا

وليَمِيني ويسَارِي يَسارْ

وكتب لعلي بن الهادي المنسكي، معتذراً إليه في إبطاء كتبه عنه قوله:

ص: 447

ما بُعْدُ كُتْبي عن الأحبابِ نِسْيانُ

وقَطْعُ وصلِي لهم واللهِ سُلْوانُ

أو سَلْوةٌ بسِواهم لا وحقِّهمُ

إنِّي على عهدِهم باقٍ وإن بَانُوا

وكيف أسْلو وفي الأحشاءِ منزلُهمْ

والقلبُ رَبْعٌ لهم والجسمُ أوطانُ

ومَن إذا شِمْتُ بَرْقاً نحوَ رَبْعِهمُ

بُلَّتْ من الدمعِ أرْدانٌ وأجفانُ

ومَن إذا الطَّيْفُ منهم زارنِي عجِلاً

يُشَبُّ في مُهْجتي جَمْرٌ ونِيرانُ

وكتب إليه من إنشاءه جواباً عن كتاب: وقد جاء من تلقائه الكتاب الكريم الشافي، ووصل من نحوه المثال الفخيم الوافي.

جلت طوالعه حنادس الهموم، وحلت نوازعه فوارس البلاغة في يومٍ مشهودٍ له الناس وذلك يومٌ معلوم.

فما تنزل به روح أمانيه من بيان سماء بلاغته إلا لشفاء أوامي، ولا تدلي أمين يراعته على بيان بلاغته إلا لبرء أسقامي.

فما أحلى ما شربت من زلاله المعين صافيا، وما ألذ ما ارتويت من برد نميره المغيث شافيا.

وما أنور ما تبسم به ثغره عن لؤلؤ عتابٍ كريم، وما أعطر ما تنسم به فجره عن روح غفرانٍ من المولى وتسليم.

السيد الحسن بن علي بن الحسن بن محمد سيد تحلى بالحلل السنية، وأربى على أجواد الأسرة النعمية الحسنية.

بفضلٍ مرتوي النبت خصيب، وفكرٍ كيف ما سددته فهو مصيب.

فهو بدرٌ في شيم، وبحرٌ في ديم.

ونور وزهر، في شاطىء غديرٍ ونهر.

وشعره قولٌ حسن، مسند إلى الحسن.

فمنه قوله فيما كتبه إلى الناصر المهلا، على لسان محمد بن صلاح:

ألا باللهِ يا نفسَ الخيالِ

أعِدْ لي ذكر سالِفةِ اللَّيالِي

وأتْحِفْني بذكْرِ أُهَيْلِ نجدٍ

وما قد مرَّ في تلك الحِلالِ

وهاتِ الكأسَ صِرْفاً صَرْخَدِيّاً

بذِكْراهنَّ لي في كلِّ حالِ

فإنِّي إن ذكرتُ زمانَ وَصْلِي

وما قد مرَّ من حُسْن اتِّصالِي

بمَن أهْواه في عيشٍ خصيبٍ

وأيامٍ حُلاها قد حَلا لِي

أكاد أذُوبُ من وَلَهِي عليه

وأضربُ باليمين على الشِّمالِ

وأصْبُو للرُّبوعِ وساكنِيها

وأبْقَى في افتكارٍ واشتغالِ

وأرجُو اللهَ يجمعُنا قريباً

بذاتِ النفسِ لا طَيْفِ الخيالِ

ونقْضِي للصَّبابةِ والتَّصابِي

لُباناتِ التَّواصُل والوصالِ

الحسن بن أحمد الحيمي رئيسٌ سامي المقدار، مشكور السيرة في الإيراد والإصدار.

طلع في أفق البيت الحيمي بدراً تحرس مجده الثواقب، وزين من مجلس إفادتهم صدراً تحفظ طرفيه المناقب.

فهم من ملقاه في ضياءٍ يسطع، ومن رأيه الصائب في حكمٍ يقطع.

وكان معروفاً بعلو الهمة، مقصداً في الأمور المهمة.

ولذلك أرسله الإمام إسماعيل المتوكل رسولاً إلى الحبشة فظهرت له اليد البيضاء في أغراضٍ عين لها، وقضاها بنظره على حالٍ ما تغافل عنها ولا لها.

وقد رأيت له قطعةً من نظمه استجدتها، وطالما أبديتها لحسن ديباجتها وأعدتها.

وهي قوله:

فؤادٌ على نارِ الأحبَّة لا يقْوَى

وكيف ورَبْعُ العامِريَّة قد أقْوَى

وصبرٌ ولكنْ غالَه الهجرُ والنوَى

فلا نَفْعَ للمهْجورِ فيه ولا جَدْوَى

ولكنَّني قد ذُبْتُ في الوصلِ بالرَّجا

وكم ذِي لُباناتٍ تمنَّعَ بالرَّجْوَى

فيا أيُّها الخِلُّ الذي أنا صَبُّه

عليك بآدابِ الحديث الذي يُروَى

ومُنَّ علينا بالترسُّل إنَّني

رأيتُ حديثَ المَنِّ أحْلَى من السَّلْوَى

ولده القاضي بدر الدين محمد قاضٍ إذا التبس الأمران، عن له في تمييزهما رأيٌ يحسده النيران.

ليس للماء صفاء فكره ولو تصلف، ولا لبدر السماء حسن وجهه ولو تكلف وكانت الأحكام بفضله مطرزة العواتق، والأيام بحسن تدبيره مأمونة الفواتق.

وهو في كثرة الإحاطة بحرٌ له مشارع، جرى في الصواب على وفق مراد الشارع.

وقد فصل الأدب بدائع فصول، فضل القاضي الفاضل عندها فضول.

وأتى بفرائد منظوم ومنثور، يستهدن لديها كل منقول ومأثور.

ص: 448

فمن شعره قوله؛ من قصيدة كتب بها إلى يوسف بن علي الهادي صاحب الطوق.

مطلعها:

أعِدْ من حديثِ السالفاتِ لنا ذكْرَا

فللَّه ما أحْلاه دهراً وإن مَرَّا

وكرِّر على سَمْعِي قديمَ حديثهِ

وقُل إن تُدِرْه ما ألَذَّ وما أمْرَا

ويا ساجعاتِ الوُرْقِ لا هَزَّكِ الهوَى

كما اهْتزَّ غصنٌ في الرُّبَى بعد ما اخْضرَّا

ولا خُضِبتْ منك الأكُفُّ بعَنْدَمٍ

كدمعٍ جرى من أسْوَدِ الطَّرفِ مُحمْرَّا

ولا صفَّقتْ منك الجناحان صَبْوةً

إلى أفْرُخٍ في شاهقٍ أُودِعتْ وَكْرَا

إذا لم تبُثِّي ما كتمتِ من الهوى

وأحسنُه ما طابقَ الخَبَرُ الخُبْرَا

جفاكِ خليلٌ أم نَبَا بك مَنْزِلٌ

فما بيننا يا وُرْقُ أن تكْتمِي سِرَّا

وما أنتِ بدْعٌ في غرامٍ ولوعةٍ

وما الحبُّ إلَاّ ما يُرَى سِرُّه جَهْرَا

كِلانا على الأغْصانِ ناحٍ وإنما

على قدرِ ما نَهوى تخالفتِ الآرَا

وما أنا في ذِكْرِ العَقِيقِ وأهلهِ

بأوَّلِ صَبٍ صَبَّ في جَفْنِه التِّبْرَا

فلو سكبتْ عيْناي ما سكبتْ على

بِقاعِ الدُّنَى وما رأى أهلُها قَفْرَا

رعى اللهُ أيامَ العَقِيقِ وإن تكُنْ

على بُعْدِه أجْرَتْه من مُقلتِي نَهرَا

إذا استُخْدِمتْ عيني لساكنِه فلا

عجِيبٌ فإنِّي لست أُدْعَى بهم حُرَّا

ولا عجبٌ إن هِمْتُ في ساكِني النَّقا

غَراماً فقد شَبُّوه في كبدي حُرَّا

أبَى الحبُّ إلَاّ أن أكون له أخاً

شقيقاً ولو أني أشُقُّ به الصَّخْرَا

فما لدمُوعِي لا تُنَظّمُ عَسْجداً

إذا عجزتْ في الحبِّ أن تنثُر الدُّرَّا

بحُبِّ رَشاً ما خامَر العقل حُبُّه

وأغْراه إلَاّ خِلْتُه خامرَ الخمْرَا

له مُقَلٌ إن حُلَّ عِقْدُ نِقابِها

فقد حلَّلتْ قتلاً وقد عقدتْ سِحْرَا

إذا ما انْتضَى منها سيوفَ لِحاظِه

فما أكثرَ القتْلَى وما أرخْص الأسْرَى

وما مِلْتُ منه قِيدَ شِبْرٍ لسَلْوةٍ

فمن أجلِ ذا العشاقُ تنظُرني شَزْرَا

ومن أجلهِ أرْعَى النَّظير لقَدِّه النَّ

ضيرِ فأهوَى الغصنَ والصَّعْدَة السَّمْرَا

إذا ما بدتْ للطَّرْفِ غُرَّةُ وجهه

رأيتَ بها الشمسَ البهيَّةَ والبدرَا

وأعْجَبُ مِن ذا جَنَّةٌ في خدودِه

فشاهد فيها الماءَ والنارَ والزَّهْرَا

وأعْجَبُ من هذين يكسِر جَفْنُه

عليَّ وما ضمَّيْتُ من قَدِّه خَصْرَا

إذا قيل لي سَمِّيه قلتُ مُكنيِّاً

هو الغايةُ القصوَى هو الآية الكبرى

له خلُقٌ كالروضِ بل هو أعجبٌ

وكيف يُساوِي الزَّهْرُ في خَلْقِه الزَّهْرَا

أُنادِي بأعْلَآ الصوتِ قد حَلَّ يُوسفٌ

بمصرَ من الآداب فلْتهْبِطوا مصرَا

عليمٌ بأنواعِ البديع وهذه

خزائنُه من فكرِه أُودِعتْ فكرَا

حَبانِي بنظمٍ لو حُبِينَ بمثلهِ الْ

غوانِي لِعفْنَ العِقْدَ والشُّنْفَ والشَّذْرَا

إذا قيل لي في الخمرِ سُكْرٌ مُحرَّمٌ

فمِن غير ذاك النظمِ لا أعرف السُّكْرَا

وإن قيل لي في الروضِ زهرٌ مُنوَّعٌ

فمِن غيره لا أعرف الروضَ والزَّهْرَا

سطورٌ أتتْني منه وهْي قلائدٌ

حلَيْتُ بها نحْراً شرحتُ بها صدرَا

كأنِّيَ يعقوبٌ رأى بُرْدَ يوسفٍ

فلا عجَبٌ إمَّا مُلِئتُ بها بِشْرَا

ص: 449

وهاك جواباً قلتُه مَعْ شواغلٍ

وأشجانِ قلبٍ لا أُطِيق له حَصْرَا

ولا تعْتِبنِّي فالوِدادُ مُحقَّقٌ

وأنت به يا ذا الوفا في الورى أدْرَى

ودُمْ في نعيمٍ لا انْقضاءَ لعُمْرِه

تفُوق به فضلاً وتسمُو به قَدْرَا

فراجعه بقوله:

خُذَا إن رَنا من سِحْرِ مُقْلتِه الحَذْرَا

فأيُّ فؤادٍ لا يبِيتُ به مُغْرَى

وإيَّاكما من نارِ مُتْرَفِ خدِّه

فلِمْ تركتْ أحْشاءَ رامِقِها حَرَّى

غزالٌ إذا قُلنا حكى الليلَ شعرُه

أبان لنا فَرْقاً مُبِيناً حكَى الفَجْرَا

غَنِيُّ جمالٍ إن أتى مَعْشَرُ اللِّقا

إليه بدمعٍ سائلٍ ردَّه نهرَا

مُبَرَّدُ رِيقٍ للقلوبِ مُقاتلٌ

بمكْحولِ جَفْنٍ منه لم ينْجُ مَن فَرَّا

يعلِّم أغصانَ النَّقا كيف تنْثنِي

قَوامٌ له يا قومُ ما عرف الهَصْرَا

ويرْنُو فتُصْبِينا جفونُ عيونِه الْ

مِراضِ وتُصْمِينا سهامٌ له تُبْرَى

له اللهُ رِيمٌ ما أعزَّ نِفارَه

وأمْلَحه شكلاً وأحْلاه إن مَرَّا

يُحذِّرني من حبِّه كلُّ كاشِحٍ

ولم يدْرِ جهلاً أن تحْذيرَه أغْرَى

ولو لم يكنْ أعْلَى ذوِي الحُسْنِ رُتْبةً

بما حازَه ما كنتُ أسكنْتُه الصدرَا

مليحٌ بَراه اللهُ أحسنَ ما يُرَى

فأرْدَف منه الرِّدْفَ واخْتصَر الخَصْرَا

أطار فؤادِي نحوه ثم حَلّه

ولم يرَ طَرْفٌ طائراً قد غدا وَكْرَا

عجبتُ لدمعِي في الخدود مُسَلْسَلاً

وما جَنَّ إلا القلبَ فهْو به أحْرَى

ويعجُم عندي باللَّواحظِ مَنْطقِي

فيُعرِب عنِّي مُهْمَلاً يُوضِح العُذْرَا

ومِن عاذِلٍ بالصبرِ ما زال آمرِي

وإنِّي مع الهجْران أسْتعذِب الصَّبْرَا

لِيَهْنِ فؤادي أنه فيه نازلٌ

وأُفْقُ العُلى أنى بَدرْتُ به بَدْرَا

لِيَ الشرفُ الضَّافِي عليَّ دِلاصُه

مع السُّؤْددِ الضخمِ الذي يطَأ النَّسْرَا

ولِي قلمٌ فيه المَنِيَّةُ والمُنَى

إذا خَطَّ أبْدَى الأنْجُمَ الزُّهْرَا والزَّهْرَا

وكم حافظٍ ذِكْرَ ارْتفاعي بصَمْتِه

وما هو إلَاّ ناصبٌ فُتُّه فَخْرَا

ونِكْسٍ جهولِ رام يُدْركني وهل

تُرَى يمكِن الزُّرْزُورُ يقتنِص الصَّقْرَا

عَلَوْتُ كمالاً فالثُّرَيَّا إذا غدتْ

ترَى منزلي والشمس فيه غدتْ تِبْرَا

ألم ترَنِي فوق السماءِ كأنني

أُنَظِّم في أقْوَالِيَ الأنْجُمَ الزُّهْرَا

فأُثْنِي على قاضِي القُضاة محمَّدٍ

فتَى النَّسَبِ الوَضَّاح مَن زَيَّن الدَّهْرَا

منها:

أخو الفضلِ فينا جعفرُ الجُودِ خالدُ الْ

محامِد يُحيِي ذكرَه كلَّما مَرَّا

إذا أرقَم القِرْطاسَ قَرْطَسَ أسْهُماً

ترى العين منها في نُحور العِدى نَحْرَا

هو البَرُّ في الأفعال والبحرُ في النَّدَى

وأعْجَب ما شاهدتَ بَرّاً غدا بَحْرَا

أرى العلمَ ألقَى منه في قُدْسِ صدرِه

عَصا السَّيْرِ لمَّا أن رآه لها أحْرَى

فتىً عمَّر الداريْن بالجودِ والتُّقَى

وأحْرزَ من دون الورَى الفخرَ والأجْرَا

هذا ما وجدته منها في مسوداتي، ولها تتمة غفلت عن إلحاقها.

عبد الرحمن بن محمد الحيمي بحرٌ زاخر، لا يدرك منه آخر.

تشنفت به الأسماع، وانعقد على فضله الإجماع.

وهو في الأدب صاحب آيته، وواصل غايته.

ونكتة مساءلته، وفارس محلته.

ص: 450

عليه في حل مشكلاته المدار، وله فيه نباهة المكانة والمقدار.

فمن شعره، ما كتبه إلى أحمد بن حميد الدين، صاحب ترويح المشوق، وهو بكوكبان:

عن أحمدٍ يروِي حديثَ العُلى

شيْخان أعني قلمِي واللِّسانْ

ذا بدرُ أُفْقٍ زائدٌ في السَّنا

فاعْجَب لبدرٍ ضمَّه كَوْكَبانْ

وكتب إليه أيضاً:

سار دمعي منِّي إليك رسولَا

حين أخليْتَ رَبْعَه المَأْهولَا

وفؤادي اسْتقرَّ إذْ أنتَ فيه

يَتراءَاكَ بُكْرةً وأصِيلَا

ونسِيمُ الصَّبا تحمَّ مِن وصْ

فِ اشْتياقِي فيه حديثاً طويلَا

حبَّذا قُرْبُك الذي كان أنْدَى

في فؤادِي من النسيم بَلِيلَا

قرَّب اللهُ عهدَكم من ليَالٍ

لم أكُنْ لاقترابِهِنَّ مَلُولَا

أتلظَّى جوىً وفرْطَ حَنِينٍ

إن تذكَّرتُ ظِلَّهُنَّ الظليلَا

وإذا ما احْترقتُ شوقاً فقَوْلِي

ليتَ لم أتَّخِذ فلاناً خَلِيلَا

كنتُ أجنِي ثمارَ أُنْسِك فيهِنَّ

فبُدِّلتُ بالنَّوَى تبْديلَا

فأجابه بقوله:

طلب الشوقُ من فؤادِي كفيلَا

مُذ تَراءَى وجهُ النهارِ صَقِيلَا

ومشَى الغُصْنُ في المَطارفِ لمَّا

عقَد الطَّلُّ فوقه إكْلِيلَا

صاحبي صاحَ بي لَواعِجُ شَوْقٍ

يا أخا الصَّبْوة الرَّحِيلَ الرَّحِيلَا

آهِ والشوقُ ما تأوَّهْتُ منه

لزمانٍ ذكرتُ منه الجميلَا

أيّ دهرٍ أسْدَى إليَّ جميلاً

مُذ رآنِي ذاك الكريم الجليلَا

وخلِيلاً ما قلتُ لمَّا افْترقْنا

ليت لم أتَّخذْ فُلاناً خليلَا

كان يومي به كلَمْحةِ طَرْفِ

فَغَدا للفِراقِ حَوْلاً كَمِيلَا

لإمامٍ حاز العلومَ فروعاً

باسِقاتٍ قد أيْنعَتْ وأُصولَا

كم أرتْنا فصولُه اللُّؤلُؤيَّا

تُ إلى مُنتَهى الأُصولِ وصُولَا

حُجَّةٌ صَيَّر المَفاخر أوْضا

حاً على طَرْفِ عَزْمِه وحُجولَا

راسِخٌ في العقول لو فاخر السَّيْ

ف لأغْضَى في جَفْنه مَفلولَا

جمَع اللهُ شَمْلَنا وأرانا

من أسارِيرِ وجههِ المَأمولَا

قلت: مراده بالسيف، الآمدي، صاحب الإحكام.

محمد بن أحمد بن عز الدين السلفي جامع شمل الآداب، والصارف عمره على الاشتغال والتدآب.

قصد بني القاسم متقياً بهم عارض الباس، مستسقياً روحاً معلقة بخيط الياس.

فأحسنوا إجابته، وقابلوا بالقبول إنابته.

فاغتدى من أجل شيعتهم، الشاربين من زلال شريعتهم.

وانبسطت بالمواهب يده وباعه، وتموجت بذخائر العطايا رباعه.

وشهرته ثمة شهرة الشمس والقمر، وأشعاره فيما بينهم عوض الأحاديث والسمر.

على كل أذنٍ منها لؤلؤةٌ في قرط تترجرج، وعلى كل عطف بردٌ من عمل اليمن يتبرج.

فمن شعره قوله يمدح السيد الحسين بن الإمام القاسم من قصيدة غراء.

أولها:

خَلا أنها تسْبِي العقولَ وما تدرِي

وما عذرُها في ذاك إلا الهوى العُذْرِي

وإلَاّ فما في العالَمين نظيرُها

ويكْفيك وَصْفاً أنها غُرَّةُ الدهرِ

سَرَى طَيْفُها ليلاً فذكَّرني الأسَى

وعهداً بليلَى حيثُ ما طَيْفُها يَسْرِي

فلولا التَّسَلِّي مِن هواها وعهدِها

لأحْرقتِ الأهْوَا بحَرِّ الجوَى صدرِي

ولكنه أنْسانِيَ اليأسَ أُنْسُها

وقُلِّدتُ من نَعْمائها بحُلَى التِّبْرِ

عَذُولَيَّ صَفْحاً عن مَلامِي وخَلِّيَا

فأُذْنَايَ عنها فيهما أيُّما وَقْرِ

سَلَا هل سَلَا قلبي إذا لم أزُرْهُمُ

أم انْطَوتِ الأحشاءُ منِّي على جَمْرِ

ص: 451

هو الحبُّ إن يمْلِكْ فغيرُ مُدافَعٍ

وإن تحتْكمْ أسبابُه في الفتى يَبْرَى

ومَن شأنِه حَمْلُ الهوى مثلَ مذهبي

فليس له غيرُ التجلُّدِ والصبرِ

عسَاها يدومُ الوصلُ منها تكرُّماً

ففي وَصْلِها بين الورى شرفُ القَدْرِ

وما ليلةٌ يأْتيك عنها سفيرُها

ببُشْرَى التَّلاقي غيرُها ليلةُ القدْرِ

إذا شُبِّهتْ بالأنْجُم الزُّهْرِ أنْفُسٌ

فما أُنْصِفتْ إن شُبِّهتْ هي بالبدرِ

وإن أطْنبُوا في وصفِ بيضاءَ دُمْيةٍ

فلا شكَّ يوماً أنها بَيْضةُ الخِدْرِ

ألا لستُ لولا حبُّها أعرفُ الهوى

وما كنتُ أدْرِي بالقَرِيض وبالشعرِ

قِفَا فلأمْرٍ ما أُوَرِّي بذِكْرها

على عادةِ التَّشْبيبِ بالنظمِ والنثرِ

حَلَا غَزَلاً فَنُّ القوافِي وأهلها

كما حَلَتِ الغِزْلانُ في الحُلَلِ الخُضْرِ

فأسْحَرْتُ في سَبْكِ المعاني بَواكراً

كما بان لي بعضُ البياناتِ في السِّحْرِ

وما علِق التَّشْبيبُ صدرَ شَبِيبتي

سناءً ولا ذاتُ الخِمارِ ولا الخْمرِ

ولكن مَدْحَ الطاهرِ الشِّيَمِ الذي

كَسَا الناسَ ثوبَ الأمنِ في البَرِّ والبحرِ

وأجْرَى ينابِيعَ الهوى والورَى معاً

وأوْرَى زِنادَ المُلْك بالنَّهِي والأمرِ

وأرْوَى السيوفَ المُرهَفات من العدى

أُولِي الفِسق والفَحْشاء والبَغْيِ والنُّكرِ

وجرَّد فيهم همَّةً نَبَويَّةً

فأفناهُم بالجُرْدِ والبِيضِ والسُّمرِ

هو الشرفُ الأعلَى هو الناسُ جملةً

إذا قيل فيمن دونه أوحدُ العصرِ

فيومُ الأعادي لم يزلْ منه باكياً

دَماً إذْ له الأيامُ ضاحكةُ الثَّغْرِ

إليك أبا يحيى أتْتك تحية

تضَوَّعَ من أرجائها أرَجُ البِشْرِ

تجُوب الفَيافِي نحو بابِك مثلما

تؤُمُّون نحوَ البيت والرُّكْنِ والحِجْرِ

لها شرفٌ يزهو بتقْبِيلها الثرى

لديْك ومن سُوحِ العلى مثلُها يَثْرِي

بكَرتُ لها فِكراً ومِن وصفِك الذي

يزِين القوافي فيك ساعَدني فِكْرِي

كما قيل في البانِي الذي وجد البِنَا

فلا عجبٌ أن طال ما شاد من قَصْرِ

وماذا يقول الواصِفون وهل أتى

لغَيركمُ من هل أتى مُحكَمُ الذِّكْرِ

وأثْنَى عليكم في المَثانِي دلائلاً

جَلِيَّاتِ أحْكام تَجِلُّ عن الحَصْرِ

وكان يولع بقصيدة ابن دريد اللامية، التي أولها:

هل الْحُرُّ إلَاّ مَن أفاد فأفْضَلا

وما المالُ إلا ما اسْتُفِيد ليُبْذَلَا

دعِيني لهذا المجد أرْعَى سَوامَه

وإن لم أعِشْ إلا مَلُوماً مُعذَّلَا

وكان ينشدها مستروحاً بها.

ونظم على وزانها قصيدة في السيد الحسن بن القاسم، أولها:

كفَى المجدَ فخراً أنْ غدا لك مُرسلَا

وقد كان للماضين قبلَك مَوْئِلَا

السيد حاتم بن الأهدل حاتمٌ للأجواد خاتم، وبه فصل السخاء تم.

فحاتم طيٍ طوى به ذكره، ومعن بن زائدة تجاذبه عنده جهله ونكره.

فضائل قامت على الأساس المحكم، وفواصل تكاد تنطق لسان الأبكم.

تخمرت طينته بالندى، وأفرغت في قالب الهدى.

وله من الآداب كلها، ومن المحامد دقها وجلها.

وشعره روض بالزهر مسكي الأردان، كلله الندى فكأنما هو لؤلؤ استخرج من حصاء الغدران.

فمنه قوله من تشطيرٍ لفائية ابن الفارض:

قلبي يُحدِّثني بأنك مُتْلفِي

عجِّل به ولك البقا وتصرَّفِ

قد قلتُ حين جهِلْتني وعرفْتني

رُوحِي فِداك عرَفْتَ أم لم تعرِفِ

ص: 452

أنت القتيلُ بأيِّ مَن أحبَبْتَهُ

فلك السعادةُ بالشهادةِ يا وَفِي

ولقد وصفتُ لك الغرامَ وأهْلَه

فاخترْ لنفسِك في الهوى مَن تصْطفِي

وقوله، من تخميس عينية ابن النبيه المشئهورة:

رقَم العَذُولُ زخارِفاً وتصنَّعَا

وأشاع نقْضَ العهدِ عنك وشنَّعَا

فأجبْتُه والنفسُ تقطُر أدمُعَا

أفْدِيه إن حفِظ الهوى أو ضَيَّعَا

ملَك الفؤادَ فما عسى أن أصْنَعَا

حكم الغرامُ فلُذْ به وبحُكْمِه

واثبُتْ على مفروضِ واجبِ رَسْمِهِ

واخضَعْ لعَذْلِ الحُبِّ فيه وظُلْمِه

من لم يذُقْ ظُلْمَ الحبيبِ كظَلْمِهِ

حُلْواً فقد جهِل المَحبَّةَ وادَّعَى

ومن فصل له في رسالة: يقصر عن جسم معاليك قميص الثناء فيفوت الرصاف، ويرفل زهواً إذا فصلت لمعانيك حلل الأوصاف.

ويعترف بالعجز سحبان إذا سحب ذيول البيان، ويقر المعري بالتعري عن لفظك الحريري المشتمل على الجواهر الحسان.

ويلحق القاضي الفاضل النقص في هذا الميزان، ويذوي بديع المعاني عند شمس معانيك البديعة التبيان.

القاضي محمد بن إبراهيم السحولي قاضٍ قضي له بالبراعة مذ حلت عنه التمائم، وحاكم تصرف باليراعة مذ وضعت على رأسه العمائم.

توج بالافتخار هام تهامة، وطار في أفقها بين نباهةٍ وشهامة.

وهو في الأدب همام أوحد، وفضله فيه لا ينكر ولا يجحد.

وله كل معنىً إذا تطابق مع لفظه كان أعلق بالقلب من فكره، وبالطرف من لحظه.

فمن شعره قوله:

تظُنُّ ما ألْقاه فيك باطلَا

فلا تُبالِي أن تكون ماطِلَا

مدَدْتَ حبلاً للجفاءِ طائلَا

فهل رأيتَ تحت ذاك طائلَا

لو مِلْتَ نحوي أو عطَفتَ مثلَما

رأيتُ عِطْفَك الرشيقَ مائلَا

تحلُو لقلبِي إذ تمُرُّ حالياً

قلبُك لي عن الحِجاءِ عاطلَا

رفعتُ قِصَّتي وقد مرَرْتَ بي

تَجُرُّ ذيلاً للدَّلالِ ذائِلَا

وقد فتحتَ ناظِريْك ناظراً

في قِصَّتي نصبْتَ لي الحبائلَا

فرُحتُ مقْتولاً وكان قاتِلي

مَن لا يُبالي أن يكون قاتلَا

يا قاتَل اللهُ العيونَ ما لهَا

من حاجةٍ في أن تُرى قواتلَا

نَواعِساً فواتراً فواطراً

فواتكاً لا تُخطِىءُ المَقاتِلَا

تركْنَ إذْ فعَلْنَ قلبي دائماً

فيا لَها تَوارِكاً فواعِلَا

تصولُ فينا بالجُفونِ تارةً

وتارةً تُجرِّدُ المَناصِلَا

سقى الغَضا سقَى الحِمَى سقى اللِّوَى

سقَى الحَيا تيَّالِك المَنازِلَا

منازلاً عهدْتُها أقْمارُها

لم تُمْسِ عن بُروجها أوافِلَا

ولَّهننِي بلهنْنِي أذْهلْننِي

صَيَّرْننِي بين الأنام باقِلَا

في كلِّ عامٍ أرْتجِيكَ مُقبِلاً

نحوِي وإن لم أرْتجِيك قابِلَا

يا كم أرَى فيك الزمانَ لم يزلْ

لجيشِ آمالِي فيك خاذِلَا

ما ضَرَّ لو أطعْتَنِي تفضُّلاً

ولو عصيْتَ واشِياً وعاذِلَا

ولو ذكرتَ بالحِمَى ليالياً

وطِيبَ أوقاتٍ مضتْ أصائلَا

كم قد أقمتَ في تثَنِّي قامةٍ

من الدَّلالِ في الهوى دلائلَا

وليلةٍ غازلتُ منك في الدجى

غزالَ إنسٍ يدُهِش المُغازِلَا

والشُّهْبُ من غيظٍ تَوَدُّ أنها

تُوقِد لي من نارِها المَشاعِلَا

وطالما فُزْنا بقَصْرِ ليلةٍ

وذا هو العيشُ فلِمْ تطاوَلَا

أحْلَى الهوى ما كان في عصرِ الصِّبا

لو لم يكنْ حالُ الصباح حائلَا

وكتب إلى الإمام إسماعيل المتوكل:

مولايَ إسماعيلُ لي طفلٌ بكمْ

مُتبارِكٌ أدعُوه إسماعيلَا

ص: 453

قد عِيل صبرِي من مُفارقتِي له

لا بالرَّباب ولا بأسْما عِيلَا

مُنُّوا بإسْماعِي نعم حاشاكمُ

أن تقطعُوا صِلتِي بإساماعِي لا

ومن انسجاماته اللطيفة قوله:

أتظُنُّها قمراً سَنِيَّا

باللهِ أم بشراً سَوِيَّا

هزَّتْ معاطِفَ قَدِّها

عُصْنا ولَدْناً سَمْهَرِيَّا

وطوَى مَدارُ نِطاقِها

من خَصْرِها سِرّاً خَفِيَّا

نَشْوَى بخمْرِ شبابِها

ورُضابها لا بالحُمَيَّا

تخْتال في حُلَلِ الدَّلا

لِ تمَلُّقاً وتِتيه غِيَّا

وتخالُها وُرْقَ الحَما

مِ إذا انْثنتْ غُصْناً نَدِيَّا

وتظُنُّ وَسْواسَ الحُلِيِّ

عليه تَغْريداً شَجِيَّا

عجباً لوَرْقاءِ الغُصو

نِ لقد أتتْ شيئاً فَرِيَّا

لا الغصنُ يعرِف عِططفُه

حُلَلاً ولا ألِف الخَلِيَّا

كلَاّ ولا ناط الجما

لُ عليه عِقْداً عَسْجَدِيَّا

ولئِن تبسَّم ثغرُه

ما كان كأساً لُؤْلُؤِيَّا

هبْ أنَّ فيه مَلْمَساً

رَطْباً ونَشْراً عَنْبرِيَّا

ولربَّما أبْدَى الحَيا

بخُدودِه ورداً جَنِيَّا

أيكون ذاك مُشبِّهاً

ورداً يكون له سَمِيّا

يوسف بن علي الهادي نكتة عطارد وتحفة الفلك، قالت محاسنه اليوسفية ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك.

تناول راية البيان باليمان، فظهر فضله فيه ظهور الإيمان.

وقد أوتي من الفصاحة ما لو سمعه سحبان لاستحيى ولم يتفوه، ومن البلاغة ما أعجز من نظرائه المرموقين كل مفوه.

يجري الأدب في أزمته، فيأخذ منه الأمل برمته.

إلى عجائب لطائفٍ أخذت بكل معنى، وتعطر بمشام ذكرها كل مغنى.

وشعره مثل طبعه مصقول، ودهره راوية ما يقول.

وقد أثبت من نثره ما هو أفوح من الزهرة تفتحت عنها الكمامة، ومن نظمه ماهو أبهج منظراً من صدر البازي وطوق الحمامة.

قال: ولما طلع بدر عود شرف الإسلام الحسين بن وجيه الدين من المشرق كاملاً، ونهض منه إلى حضرة الإمام قافلاً.

بعد أن فقر عليهم عدوان العدو أمما، وكاد لا يبسم لهم ذلك الغثر عن شنب الفتح فما.

ففتقت لهم ريح الجلاد بعنبر النصر، واجتنوا زهرات الظفر بأنامل النجح الذي تند أوصافه عن الحصر.

وكان وصوله إلى حضرة الإمام مقارناً لقدوم العيد، فكأنما كان هلاله صلت وجهه السعيد.

فأورده الإمام ورد إكرامه الصاف، وأنزله ظل تبجيله وتعظيمه الضاف.

وملأ بالثناء عليه أسماع الملا، وأجابه إلى الدعاء له بنجح الأرب ولم يتلق حسيناً بكربلا.

كتبت إليه أهنيه بالفتح والعود والعيد، برسالةٍ وقصيدة لم ينسج على منوالهما البديع البعيد.

وهما: يقبل الأرض التي أضحت مواطن التهاني ومواطئها، وصارت منازل الأماني المقرونة بالنجاح ومنازهها.

وتطولت على ذوي التقصير ببرها المحمود في يوم العرض، وصيرت فضلها أبياً لمفارقة ذي الفضل فلو قيل له: اذهب عنا قال: لن أبرح الأرض.

وأنشأت سحب جودها فرأينا الندى منها على الأوراق، وفتحت أكمام معارفها عن زهرات فوائدها فتمشينا فيها بالأحداق.

وأطلقت للعفاة منحاً، وللعداة محنا.

فغدت مشكورة في الأمرين على الإطلاق، وطوقت أجياد الأنام بالندى الذي يجيب قبل سماع الندا فانقادت إليها بالأطواق.

وأشرقت الجو بنقع غبارها وأشرقت بنور البصر المبين فأضحت مشهورة في الحالين بالإشراق، وقادت ذوي الفضائل إليها بسلاسل الأشواق، لما نصبت لهم من تخيل محاسنها حبائل، فعلموا يقيناً أنهم لمن أمةٍ تقاد إلى الجنة بالسلاسل.

وجعلت حماها مرابع النعم، لا مراتع النعم.

وأوردت الصادي ماء عين كرمها الذي يشتاق إليه الرائي، فعين الله تعالى على ذلك الكرم.

ونهت عن إعلاء قباب برها، وإغلاق باب عفوها.

وذلك شأن من هو بالمعروف معروف، ورحبت لما ضاق صدر الفضاء بعفاتها فهم فيه كالبنيان المرصوص والعقد المرصوف.

ص: 454

وأمضت أمرها المستقبل وأرادت السيوف أن تحاكيه مضاءً فجاوز حدها، وأشرقت الأحرار بالإحسان فما منهم إلا من يقول لمن يدعيه بالحرية: لا تدعني إلا بيا عبدها.

فأبقى الله حماها الذي ما من خائفٍ إلا هو له مأمن، وروض جنابها الذي عنعن عنه العنبري أحاديث ذكاء ضنت بصحتها عن أن.

وصفا باطنها بأنهارها، وحلى ظاهرها بأزهارها.

وملأ صحون ديارها المسكية الروائح من قطر الغوادي، ونسج لها من بيض خيوله حلةً خضراء يقول كل ناظرٍ إليها كأنما نسجت على مرادي:

فإنها أرضٌ لمن لم يجِدْ

لعَيْبِه عن مَنْهجٍ منهَجَا

نَدْبٌ يُعيدُ الفرضَ أن لا يرى

باباً له عن مُرْتجٍ مُرْتجَا

وسيد أقامته المعالي والعوالي فلم يختلف في فضله اثنان، وهمامٌ أضحى المشتري لرتبةٍ رجحت من قبل أن يرصد الميزان.

ومولىً صار نصيراً للخلافة فنعم المولى ونعم النصير، وصاحب أقلامٍ حطم عوالي الأعداء بترسل قصيرها قبل أن تقول بيدي لا بيديك يا قصير.

وملكٌ إذا صلت صوارمه لم يبق للعدى غير التسليم، أو أراد تكليم المعاندين بألسنة أسنةٍ أذعنوا له قبل التكليم.

أو عقد ألويته حل بالمخالف الوبال والتلف، أو وجف بخيله وركابه على الأعداء قيل جرى القلم بهلاكهم وجف.

أو وصف لهم عزائمه وترسلاته ظنوا بأنهم عياله ألف صفٍ من عزائمه وصف أو وكف جود كفه أقلع السحاب عن مجاراته وكف.

أو ملأ سمعنا أمالي لا قالي لها فهي المليحة المليحة، أو جادل طعن الخصم بعوالي أحاديثه الصحيحة.

أنَّى تُجارِيه فرسانُ العلومِ ومِن

غُبارِه في هَوادِيهنَّ ما نقَضُوا

فهو رب السيف والطيلسان، والقلم الذي يزداد إفصاحاً كلما قطع منه اللسان.

واليد التي لا تهرع الناس إليها فيفوزون بالخمسة الأشباح، وتدعو الأنام لها بالبسط فكم ظفروا من أناملها بأيادٍ تجل عن الإيضاح.

وتحتقر الثريا أن تكون لتقبيلها فما، وتعوذ أناملها الخمس بالسبع الطباق فما.

والنسب الذي هو كصدر الرمح إلا أنه لا مطعن فيه لجارح، ولا نقص في كمال بدره لمنتقصٍ ولا عيب في زند شرفه القادح.

نسبٌ تحسَب العُلَى بحُلاهُ

قلَّدتْها نجومَها الجَوْزاءُ

ولم لا يكون نسبه النسب العزيز، والسلسلة المنوطة بالشهب المصوغة من الإبريز.

وهو من قوم عجنت طينتهم بماء الوحي والنبوة، ونبتت نبعتهم في حديقة الفضل والفتوة.

وترددوا ما بين الخلالة والإمارة اللتين لا يبلى على مر الجديدين شرفهما العظيم، وشهد بفضلهما الحديث النبوي والقرآن الكريم على رأي الأشعرية وما أجل من شهد بفضلهم الحديث والقديم.

أضاءتْ لهم أحسابُهمْ ووجُوهُهمْ

دُجَى الليلِ حتى نظَّم الجِزْعَ ثاقبُهْ

شقيق روض الفضل والعليا، ولو أنصفته لقلت ريحانته لأنه سمي الحسين أحد ريحانتي الرسول من الدنيا.

شرف الإسلام والمسلمين، الحسين بن عبد القادر بن الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن أمير المؤمنين.

جمالُ ذا العصر كانوا في الحياةِ وهمْ

بعد المماتِ جمالُ الكُتْبِ والسِّيَرِ

لا زال آخذاً بآفاق سماء الفضائل والفواضل، فله أقمارها الطوالع ولغيره نجومها الأوافل.

ولا برح سيداً إذا علت رتبةٌ أو جن دهرٌ كان لهما أفضل راق، ونبيلاً للقلوب وفاق، في أنه أفضل من ساد الأنام وفاق.

وإماماً في العلوم تنبذ عند سماع حديثه العقيق، وهماماً نظره في الأمور كالسيف السريجي في الدقة والاستواء وكالسراج في البريق.

منوطاً عمره بيوم التناد، مفسحاً في أيامه حتى لم يدر أهي أحادٌ أم سداس في أحاد.

وبعد بذل أدعيةٍ بلغت إلى الأفق الأعلى ورحبت فوقه مظهرا، ومضى سلاحهن في كل من استقبل الحال بأمرٍ مكروه فأضحى مضمراً انكساره مظهرا.

إذا رُفِعتْ يوماً لذِي العرشِ خَيْمةٌ

لصِدْقِ وَلائي فيك بين السُّرادِقِ

اعتماداً على ما أخرجه مسلم، من حديث أبي الدرداء عن أم الدرداء:" دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، وملكٌ فوق رأسه يقول: آمين آمين، ولك بمثلٍ ".

وعلى ما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس سيد الصحابة، في أن دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب أحد الدعوات الخمس المستجابة.

ص: 455

ينهى والأليق بن تنتهي نفسه الأمارة، عن مكاتبة أهل الخلافة والإمارة.

فإنه وإن كان من الكرام الكاتبين لهم فليس ذلك، وكيف يكاتب مالكه من هو مقرٌّ بالدخول تحت رقه وإنما المكاتبة من المالك.

لكنه وإن كان دونهم فهو يعتقد عدم خروجه عنهم، اعتماداً على ما رفعه أبو رافع إلى سيد الأنبياء:" مولى القوم منهم ".

على أنه إن تصرف في هذا إلا أنها الذي كل رقٍ لحر كلامه مفتون، فهو يعلم صحة إذنكم له ولا ينكر تصرف العبد المأذون.

وورد خبر عودكم المقرون بالنجاح، بعد أن لاح لكم الظفر من مشرق الفلاح، وسفرت لكم شمس الظفر من خلف ستارة الصلاح، وأعربت عن رفع شأنكم بلادٌ بنتها على الفتح عزائمكم التي هي أمضى من بيض الصفاح، وابتسمت لكم ثغورها لما جليتموها من قلح العدى بمساويك الرماح.

والفتح المشرق قد طلعت فيه شمس الخلافة بعد أن أفلت وانسد، وقلت في ذلك مادحاً لكم مقال من أنشأ وأنشد:

لمَّا فتحتَ الشَّرقَ بالْ

عَزْمِ الذي ما هاب سَدَّا

طلعتْ به شمسُ الخِلا

فةِ بعد أن أفلَتْ وسُدَّا

وأقسم قسم من بر، إنه لشرقٌ أكثره شر.

فكم أجرى الدمع من الغرب، وأوجب سلب نفوس القادمين إليه فأتى بالإيجاب والسلب.

وأغرب لما أشرق نزيله بندمه، وأطلع بدر القتيل منه في شفق دمه.

حتى جعلت لكم الكرة عليهم، وكانت لكم العودة إليهم.

وحان منهم بآرائك وراياتك الحين، وقال النصر المبين حسين مني وأنا من حسين.

وجردتم كل صارمٍ يفترس ذبابه الأسد، وأعملتم كل لهذمٍ يخشى ثعلبه الأطلس فيرى الفرار من الرأي الأسد.

وصيرتم البيضاء من دمائهم حمرا، والزهراء من أقتام المعارك غبرا.

وكثرت القتلى، ورخصت الأسرى.

وغلى منهم النجيب، وعلا منهم النحيب، وذهل المحب عن الحبيب.

فلم ينشد:

ذَكرتُك والخَطِّيُّ يخْطُر بيْنَنَا

وقد نهِلتْ منها المُثقَّفةُ السُّمْرُ

وسخرتم بهم بعد أن كانوا ساخرين، وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين.

وصار:

للسَّبْيِ ما نكَحُوا والقتلِ ما ولَدُوا

والنَّهْبِ ما جمَعوا والنارِ ما زرعُوا

والحمد لله الذي جعل فناهم في فناهم، وتدميرهم في تدبيرهم.

وصدعهم بالزجاج، صدع الزجاج.

وأراد تصغيرهم، بعد تصعيرهم.

وأعادك في جمع سلامة وهو جيشك الذي لم يدخل واحده وهو أنت شيءٌ من العلل، ومر بهذا الفتح المبين الذي انسد به كل خلل جلل.

والعود الذي هو بمنزلة الربيع، فكم جدد لنا أفراحاً أثنينا عليها بأحسن مما أثنى على كأسه الخليع:

وكَسَا الأرضَ خِدمةً لك يا مَوْ

لايَ دون الملوكِ خُضْر الحريرِ

فغدتْ كلُّ رَبْوةٍ تشْتهي الرَّقْ

صَ بثوبٍ من النبات قصيرِ

فهي تختال في زبر جدة خضراء تغذى بلؤلؤ منثور، وإن لم تكونوا نزلتم في منازلكم التي هي مطالع السرور، ومعدن الخلافة التي لم تطور آيتها المرفوعة بيمين النصر إلى يوم النشور.

ففي تقريب الجياد، تقريبٌ من البعاد.

ومع ثنيكم لعنان الرجوع، تستقدمون إليه قدوم السيف إلى غمده، واليمن مشرقٌ من غربه، والسعد موقوفٌ على جده.

وفي أمثال من غبر: لابد من صنعا وإن طال السفر.

ووالله يهنينا هذا الرجوع الذي محا عنا بصبحه أصدافا، فأذهب أتراحا، وأهدى أفراحا، فاخذتا وأسدافا.

ومن محاسنه المقرونة بالإحسان، اقترانه بهذا العيد الذي ختم به شهر الصيام فهما في الحقيقة عيدان.

فإذا ذكرنا معهما هذا الفتح الذي أعرب عن رفع شأنكم بكسر الضد، قويت بتضاعفهما المسرات وعجبنا لاجتماع ثلاثة أعياد في شهر واحد.

وليس ذلك بعجب، فكل أيام مولانا أعيادٌ ومواسم، وكل ساعاته غررٌ في جبهات الأيام ومباسم.

ولقد أراد المملوك أن يهنيك بهذا العيد فقال فكره السليم انتبه، وتمثل له الصواب في مرآه عقله فهناه بك لا أنت به.

وأما المملوك فلم ير أنه عيدٌ لعدم رؤيته لهلاله وهو جبينك السعيد، لكنه رأى اجتماع هذه الأمة وهي لا تجتمع على ضلالة فقام ينشده قول من تبلد عنده لبيد:

عِيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ

بما مضَى أم لأمْرٍ فيه تجْديدُ

أما الأحبَّةُ فالبَيْداءُ دونَهمُ

فليْتَ بينَك بِيداً دونها بِيدُ

ص: 456

فالله بيني وبين بيني عن هذا المالك الذي كان لفراقه علي ترة، والسيد الذي في عين الملك رجلٌ إذا كان غيره في عين الملك مرة.

ولا كانت حوادث حدتنا على الوصل فهمزت بنا إلى الدهر فكانت همزة قطع، وغارت من التئام شملنا فاستعانت عليه بيد التشبيب فصدعته أي صدع.

فلا وصل بعد ذلك، ولا مكاتبة فيه للملوك من المالك.

إذا لم يكنْ يا غُصْنُ وصلٌ فإنني

سأقْنَعُ بالأوراقِ منك على كَمَدْ

فقد فقَد الطرْفُ القريحُ مَنامَهُ

وقد هَتَن القلبُ الجريحُ وقد وَقَدْ

وقد قد النوى لما غدوت سمي يوسف فؤادي من قبلٍ لا قميصي من دبر، وصيرني في سجن الهموم لما علم أني كنت من قومٍ هم على مفارقنك صبر.

وأجمع رأيه أن يجعلني في غيابات جب الأحزان، بعد أن انثنى عن قتلي بسيف الأشجان.

وجاء على قميصي من دموعي بدم، واسترقني لما استرقني وباعني ببخسٍ بيعاً لم يتبعه ندم.

فأخرجني أيها الملك العزيز برأيك في الوصل والمكاتبة لا برؤياك، واجعلني على خزائن التلاقي إني حفيظٌ بودك عليم بالوفاء الذي يليق بعلياك.

ووف غير مأمور لغير غادر، واحفظ عهد من أضاع فيك كلام العاذلين فأنت قادر.

يا مَن أطعتُ بحبِّه

مُخالِفاً مُعنِّفِي

اللهَ في مُحافظٍ

على الولَا وفي وَفِي

وأقسم بالله إقسام من لا يجعله عرضةً لأيمانه، وبحياة مولانا التي يعلم يودها المملوك لأنها أحد شروط إيمانه، وتحالفت، على إتلاف روحي، التي كدت أن أقول لها بعدك روحي، وما تخالفت.

وما فؤادِيَ مُشتاقٌ بمفردِهِ

بل كلُّ عضوٍ إلى لُقْياك مُشتاقُ

فلذا سلسلت رواة الجفون أحاديث الدمع بعد أن رفع عنها أثر الكرى، وقالت للشوق المبرح وقد سال شأنه من شأنه أتسيل دمعةً ثم تسأل ما جرى.

وأدمى جوارحي سجع الحمام الصادح، ولم أر صادحاً هو بسجعه للجوارح جارح.

وجرى دمعي ذا ألوان، فقلت لأخي العجب منه هو رب الحزن فكل يومٍ هو في شان.

فلا كان الفراق فلولاه ما باتت الجوانح تحترق، ولا صارت القلوب لاسترقاق الأشواق لها تحت رق.

ولله أيام التداني، ففيها كل أمانٍ من الهموم وفيها نلت أماني.

يا حبَّذا زمنُ التَّواصُل إنه

زمنٌ كأحْلَا ما يبُلُّ أُوامَا

لكنه وَلَّى كأحْلامٍ فيا

أسَفِي على زمنٍ حكى أحْلَامَا

وقد آن أن أقفي على هذا المنثور بالمنظوم، وأدير على سمع مولانا منه كاس رحيق بمسك الفصاحة والبلاغة مختوم.

وأمدحه بطائية لو رآها الطائي لقال لا طاقة لي بهذه الطا، فهل من طا، أو أنشدت النجوم لطأطأت، وقالت لكل حرف من رويها طأ.

على أني معترف بأن نظمي لا يقوم بنثر مولانا فإنه ذو النظم الأبي، وكيف يقوم نظمي بنظمه وإني لو كنت أبلغ من ابن النبيه في النظم لقيل لي: ما أنت كابن النبي.

ولقد تطاولت إلى مدح مولانا بها مع القصور، وسولت لي نفسي بهذه الأبيات ظناً بأنها كالقصور.

وإذا سكرتُ فإنني

رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ

وإذا صَحوتُ فإنني

رَبُّ الشُوَيْهَةِ والبعيرِ

ولولا ودٍ حكم بتصديقه كل ذي منطق، ودل بالمطابقة والتضمن والالتزام على أنه في الصحة معرق.

وأضحى حده جامعاً لشرو الصحة مانعاً لكل عللٍ مفسدة؛ لأن جنسه القريب الإخلاص وفصله التحقيق الذي يقصيه عن البطلان ويبعده.

لأطْرَقْتُ إطراقَ الشُّجاعِ ولو رأَى

مَساغاً لنابَيْه الشُّجاعُ لصَمَّمَا

وقيدت أقدامك فكري عن الخوض في بحور القريض، ومنعت نفسي من وقوعها من انتقادات مولانا في الطويل العريض.

لكنني أعلم أنك الحر الذي يجر على الزلات ذيل المسامحة، وتكسر الجفن عن الخطيئة كما تكسره يوم الوغى والمكافحة.

ولو لم تهزه أريحية عودكم الذي خلع على الملك ديباجاً لا مرطا، لما قال مهنياً لكم مقال من أدار على أفواه المسامع من نظمه إسفنطا:

دنَا مَزاراً بعد ما شَطَّا

فصيَّر القلبَ له شَطَّا

مُهَفْهَفٌ صارِمُ ألْحاظِه

لم تنْبُ إن قَدَّ وإن قَطَّا

كم عاذلٍ صوَّبَ عشْقي له

لمَّا رأَى عارِضَه خَطَّا

ص: 457

تظهرُ في ألْحاظِه سَكْرَةٌ

وما احْتسَى يا صاحِ إسْفَنْطَا

كم تاهَ لمَّا أن غدَا مالِكاً

للخافقيْنِ القلبِ والقُرْطَا

قلتُ له يا طلعةَ المُشْترِي

مَن باع منكَ القلبَ ما أخْطَا

ظَبْيٌ رعَى منَّا ثمارَ الهوى

وما رَعَى أثْلَا ولا خَمْطَا

أهْيَفُ حاكَتْ لِينَ أعْطافهِ

سُمْرُ القَنا فاعتُقِلتْ سُخْطَا

تجلُّدي شَكٌّ لدى سُخْطِه

فمَن يَقِيني إن نوَى السُّخْطَا

عرَّض الزَّوْرةِ من بعد أن

طوَّل في الهِجْران واشْتَطَّا

فجاءني مُنْتصِب القَدِّ قد

جَرَّ من التِّيه به المِرْطَا

في ليلةٍ أحببْتُ أن لا أرَى

للصبحِ في مَفْرِقها وَخْطَا

فلم يزلْ لي مشهداً جامعاً

لِلَذَّتي تُوسِعني غَبْطَا

حتى بدا الصبحُ لنا حاكياً

وجهَ الحُسَين البَرِّ إن أعطَى

سِبْطُ رسولِ الله أزْكَى الورَى

أَرُومةً أكْرِمْ به سِبْطَا

تألَّفتْ من دُرَرٍ ذَاتُه

فصار في جِيدِ العُلَى سِمْطَا

شؤْبوبُ إحْسانٍ وجُودٍ لنا

وجودُه قد أعْدَم القَحْطَا

يرفع للسَّارِين نارَ القِرَى

فكم بصيرٍ أَمِن الخَبْطَا

وارِي زِنادِ الرَّأْي كم حاذَرتْ

أعداؤُه من نارِه سِقْطَا

يُسْتحسَن الدِّرعُ لِباساً على

جسمٍ لديه يسْتخْشِن الرَّيْطَا

كم فَرَّ من ثَعْلبِ خَطِّيِّه

لَيْثٌ حسِبْناه إذاً قِطَّا

نرجُو له نَقْداً ونخشَى له

نَقْداً أبى الإبْطالَ والإبْطَا

لَمْقُ المُحَيَّا ظاهرُ البشْرِ لم

يَزْوِ بنَوْءٍ خُلْقَه السَّبْطَا

قد طاوَل الشمسَ فقُلْنا له

طإ الدَّرارِي يا مليكاً طَا

ذُو قلم يرْدِي ويُعْطِي فقد

تجانَس الإعْطابُ والإعْطَا

إن قَطَّ قَطَّ رءُوسَ العِدَى

فما رأيْنا مثلَه قَطَّا

ملِك مَهِيبٌ ليس يرضَى سوى ال

جيشِ رسولاً والظُّبا قَطَّا

سَجَّان قد ألْقَتْ ملوكُ الورَى

إليه منها القَبْضَ والبَسْطَا

أقرَّتِ الخَلْقُ بتفْضيلِه

ولم تُطِقْ جَحْداً ولا غَمْطَا

أدْرَك من شَأْوِ العُلَى أغْيدا

ما فات عن ذي اللِّمة الشَّمْطَا

لم يخْلُ من إقْراءِ وَفْدٍ ومِن

إقْراءِ علم يحسِم الإبطا

فيا أبا المجد اسْتمِع مِدْحةً

خلَتْ عن الإِقْواءِ والإِيطَا

ابْنَةَ يومٍ غَضَّةً لم يقُل

مُنْشِئُها هل لك في شَمْطَا

طائيَّةُ الحُسْنِ وطائِيَّتُه

قصَّر عنها مَن غدا فُرُطَا

وقال ما لي قَطُّ من طاقةٍ

بهذه الطَّاءِ فهل مِن طَا

إنْشاءُ من إن شاء شُهْبَ الدُّجى

قوافياً أنْفَدَها لَقْطَا

ما اشترطتْ قطُّ جزاءاً لها

سوَى جوابٍ فاجْزِها الشَّرْطَا

وكتب إلى القاضي محمد بدر الدين بن الحسن الحيمي، هذه الرسالة، والتزم فيها السين.

وهي: سيدنا باسق غرس السماحة والحماسة، وسابق فرسان السيادة والسياسة، وشمس سماء الداسة والرئاسة.

المستنيرة بسيارات سماء محاسنه سدف المجالس، والمستعيرة سيماه المقدسة سكان المدارس.

من إن رسم القرطاس قرطس سهم حساده، أو سود سطور الطروس استنار دامس نقس سواده.

أو سأل لسانه الإسفار للأسفار انسل حسامٌ ماسح، أو استرسل في الترسل فحسبك بقلمسها وسملقها سابح وسائح.

أو حسن نسيباً أنسى الحسان، أو أرسل فرس لسنه أنسى لسبق سحبان، فسبحان مسوي إنسانه شمساً مسفرةً بحسبان.

سمي الرسول، وسبط الحسن.

ص: 458

وبيهس خيس سراة الرآسة، ووسمي سحب سماح الحسن وسؤل مجالس سرر الدراسة.

اتسق سناء سنائه الوسيم، وانبجس سري سائغ إحسانه القسيم.

واستمر محتسياً كؤوس السعادة، محسوداً حسن السجايا والسيادة.

مستقرياً السلام السلام، محروسةً نفسه سفينة الإسلام.

دارساً لطرس، المستودع سريرة نفس.

الدارسة أساس أنسها، والتسربل بسرابيل بؤسها.

لافتراس سبع المحاسمة الأعبس، وسد شسوعه سبل التدناء إنسانه السمح الأحمس.

واستبعاد سوحه السامي أساسه، وعسعاس تأنيسه الساطع نبراسه.

وحسم تدارس خندريس منافسته ومجالسته، وخسوف سليقة مؤانسته ومراسلته.

أستمنح القدس إسعادي باستدامة سنته، فلست أستعذب استمرار شسوعه وتناسي سنته:

لستُ أنْساك ومَن

ينْسَى سَجَاياك السنيَّهْ

وسُوَيْدايَ لإنْسا

نِك سَفْحٌ وسَرِيَّهْ

يا سليلَ الحسَن السَّ

مْحِ ومَعْسولَ السَّجِيَّهْ

والحُسَام الماسِح الحُسَّ

ادَ مَسْحَا بالسَّوِيَّهْ

فاستمِعْ سِيرَة اسْتِي

يحاش نفسٍ يُوسُفيَّهْ

سَرَدْتْ سِيناً ولَيْ

سَتْ بلسانٍ فارسيَّهْ

واسْقِ سمعِي من رِسالا

تكَ كأْساً سَلْسَلِيَّهْ

والْبَسِ السُّؤْددَ لا مُسْ

حَ السُّدُوسِ السُّنْدُسِيَّهْ

حرَستْ نفْسَك شمسُ الدَّ

رْدَبِيسِ الحِنْدسِيَّهْ

وأسير سجاياه المستحسنة، أرسل الحسناء مستجلاةً في الألسنة.

فاستشرها في الاستجلاء، واستقبلها بالاستحلاء.

ولست أسأله سوى رسالته، يستغفر لشسوعه مواساته.

وحسبنا السلام، وسلامه على رسوله سيد الإسلام.

وقد سلك فيها مسلك الخطيب الحصكفي، في رسالته التي كتب بها إلى القاضي أبي علي سعيد بن أحمد بن الحسن بن إسماعيل: بسم السميع الساتر أسأل ممسك السماء، ومرسل السماء، الحسن الأسماء، حراسة مجلس سيدنا الرئيس، السيد النفيس.

فنفسي سكرى بسلاف الأسى، متماسكة لشسوعه بسوف وعسى.

تمارس أسفاً يسقم، وتستنجد سلواً يسلم.

أسيرة سجون الوساوس، كسيرة مناسر الدهارس.

السهد سميري، والدم سجيري.

والسعير مسندي ووسادي، والتحسر مجسدي وجسادي.

أسهر سهر السليم، وأتنفس استرواحاً بالنسيم.

إمسائي سواء والسحرة، وسيان يساري والعسرة.

وأقسم بسيبه الواسع، وسناء حسبه الساطع.

وسموق سؤدده الباسق، وسبوغ إحسانه السابق.

للاستسعاد بأسارير وسامته سولي، والطرس لمستولي السهر والسقم رسولي.

إنساني مسلوب السنة، ولساني أخرس الألسنة.

أستوحش بمؤانسة الجليس، وأستوجم بمجالسة الأنيس.

يسامرني فأستثقله، ويسارني فأستوبله.

أسمع وأسكت فيستريب بسمعي سائلا، وأسبل سبكاً يسفح سائلا، تحسب سجله للسحاب مساجلا.

وحسبي بمساترة الحساد، ومساورة الآساد، يتوسلون بأسباب الفساد، ويسعون لطمس سبل السداد.

سقياً لساعاتٍ بالمسرة سلفت، وبسعودها شموس النحوس كسفت.

ساعفت بالمحاسن غروسها، وسرت فساء دروسها:

عسى سامِكُ السَّبْع سبحانه

يُسهِّل أُنْساً يسرُّ النُّفوسَا

ويُسْقَى الحسودُ بإسْعادِنا

كؤوسَ سمامِ أسىً ليس يُوسَى

ويسْرِي نَسِيمٌ يُسَرِّي السَّمُومَ

ويبْسَم سِنٌ يُنَسِّي العُبوسَا

ويُؤنسني بسطورِ الرئيسِ

سعيدٍ لتُمْسِي لسِرِّي غُروسَا

سطورٌ حَنادِسُها كالشموسِ

تُسْفِرُ حُسْناً وتُسْمَى طُروسَا

ويسكُت حُسْنُ أبي سالمٍ

لنرمسه ونحس التيوسَا

فلستُ لسالفِ إحْسانِه

بناسٍ ولستُ لبُوْسٍ بَؤُوسَا

ومن مقطعاته قوله، فيمن اسمه حسين:

لك يا أوْحدَ المحاسنِ طَرْفٌ

أسدُ الْغابِ من سَطاه جبانُ

كيفَ لم يخْشَ طَعْنةً منه نَجْلَا

ءَ وأنت الحسينُ وهْو سِنانُ

سنان هو سنان بن الأشتر النخعي، وهو الذي طعن الحسين حتى أرداه، ثم احتز رأسه لشمر بن ذي الجوشن، لعنهما الله تعالى.

فالتورية في سنان من مبتكراته النادرة.

وقوله، وهو من الغايات:

ص: 459

كلَّ يوم يزيد عَذْلُ اللَّواحِي

لك يا مَن به الفؤادُ عَمِيدُ

فأطِعْني بالوصلِ إنِّي مُحِبٌّ

واعْصِه يا حُسَينُ فهْو يَزِيدُ

وقوله، وهو من نكته البديعة:

دُكَّ شِمْراً في سُوءِ عَذْلِ اللَّواحِي

بالتجلِّي للصَّبِّ لا جئتَ أمْرَا

واخْشَه يا حسينُ إن رخَّموه

واجتنِبْه فقد غَدا لك شِمْرَا

فإن شمر هو ترخيم شمراخ، وقد تقدم أن شمر هو الذي احتز رأس الحسين.

وقوله، وهو السحر السامري، والبرد السابري:

خلَّدْتني في نارِ هجرِك لي

يا مالكاً لم ألْقَ رِضْوانَهْ

وسكَنْتَ قلي يا حسينُ فلِمْ

يشكُو العذابَ وأنتَ رَيْحانَهْ

عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن " الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا ".

وعن مجاهد بن جبر صاحب ابن عباس، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم، بحائطٍ من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ".

ثم قال: " كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة ".

ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل منهما كسرة.

فقيل له: يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: " لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا " أو " أن ييبسا " أو " إلى أن ييبسا " انتهى.

وقد تأسى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم بريدة الصحابي فأمر بوضع الجريدة على قبره، وهو أولى أن يتأسى به.

وأنكره الخطابي، وغيره.

وقال: إنما هو ببركة يده صلى الله عليه وسلم، أو لأمرٍ مغيب، علل في قوله:" ليعذبان " إلخ.

ولا يلزم من كوننا لا نعلم تعذيبه، أنا لا نتسبب في أمرٍ يخفف عنه العذاب.

ولم يزل الناس على وضع الريحان ونحوه من الخضر على القبور.

وقد ورد هذا في الأشعار، كقول العتبي، يرثي ولده:

كان رَيْحانِي فأضْحَى

وهْو رَيْحانُ القبورِ

غَرَستْه في بَساتي

نِ البِلَى أيْدي الدهورِ

ففي قوله في البتين المتقدمين: وسكنت قلبي يا حسين فلم إلخ، العقد لقوله صلى الله عليه وسلم في الحسنين " هما ريحانتاي " الحديث، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" لعله أن يخفف عنهما " الحديث، والإشارة إلى ما عليه عمل الناس إلى الآن، من وضع الريحان على القبور تسبباً في تخفيف العذاب.

ومعنى البيت التعجب من القلب كيف شكا العذاب، وفيه ريحانة، مع أنها توضع على قبر المعذب للتخفيف، تأسياً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يخفى على ذي العرفان والذوق السليم، صحة هذا المعنى الذي يترك الحاسد الصحيح الذهن كالسليم.

السيد علي بن صلاح الديلمي نسبةً إلى الإمام الناصر الديلمي، الذي دعا في الديلم، ثم خرج إلى أرض اليمن.

صاحب بيت في الرياسة صميم، وفضل على المكرمات عميم.

تميز من بين أكفائه بالكفاية، واحتف دون خلفائه بالحفاية.

فظهر فضله الأبين، وبهر أدبه الأزين.

وأشعاره لليراعة سوالٍ سوالب، وهي للصناعة جوالٍ جوالب.

فمنها قوله في الغزل:

صَبٌّ يُماطِل قلبَه الوَصْلَا

لم تسْلُ عن أهلِ الحمَى أصْلَا

ما انْهَلَّ في حَيٍ مَدامعُه

إلَاّ ولم يجدُوا به مَحْلَا

وإذا شَدَا غنَّتْ مُطوَّقةٌ

وتبادَرتْ لحَنِينِهِا الثَّكْلَى

كم ضَلَّ يجْأر بالنِّدا كَلِفاً

يا أهلَ سَفْح المُنْحنَى مَهْلَا

أللهَ في صبٍ أقامَ على

نارِ الغرامِ وحَرَّها يَصْلَى

ذابتْ حُشاشتُه فأرْسَلها

مَثَلاً بصفحة خدِّه تُتْلَى

وتباعَد الصبرُ الجميلُ كما

بَعُدَ المَزارُ وقوَّض الرَّحْلَا

وخَريدةٍ لانَتْ مَعاطفُها

وقسَتْ فؤاداً وانْثَنتْ خَجْلَى

في جِيدِها هَيَفٌ وقامتُها

رَيَّانةٌ للهِ ما أحْلَى

تبدُو كما يبدُو الصباحُ إذا انْ

جابتْ غدائرُهَا لتُسْتَجْلَى

ص: 460

فتُرِيكَ بَرْقاً من ثَنِيَّتِها

لَمَعانُه يسْتهترُ العَقْلَا

وكلُؤْلُؤٍ أُلْقِي على صَدَفٍ

رشحَ الجبِينُ وقدرُه أعْلَى

يا سائِقَ الوَجْناء مُعْتسِفاً

أدْركتَ من بُرَحائِك النَّبْلَا

كيف السبيلُ إلى مُواصلةٍ

تُدْنِي الدِّيارَ وتجعُ الشَّمْلَا

بِي مثلُ ما بِك والنِّظائرُ في

ما بينها تتعارفُ الحَمْلَا

فاحملْ أخاً قَعد الزمانُ به

وعَدا عليه البَيْنُ واسْتولَى

حتى تُبلّغه ذُرَا مَلِكٍ

يهوى النَّوالَ ويمنحُ الجَزْلَا

ويرُوع جَيْشَ الهمِّ إن فتكَتْ

بعُفاتِه ويسُومُها قَتْلَا

بكَرائمٍ لا يسْتقيم لها

خَطْبُ النوائبِ قَلَّ أو جَلَاّ

ومَكارمٍ تكسُو العُلَى حُلَلاً

يبْلَى الزمانُ بها ولا تبْلَى

من مَعْشرٍ سَلكُوا بسعْيهمُ

في الصّالحاتِ طريقةً مُثْلَى

ونَضَوْا لنصرِ الدِّين مُرْهَفةً

أضْحتْ أعادِيه بها قَتْلَى

حَسْبُ الليالِي أنها جَمعتْ

بين الفَخارِ وأهلِه شَمْلَا

وأتتْ بمَلْكٍ جَلَّ عن شَبَهٍ

مَلأَ البَسِيطةَ سيْفُه عَدْلَا

لا يَرْتضِي العَلْيَا سِواه لها

في الأكْرَمِين جميعهم عِدْلَا

السيد محمد بن الهادي الديلمي القطابري شمس فضلٍ يضيء به الزمن البهيم، وبحر أدب تروى به العطاش الهيم.

له من الفضل لب اللبان، ومن الأدب ما تصبو إليه أولو الألباب.

وقد رأيت له قصيدةً على حرف العين، فقلت: عليها عين الله من العين.

ثم أثبتها متنافساً فيها حسناً ولطفا، وهاهي كالخود الرداح تهتز من دلها ردفاً وعطفا.

وقد كتب بها إلى الحسين المهلا.

ومطلعها:

عُجْ بالغَضَا ولَعْلَعِ

ورَامة والأجْرعِ

وقِفْ هناك مُعْلِناً

بصوتِك المُرجَّعِ

واسألْ أُهَيْلَ المُنْحنَى

عن قلبيَ المُستودَعِ

قلبٌ به نارُ الهوى

والوجدُ بين أضْلُعِي

مَن لامْرِىءٍ دموعُه

في الخدِّ أيّ هُمَّعِ

يبْكي اللُّوَيْلاتِ التي

سلامُها تودُّعِي

ليلاتُ وصلٍ عبَرتْ

عُبورَ بَرْقٍ مُسرِعِ

أيامَ لي ثوبُ الصِّبا

وصَفْوُهُ تدرُّعِي

سقى الحَيا زمانَه

وعيشُنا ذاك رُعِي

لَهْفِي على مواقفٍ

مضَتْ بذاك المَرْبَعِ

كنتُ بها في غفلةٍ

ونِعْمةٍ لم تُنزَعِ

وشادِنٍ جَفْوتُه

نِبالُها لم تُدْفَعِ

واصَلنِي تكرُّماً

طبعاً لا تطبُّعِ

فليت شِعْرِي مالَه

شَطَّ على المُولَّعِ

آهٍ على العيشِ الذي

طال له توجُّعِي

نُدِيرُ كاساتِ الطُّلَى

بلفْظِ نَدْبٍ ألْمَعِي

في حَيِّ حَيٍ كلُّهمْ

كالبدر عند المَطلَعِ

شموسُ علمٍ نورُهمْ

ما زال ذا تشَعْشُعِ

من آلِ طه مَعْشر

ذوِي السُّيوفِ القُطَّعِ

ليوثُ حربٍ إن دُعُوا

لَبَّوا ببطْشِ الأنْزَعِ

أكْرِمْ بهم من سادةٍ

صدور كلِّ مَجْمَعِ

وأنت يا سعدُ إذا

نُودِيتَ يوماً فاسْمَعِ

أبْلِغْ حُسَيناً مَن له

في المجدِ خيرُ موضِعِ

قاضِي القضاةِ يا لَه

من عالمٍ وأرْوَعِ

بُورِك للعالَم في

حياتهِ والمَربَعِ

فخَلِّني من غيرِه

كم صنَمٍ مُلفَّعِ

أكْرِمْ به من عَلَمٍ

وعالِمٍ مُمَّتعِ

ص: 461

وباسِلٍ عرَفتُه

بالكفِّ عارِي الأشْجَعِ

إن صَرَف الدهرُ ولم

يُجِرْ ولمَّا يَمْنَعِ

يمَّمْتُه مُسلِّماً

بحالةِ المُودِّعِ

ومن جواب القاضي له:

يا ابنَ الوَصِيِّ الأرْوعِ

ونورَ كلِّ مَجْمَعِ

نَجْلَ النبيِّ مَن له

قال الإلهُ فاصْدَعِ

ومَن غَدا بُرْهانُه

في العلمِ أيَّ مَرْجِعِ

وافَى إليَّ نَظْمُه

كزهرِ روضٍ مُمْرعِ

في جَنَّةٍ راقتْ لدَى

فضلٍ بتلك مُولَعِ

أنْهارُها كفضَّةٍ

تجْري بتلك الأرْبُعِ

ومنها:

كأنما مَرَّتْ على

سُوحِ العظيمِ الأرْوَعِ

محمّدٍ مَن عِلْمُه

في الناسِ ذُو تَنَوُّعِ

وإن بَدَا في مَحْفَلٍ

مُشَرَّفٍ مُمَنَّعِ

رأيتَ بحراً زاخِراً

أمْواجُه لم تُدْفَعِ

يمْلي عُلوماً جَمَّةً

لِمَسْمَعٍ ومُسْمَعِ

يروِي الحديثَ مُسْنَداً

وإن يُحدِّثْ يَرْفَعِ

مُدبِّجاً ومُرسِلاً

كالغيْثِ إمَّا يَهْمَعِ

مُعَنْعنِاً مُعْضِلَه

مُسَلْسِلاً لمَن يَعِي

كم خبرٍ منه لنا

غريبُه لم يرجعِ

يُزِيلُ كلَّ مُنْكَرٍ

موضوعُه لم يُسْمَعِ

وهي طويلة.

ومما كتبه إلى الحسين أيضاً، قوله:

لئن صُرِفتْ عنِّي الهمومُ الطَّوارِقُ

وساعَدني دهرِي وما عاق عائِقُ

وأيَّدني ربُّ العباد بنصْرِه

وتأييدِه لم أخْشَ ما قال فاسقُ

وحَسْبُ الفتى أن يتَّقِي الله ربَّه

وما غضبُ المخلوقِ إن يرضَ خالقُ

فقُل للأُلى قد يحسدوني على العُلَى

لُحِيتُم أمَا فيكم مدَى الدهرِ صادقُ

تبِيتُ كأعْيان الغواني عيونكُم

تمَلُّكمُ عند الخمُولِ النَّمارِقُ

ولي مُقَلٌ سُهْرُ الجفونِ ومِفْرَشي

سُروجُ المَذاكِي والحسامُ المُعانِقُ

وسَرْدُ الدِّلاصِ الزُّعْفِ أشْرَفُ مَلْبَسٍ

عليَّ وللنَّقْع الكَثِيفِ سُرادِقُ

ولي عَزَماتٌ تسلُب الليثَ شِبْلَه

وعزْمٌ له تعنُو الذُّرَى والشَّواهِقُ

ورأيٌ إذا أعملْتُه في مُلِمَّةٍ

يُفلُّ فِرِنْدَ السيفِ والسيفُ فالقُ

سَجِيَّة آباءٍ كِرامٍ غَطارِفٍ

إلى المجد سبَّاقٌ وإنِّي للاحِقُ

نَمَتْهم إلى العَلْيا نفوسٌ كريمةٌ

تخاف أَعادِيها وترجو الأصادقُ

وما هيَ إلَاّ نعمةٌ قد تحدثَّتْ

بها شفَتي والحرُّ بالحقِّ ناطِقُ

أيا سعدُ عُجْ بالحسين الذي له

علومٌ لها بحرٌ على الناسِ دافِقُ

فتىً يُدْهِش الأبْصارَ رأْياً وحِكمةً

وعلماً وحِلْماً فهْو للنفسِ خارِقُ

ونادِ بنادِيه وقُل يا ابن ناصرٍ

عليك سلامُ الله ما ذَرَّ شارِقُ

لقد أرْعدتْ في الأرض من قبل صَبْوتِي اللّ

ئامِ ولِلأوباشِ ثمَّ بَوَارِقُ

وما صَوْلتِي لولا الإمام لقولِه

فبُورِكَ قولاً فهْو للخير سابقُ

أتتْ نحوه منك الطُّروسُ مُذكِّراً

فَلبَّتْك منه بِيضُه والسَّوابقُ

يقودهمُ مَن ليس للخَصْم مَدْخَلٌ

عليه ولا للِقْرنِ إن ضاق مَأزَقُ

فتىً شبَّ في نَصْرِ الخليفة جاهداً

وشاب وما شاب الزمانُ الغُرانِقُ

ص: 462

وقام بأمرِ الحقِّ عن أمرِ قائمٍ

هو العدلُ إن حار اللئيمُ المنافقُ

وأنْفَذَ سُبْلاً للمساكينِ لم يزلْ

بها مارِدٌ طاغٍ وما زال مارِقُ

وجاء معي وجهٌ من الحقِّ أبْلَجٌ

أضاءَ به الإسلامُ فالغمُّ زاهِقُ

ولكنني أدْعوه دعوةَ وامقٍ

ونَفْثةَ مَصْدورٍ به الصدرُ ضائِقُ

ذَوِي البَغْيِ في الأصْفاد حرب وآخر

له شُبُهاتٌ وهْو واللهِ سارقُ

لعلَّ أميرَ المؤمنين يُحقق الّ

ذي قلتُ أو يدْرِي لما أنا راشِقُ

ومَن يعلم التَّمْليح غير خليفةٍ

ولولاه ما في الخلقِ أرْوعُ حاذِقُ

وكيف يصِحُّ الجسمُ والرأسُ مُوجَعٌ

وكيف يُنِير العدلُ والجَوْر آنقُ

إليك على بُعْدِ الديارِ نصيحةً

لها الوُدُّ والإخلاصُ داعٍ وسابِقُ

فإن نطقتْ عنِّي بحقٍ فأهلُه

وإن كذبتْ فالمجدُ عنديَ طالقُ

ويا أيها القاضِي الهِزَبْرُ وخيرَ مَن

يُنادَى إذا ما الظلمُ للرِّفْقِ ماحِقُ

سلامٌ عليكم بعد جَدِّي وآلهِ

سلامَ امْرِىءٍ إن رُمْتَه لا يُنافِقُ

تحية ذِي قلبٍ تحرَّق بالجوَى

ولِمْ لا وقد قَلَّ الوَلِيُّ المُصادِقُ

ولولاك في هذِي الرُّبَى للفيتها

وأوحيتها ما لاح في الجوِّ بارِقُ

وإخوتُك الصِّيدُ الكرامُ عليهمُ

تحيةُ صَبٍ بالمَودَّةِ واثِقُ

يقول إذا ما ضَمَّ شَمْلِي بشَمْلِكم

فَرِيقا هوىً منا مَشُوقٌ وشائِقُ

السيد محمد بن صلاح بن الهادي من سراة اليمن وأشرافه، يقطر ماء النباهة من أطرافه.

له السبق في الجهاد، ونظم أعمال الجبال والوهاد وقد ولي الأعمال بأبي عريش وجازان، فزاد شرفهما بقدره وزان.

وله في الأئمة بني القاسم مدائح قالها تحبباً لا تكسبا، وعمر بها مجالسهم تقرباً لا تحسبا.

فحظي عندهم بأكرامٍ وإعزاز، ووضع ثوب نفاسته في يدي بزاز.

وهو في الشعر ممن نشر وشياً محوكا، ونظم دراً محبوكا، ومنح ذهباً مسبوكا.

وقد أثبت من عيون أشعارهذه العينية، وهي كما ترى روضةٌ تهدلت أغصانها بالثمار الجنية.

وقد كتب بها إلى الناصر المهلا، ولم يبلغني منها إلا المقدار الذي كتبته:

لستُ أنْسَى رقَّةَ العيشِ الذي

زاد في الرِّقَّةِ حتى انْقطَعَا

في رُبَى الشَّجْعَة كُنَّا جِيرةً

وأخلَاّئي وأخْدانِي مَعَا

جنةٌ عندي رُباهَا زُخْرِفتْ

سِيَّما والكَرْمُ فيها أيْنَعَا

وسقى اللهُ لُيَيْلاتِ الحِمَى

وكلاه وحَماه ورَعا

وصديقاً زارني من بعدِ ما

بجَلابيبِ الظلامِ ادَّرَعَا

قطعَ البَيْداءَ نحوِي مُسرِعاً

والفَيافِي والمَوامِي قطَعَا

زار كالطَّيْف اخْتلاساً ومضَى

ثم ما سلَّم حتى ودَّعَا

أوْدَع القلبَ أسىً إذْ ودَّعا

فجميلُ الصبرِ منِّي امْتنَعَا

وسعَى الحادِي به مستخْفِراً

ليته يا قلبُ ما كان سعَى

إن يكنْ لَذَّ لسَمْعِي خبرٌ

بعد أن فارقْتكُم لا سمِعَا

أو ظننْتُم أن جَفْنِي هاجِعٌ

فلَعَمْرِي بعدكم ما هجَعَا

عِيلَ صَبْرِي إذْ رحلْتُم جَزَعاً

وفؤادِي ذاب فيكم وَلَعَا

كان ينْهانِي الحيَا أن أشْتكِي

فغرامِي لحيائِي منَعَا

فاقْصِدا الناصرَ فضلاً إنه

خيرُ بحرٍ للمَعاني جُمِعَا

واسْألا لِي مَن نَداه دَعْوةً

فهْو بَرٌّ ومُجابٌ إن دَعَا

السيد يحيى بن أحمد بن صلاح بن الهادي الوشلي

ص: 463

فرعٌ من دوحة السيادة أورق وأثمر، وهلالٌ في أفق النجابة أمده النور الإلهي فأبدر وأقمر.

وآباؤه صناديد ضراغم، طأطأ لهم السؤدد وهو راغم.

لهم الشرف الذي أربى على كل شرف، واحتوى على أدوات المعالي من كل طرف.

فكان فيهم سحبان يسحب ذيل فصاحته، وحاتماً يقيم رسم سماحته.

وحسيبهم هذا كالمسند كلما كبر ساد، وكالذهب كلما سبكته السنون زاد.

وله من الشعر بدائع ألطف من سلافة العصير، وروائع أشهى من ربيبات المقاصير.

فمن جيده قوله، من قصيدة، أولها:

حمَى النومَ بَرْقٌ جاء من جانبِ الحِمَى

يلُوح فأبكَى العينَ لمَّا تبسَّما

وحَرَّك أشْجاناً وهيَّج لَوْعةً

وأوْدَع نِيراناً بقلبِي وأضْرمَا

وذكَّرني عهْداً وما كنتُ ناسياً

لعهدٍ مضَى بالرَّقْمَتيْن وإنَّما

يُجدِّد ذِكْراً فوق ذكرٍ فأنْثنِي

مُبِيحاً لما قد كان مني مُكتَّمَا

رعَى اللهُ سُكَّانَ الحِمَى وحَماهم

ولَذَّةَ عيْشٍ طاب فيه ومَعْلَمَا

وأيامَ أُنْسٍ قد مضَتْ وليالياً

تقضَّتْ به والضِّدُّ في عينِه عَمَى

ورَوضاً أرِيضاً كم نعِمْنا بظلِّه

وظلاً ظليلاً كان للصَّبِّ مَغْنَمَا

سحَبنا به ذيْلَ المَسَّرةِ بُرْهةً

من الدهرِ لا نَلْوِي على كاشحٍ رَمَى

فللهِ من ظلٍ مَديدٍ ومَجْمَعٍ

سعيدٍ ومن عيشٍ رغيدٍ تقدَّمَا

وحَيَّى الحَيَا تلك المعاهدَ والرُّبَى

هَنِيّاً إذا وافَى رَوِيّاً إذا هَمَى

حدائقُ عَلْيا صافحتْها يدُ الصَّبا

صَباحاً وزَارتْها الشَّمالُ مُعتَّمَا

أُعلِّل قلباً بادِّكارِ مَواطنٍ

فيزْدادُ وَجْداً بالتذكُّرِ كُلَّمَا

وما بالُ قلبي خافق كُلَّما سَرَى

نسيمٌ أمِنْه خَفْقَةً قد تعلَّمَا

أقول إذا الحادِي ترنَّم شادِياً

رُوَيْدَك قد هيَّجْتَ قلباً مُتَيَّمَا

وإن جَدَّ ليلي زاد ما بِي من الجوَى

فنومِي على الأجْفانِ إذ ذاك حُرِّمَا

ولا غَرْوَ مَن يَلقى كوَجْدِي يرَى بما

يُقاسِيه أسْقاماً ووَجْداً مخيِّمَا

أحِبَّةَ قلبي هل لأيَّامنا التي

مضتْ من إيابٍ أو تعود إلى الحِمَى

وهل ذلك الروضُ الأرِيضُ وعَيْشُه الرَّ

قيقُ كما قد كان فيما تقدَّمَا

فشَوقي إلى ذاك الحمَى شوقُ صادِىٍ

إلى الماءِ يوماً قد أضَرَّ به الظَّمَا

ووجْدِي بهم وَجْدُ الحسين بنِ ناصرِ ب

نِ عبد الحفيظ النَّدْبِ أفضل مَن سَمَا

بِجَمْعِ المعالي من طَريفٍ وتالِدٍ

نسِينا به أخبارَ من قد تقدَّمَا

إذا قال لم يتْرُكْ مقالاً لقائلٍ

فما قُسُّ في إبْداعِه إن تكلَّمَا

وما ابنُ هلالٍ في مَلاحةِ خَطِّهِ

وما ابنُ عميدٍ في البلاغة دَعْهُمَا

له رتبةٌ قَعْساءُ ما قَطُّ نالَها

سِواه ولو كان السِّما كان سُلمَا

إذا زُرتَه شاهدتَ في الأُنْسِ روضةً

وفي فضلهِ شَمْساً وفي العلمِ خِضْرِمَا

لمجلسِ علمٍ لو تعدَّاه ضَيْغَمٌ

تأدَّب إجْلالاً له وتحرَّمَا

علومٌ طغَتْ أمْواجُها فتلاطَمتْ

وصدرٌ رحِيبٌ كالخِضَمِّ إذا طَمَا

منها:

لقد ضلَّ مَن يبْغِي عُلاك جَهالةً

ودون عُلاك النجمُ أقربُ مُرْتَمَى

ولو بابْنِ حَيُّوسٍ دنَا منك وقتُه

لعَاد بما تُوليه منك مُعظمَا

وجاوَرَ لُقْماناً وشاهَد يُوسفاً

وخاطَب سَحْباناً وأمَّ يَلَمْلَمَا

فكم ليلِ شَكٍ قد جلَيْتَ ومَسْمَعٍ

مَلَيْتَ وكم أوْضَحتَ ما كان مُبْهَمَا

ص: 464

وكم عُقَدٍ أحْلَلْتها وأحَلْتَها

وكم نُوَبٍ أجْلَيْتَها مُتكرِّمَا

وليس لِما أبْرمْتَ نعرفُ ناقِضاً

ولا لمَقالٍ أنت تنقُض مُبْرِمَا

السيد محمد بن أحمد بن الإمام المؤيد بن علي بن جبريل سيد بهر بحسن خلقه وخلقه، ولقد أطلق عنانه في المكارم فلم يدرك أحدٌ شأو طلقه.

محاسنه سافرة القناع، ومحامده يتم بها وحدها الإقناع.

ولاه المتوكل بندر المخا فأحمدت سيرته، وظهرت عن سر الكناية سريرته فأمده بالمعونة المتبينة، واستظهر له الرعاية المتعينة.

فلم يزل حتى طوى من مسافة العمر المراحل، وانتهى من لجة بحر الحياة إلى الساحل.

وقد أثبت له من شعره السهل الانقياد، ما استوفى الحسن جملةً فلم يبق فيه محلٌّ لازدياد.

فمنه قوله:

طرَبٌ يهِيجُ اليَعْمَلاتِ سَبالِ

وجوىً بأطْباقِ الفؤاد ذَوانِي

وتعَلُّلِي بَخِلتْ به رِيحُ الصَّبا

وتصبُّرِي كَرُمتْ به أجْفانِي

إن الحبيب وقد تناءتْ دارُه

أغْرَى فُؤادَ الصبِّ بالأَحْزانِ

لو زارني طَيْفُ الكَرَى مُتفضِّلاً

بجمالِه وحديثِه لشَفانِي

أو لو تفضَّل بالوِصالِ تكرُّماً

أصبحتُ مِن قَتْلاه بالإحْسانِ

يا عاذِلي دَعْنِي فلستُ بمُرْعَوٍ

عَذْلُ العِدَى ضَرْبٌ من الهَذيَانِ

من مديحها:

لولا طلوعُ الشمسِ في كبدِ السَّما

خِلْناه أشْرفَ مِن على كِيوانِ

فكأنه السفَّاحُ منصورُ اللِّوَا

جاءتْ صوارمُه على مَرْوانِ

وكأنه الهادِي بنُورِ جَبِينِه

وكأنني المَهْدِيُّ في إذْعانِي

وكأن نُورَ جَبِينه من يوسُفٍ

فأنا الرَّشِيدُ به إلى الإيمانِ

يا أيها المأمونُ عند إلههِ

والمُتْبِعُ الإحسانَ بالإحْسانِ

والحاشرُ الماحِي المُؤمَّل للورَى

تحت اللِّوَا ذُخْراً إلى الرحمنِ

الجارُ والرَّحِمُ الذي أوصَى به

ربُّ السما ودعاك بالإعْلانِ

فاللهَ فيَّ أبا شَبِير وشَبَّرٍ

كيلا أخافَ طوارقَ الحِدْثانِ

محمد بن دعفان الصنعاني من آل أبي عمرو أساة القريض، وولاة الجاه العريض.

وكانوا بصنعاء ممن بنوا للآداب منارها، ورفعوا نارها، وأطلعوا وردها وجلنارها.

وهو من بينهم بحر النظام، وبقية الأعلام العظام.

أبده من نطق ولفظ، وأنبه من نظر ولحظ.

وقد وقفت له على أبيات من قصيدة، مدح بها الإمام القاسم مهنياً له بفتح صنعا.

وهي هذه:

هِمَمُ الخَطِير جليلةُ الأخْطارِ

محمودةُ الإيرادِ والإِصْدارِ

وتفَاضُل العَزَماتِ في أرْبابها

يجرِي بحسَب تفاضُل الأقْدارِ

والناسُ مُشتبهو الذَّواتِ وإنما

ليس المَعادِن كلُّها بنُضارِ

إنَّ اليواقيتَ الثمينة لم تكُنْ

ممَّا تُقاسُ بسائرِ الأحْجارِ

جاء ابنُ حمْزةَ في القياسِ بمُعْجِزٍ

من جِنْسِ مُعجِزِ جَدِّه المُختارِ

وأتى ابنُ بنتِ محمدٍ كمحمدٍ

ما أشبهَ الآثار بالآثارِ

كُنَّا عن المنصورِ نَرْجُو مُخْبِراً

حتى بدَا يُغْنِي عن الأخْبارِ

أحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال رأس مهرة علوم اللسان. وناسج صنعاء الحلل الحسان.

توفرت آراؤه للصنائع الناجحة، واختص ميزان حسناته بالأعمال الراجحة.

وله التاريخ الذي أبدع فيه وأغرب، وأطرب بحسن تعبيراته جد ما أطرب.

استكمل فيه الفروع والأصول، واستوفى الأجناس برمتها والأصول.

يأخذ الحق ويعطيه، ويرمي الغرض فلا يخطيه.

وهو إلى ما يريد، أقرب من حبل الوريد.

وله أدب دار به من رحيق البيان معتقه، وملأ الأكمام من زهر روضه مفتقه.

وقد أخرجت من شعره قطعةً أنضر من الروض غصونه تعتنق، وأسحاره تتنسم وآصاله تغتبق.

وهي قوله، في وصف روضة صنعاء الشهيرة:

روضةٌ قد صَبا لها الصُّغْدُ شوقاً

قد صفا ليلُها وطاب المَقِيلُ

ص: 465

جوُّها سَجْسَجٌ وفيها نسيمٌ

كلُّ غصنٍ إلى لِقاه يميلُ

صحَّ سُكَّانها جميعاً من الدا

ءِ وجسمُ النسيم فيها عَليلُ

إيهِ يا ماءَ نهرِها العذبَ صَلْصِلْ

حبَّذا يا زُلالُ منك الصَّلِيلُ

إيهِ يا وُرْقَها المُرِنَّةَ غَنِّي

فحياةُ النفوسِ منك الهَدِيلُ

رَوْضَ صنعاءَ فُقْتَ طبعاً ووصفاً

فكثيرُ الثناءِ فيك قليلُ

تِهْ على الشِّعْبِ شِعْبِ بَوَّانَ وافْخَرْ

فعلَى ما تقولُ قام الدليلُ

نهرٌ دافِقٌ وجَوُّ فَتِيقٌ

زهرٌ فائقٌ وظِلٌّ ظليلُ

وثِمارٌ قِطافُها دانِياتٌ

يجْتنيها قصيرُنا والطويلُ

لستُ أنْسَى ارْتعاشَ شُحْرورِ غُصْنٍ

طَرَباً والقَضِيبُ منه يميلُ

وعلى رأسِ دَوْحِه خاطَب الوُرْ

قَ ودَمْعُ الغصونِ طَلاً يسيلُ

ولسانُ الرُّعودِ تهْتِفُ بالسُّحْ

ب فكأن الخفيفَ منها الثقيلُ

وفَمُ السحبِ باسمٌ عن بُروقٍ

مستطيرٌ شُعاعُها مستطيلُ

وزهورُ الرُّبَى تعَجَّبُ مِن ذَا

شاخِصاً طَرْفُها المَلِيحُ الجميلُ

فانْبَرتْ قُضْبُها تَراقَصُ تِيهاً

كخليلٍ سقاه خمراً خليلُ

وعلى الجوِّ مِطْرَفُ الغَيْم ضافٍ

وعلى الشَّطِّ بُرْجُ أُنْسٍ أَهِيلُ

فيه لي رُفْقةٌ رِقاقُ الْحَواشِي

كاد لِينُ الطِّباع منهم يسيلُ

وهمُ في العلى أشدُّ من النَّبْ

عِ إذا حَلَّ في الخُطوبِ الجليلُ

أرْيَحِيُّون لو تسومُهم النَّ

فْسُ لجادُوا فليس فيهم بخيلُ

نَتهادَى من العلومِ كؤوساً

طَيِّباتٍ مِزاجُها زَنْجبيلُ

وغوانٍ من المَعانِي كِعابٍ

ريقُها عند رَشْفِه سَلْسبيلُ

طاب لي رَأْدُها وطاب ضُحاها

كيف أسحارُها وكيف الأصيلُ

ولما اطلع عليها القفاضي محمد بن إبراهيم السحولي، عارضها بقوله:

لا زال وجهُ الجمالِ الجميلُ

ولها منه غُرَّةٌ وحُجولُ

وعليها من المَلاحة سِرْبا

لٌ طِوالٌ أرْدانُه والذُّيولُ

وخَلاخيلُ بهجةٍ وسُلُوسٌ

وتَقاصِيرُ نَضْرةٍ وفُلولُ

والذي أبرزَتْ من الحسنِ معلو

مٌ ولكنْ أضْعافُه المجهولُ

ولهذي الدعوَى براهينُ قد

حُرِّر منها المَعقولُ والمنقول

غيرَ أن المَجالَ يُسْتحسَن الإجْ

مالُ فيه ويسمُجُ التفصيلُ

جنَّةُ الأرْبعِ الجِنان الذي دَا

نَ بتفْضيلِها عليها الرسولُ

ومتى احْتاجتِ الغزالةُ في رَأْ

دِ الضحى أن يُقام فيها الدليلُ

ولِموضوعِ حُسْنِها في الحواشِي

مُلحقَاتٌ بدائعٌ وفُصولُ

كالرياضِ الغَنَّا إذا طاب فيها

ليلُها والضحى وطاب المَقيلُ

وبكى الغيمُ في رُباها فأضحى

ضاحكاً منه ثغرُه المعسولُ

وتغنَّى الهَزارُ في الوَرَقِ الأخْ

ضرِ واصْفَرَّ كالنُّضارِ الأصيلُ

وأتى مُرْسَلُ النسيمِ إلى الغُصْ

نِ فيُوحِي إليه كيف يميلُ

حبَّذا حبَّذا مُروج أحاطتْ

ببرُوجٍ فيها البدورُ نُزولُ

كجِنانِ الفِرْدَوْسِ ألوانُ ولْدا

نٍ من النَّبْتِ في رُباهَا تجُولُ

فَلِرَيْحانِها سرورٌ وقد را

ق بلالاً خَدٌّ له مَبْلولُ

وإذا اهتزَّ الغصنُ وانْتثرَ الطَّ

لُّ بمَرْجانِه تبسَّم لُولُو

ص: 466

وإذا ما النسيمُ دبَّ على الما

ءِ تَعاطاه جوهرٌ وقبولُ

حَبَّذا نهرُها الذي المِسْكُ والكا

فورُ والشُّهدُ فيه والزَّنْجبيلُ

ما نَقِيبٌ ودِجْلةٌ والمُعلَّى

وفُراتٌ ونِيلُ مصرَ المُنيلُ

في البساتين كالثَّعابين تَنْسا

بُ رأيتَ الحِبابَ كيف تسيلُ

أو كما هُزَّ للمِصاعِ يَفاعٌ

صَحْصَحانُ الأطرافِ سيفٌ صَقيلُ

إن تُصلْصل حُماتُه حكم القا

ضِي فمِن عادة السيوفِ الصَّلِيلُ

كل ما مرَّ فهْو حالٍ ولكنْ

لا تقُل فيه كلُّ حالٍ يحُولُ

كم خلافٍ عنه له ثمراتٌ

قد حَواها جميعَها المَحصولُ

القاضي حسن بن العفيف الحضرمي شاعر تلك الخطة، وأديبها الذي أقدار أدبائها عنه منحطة.

له شهرةٌ في تأليف الدراري بأسلاكها، كشهرة الكواكب طالعةً في أفلاكها.

وقد رأيت له قصيدة فتعلقت بها وتمسكت، وتأرجت بروائحها العبقة وتمسكت.

وها هي كالغانية، ضمخت بالغالية.

فخذها مباركاً لك فيها، ومتع الفكر في ظاهرها وخافيها.

وكان مدح بها المتوكل إسماعيل، وأولها:

هو الرَّبْعُ سَلْه أو فقِفْ لي أسائِلُهْ

أنُزَّالُه نُزَّالُه أم نَزائلُهْ

فإنَّ هُدُوَّ القلبِ يُؤْذِن أنَّما

به غيرُهم والدمعُ أشْكل سائلُهْ

أرى القلبَ أهْدَى لي الصوابَ وربَّما

غدا وهْو ذُو علم بما الطَّرْفُ جاهلُهْ

فيا رَبْعُ نَبِّئْنَا أنُزَّالُك الأُلَى

عَهِدنا فإنَّ الحقَّ ما أنتَ قائلُهْ

فقال أجَلْ مَن قد عَهِدنا وذا الحِمَى الْ

مسَمَّى وذاك المنْحَنَى وخَمائلُهْ

وتلك لُبَينَى حيث تُقضى لُبانةُ الْ

مُحِبِّ وحال الصَّبِّ تهْدا بَلابِلُهْ

فقلتُ سُقِيتَ الغَيْثَ لم أجهلِ الذي

علمتَ ولكنْ لاق عندي تجاهُلُهْ

وليلٍ كتَأْميلِ المَشيبِ أرِقْتُه

لهم ثم ليلُ الهَمِّ سار يُطاوِلُهْ

كأنَّ به جَفْني لجَفْنِيَ عاشِقٌ

وطَرْفِي رَقيبٌ حارسٌ لا يُواصِلُهْ

إذا ما سَها وَقْتاً كَلَا وكذا وَشَى

من الدَّمْعِ نَمَّامٌ على السهوِ عادِلُهْ

لِيَ اللهُ من ثاوٍ بجِسمٍ وطَيُّه

طعِينُ فؤادٍ راحلُ الفكرِ قافِلهْ

أُفكِّر أيَّ البِيد بالقُودِ أرْتَمِي

إلى منزلٍ بالغُبْرِ طابتْ منازلُهْ

وأيَّ خِضَمٍ بالسَّفِين أخوضُه

إلى مثلهِ جُوداً تطامَتْ جداولُهْ

وعاذلةٍ بين الجوانِح راعَها

مُحاولُ حالٍ في عَنا مَن يُحاوِلُهْ

تقول على مَ ذا التَّرامِي على النَّوَى

ومُرِّ النوَى والرزقُ فاللهُ كافِلُهْ

أقولُ لها قولَ امْرِىءٍ لم يَطِبْ له

على دَعَةٍ من طَيَّبِ العيشِ خامِلُهْ

ذَرِيني على أخلاقيَ الصمد التي

هي الوَفْرُ أو شَرْبٌ تَرِنُّ ثَواكِلُهْ

فلم أرَ عُذْراً للكريمِ بدون ما

ينالُ الفتى أو بازْدِيادٍ يُزاوِلُهْ

سأسْرِي كما يسْرِي الهلالُ بأُفْقهِ

هو الحَظُّ إما مَحْقُه أو تكامُلُهْ

وحقَّقَ نَيْلِي للمُنَى ووَسيلتي

دعاءُ أميرِ المؤمنين ونائلُهْ

فلا فضل إلا دون فضلِ ابن قاسمٍ

ولا بَذْلَ إلَاّ دون ما هو باذلُهْ

إذا قيل إسماعيلُ أبلغ جُنْدُه الْ

هدى عُدَّةً والوصلُ طالتْ أناملُهْ

إمامٌ وعاءُ الدهرِ يطْفحُ مُتْرَعاً

به وكذا طابتْ قديماً أوائلُهْ

ص: 467

فضائلُه ضاق الزمانُ بكُنْهِها

وفاضتْ على طُرْقِ الزمانِ فواضلُهْ

إذا ما دعانا الخَطْبُ لُذْنَا بيُمْنِه

فتُجْلَى به في الحال عنَّا جلائلُهْ

وإن جال فرسانُ العلومِ فإنه

يُحاذِرُ منه فارسَ القوم راجلُهْ

فعمَّا تسائلُه فإنك سائلٌ

لحَيْدَرة في علمِه إذْ تُسائلٌهْ

تأمَّلْ إذا أمْلَى دقائقَ فِكْرِه

وما ضُمِّنْته كُتْبه ورسائلُهْ

فمسألةٌ كالشمسِ يزْهو ضَوْءُها

كبدرٍ وكالزُّهْرِ النجومِ دَلائلُهْ

أقول مَقالاً قيل قثبلي وإنَّما

إلى خيرِها من شرِّها أنا ناقِلُهْ

جَوادٌ يُنِيلُ الحمدَ جَذْلانَ باسماً

ويزْدادُ بشراً كلَّما ازْداد آمِلُهْ

علامةُ جودِ المرءِ بالطَّبْعِ بِشْرُهُ

كجودِ الحَيا لَمْعُ البروقِ مَخائلُهْ

أجلْتُ افْتكارِي في الكرامِ فما بهم

سِواه كريمٌ كاملُ الجودِ شاملُهْ

وكاملُ جودٍ جودُه غيرُ شاملٍ

وشاملُه لكنّ ما هو شاملُهْ

فلَّله بَرٌّ بَسْطةُ البحرِ كفُّه

سَماحاً وبحرٌ ساحةُ البِرِّ ساحِلُهْ

بلغْتَ بأُفْقِ الجودِ أفضلَ رُتْبةٍ

فقِف ثم لا أعْلَى لما أنتَ طائلُهْ

كأنك في الدنيا بجِسْمِك كائنٌ

وبالزُّهْد فينا بائنُ القلبِ آفلُهْ

تأملَّتَ إنِّي تارِكٌ فيكمُ وما

يُضاهِيه عن خير الورَى ويُشاكِلُهْ

فأنتَ به المقصودُ في العصر والذي

يحُثُّ عليه في اتِّباعك حاصلُهْ

كَلاكَ ووَالاك امْرُؤٌ فاز ناجِياً

وعنك تولى مَن أُتِيحتْ مَقاتلُهْ

وخُذْ شُكْرَ إحسانٍ تُوالِيه دائماً

عليَّ ومَن لي أنَّ شُكْرِي مُقابِلُهْ

فكم كُربةٍ فرَّجتَ عني وشِدَّةٍ

كشفْتَ وحالِي ماحِلُ الحالِ حائلُهْ

وقمتَ بنصْرِي والزمانُ مُحاربِي

وأهْوِنْ به خَصْماً إذا أنت خاذِلُهْ

أذُمُّ كشُكْرِيك الزمانَ وأهْلَه

فساء وساءُوا فالقليلُ أَماثِلُهْ

أسافِلُه فيه الأَعالي وشَرُّ ما

لَقِيتَ زماناً والأعالِي أسافلُهْ

إذا شئتُ رَفْعِي شاء خَفْضِي فدائماً

يُماطِلني عمَّا أشَا وأُماطِلُهْ

فيا ليت شِعْري والعجائبُ جَمَّةٌ

لأَيَّةِ معنىً غاض في الدهرِ فاضلُهْ

دَعِيّ كدُبٍ خُصَّ بالخَفْضِ عَيْشُه

ونَدْب أدِيب أبْرَضَتْه مَآكلُهْ

لَحَى اللهُ دهراً باقِلٌ فيه قُسُّهُ

وقُبْحاً له إذ قُسُّه فيه باقِلُهْ

وما قلتُ هذا جازِعاً من صُروفِه

ولكنْ ليدْري منه ما هو غافِلُهْ

ويعلم أنِّي بالإمام مُظفَّرٌ

وإن ظافَرتْه من بَنِيه أراذِلُهْ

تباركْتَ مَوْلىً لم يخبْ منك سائلٌ

عظيماً ولم تعْظُم عليك مَسائلُهْ

وحَسْبُ امْرِىءٍ وَافاك رأيُك في النَّدى

وأن صِفاتِ الجُودِ فيك وسَائلُهْ

وصلّى عليك اللهُ بعد نَبِيِّه

وعِتْرتِه ما المُزْنُ أسْبَل وابِلُهْ

مطهر بن علي الضمدي اسمه مطهر ومسماه طاهر، وفضله وادبه كلاهما زاهٍ وزاهر.

وهو في العلم مشارٌ إليه، وفي حل المشكلات معول عليه.

لم يدع فناً إلا أهداه، ولا معنىً مغلقاً إلا أبداه.

وتفسيره الفرات النمير، في تفسير الكتاب المنير مفخر ذلك القطر إحساناً زائداً، وأجل أثرٍ لم يمنع من تلقي الفوائد النوادر رائداً.

ص: 468

كما قال في آخره: فدونك ما حوى من أصداف التفاسير لآليها، وأنار من مشكلات الأقاويل لياليها.

ولن يسعد بحل رموزه، ويظفر بكشف كنوزه.

إلا من برز في علم البيان، وأشير إليه في معرفه صحيح الآثار بالبنان، وراض نفسه على وفاق مقاصد السنة والقرآن.

هذا، ومع لطافة جسمه فكم حوى من لطائف، ومع حداثة سنه فكم حدث بظرائف، ومع رشاقة قده كم رشق من مخالف.

وكم مشكلٍ أوضحه قد أغفله الأولون، وكأيٍ من آية يمرون عليها وهم عنها معرضون.

قلت: وقد حظي هذا التفسير في اليمن بالقبول، ومدحه كثيرٌ من علمائه بالمدائح السائرة مسرى الصبا والقبول.

فمن جملة من مدحه السيد صلاح الدين بن أحمد بن المهدي المؤيدي، حيث قال:

هذا الفُراتُ فَرِدْ مَشارِعَ مائِه

تجِدِ الشرائعَ أُودِعتْ في بَحْرِهِ

كَشَّافُ كلِّ غَوامضٍ ببيَانِها

أسرارُ مُنْزَلِ ربِّنا في سِرِّهِ

لا عيبَ فيه سوى وَجازةِ لَفْظِه

مع أنه جَمع الكمالَ بأسْرِهِ

حبسَ المعاني الرَّائقاتِ برَقِّهِ

والحقَّ أطْلَق والضلالُ بأسْرِهِ

وله نظم ونثر شهيران.

فمن نظمه قوله:

مَن شافعِي نحوكم يُحنِّفكُمْ

إليَّ يا مالكِي فأحْمَدُهُ

زَيَّدتني حين صِرْتَ مُعْتزِلِي

وَجْداً كَحَرِّ الجحيمِ أبْرَدُهُ

يا رافضِي أنت ناصبِي لهوىً

ما كنتُ قبل الفِراقِ أعْهَدُهْ

وقوله:

تظنُّونِيَ مُرْتاحَا

ومَن أيْن ليَ الرَّاحَهْ

إذِ الراحةُ في الكيسِ

وليس الكيسُ في الرَّاحَهْ

وله:

تزوَّجْ هُدِيتَ تِهاميَّةً

ترُوقك في المِئْزرِ المِطْرَفِ

ودَعْ عنك بيضاءَ نَجْديَّةً

ولو برَزتْ في بَها يُوسُفِ

عليها قميصٌ وسِرْوالةٌ

وليستْ تَرِقُّ لمُسْتعطِفِ

فأجابه السيد صلاح المؤيدي بقوله:

أردتَ بها الذمَّ فَالْبَسْتَها

سَرابِيلَ مَدحٍ لا تختفِي

نعم هكذا شِيمةُ المُحْصَناتِ

إذا شئْتَ تمدحُ مَدْحاً وَفِي

قَساً في القلوبِ ولِينُ القُدودِ

وخَدٌّ نَقِيٌّ وصوتٌ خَفِي

وإن رام منها الْوَفا طارقٌ

فليستْ ترِقُّ لِمُستعطِفِ

حسن بن علي المرزوقي أديبٌ تعاطى الشعر جل بضاعته، وتوشية حلل الطروس معظم صناعته.

مع رقة طبعٍ تحسدها القدود الرشاق، وعلاقة صبابة تتفانى عليها نفوس العشاق.

وقد أوردت له قطعةً كلها غرر، ينقدح فيها من وجده الذي سكن لبه شرر.

وهي قوله:

تألَّق من نحو الكَثِيبِ ووَهْدِهِ

برِيقٌ تَلَالَا في حَمائلِ بُرْدِهِ

تَراءَى لِعَيْنٍ قد تقرَّحَ جَفْنُها

وعُوِّض عن طِيب المَنام بسُهْدِهِ

فهيَّج وَجْداً مُضْمَراً في سَرائرِي

وأبْدَى مَصُوناً ما استطعتُ لِرَدِّهِ

فبِت كئيباً وَالِهَ القلبِ شَيِّقاً

بِيَمِّ غرامٍ بين جَزْرٍ ومَدِّهِ

وما افْترَّ إلَاّ جاد بالدَّمْعِ ناظرِي

وأذْكَر ماءً بالعُذَيْب ووِرْدِهِ

ومَسْرَحَ غِزْلانٍ يرُحْنَ عَشِيَّةً

بذاتِ اللِّوَى والأبْرَقَيْنِ وثَمْدِهِ

ومَيَّادَ غُصْنٍ مُذ تثنَّى بعِطْفِه

لَوَى عَقْرَبَيْ صُدْغَيْه خَفَّاقُ بَنْدِهِ

كثيرُ التجنِّي والتَّجاوُزِ ظالمٌ

جنَى سيفُ لَحْظٍ منه وهْو بغِمْدِهِ

له حَدَقٌ صَحَّتْ بسُقْمِ جُفونِها

ومِن عَجَبٍ تقْويمُ شيءٍ بضِدِّهِ

وإنِّي إذا ما جَنَّ لَيلِي تخالُنِي

أحِنُّ حَنينَ الثَّاكلاتِ لفَقْدِهِ

ويُطربني صَدْحُ الحَمامِ بأيْكةٍ

إذا صاح قُمْرِيُّ البَشامِ بِرَدِّهِ

ورَنَّةُ شُحْرُورٍ يُرَدِّدُ شَدْوَهُ

بِغُنَّةِ إدْغامٍ ولينٍ بِمدِّهِ

ص: 469

وترْجِيعُ صوتِ العَنْدَلِيب كأنه

غدا رَاهباً فيه زعيماً بورْدِهِ

وإن شُقَّ نَحْرُ الفجرِ ناحتْ حَمائمٌ

تُسبِّح للهِ القديم بحمْدِهِ

وإنِّي على وُدِّي مُقِيمٌ على الوفَا

وما مِلْتُ بل باقٍ على حِفْظِ وُدِّهِ

كأنِّي وما أرجُو كُثَيِّرُ عَزَّةٍ

إذا حرْتُ أو بِشْرُ العَمِيد بهنْدِهِ

ألا في سبيلِ اللهِ دهرٌ قضَيْتُه

على ظَمَإٍ لم يَرْوِه ماءُ صَدِّهِ

أبِيتُ على جَمْرِ الغَضا مُتقلِّباً

وفي طَيِّ أحْشائِي تَلُظُّ بوَقْدِهِ

محمد بن محمد العشبي شاعرٌ له قطع مستجادة، مسبوكةٌ في قالب الإجادة.

أثبت منها ما تقل مؤونته، وتكثر لأديبٍ معونته.

فمن ذلك قوله:

سألتُ ذات الحُسْن لَمَّا رَنَتْ

بمُقْلةٍ ساحرةٍ فاتنهْ

عن الأحاديثِ وعن إسْمِها

وهْي بوَكْرٍ للبَها صائنَهْ

قالتْ خَفِ الرحمنَ يا سيِّدِي

الطيرُ في أوْكارِها آمِنَهْ

وقوله في مليحة اسمها كوكب:

بدت كوكبٌ مثلَ بدرِ الدجى

لِصَبٍ هوَى قلبُه واسْتعاذَا

فأنْكَر شمسَ الضحى في الهوى

فلمَّا رأى كوكباً قال هذَا

وقوله:

يا سائلِي عن وَصْفِ مَن

مالتْ كغُصْنِ الْبانِ مَيْلَا

بالبدرِ هندٌ تُوِّجَتْ

وتَبرْقَعتْ بالشَّعْرِ لَيْلَى

وقوله:

وقفْنا بالغَضاءِ فكلُّ قلبٍ

مُصَلٍ في جوانحهِ مُعَنَّى

وهِمْنا بالعَقِيق بكلِّ وَادٍ

ونُحْنَا في حِمَى لَيْلَى ولُبْنَى

وقوله:

وأغْيَدٍ من تَعِزٍ بِتُّ أسألُه

من أي حافاتِ سِرْبِ الخُرَّدِ الغِيدِ

أجاب مِن حافةِ الهَزَّازِ قامته

لكنَّ أعْيُنَه من حافةِ السُّودِ

وقوله:

ويُوسُفِيِّ جمالٍ زار عارضَه

مُوسى فأصبح منه العبدُ مَأنُوسَا

تفَرْعنَتْ في كَلِيم مُقْلةٌ سحَرتْ

لعَقْرَبِ الصُّدْغِ حتى حَلَّه مُوسى

وقوله:

وقالوا اعْتمِدْ لك مُسْهِلاً

إن كان داؤُك يعسُرُ

فأجبْتهم في خَدِّ مَن

أهْوَى دوائي يظهَرُ

إهْلِيلَجٌ من خالِه

ومن الثَّنايَا كَوْثَرُ

أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الجابري الشحري أديب باهر، وأريب ماهر.

له نظمٌ كما رق السحر، وعبق أريج الشحر ونثرٌ كما رق السحر، وصافح النسيم الشجر.

وهو في النظم مقطع غير مقصد، فلله دره من مقتصر على الحسن مقتصد.

وقد أثبت له ما يروق في المسامع، وتعجز عن إدراك مثله المطامع.

فمنه قوله في التوجيه:

قد تعشَّقْتُ غَزالاً

فيه لي قولٌ ومَذْهَبْ

طال مِنْهاجُ غرامِي

في هوَى الظَّبْيِ المُهَذَّبْ

وهو كقول التقي السروجي:

تفقَّهتُ في عِشْقِي لمَن قد هَوَيْتُه

ولي فيه بالتحرير قولٌ ومَذْهَبُ

وللعينِ تنْبيهٌ به طال شَرْحُه

وللقلبِ منه صِدُقُ وُدٍ مُهذَّبُ

ومثله قول بعضهم:

الروضُ والبهجةُ يا سيِّدِي

في الخدِّ مجموعٌ له حَاوِي

وقد غَوَى سالكُ مِنْهاجِه

فامْنُنْ بِإرْشادك للْغاوِي

وله:

كتبْتُ على الخدودِ لفَرْطِ شَوْقي

سُطوراً من دموعٍ مُستهِلَّهْ

فلا تعجبْ لخَطٍ فاقَ حُسْناً

وحقِّك إنَّه خَطُّ ابنُ مُقْلَهْ

وله:

ما هَبَّ نَشْرُ صَباً لنَحْوِي منهمُ

إلَاّ وأحْيَى المُسْتهامَ عَلِيلُهُ

فالقلبُ مصر وهْو منزلُ يوسفٍ

والحسنُ رَوْضتُه ودَمعِي نِيلُهُ

وله:

شادِنٌ جار واقْتَدَرْ

ورمَى القلبَ في الكَدَرْ

دَرَّ دمعِي فليْتَه

جاد بالوصلِ وَقْتَ دَرّ

وله:

زارني البدرُ لَيْلَةً

وحَبانِي بكلِّ مَا

ص: 470

وبجسمٍ أباح لي

مثلَ خَزٍ وأنْعَمَا

وله:

بروحِيَ بدرٌ في المَحاسِنِ مُفْرَدٌ

إذا ما تثَنَّى للغصونِ قد انْتَمَى

أدادَ بِخَدٍ إذ أتانيَ زائراً

له مثل روضٍ في النَّعِيم وأنْعَمَا

استعمل النعومة في وصف الروض، المفضل عليها نعومة الخد، وفيها خدش.

وله مضمناً:

فدَيْتُ من المِلاح غزالَ إنْسٍ

له قَدٌّ تثنَّى كالرَّداحِ

وخَدٌّ رائقٌ يزْهُو كوردٍ

وثَغْرٌ زانَه حُسْنُ الأَقاحِ

وإن فَخَر النهارُ بضوءِ صُبْحٍ

فإنِّي بالثَّلاثةِ ذُو انْشِراحِ

جَبِينٌ والمُقلد والثَّنايا

صَباحٌ في صَباحٍ في صَباحِ

وله:

ومليحٍ بمُقْلتيْه سَبانِي

وسَبا الشمسَ إذْ بدَتْ بمُحَيَّا

غُلِب القلبُ في هوىَ ناظِريْه

وضَعِيفان يغلبان قَوِيَّا

وهو من قول ابن نباتة:

ومليحٍ قد أخْجَل الغُصْنَ والبَدْ

رَ قَواماً رَطْباً ووَجْهاً جَلِيَّا

غُلِب الصبرُ في لِقَا ناظِرَيْهِ

وضعيفان يغلِبان قَوِيَّا

وله:

رئمٌ رمانِي من ظباءِ الفَلا

بسَهْمِ لَحْظٍ قد أتى مُرْسَلَا

فالشمسُ تروِي عنْ سَنَا وجهِه

عن نورِه عَ، خدِّه المُجْتلَى

وقد روى مَكْحولُ عن طَرْفِه

لكنَّ ضَعْفَ الجَفْنِ قد أعْضَلَا

وله:

بأبي أفْدِي غزالاً

لم يزلْ باللَّحْظِ قاتلْ

أزْهَرِيُّ اللَّونِ يروِي

سيفَ لَحْظٍ عن مُقاتِلْ

وله:

لو لم يكنْ من بابلٍ لَحْظُهُ

ما هَيَّمَ الصَّبَّ ولا بَلْبَلَا

أو لم يكنْ كالبدرِ في طَلْعةٍ

ما كان ذا القلبُ له مَنْزِلَا

وله:

بي ساحرُ الألحاظِ أطْلَق مَدْمَعِي

والقلبُ منه مُقَيَّدٌ في حَبْسِهِ

لا غَرْوَ أن همَلتْ عيوني إذْ رَنَا

فلِكُلِّ شيءٍ آفةٌ من جِنْسِهِ

الأصل فيه قول القاضي أمين الدين الطرابلسي:

إنْ كان شَرْعُ هواكَ أطْلَقَ مَدْمَعِي

فوكيلُ شَوْقِي عاجزٌ عن حَبْسِهِ

أو كان منك الطَّرْفُ أسْهَرَ ناظِرِي

فلكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ من جِنْسِهِ

وللنواجي:

ظَبْيٌ إذا لَمَحَ الغزالَ بطَرْفهِ

فالرأيُ أن ينْجُو الغزالُ بنَفْسِهِ

وتُقِلُّ بِيضَ الهندِ سودُ عُيونِه

ولكلِّ شيءٍ آفةٌ من جِنْسِهِ

وله:

وبرُوحِي مُهَفْهَفُ القَدِّ ألْمَى

ليت بالوَصْلِ للكئيبِ أعَانَا

قد خَفِي الصَّدْرُ منه نهداً ولكن

مُذْ تَبدَّى وماسَ بالقَدِّ بَانَا

وله:

برُوحِي رَشِيقٌ له قامةٌ

يميلُ بها الريحُ من لُطْفِهِ

فلولا جَوارِحُ ألْحاظِه

لَغَنَّى الحمامُ على عِطْفِهِ

وله في معناه:

أفْدِيه من رَشَأٍ في حُسْنِ طَلْعتِه

كأنه البدرُ يَسْرِي في غَمامتِهِ

لولا جَوارِحُ ألْحاظٍ له صدَحتْ

وُرْقُ الحممِ على مَيَّادِ قامتِهِ

وله:

إن ماس حِبِّي أو بدَا خدُّه

أظهرتُ فيه كلَّ معْنىً دقيقْ

فقَدُّه لابنِ رَشِيقِ انْتمَى

وخدُّه الزُّهْرِي رَوى عن شَقِيقْ

وله:

يا صاحِ إن جُزْتُ أعلامَ العَقيقِ فَرُدْ

دموعَ عَيْنِيَ منها الماءُ ينْسكِبُ

وإن مررْتَ بأرْدافِ الحبيبِ دُجىً

قِفْ بي عليها وقلْ لي هذه الكُثُبُ

وله:

تبدَّى العِذارُ بخدِّ الحبيبِ

فقُلتُ ولم أخْشَ من لائِمي

أمولايَ سُدْتَ مِلاح الورَى

فأنتَ المُسوَّدُ في العالَمِ

وله:

أفْدِيه غُصْناً وبدراً إن بَدا ومشَى

حذارِ منه إذا ما ماسَ أو سَفَرَا

بنُورِ شمسِ جبينٍ صاد كلَّ فتىً

ونَمْلِ زُخْرُفِ ليلٍ هَيَّم الشُّعَرَا

ص: 471

أفْدِي حبيباً عَزِيزَ الوصلِ تيَّمني

في كلِّ ليلِي منه موعدٌ ونَبَا

بزُخْرُفِ النَّمْل صادَ القلبَ عارِضُه

وهامتِ الشُّعَرَا في هَلْ أتى وسَبَا

وله:

بأبِي مليحٌ لم أزَلْ في أسْرِهِ

مُنذ ارْتشَفْتُ سُلافةً من ثَغْرِهِ

وسبَا القلوبَ بنَمْلِ عارضِ زُخْرُفٍ

من فوقِ شَمْسِ ضُحَى الجَبِينِ وعَصْرِهِ

وله:

وحبَّةِ خالٍ بخَدِّ الحبيبِ

تلُوذ بعارِضِه السَّائِلِ

تفانَى الرِّجالُ على حُبِّها

فما يحصلُون على طائلِ

وله:

بثَغْرِه الدُّرُ شَبِّهُهْ ووجْنته

حَمَّالة الوَرْدِ لا حَمَّالة الحَطَبِ

رَشَقْتُ رِيقَتَه فازْدَدْتُ من عَجَبٍ

إذْ بان لي جوهرٌ قد حُفَّ بالذَّهَبِ

وله:

يا شادِناً ملَك الفؤادَ بطَلْعةٍ

شاهدت منها البدرَ ليلَ تمامِ

عجباً لثَغْرِك بارداً في طَعْمِه

وله غدا من سيفِ لَحْظِك حَامِي

وله:

ثَغْرُ الذي أهْوى له بارِقٌ

قد لاح للصَّادرِ والوارِدِ

مُبَرَّد في الثَّغْرِ عنه روَى

وخدُّه يروِي عن الْواقِدِي

من قول ابن الوردي:

ومليحٍ إذا النُّحاةُ رأَوْه

فضَّلوه على بديع الزَّمانِ

برُضابٍ عن المُبرَّد يرْوِي

ونُهودٍ تروِي عن الرُّمَّانِي

وله:

وربَّ ساقٍ كبدرِ التِّمِّ طَلْعتُه

قد ضَنَّ بالرَّاحِ لمَّا غاب مَن عَشِقَا

ولا يزال عفيف الذَّيْلِ يمطُلنا

بالرَّاحِ واللَّثْمِ حتى زارَه فسَقَا

أخذه من قول الحافظ ابن حجر:

وساقٍ منَع السُّقْيَا

وقد غاب الذي عَشِقَا

وما زال عفيفَ الذَّيْ

لِ حتى زارَه فسَقَا

وله:

بالرُّوح منِّي مُغَنٍ

فيه تزايدَ عِشْقِي

ملكْتُه بِشراءٍ

فصار مَالِكَ رِقِّي

وله:

قال لي في الدَّوْحِ حِبِّي

وبه الأنهارُ تجرِي

قُمْ بنا في الرَّوْضِ نَغْدُو

بين رَيْحانٍ ونَسْرِي

أخذه من قول الدماميني:

يقول مُصاحبِي والروضُ زَاهٍ

وقد بسَط بِساطَ زَهْرِ

تعال بنا إلى الرَّوْضِ المُفدَّى

وقُم نَسْعَى إلى وردٍ ونَسْرِي

وله:

يا غائبين سَرَى لنحْوِي منكمُ

ذاك النسيمُ وذيلُه مَبْلولُ

فأتى إليَّ مع الصَّباحِ بعَرْفِكمْ

وشَفا سقامَ الصَّبِّ وهْو عليلُ

أخذه من قول ابن نباتة:

يُداوِي أسَى العشَّاقِ من نَحْوِ أرضِكمْ

نسيمُ صَباً أضْحَى عليه قبُولُ

برُوحِيَ ذَيَّاك النسيمُ إذا سَرَى

طبيبٌ يُداوِي الناسَ وهْو عليلُ

علي بن نشوان بن سعيد الحميري جوادٌ سبق البلغاء في ميدان البراعة، ثم جاء على رسله وقد تناول قصب اليراعة.

ولي الأعمال الكبار في أيام الإمام القاسم، فافترت له الأيام ضاحكة الثغور والمباسم.

وباشر حروباً كثيرة، جلت عن همم عليه ومساعٍ أثيرة.

فنشر ذكراً عاطر الريا، وتبوأ منزلةً فوق النسر والثريا.

وهو إذا نظم فنظمه من النمط العالي، وإذا افتخر فقد أعلى مقدار النباهة والمعالي.

وقد ذكرت له ما لا يمكن لحاقه، ولو تتوج به البدر ما أدركه محاقه.

فمنه قوله على لسان الإمام، ليقي خاطره على النهوض:

يا مُوقِدَ النارِ البعيدةِ أجِّجِ

واشهِرْ بِمُضْرَمِها شِعار المَخْرَجِ

أشْعِلْ وَشِيكاً جَذْوَةً بِبَراقِشٍ

ليُضِيءَ ما بينَ العِراقِ ومَنْبِجِ

إن الإقامةَ قد نقضْتُ شُرُوعَها

ونسخْتُ أوقاتَ الضلالِ السَّجْسَجِ

بِشَرَائعِ التَّهْجِيرِ والتَّغْلِيسِ والْ

إسْئادِ حينَ أقول أَدْلِجْ أَدْلِجِ

والكَرِّ بين الفَيْلَقَيْنِ وصَوْلَةٍ

تحتَ العَجَاجِ وتحتَ كلِّ مُدَجَّجِ

ص: 472

ولقد سئمتُ من المُقامِ وظِلِّهِ

وتَتَوَّقَتْ نفسي لظهْرِ الأعْوَجِي

وَلموقفٍ حِصْنِي به سُمْرُ القَنا

وشَبا الظُّبَا وقِرَى الْحِصانِ المُسْرَجِ

فأمِتْ سُؤالِي حين أُنْشِدُ مُنْشِداً

ألْجِمْ جِيَاداً يا غُلامُ وأسْرِجِ

وأرِقْتُ من طَرَبٍ إلى غَزْوِ العِدَى

ومُسابِقيَّ إلى الصَّرِيحِ المُزْعَجِ

ذهَبَ السُّلُوُّ فوَدِّعَا طِيبَ الكَرَى

وتتبَّعا أثَرِي وسِيرَا مَنْهَجي

كَلَفِي بِطِرْفٍ لاحِقِيٍ مُضْمَرٍ

نَهْدِ المَرَاكِلِ لا بطَرْفٍ أدْعَجِ

وكَتيبَةٍ مَوْصُولةٍ بكتيبَةٍ

تَخْتالُ في حَلَقِ الحديد المُدبجِ

وتطَيُّبِي بعَجاجِ نَقْعٍ ثائرٍ

ودمٍ لأثوابِ الكَمِيِّ مُضَرِّجِ

ولقد شهدتُ الخيلَ تقْرع بالْقَنا

في حافظٍ نَجْدِ الوَغَى مُتوهِّجِ

ولقد شهدتُ الليل حتى خِلْتُ ما

أيْقَنْتُ منه كالقميص المُدْمَجِ

ولقد دخلتُ على السِّباع وِجارَها

ووَلَجتُ غَيْل ضَراغِمٍ لم تُولَجِ

ولقد وردتُ أنا وواس مَورِداً

في مَسْلَكٍ من أُمَّةٍ لم تُخْرَجِ

والشمسُ في وسطِ السماءِ مُظِلَّةٌ

والجوُّ أقْتَمُ بالعَجاجِ المُرْهَجِ

وكأن رَقْراقَ السَّرابِ بِقيعةٍ

ذَوْبُ اللُّجَيْن هَرقْتَ من مُتَبرّجِ

قُوما فشُدَّا لِي على أعْلَى الثَّرى

غَرِدَ النَّسَا صافِي الأديم مُدمَّجِ

نَهْدٌ أقَبُّ الأيْطَليْن إذا غدا

في البِيدِ خِلْتَ مَمَّر رِيحٍ سَمْهَجِ

درن يجاذبُ للوُثوبِ عِنانَهُ

طَرَباً ويصْهَل عند صوت المُسْرِجِ

وكأنه سَيْلٌ إذا ناقْلتُه

وإذا مددْتُ له فبارِقُ زُرَّجِ

وقال بالجوف، يحض قبائل همدان على الجهاد مع الإمام:

أرِقْتُ وما طربتُ إلى الغوانِي

فأبكي في الرُّبوع أو المَغانِي

ولا عَدَت المُدامةُ لي ببالٍ

فأسألُ عن مُعَتَّقةِ الدِّنانِ

ولا طرِبتْ إلى الأوْتارِ نفسِي

ولا سمع المُجونِ ولا الأغانِي

ولكنِّي طربتُ لصَوْتِ داعٍ

مِنَ الِ محمدٍ شهمِ الجَنانِ

إمامٌ عادلٌ بَرٌّ ذَكِيٌّ

أمينٌ لا يقولُ بقَوْلِ مَانِي

له علمٌ ومعرفةٌ ودِينٌ

يفُوه بذكْرِه أهلُ الزمانِ

الحسين بن سليمان بن داود المرهبي صاحب التجنيس البديع الجنس، الذي ضرب به إلى الجن وهو من خيار الإنس.

فتبارك معطيه، ولله متعاطيه.

ما أطول باعه، وأحسن طباعه.

ولقد سخر له هذا النوع من الكلام كل التسخير، ولعمري إنه لم يسمع بأحسن منه في الزمنين الأول والأخير.

وقد أثبت له ما لو سمعه أبو منصور، لقال: التجنيس الأنيس على هذا مقصور.

أو أبو الفتح لأعرض عن جناسه الذي كثر فيه أقواله، وعد التناصل من التورط في أمثاله أقوى له.

فمن قوله، وقد اتفق له أنه رفع قصته للمتوكل، يعرض فيها شوقه إلى وطنه، ويستأذن منه في الذهاب إلى أهله، فوقع له تحت قصته بيتاً فقط:

إذا يسَّر اللهُ أمراً أتاكَ

وإن حاول الناسُ إبْطالَهُ

فضمن هذا البيت في قصيدة.

وهي:

أُذكِّرُ مولايَ ما قالَهُ

لعبدٍ أبَثَّك أحْوالَهُ

شكَى ما يُعانِيه من دهرِه

وأحْسَن في اللهِ آمالَهُ

فكان جوابُ إمامِ الهدى

أدام له اللهُ إجْلالَهُ

بخطِّ يَدٍ خُلِقتْ للعطاءِ

تُبارِي الغمامَ وتَهْطالَهُ

إذا يسَّر اللهُ أمراً أتاكَ

وإن حاوَل الناسُ إبْطالَهُ

فجدَّد قولُك أسْمالَه

وكان جوابُك أسْمَى لَهُ

ص: 473

وأشْفَى لقلبٍ وأطْفَى لَهُ

لمن بَاتَ يذكُر أطْفالَهُ

وبَشَّرتَه ببُلوغِ المُنَى

وسكَّنْتَ بالوعدِ بَلْبالَهُ

وأصبح يخْتالُ من تِيهِه

ويسحبُ بالفخرِ أذْيالَهُ

وهَنَّاه كلُّ صديقٍ وقَا

ل طُوبَى له ثم طُوبَى لَهُ

فأمْرَك في مُخْلِصٍ مُضْمِرٍ

من الوُدِّ فوق الذي قالَهُ

يَعُدُّك ذُخْراً ويخْشَى المَعادَ

ونَشْرَ العبادِ وأهْوالَهُ

ومَن يتولَّ إمامَ الزَّمانِ

فقد أصلَح اللهُ أعْمالَهُ

ومن يَكُ في النُّصْحِ أوْفَى له

يُسَرُّ إذا ما رأى فَالَهُ

ومن يَغْدُ في الغَيْثِ أحْمَى له

يحُطُّ من الوِزْرِ أحْمالَهُ

وذلك في الدِّين أقْوَى له

يُسدِّد رأيُك أقْوالَهُ

وامَّا الذي لا يَودُّ الإمامُ

فتَعْساً له ثم سُحْقاً لَهُ

ومَن كان في الناسِ أشْكَى له

فلا أكثر اللهُ أفعالَهُ

ومن يتهَزَّا فأفْعَى لَهُ

ولا قبِل اللهُ أشْكالَهُ

بَقِيتَ إمامَ الهدى والتقى

تمُدُّ على الدِّين سِرْبالَهُ

وتشْفِي للحقِّ أوْجالَهُ

وتُرْدِي للشِّركِ أبْطالَهُ

وجازاك ربُّك عن خَلْقِه

وهَنَّاك مولاي أفْضالَهُ

وكتب إلى الحسين المهلا، بداره الواسطة في الطور من المحابشة، وأرسلها إلى السجعة:

يا فاضلاً أرْبَى على أقْرانِهِ

وسمَا بمَفْخَرِه على كِيوانِهِ

ومَلِيكَ عصرٍ لا يُرامُ مَحَلُّه

إيوانُ كسرى غار من إيوانِهِ

إن فَوَّق الأعْدَا سهامَ قِسِيِّهمْ

أصْماهُمُ بلسانِه وسِنانِهِ

ومُجَلِّياً إمَّا جرى في حَلْبَةٍ

قد فاز يومَ سِباقِه برِهانِهِ

سَبَّاقُ فضلٍ لا يُشَقُّ غُبارُه

أنَّى لِمثْلي الجَرْيُ في مَيْدانِهِ

حقّاً لقد شرَّفْتني بفوائدٍ

يلْهُو بها المشْتاقُ عن أوطانِهِ

من جَوْهرِ النَّظَّامِ بل أفْرادُه

كالبحرِ جاد بدُرِّه وجُمانِهِ

كالروضِ في إبَّانِه والوردِ في

نِيسانِه والعُمْرِ في رَيْعانِهِ

فالبيتُ ممَّا قُلتَه ونظمْتَه

يزْهُو على الهَرَميْنِ في بُنْيانِهِ

أهْدَيْتَ من دُرِّ العَرُوسِ نفائِساً

صَلُحتْ لمَلْكِ الروم تِيجانِهِ

خزَنْته سُمْرُ الطورِ إعْجاباً بهِ

وتقلَّدْته البِيضُ في طلانِهِ

فَرفلْتُ في السِّرْبالِ من داوُدِه

وعلمتُ حُكْمَ الصَّمتِ من لُقْمانِهِ

وروَيْتُ علم الفقهَ عن نُعْمانِهِ

وقرأتُ حُرَّ الشِّعرِ عن حَسَّانِهِ

ورأيتُ في الحِلْم ابنَ قَيْسٍ أحْنَفاً

وإياساً المشهورَ في إتْقانِهِ

وحقَرْتُ بطليموسَ دَارِس كُتْبِه

ورفضْتُ رِسْطاليس في يُونانِهِ

قلَّدْتني عِقْداً نفيساً فائِقاً

قَدْرِي الحقيرُ يجلّ عن أثْمانِهِ

وذكَرْت أخْلاقِي كبَغْلِي رَثَّةً

في سَرْجِه وحِزامِه وعِنانِهِ

من بعد ما كان النجومُ تَغار مِن

قِطَعِ اللُّجَيْنِ مَنوطةً بِجِرانِهِ

وعليه دِيباجُ الحريرِ مُصوَّراً

والجُوخ يرفُل منه في ألْوانِهِ

فكذلك الدهرُ الخَؤُونُ بأهلِه

مَن ذا نَجَا من حادثاتِ زمانِهِ

لم يُغْنِ عنها البَرُّ عن غِزْلانِهِ

كَلَاّ ولا التَّيّارُ عن حِيتانِهِ

فعَساكَ تُعْدِيني على حِدْثانِهِ

وتُقِصُّنِي من كَفِّه وبَنانِهِ

ص: 474

جعل الإلهُ بكلّ يومٍ شارِقٍ

بعظيم شَأْنِك في الورى مِن شَأْنِهِ

ولده محمد خبيرٌ بأساليب الكلام، لم يقصر في شعره عن درجة الأعلام.

وكيفما تفوه أطرى، وحيثما اقتدح أورى.

مع حسن فهم، أوتي منه أوفر سهم.

ونفسٍ تواقةٍ إلى الحسنى، وأوصافٍ تتحلى بها الكاعب الحسنا.

وقد رأيت له قصيدةً أحكم فيها الرصف، فأثبت منها ما يستغني بنفسه عن كثرة الوصف.

وكان كتب بها إلى السيد الحسن بن الإمام إسماعيل، وهو باللحية، مادحاً له، وشاكياً إليه من والده:

عُوفِيتَ من كَلَفِي وفَرْطِ عَنائي

يا شِبْهَ خُوطِ الْبانةِ الغَنَّاءِ

أمَّا أنا فشُحوبُ جسمي شاهدٌ

لي بالذي أُخْفِي من البُرَحاءِ

ومدامِعي تُنْبِيكَ عن صُنْع الأسَى

من بَثِّ نُورِ هواك في أحْشائِي

فإذا امْتريْتَ فإن أيْكةَ حَاجرِي

تدْرِي بواقعتِي مع الوَرْقاءِ

حين امْتطَتْ فَنَنَ الأراكةِ وانْبَرتْ

في النَّوحِ تُسمِعُه على أنْحاءِ

فوقفتُ لا عيْني تُساعِدني على

رَمْزٍ ولا كفٌّ على إيماءِ

حَيْرانَ مسلُوبَ الجَنانِ مُقَرَّحَ الْ

أَجْفانِ نِضْوَ هوىً وحِلْفَ بُكاءِ

وعلى غِياضِ الوادييْن بلابلٌ

عرفتْ لفَرْطِ ذكائها أنْبائِي

كَلَفٌ به فَطِنَ الحمامُ فجائزٌ

أن يُمْتَرى فيه لدَى العُقلاءِ

أعَقِيلةَ الحيِّ الغيورِ هُمامُه

ما بالُ قومِك أذَّنوا بتَناءِ

نزلوا على نَشْرِ العَقِيقِ وإنّما

كرِهُوا لأجْلِي سَرْحة الرَّوْحاء

بَخِلُوا بوجهِك أن أراه يُقْظةً

فلْيَمْنعوني الطّيْف في الإغْفاءِ

أنَّى يُلِمُّ بنا الخيالُ ودوننا

رَصَدٌ عليه لقومِها الغبراءِ

يا راكباً شَدَنِيَّةً مِذْعانةً

خَرْقاءَ تخْرِق مِطْرفَ البَيْداءِ

مَوَّارةً تغْشَى الهواجِرَ جَسْرةً

تُخْفِي الجوى وتُغِذُّ في الإعياءِ

أقْرِرْ بها عينَ النَّباهة ضارباً

بخِفافها في أخْدَع البَطْحاءِ

وادفعْ بها في صدرِ كلِّ تنُوفةٍ

غُفْلٍ عن الأعلامِ والخضْراءِ

فإذا عَبرتَ عن اللّحيّة ضَحْوةً

وشمَمْتَ رَوْحَ مُروءةٍ وسَخاءِ

ورأيتَ أنْوارَ الإمامةِ من ذُرَا

ملِكِ الزمانِ وخاتمِ الكرماءِ

فانزلْ بأبْلَجَ من ذُؤابةِ هاشمٍ

كاسٍ مَلِيءِ محامدٍ وثَناءِ

والْثَمْ يَداً فيها بحورٌ خمسةٌ

أغْنَتْ مَواقِعُها عن الأنْواءِ

فهناك سِرٌّ للنُّبُوةِ مُضْمَرٌ

حامتْ عليه خواطرُ العُلماءِ

شرفَ الهدى يهَنْيك أنك سابقٌ

فَرْدٌ عن الأشْباهِ والنُّظَراءِ

ما زلتَ في دَرَجِ المحامدِ راقياً

مُتوقِّل الهَضَباتِ في العَلْياءِ

بالأمسِ في الأُمَرَا وأنت اليومَ في ال

علما وأنتَ غداً من الخُلَفاءِ

أشكُو إليك أبِي وذاك أخُو التقى

لكنه غَمٌّ على الأبْناءِ

وخَصاصةً بجوانِحي من كَرْبِها

ما لم تسَعْه جوانحُ الدَّهْناءِ

وصروفَ أيامٍ أقَمْنَ قِيامتِي

بنوَى الخَلِيطِ وفُرقةِ القُرَناءِ

وجفاءَ مَوْلىً كنتُ أحسَب أنَّه

عَوْنِي على السَّراءِ والضَّراءِ

ثَبْتُ العزيمةِ في العُقوقِ ووُدُّه

مُتنقِّلٌ كتنقُّلِ الأفْياءِ

يُقْفِي المَسرَّة فَرْحةً ويُسِرُّ في

ذَيْلِ المَبرَّةِ منه غَوْلَ جَفاءِ

ص: 475

وخُلاصَةُ الأخبارِ عنه أنه

مُتلَوِّنٌ كتلَوُّنِ الحِرْباءِ

أخْدمْتُه نفْسِي النفيسةَ باذلاً

نُصْحِي له في شِدةٍ ورخاءِ

وكتبتُ عنه رسائلاً شهِد الورى

بمَكانِ شِدَّتها على الأعداءِ

ومدحْتُه بقصائدٍ زادتْ بها

عَلْياه حُسْن صَباحةٍ وبَهاءِ

ولو انَّها في الدهرِ سالمَ أهْلَهُ

مِن حَرْبِه وحَنَا على الفُضَلاءِ

وإلى أبي وله السَّلامَةُ يلْتقِي

سَوْقُ العِتابِ فمنه أصلُ بَلائِي

مال الزمانُ عليَّ حتى زادنِي

بجَفائِه غَمّاً على غَمَّائِي

لو كان سائِليَ الصَّغارَ وقاصدِي

بالخَسْفِ غيرَ أبي رأيت إبائِي

لكنَّه وله الكرامةُ مَن أتَى

نَصُّ النَّبيِّ بحقِّه والآئِي

فلأَصْبِرنَّ ولا أقُول له قِلىً

قَدْكَ اتَّئِبْ أرْبَيْتَ في الغُلواءِ

هذا وحاصلُ ما أُكابِدُ أنني

قد ذُبْتُ غيرَ حُشاشةٍ وذَماءِ

ولقد وَهَى جَلَدِي وعِيلَ تصبُّرِي

ما بين حَرِّ هَوىً وحَرِّ هواءِ

هل عَطْفةٌ أو لَفْتةٌ حَسنِيَّةٌ

تُورِي زِنَادَ مَسَّرتِي ورُوائِي

وتُحِلُّني في عَقْوةٍ مَلكيَّةٍ

منها أحُلُّ مَراتبَ الخُلَصاءِ

فأجابه والده بقوله، مع تمثله بقول المتنبي، وغيره من الشعراء:

جاءتْ تمِيسُ كغادةٍ حسناءِ

تخْتالُ بين غَلائلٍ وحُلاءِ

منظومةً قد كُلِّلتْ بجواهرٍ

تُزْرِي بحُسْنِ كواكِب الجَوْزاءِ

فَضَّ الغلامُ خِتامَها فتنفَّستْ

كتنفُّسِ الأزهارِ غِبَّ سَماءِ

فكأنها من رِقَّةٍ وطَلاوةٍ

تِمثالُ نُورٍ في أدِيمِ هَواءِ

وكأنها لِعُذوبةٍ في لَفْظِها

يُضْطَرُّ سامعُها إلى الإصْغاءِ

شهدتْ لِمُنْشِئِها بحُسْنِ تصرُّفٍ

في الوصفِ والتَّشْبيبِ والإِنْشاءِ

للهِ دَرُّك يا محمدُ من فتىً

أرْبَى على النُّجَباءِ والأُدَباءِ

فَلأنتَ سَحْبانُ البلاغةِ ناثراً

ولأنتَ في الشعرا حَبِيبُ الطَّائِي

وإليك سِتَّةَ أذْرُعٍ مجموعُها

جِيمٌ وواوٌ مُعْقَبانِ بِخاءِ

وجوابَ والدِك الشَّفيقِ كما ترى

مُتمثِّلاً برقائقِ الشُّعراءِ

أعْزِرْ عليَّ بفُرْقةِ القُرباءِ

وتَعَتُّبِ الأبْنا على الآباءِ

فتفرُّقُ البُعَداءِ بعد مَودَّةٍ

صعبٌ فكيف تفرُّقُ القُرَباءِ

أمَّا أنا فأقولُ حاشَا للعُلَى

ما حُلْتُ عن أُكْرومَتِي ووَفائِي

ومَوَدَّةٍ أخْلصْتُها لك طَاقتِي

في موضعِ الإِخلاصِ من سَوْدائِي

فلقد كوَى كَبِدِي الجوَى وجوانِحي

واغْتالَ حُسْنَ عَزائمي وعَزائِي

وسلبْتني ثوبَ التحمُّلِ والأسَى

وكسَوْتنِي ثوبَيْ أسىً وعَناءِ

كم زَفْرةٍ ضَعُفتْ فصارتْ أنَّةً

تمَّمْتُها بتنفُّسِ الصُّعَداءِ

وجرى الزمانُ على عوائدِ كَيْدِهِ

من قلبِ آمالِي وعكْسِ رَجائِي

قُلْ للبَخِيلةِ إنَّ وجهكِ جَنَّةٌ

يا مَنْ رأَى الجنَّاتِ للبُخَلاءِ

طلع البشيرُ بأطْيبِ الأنْباءِ

بُشْرايَ إن العامَ عامُ لِقاءِ

وَعَدَتْ سعادُ بأن تزورَك فارْتقِبْ

بُعْدَ السُّعاةِ وغَيْبةَ الرُّقَباءِ

إن صحَّ ذاك ومَن بذاك فقد غدتْ

رُؤْيايَ حَقّاً واستُجِيبَ دُعائِي

ماذا عليك إذا اكتسبْتَ مَبَرَّةً

تُجْزَى بها في الخُلْدِ خيرَ جَزاءِ

ص: 476

ورَحِمْتَ ضَعْفَ جوارحي وقُوائِي

فحملتَ بعضَ الثُّقْلِ مِن أعْبائِي

ووَصلْتنِي ممَّا لديْك ببَدْرةٍ

مَعْدودةٍ من فِضَّةٍ بَيْضاءِ

إن الأبَرَّ من البَنينَ يواصلُ الْ

إحسانَ مُغتنِماً جَزِيلَ ثناءِ

واسمعْ للقول ابن الحُسَين ويا لَه

مِن شاعرٍ أرْبَى على الحكماءِ

لأَبٌ قَطوعٌ جَافِيٌ مُتجهِّمٌ

أحْنَى إذاً من واصلِ الأبْناءِ

وله من قصيدة، مستهلها:

لولا اشْتياقي حبيباً قَطُّ ما قَرُبَا

لم أُلْفَ صَبّاً ضئيلَ الجسمِ مُكتئِبَا

ولا شَجَتْني حمامُ الدَّوْح ساجعةً

وهيَّجتْ لِيَ أرْواحُ الصَّبا طَرَبَا

ولا أرِقْتُ لبَرْقٍ لاح مُبتسِماً

يحْدُو ليَ الجِزْعَ سُحْباً بَات مُنْتحِبَا

ولا رضيتُ سؤالَ الظُّعْنِ لِي خلفاً

دون الشرِيفيْن أعني العلمَ والأدَبَا

ولا سنَنْتَ وُقوفَ الصَّحْب في طَلَل

ما كن يطمع قلبي فيه أن يَجِبَا

فاعذُرْ عَذُولِي ولا تُنْكرْ ضَنَى جسَدِي

وخَلِّ لَوْمي وحَمْلِي في الهوى التَّعَبَا

ماذا أغاظك من شَجْوِي ومن قَلَقِي

ومن نُحولِي ورَعْيي في الدُّجَى الشُهُبَا

إن العذاب لَعَذْبٌ في الغرام وما

غدا لِيَ الصَّابُ إلا في الهوَى ضَرَبَا

في ذِمَّةِ اللهِ عينٌ ظَلَّ مَدْمَعُها

وخاطِرٌ راح في حُبِّ الحِسانِ هَبَا

ما بين جَفْنِي وبين النومِ فاصِلةٌ

لم تُبْقِ للطيْفِ في أجْزَا الكَرَى سَبَبَا

تاللهِ ما عَنَّ ذِكْر السفْحِ من إضَمٍ

إلا ركبتُ من الأشواقِ ما صَعُبَا

يا رَبْعَ سَلْمَى سلِمتَ المَحْلَ ما سلِمتْ

ولا عَداك من الأنْواءِ ما عَذُبَا

ما بالُ مَمْنوعِ حُزْنِي فيه مُنْصرِفاً

وما لمخْفوضِ عَيْشِي فيك مُنْتصِبَا

إن لم يُفِدْ ماءُ عيني فيك مُطَّرِداً

فالقلبُ ما زال إلَاّ عنك مُنْقلِبَا

سَقْياً لأوْقاتك اللاتِي قَضيْتُ بها

من الحبيبِ ومن شَرْخِ الصِّبا الأرَبَا

أيامَ لا كاشحٌ تُخْشَى غَوائلُه

ولا عَذولٌ نُدارِيه إذا عَتَبَا

وأهْيفِ القَدِّ عَبْلِ الرِّدْفِ مُقْتَبِلٍ

ما ماسَ إلَاّ ذكرتُ الْبانَ والكُثُبَا

يجُول ماءُ الصِّبا في صَحْنِ وَجْنتِه

ويسْتحيلُ إذا حدَّثْتَه لَهَبَا

حُلْوِ الفُكاهةِ إلَاّ أن مَطْعَمَه

مُرٌّ إذا ما ثَنَى أعْطافَه غَضَبَا

أدْنُو ويُبْعِدُه دَلُّ الشبابِ جَفا

فكُلّما قلتُ قد جَدَّ الهوى لَعِبَا

كم صِحْتُ من طَرْفِه الفَتاك وَاحَرَابي

لو كان ينْفع قولُ الصَّبِّ وَاحَرَبَا

قد صَدَّني عن نَسِيبٍ فيه أنْظِمُه

مَديِحُ مَن طاب في هذا الورى نَسَبَا

الحسين بن علي الوادي هو في الفضل صاحب مزايا بوادي، وأما في الأدب فإن شئت عده من عذبات وادي.

يجاذبه نسيم اللطف من هنا وهنا، وإذا ساقط فلا يساقط إلا رطباً جنى.

وقد أثبت من شعره ما يحرك العذب، ولم يسمعه صبٌّ إلا وإليه انجذب.

فمنه قوله:

نسيمَ الصَّبا في سُوحِنَا يتبخْتَرُ

لك اللهُ ما هذا الأرِيجُ المُعَنْبَرُ

أأنت رسولٌ يا نسيمَ الصَّبا وعن

حُلولِ الحِمَى أم أنت عنهم مُبَشِّرُ

فهمتُ الذي أودَعْته غيرَ أنني

أُحِبُّ حديثاً منهمُ يتكرَّرُ

لِما ألِفَتْه النفسُ منهم وعُوِّدتْ

وإلاّ فعِلْمُ الغَيْبِ لا يُتقدَّرُ

فكَرِّرْ على سَمْعِي أحاديثَ ذِكْرِهمْ

عسى تَنْطفِي نارٌ بقلبي تسَعَّرُ

ص: 477

همُ اسْتَصحبُوك السِرَّ بيني وبينهم

لأنك أبْدَى بالجميلِ وأبْدَرُ

ومِثْلِي هداك اللهُ يا سارِيَ الصَّبَا

يُسِرُّك والمعروفُ أجْدَى وأجْدَرُ

وأبْلجَ أمَّا الخدُّ منه فأحمرٌ

وأمَّا قَوامُ القَدِّ منه فأسْمَرُ

وأمَّا ثَنايا ثَغْرِه حين يُجْتلَى

فكأسُ جُمانٍ فيه خمرٌ وكَوْثَرُ

يُغازِلُ عن عَيْنَيْ مَهاةٍ وشَادِنٍ

يُلاحِظُنا منها سِهامٌ وأبْتَرُ

هي البِيضٌ إلَاّ أنها حَنْدَسِيَّةٌ

هي النَّبْلُ إلاّ أنها تتكسَّرُ

هي السِّحرُ إلَاّ أن فيها خَصائصاً

بها عالِمُ السِّحر الصِّناعِيّ يُسْحَرُ

وفي خدِّه خالٌ يقولون إنه

بِلالٌ له في جامعِ الحُسْنِ مِنْبَرُ

بلَى ذلك الخالُ الصَّرِيحُ إشارةٌ

عديمةُ مِثْلٍ لا بِلالٌ وعَنْبَرُ

شكوتُ له من فَتْرةٍ في جُفونِه

لِشِدَّةِ ما ألْقَى بها حين تفْتُرُ

وما أنا فيه من هوىً وصَبابةٍ

تبِيتُ بها الأحشاءُ تُطْوَى وتُنْشَرُ

فأفْصَح عن لفظٍ توهَّمْتُ أنه

جُمانٌ من الثّغْرِ الجُمانِيِّ يَبْهَرُ

وقال نعم هذا لعَيْنِيَ مَذهبٌ

وفِتْنةُ نفسِ المرءِ شيءٌ مُقدَّرُ

برُوحِيَ أفْدِي جائِرَ اللّفظِ قَدُّه

تحقّق فينا عَدلُه حين يخْطِرُ

ألا إن عَدْلَ القَدِّ أكبرُ شاهدٍ

عليك بجَوْرِ الحُكمِ واللهُ أكبرُ

ورِقّةَ هذا الجسمِ منك بأنّني

رقيقُ هوىً والشيءُ بالشّيء يُذْكَرُ

فللهِ أزمانٌ تواصَل يومُها

بلَيْلتها والعمرُ كالعَيْشِ أخضرُ

وليلٌ عهِدناهُ وإن كان أسوداً

كشَعرِ الصِّبا يشكُو سَواداً فيُشْكَرُ

وأحبابُ قلبٍ لي إلاّ همُ المُنَى

صَفاءُ ودادِي فيهمُ لا يُكَّدرُ

دلائلُ عِشْقِي في هواهم صريحةٌ

ومعرفتي في حُبِّهم ليس تُنْكَرُ

ربِحْتُ هَواهمْ في زمانِ شَبِيبتي

وشِبْتُ فلن أرْضَى بأنِّيَ أخْسَرُ

فلا تُنْكرِوا أن أرْسَلَ الجَفْنُ دَمْعَه

وقد جاء في رأسي من الشّيْبِ مُنْذِرُ

ويعقوبُ أحْزانِي ويوسُف فِتْنتِي

وصالحُ أعمالِي عَسانِيَ أُوجَرُ

خليليَّ عَهْدُ اللهِ إن جُزْتُما الحِمَى

وعاينْتُما قلبي ببَيْداه يَجْأرُ

فدُلاّ عليه جِيرةَ الحَيِّ واذْكُرَا

لهم من حديث الصَّبِّ ما يتيسَّرُ

عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن مسعود الحوالي مشعشع سلافٍ في دنان، وواصف جؤذر وغصنٍ فينان.

بألفاظٍ ملؤها تطرية، ومعانٍ كلها عن الحسن تورية.

إلى طبعٍ يفيض فيه الغمام، وشعر كما بدت الزهرة من الأكمام.

فدونك منه ما هو أشهى من ثغرٍ مبتسم، وأبهى من خطٍ في صفحة خدٍ مرتسم.

فمنه قوله:

عن سُعادٍ وحاجِرٍ حَدِّثانِي

ودَعانِي من المَلامِ دَعانِي

واذْكُرَا بُرْهةً من الدهرِ مَرَّتْ

كنتُ أُدْعَى فيها صَرِيعَ الغَوانِي

أنا لا أكْتفي بنَأْيِ رِئامٍ

والرُّبوع الرِّحاب من نَعمْانِ

قد سقَتْنِي بكأسِها من مُدامٍ

هيَّم القلبَ لَوْنُها الأُرْجُوانِي

عُتِّقتْ في الدِّنان من عهد كِسْرَى

فهيْ تُنْمَى إلى أنُوشِرْوانِ

بَهرتْ في الصِّفاتِ حَمْراءَ صَفْرا

ءَ سُرورَ القلوبِ والأبْدانِ

يا عَذُولِي ولستُ للعَذْلِ أُصْغِي

غيرَ قلبي يهُمُّ بالسُّلْوانِ

ولَوَ انِّي رُزِقْتُ حَظّاً لما صِرْ

تُ أُعانِي من الهوى ما أُعانِي

ص: 478

ولآثرْتُ حاجةً في فؤادِي

صُنْتُها عن فُلانةٍ وفُلانِ

وقوله في رباعية:

يا جُودَ حَياً على الجِنانِ الغَرْبِي

قد أنْعَمه بواكِفاتِ السُّحْبِ

أحْيَيْتَ الأرضَ في رُباهُ فمتى

يَحْيَا بالوصلِ من حبيبي قَلْبِي

أحمد بن سعد الدين بن الحسين بن محمد المسوري فتى إنابةٍ وعفاف، وله احتفافٌ بالفضائل والتفاف.

وكانت دولة القاسم زاهيةً بطلعته، يتكلم في غرضٍ فتتحدر سيول البراعة من تلعته.

وله في الأدب مقدار يتوسع فيه الشاكر، ويتفسح فيه الواصف والذاكر.

ينظم بأقلامه، منثور الآثار من كلامه.

وينسج بعباراته، وشايع مخاطباته ومحاوراته.

فمن بدائعه، ما أجاب به الأمير الشريف الحسين بن أحمد الخواجى، صاحب صبيا، وقد كتب إليه كتابا، وأصحبه هدية: وصل الكتاب الذي هو جواب جوابي عليكم، مشتملاً على وجوهٍ من الخطاب، صيرت ما كان سبق مني من الإحسان بإجابة الكتاب الأول ذنباً، وما كنت أحسبه حمداً عند الله وعند خيار عباده سباً؛ إذ لم يقع مني ما صدر من البشير السابق لمن وصل الحضرة الإمامية من إخوانكم الشرفا، ثم جوابي عليكم في كتابكم الذي ابتدأ المولى به إلا رعايةً لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كنتم وأولئك الجماعة من أهل بيته، وممن ينسب إلى ذريته، ثم صيانةً لعرض مولانا أمير المؤمنين، ومحبة في أن يكون من في حضرته الكريمة من المكرمين، كما جاء في الحديث النبوي:" المؤمن إلفٌ مألوفٌ ".

وكنت أظنكم رعاكم الله وأولئك الجماعة، ممن له في خوف الله نصيب، وممن قد أقلع عما يوجب البعد من القريب المجيب، وممن دعواه صادقةٌ، وأنه لا يريد إلا الله، ولا يسعى إلا في طاعته وتقواه؛ فخدعتموني في الله فانخدعت، ولو أخذت بالحزم الذي هو سوء الظن لما أبعدت، فحملتم تلك الحالة على ما زهدني والله وغيري من المؤمنين فيكم، ونبهني على الحذر والريب في كل ما يصدر من قولٍ أو فعلٍ عنكم؛ إذا أحللتموني محلاً لست من أهله.

وكتبتم إلي بتصدير هديتكم، المردودة إليكم غير مشكورةٍ ولا محمودة، ولم ترها والحمد لله عيني، ولا لمستها والمنة لله علي يدي، أردتم خديعتي عن ديني، والتوصل بها إلى ما تريدون من أغراض الأهواء وإن أهلكني.

وأكون كما قيل:

بِتُّ كأنِّي ذُبالةٌ نُصِبَتْ

تُضِيءُ للناسِ وهْي تحترقُ

ومعاذ الله أن أكون ممن يبيع دينه بكل الدنيا، فضلاً عن عرضٍ منها هو أقل وأدنى، وأن يحبط أعماله، ويبطلها، بإماطة الأوساخ عن الناس ل " قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ".

وكيف إن بقي شيءٌ من المعقول آمر الناس بالبر وأنسى نفسي، وأتصدر لإمام الحق في إنشاء مواعظ يخطب بها على المنابر لنصيحة الخلق وأخونها، وهي أعز الأنفس عندي.

على أني والمنة لله علي من فضل ربي، وفضل إمامي في خيرٍ واسع، ورزقٍ جامع، وأملٍ في كل بلاغ راتع.

ثم إنه لا يسلك أحدٌ طريقةً إلا وله فيها سلف يقتدي بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأولهم أمير المؤمنين علي، كرم الله وجهه، وهو يقول في خطبة له: والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو أجر في الأغلال مصفداً، أحب إلي من أن ألقى الله تعالى ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام.

وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها.

والله لقد رأيت أخي عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقي، فأحميت له حديدةً، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنفٍ من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها.

فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدةٍ أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نارٍ أضرمها جبارها لغضبه؟ أتئن من الأذى، ولا أئن من لظى؟ وأعجب من هذا طارقٌ طرقنا بملفوفةٍ في وعائها، ومعجونةٍ شنئها كما عجنت بريق حيةٍ أو قيئها.

فقلت: أصلةٌ، أم زكاةٌ وصدقة؟ فذلك محرم علينا. أهل البيت.

قال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية.

ص: 479

فقلت: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني! أمختبط، أم ذو جنة، أم تهجر، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرةٍ ما فعلته، وإن دنياكم هذه لأهون من ورقةٍ في فم جرادةٍ تقضمها، ما لعليٍ ونعيمٍ يفنى، ولذةٍ لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين.

وأقر أئمتي إمام عصري بعد والده أمير المؤمنين القاسم بن محمد بن علي رضوان الله عليهم، وهما من علم الخاص والعام سلوكهما تلك الطريق، وتمسكهما بذلك الحبل على التحقيق.

ورفضهما الدنيا بعد ملك المشرق والمغرب، ورضاهما منها بأدناها مع نفوذ أمرهما في العرب والعجم، والبعد والقرب.

والشمسُ إن تخْفَى على ذي مُقْلةٍ

نصفَ النهار فذاك تحقيقُ العَمَى

وأما آبائي الذين أنتسب إليهم، فأدناهم أبي الذي ولدني كان، والله، كما ورد في الحديث النبوي: يغضب لمحارم الله كما يغضب الجمل إذا هيج، لا تأخذه في الله لومة لائم.

وكما قال الأول:

القائلُ الصدقَ فيه ما يضُرُّ به

والواحدُ الحالتين السر والعَلَن

ثم أخوه عمي الذي أدبني، كان كما قال أمير المؤمنين عليٌّ كرم الله وجهه في صفة المؤمن: بشره في وجهه، وحزنه في قلبه.

أوسع شيءٍ صدراً، وأذل شيءٍ نفساً.

يكره الرفعة، ويشنأ السمعة.

طويلٌ غمه، بعيد همه.

كثيرٌ صمته، مشغولٌ وقته.

شكور، صبور.

مغمورٌ بفكرته، ضنين بخلته.

سهل الخليقة، لين العريكة.

نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد.

ثم أبوهما جدي سلمان أهل البيت، الذي لا نعلم أن إماماً من الأئمة مدح غيره بذلك، فقال الإمام شرف الدين لولده شمس الدين:

جاءكم سَلْمانُ بَيْتِي

فاعرِفَنْ يا شمسُ حَقَّهْ

وبرَجْواك فحقِّقْ

وببِشْرٍ فتَلقَّهْ

وأنا، بحمد الله، لم أعرف غير سبيلهم، ولا ربيت إلا في حجورهم.

وإني والناس لكما قال عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه:

يقولون لي فيك انْقِباضٌ وإنما

رأَوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَمَا

أرَى الناسَ مَن داناهمُ هان عندَهمْ

ومن أكرَمتْه عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرِمَا

ولم أقْضِ حَقَّ العلمِ إن كنتُ كلما

بَدَا طَمَعٌ صَيَّرتُه لِيَ سُلَّمَا

وما كُلُّ بَرْقٍ لاح لي يسْتفزُّنِي

ولا كلُّ مَن في الأرضِ ألقاه مُنْعِمَا

إذا قيل هذا مَشْرَبٌ قلتُ قد أرَى

ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا

ولم أبْتذِلْ في خدمةِ العلمِ مُهْجَتِي

لأخدُم مَن لاقيْتُ إلَاّ لأُخْدَمَا

أأشْقَى به غَرْساً وأجْنِيه ذِلَّةً

إذاً فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أسْلَمَا

ولو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوه صانَهُمْ

ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظِّمَا

ولكنْ أهانُوه فهَان ودَنَّسُوا

مُحَيَّاه بالأطْماعِ حتى تجهَّمَا

اللهم إني لا أقول ذلك افتخاراً على غيري، ولا تزكيةً لنفسي، ولكن لما شرعته من تجنب مواقف التهم.

وأنا مع ذلك معترف بأني أحقر من أن أذكر، وأهون من قلامة الظفر، ولكن مظلومٌ رفعت ظلامتي إليك.

وكما قال زين العابدين، عليه السلام: يا من لا تخفى عليه أنباء المتظلمة، ويا من لا يحتاج في قصصهم إلى شهادة الشاهدين، ويا من قربت نصرته من المظلومين ويا من بعد عونه عن الظالمين، قد علمت يا إلهي ما نالني من فلان. إلى آخر ما ذكره في الدعاء.

وحسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرشي العظيم.

هذا، ولولا تحريج أمير المؤمنين، بعد الشكوى عليه، في إعادة الجواب لما توجه مني بعد ذلك خطاب.

وهذا بيني وبينكم آخر الكتاب.

علي بن محمد بن أبي بكر الحكمي من بني مطير الذرية المختارة، والكواكب الدرية السيارة.

مسكنهم بلد عبس من أعمال كوكبان، ولهم بها الشهرة التي حظها الأوفر قرى الركبان.

وعلى هذا علمهم الذي تشير إليه الأصابع، وتبتهج به على الأفلاك العلوية المرابع.

له مقدارٌ خطير، وأدب كأنه روضٌ مطير.

ص: 480

وقد وقفت له على نبوية، فقلت هذه علية علوية.

وها هي كالخود تلوح، ومن أردانها مسك دارين يفوح:

مُتَيَّمٌ إن سرتْ رِيحُ الشَّآمِ صَبَا

ومُسْتَهامٌ إذا مَرَّتْ عليه صَبَا

وذُو شُجُونٍ وما غنَّتْ مُطوَّقَةٌ

تبْكِي على الإلْفِ إلا دمعُه سَكَبَا

يبكِي ويندُب لو فَيَّاضُ أدْمُعِه

من جُودِه جاد يوماً طَوْقَها سُلِبَا

وإن تذكَّر أيَّاماً له سلَفتْ

مع الأحِبَّةِ في أوطانِهم جُذِبَا

روَى الرَّبيعُ مَغانِيهم ومَرْبَعَهم

وعمَّم الغَيْثُ منها السَّهْلَ والجَدَبَا

وأزْهَرَ الروضُ منها والحَمامُ غَدَتْ

مُغَرِّداتٍ عليه تمْتَطي العَذَبَا

وكلَّما رامَ يبْغِي نَحْوَهم طُرُقاً

يعْمَى السبيلُ عليه أيْنَما ذَهَبَا

سُبْحان من نفَذتْ فينا مَشِيئَتُه

فما يُسَهِّلْ له يَسْهُلْ وما صَعُبَا

ما زلتُ أقْرعُ أبوابَ الرَّجا ورَجَا

نفسِي تفوزُ بجُودٍ شامِلٍ وحِبَا

وعمَّنِي اللهُ بالإحسانِ مَرْحمةً

فضْلاً من اللهِ لا فَرْضاً ولا سَبَبَا

وإن تغلَّقتِ الأبوابُ عن أمَلِي

قصَدتُ جاهَ الذي فاقَ الورَى رُتَبَا

فهْو الذي ملأَ الأكْوانَ أجْمَعَها

نُوراً وفتَّح فينا الشَّخْصَ والحِقَبَا

يا مَن عَلَا فوق مَتْنٍ للبُراقِ ويا

خيرَ الخلائقِ قاصِيهمْ ومَن قَرُبَا

منها:

وكم مَعاجِزَ لا تُحْصَى بُعِثْتَ بها

عنها نُجُومُ المَعالِي ضُمِّنَتْ كُتُبَا

يا سيِّدَ الخلقِ يا مِفْتاحَ يومِ غَدٍ

تُولِي الشَّفاعةَ يومَ الحشْرِ إذ صَعُبَا

أنت الذي يوم بَعْثِ الخَلْقِ شافِعُنا

سَبْقاً إذْ أُلْزِمُوا رَهَبَا

عبد القادر بن محمد بن الحسين الذماري الهراني فردٌ في سرعة البادرة، وحيد في جودة النادرة.

يطرب بكلماته، ولا طرب الموسيقى بنغماته.

ويسحر بألفاظه، ولا سحر الرشأ الأغن بألحاظه.

وقد ذكرت له ما هو أرق من ماء البارق، وألطف من طيف الحبيب الطارق.

فمنه ما كتبه لبعض الأئمة، وهو قوله:

يا حبَّذا الليلةُ مرَّتْ لَنا

في هَجْرَةِ الشُّمِّ بني عُقْبَهْ

رَعْياً لها من بلدةٍ ما لها

مِثلٌ لها في هذه الغُرْبَهْ

وحَبَّذَا الأدِيمُ من بلدةٍ

صحيحةِ الأهْواءِ والتُّرْبَهْ

وَاهاً لها واهاً لها إنَّها

من جَنَّةِ الخُلْد لها نِسْبَهْ

قُصورُها حُفَّتْ بجَنَّاتِها

تجْرِي بها أنهارُها العَذْبَهْ

وجَوُّها مُنْخَرِقٌ واسعٌ

للقلبِ في السُّكْنَى بها رَغْبَهْ

طابتْ بها أنفُسُنا فانْجَلتْ

عنها غَمامُ الغَمِّ والكُرْبَهْ

خَيَّم فيها عُصْبَةٌ دَأْبُهم

أن يُكْرِموا الأضْياف في الغُرْبَهْ

سَقى فرَوَّى صَيِّبٌ هاطِلٌ

مِن الْحَيا أفْياءَها الرَّحْبَهْ

فيا أميرَ المؤمنين الذي

له سَمَتْ فوق السُّها الرُّتْبَهْ

إِيذَنْ لنا باللُّبْثِ يوميْن في

أوطانِهم أيَّتُها العُصْبَهْ

وابْسُطْ لنا العُذْرَ وإن لم يكنْ

فِراقُكم من مُقتضَى الصُّحْبَهْ

لا زال مَلْكُ العصرِ في نعمةٍ

ولا رأَى في دَهْرِه نَكْبَهْ

سلامٌ ساطعٌ نوره، متضاحك نوره.

أعذب من بارد سلسل الأنهار، وأطيب من رشف سلاف أفواه الأبكار.

وأعبق من شميم الزهور الندية، وألذ من تقبيل خدود الخرائد الوردية.

ورحمة الله المنفجرة عيونها، المثمرة شئونها.

وبركاته الواسعة الأفياء، الكافلة ببلوغ المنى على مولانا أمير المؤمنين، الهادي إلى الحق المبين.

أما بعد؛ فإنا لما سرنا من المخيم المنصور، والمقام المحجوج المزور.

ص: 481

وصلنا إلى هجرةٍ لا يحيط بوصفها المقال، ولا يبلغ إلى كنهها تصور الخيال.

جمعت غرائب العجائب وعجائب الغرائب، وأبعدت عن المساوىء والشوائب، وحميت عن سطوات المحن والنوائب.

رياضها مفترة، وغياضها مخضرة.

وأنهارها متدفقة، وأحوالها منتظمةٌ متسقة.

طيبة المثوى والمستقر، أنيقة المرأى والمنظر.

فهي تنشد بلسان حالها مطربة، متبجحة ببديع مقالها معجبة:

أنا خيرُ الأرضِ مالِي

شِعْبُ بَوَّانٍ يُدَانِي

لا ولا الغُوطَةُ مثلِي

أنا من بعضِ الجِنَانِ

فعُيوني جارياتٌ

كلَّ حِينٍ وأوانِ

وقُطوفِي دانِياتٌ

يجْتنيها كلَّ جَانِ

جانِبي أضحى مَنِيعاً

فحُلولِي في أمانِ

كلُّ مَن حَلَّ برَبْعِي

فلقد نال الأمانِي

نعم، وحين كانت هذه نعوتها أتحفنا المقام النبوي الإمامي بشرح شيءٍ من تلك الصفات، وذكر طرفٍ من هاتيك السمات.

لما نعرفه من تطلعه أبقاه الله تعالى إلى مثل ذلك، وإن لم نستطع استقصاء ما هنالك.

والمأمول من طوله أيده الله تعالى القبول والاحتمال، وستر ما يقف عليه من الاختلال.

تفضلاً، وتكرماً وتطولا.

وكتب إليه أيضاً، من شعره، قوله:

يا أيُّها المولَى الذي شَأْوُه

في المجدِ أسْمَى من مَدارِ الفَلَكْ

أنت الذي مَن يمتثِلْ أمره

يُهْدَى ومَن لم يمتثلْهُ هَلَكْ

فأغِثْنِي إنِّي مُقِلُّ فقد

أعْطاك مَن للأمر ذا أهْلَكْ

وأوْفنِي منك الذي أرْتجِي

فإنّ ما جَمّلنِي جَمْلَكْ

واقْضِ دُيونِي يا مَلاذِي وقُلْ

أبْشِرْ سنقضِي عنك ما أثْقَلكْ

ولا تَدَعْنِي مُعْدِماً مُقْتِراً

وقُلْ سنُعْلِي في الورَى مَنْزِلَكْ

وإن يكُنْ ذاك ولي لائقٌ

أولا فإنّ الأمْرَ والرَّأْيَ لَكْ

السيد محمد بن عبد القادر المقاطعجي أحد من نطق فسحر، ورقت شمائله فكانت صباً تنفست في سحر.

تجتلي به العيش في رغده، وتنتشي وأنت في يومه إذا وعدك بزورةٍ في غده.

وله أدبٌ أنضر من الروض في شباب الزمان، وشعرٌ ألذ من مغالطة الساقي عند الندمان.

فمنه قوله:

أحْوَى حَوى الرِّقَّ منِّي ثَغْرُه الشّنِبُ

ومَبْسَمٌ لاح في جِرْيالهِ الْحَبَبُ

حُلْوُ التَثنِّي إذا رِيحُ الصَّبا عطَفتْ

مَعاطِفَ القَدِّ منه تخجَلُ القُضُبُ

مُهَفْهَفُ القَدِّ مَيَّاسُ القَوامِ إذا

ما اهْتزّ كالغُصْنِ لِيناً هَزَّني الطَّرَبُ

دَمِي مُباحٌ لِسَيْفٍ من لَواحِظِه

إن كان غيرُ هَواهُ للحَشَا أرَبُ

منها:

لا تعذِلُوني إذا ما هِمْتُ من شَغَفٍ

بِمَن سَبانِيَ منكُم أيُّها العَرَبُ

قد بان عُذْرُ غرامِي في محبّتِه

عَذْل العَذُولِ وشأْني في الهوى عَجَبُ

حيدر بن محمد الرومي من شعراء العصر المتنوعين في الملاحة والملح، فإذا تأملت رأيت العالم على لطف خلقه وخلقه اصطلح.

له طبعٌ كما حدثت عن العيش الأخضر، وودٍ كما تذكرت النعيم الأبيض الأخضر.

إلى خطٍ كخطوط الغوالي في خدود الغواني، واشهى من تذكر الليالي الخوالي في الأيام الدواني.

وشعرٍ كما زان الصّحابة حَيْدر

إذا كان شِعْر الشَّاعِرِين مُعاويهْ

فمنه قوله في الزنبق:

وزَنْبَقٍ مُجْلَسٍ بين النُّدامِى

كشيخٍ حاز لُطْفاً في وَقارِ

يُرِيك إذا تلَا إنَّا فَتحْنَا

عَمودَ الفَجْرِ في ضَوءِ النَّهارِ

وقوله:

أمُعَلِّمَ الأزْهارِ إن خُدودَ مَن

عَلَّمته مُغْنٍ عن الأزْهارِ

هَلَاّ جعلتَ القلْبَ منزلةً له

فالقلبُ خيرُ منازلِ الأحْرارِ

وقوله، في غلام بديعٍ يدعى بتاج:

ريمٌ من اللَّحظِ ومِن قَدِّه

يُسْبِي بسَحَّارٍ ومَيَّاسِ

لو زارني كنتُ مليكَ الورَى

وقلتُ يا تاجُ على رَاسِي

وقوله، وعجز كل بيت معكوس كلمات صدره:

ص: 482

زارني مَحْبوبُ قلبِي سَحَراً

سَحَراً محبوبُ قلبِي زَارَنِي

ينْثنِي كالغُصْنِ لِيناً قَدُّه

قَدُّه كالغُصْنِ لِيناً ينْثَنِي

سَرَّني لمَّا تبدَّى باسِماً

باسِماً لمَّا تبدَّى سَرَّنِي

خَصَّني من دون غيرِي باللِّقَا

باللِّقَا من دون غيرِي خَصَّنِي

أعْيُني قَرَّت بِخِلِّي مُذ أتَى

مُذ أتى قَرَّتْ بِخِلِّي أعْيُنِي

اجْتنِي يا طَرْفُ وَرْدي خَدِّه

خَدُّه يا طَرْفُ وَرْدِي اجْتنِي

اسْكُنِي يا نفسُ قد زال العَنَا

الْعَنا قد زال يا نفْسُ اسْكُنِي

عبد الصمد بن عبد الله باكثير شاعر اليمن، ونادرة الزمن.

ينتهي في النسب إلى كندة، وهذا النسب كما عرفت تقف الفصاحة عنده.

وكان كاتب الإنشاء لملك الشحر، السلطان عمر بن بدر، ونديمه الذي سما به قدره على كل قدر.

وهو أديبٌ فسيح الخطى، وشاعرٌ مأمون العثار والخطا.

وديوان شعره مشهور ومتداول، وبأكف الاعتناء والقبول متناول.

فمن مختاره قوله من قصيدة، مستهلها:

رَعْياً لأيامٍ تقضَّتْ بالحِمَى

فُزْنا بها ووُشاتُنا غُفَلاءُ

جاد الزمانُ بها وأسْعفَنا بمَنْ

نَهْوَى ولم تشعُر بنا الرُّقَباءُ

ومُنادِمِي بَدْرٌ على غصنٍ على

حِقْفٍ له قلبِي العَمِيدُ خِباءُ

عَذبُ المُقبَّلِ عاطرُ الأنْفاسِ دِرْ

ياقُ النفوسِ شِفاهُهُ اللّعساءُ

مُتبسِّمٌ عن أشْنَبٍ شَنَبٍ له

مهما تبسَّم في الدجى لأْلَاءُ

ما مِسْكُ دَارِين بأطْيَب نَكْهةً

منه وقد ضاعتْ له رَيَّاءُ

عبَر النسيمُ يجرُّ فضلَ رِدائِه

فحبْته من كافورِها الأنْداءُ

فتعطَّرتْ من طِيبِ فائحِ نَشْرِها

أرْواحُنا وسَرَتْ لها السَّرَّاءُ

فسقَى الإلهُ مَراتعَ الغِزْلانِ مِن

وادِي النَّقَا وهَمَتْ بها الأنْواءُ

وتهلَّلتْ برياضِها سُحْبُ الْحَيَا

وسَرَتْ عليها دِيمةٌ وَطْفاءُ

حتى يراها الطَّرْفُ أبْهَجَ روضةٍ

فيروقُه الإصْباحُ والإمْساءُ

والطيرُ عاكفةٌ بكلِّ حديقةٍ

فكأنها بلُحونِها قُرَّاءُ

والروضُ مُبتهِجُ الْحَيَا فكأنما

روَّاه من عمر النَّدَى إيماءُ

وقوله من أخرى، أولها:

بنَشْرِ وادِي الغَضَا نَشْرُ النسيمِ سَرَى

فأفْهَمَ الصَّبَّ عن أهلِ الحمَى خَبَرَا

أهْدَى التحيَّةَ من أهلِ الخيامِ إلى

حليفِ وَجْدٍ يُقاسِي الوجدَ والسَّهَرَا

لكنَّه جَدَّ في وجدِي وأذْكَرَنِي

تلك الرُّبوعَ وبانَ الحَيِّ والسَّمُرَا

منها:

ولِي من العُرْبِ ظَبْيٌ ما رأَى بَصَرِي

شِبْهاً له في الورى بَدْواً ولا حَضَرَا

كالبدرِ وَجْهاً ونَظْمِ الدُّرِّ مُبتسَماًوالظَّبْيِ جِيداً وغُصْنِ الْبانِ إن خَطَرَا

كم ليلةٍ زارني فيها على وَجَلٍ

مستوفِزاً خائفاً مستعجِلاً حَذِرَا

يمْشِي الهُوَيْنَى حذارَ الكاشِحين وقد

أرْخَى السُّتُورَ ظلامُ الليلِ واعْتَكَرَا

قبَّلْتُ مَبْسَمَه عَشْراً على عَجَلٍ

فقام منِّي إلى التَّوْدِيعِ مُبْتدِرَا

فكدتُ أشْرَبُه لَثْماً وأهْصِرُه

ضَمّاً وأثْنِي عِناقاً قَدَّه النَّضِرَا

وقوله من أخرى، أولها:

هَذِي المَرابعُ والكَثِيبُ الأوْعَسُ

وظِبَا الخِيامِ الآنِساتُ الكُنَّسُ

قِفْ بي عليها ساعةً فلعلَّ أنْ

يبْدُو لِيَ الخِشْفُ الأغَنُّ الألْعَسُ

فلَطَالَما عِفْتُ الكرَى عن ناظرِي

شوقاً إليه ومَدْمَعِي يتبَجَّسُ

ينْهَلُّ سَحّاً مِثلَ مُنْهمِر الْحَيَا

فوق المَحاجرِ مُطْلَقاً لا يُحْبَسُ

ص: 483

وأغَنَّ ناعِسُ طَرْفِه سلَب الكرى

عَنّي فطَرْفِي ساهرٌ لا ينْعَسُ

أشْتاقُه ما لاح صُبْحٌ مُسْفِرٌ

في أُفْقِه أو جَنَّ ليلٌ حِنْدِسُ

يا عاذلِي دَعْنِي وشَأْنِي إنَّ لي

قلباً بغيرِ الحُبِّ لا يَسْتأنِسُ

لك قُدرةٌ أن لا تلومَ وليس لي

صَبْرٌ به دون الورَى أتَلبَّسُ

كيف السُّلُوُّ عن الأحِبَّةِ بعدما

دارتْ عَلَيَّ من الصَّبابةِ أكْؤُسُ

نقل الصَّبا نَشْرَ الحبيبِ وحبَّذا

نَشْرٌ به رِيحُ الصَّبا يتنفَّسُ

آهاً ولا يجْزِي التَّأوُّهُ والأسَى

فالصبرُ أجْملُ والتجمُّلُ أكْيَسُ

وقوله:

عاذِلِي في الغرامِ مَهْلاً فقلبِي

حَمَّلْته الأحبابُ ما لا يُطِيقُ

كيف يُصْغِي إلى اللوائم صَبٌّ

في حَشاهُ من الفِراقِ حَرِيقُ

سلَبْته اللَّواحِظُ البابِلِيَّا

تُ وأوْدَى به القَوامُ الرَّشِيقُ

وسَباه أغَنُّ أحْوَى رَداحٌ

يُسْنِد العِشْقَ حُسْنُه المَعْشوقُ

قد كَفاهُ عن المُهَنَّدِ لَحْظٌ

وعن الرُّمْحِ قَدُّه المَمْشوقُ

رَوْضُ خَدَّيْه جَنَّةٌ لاح فيها

جُلَّنارٌ وسَوْسَنٌ وشَقِيقُ

وله مَبْسَمٌ يُضِيءُ سَناهُ

عن شَتِيتٍ حَكاه دُرٌّ نَسِيقُ

ظَلْمُه في لَماه شُهْدٌ مُذابٌ

في سُلافٍ رَيَّاهُ مِسْكٌ فَتِيقُ

خَصْرُه يشْتكِي من الرِّدْفِ فاعْجَبْ

كيف يَقْوَى عليه وهْو رَقِيقُ

وقوله من قصيدة، مطلعها:

جَاد وَبْلُ الغَمامِ شِيحاً وضَالَا

ورِياضاً بالسَّفْحِ مَدَّتْ ظِلالَا

لا جَفاها الْحَيَا فلِي ثَمَّ رَبْعٌ

لم أزَلْ مُكْثِراً عليه السُّؤالَا

تسْحبُ الغِيدُ في رُباه ذُيولاً

تتَهادَى من النَّعِيمِ اخْتِيالا

ورَشِيقِ القَوامِ ما ماسَ إلَاّ

أخْجَلَ الغُصْنَ قَامةً واعْتِدالَا

ما تثَنَّى إلَاّ ثَنَى كلَّ قلبٍ

نَحْوَه تابِعاً إذا مالَ مَالَا

صاد قلبي لمَّا تصدَّى لِقَتْلِي

بِلِحاظٍ يَريشُ منها النِّبالَا

لَوْعَتِي في هَواه أذْكَتْ غَراماً

وأعادتْ آناءَ لَيْلِي طِوالَا

كلَّما لاح بارِقٌ من زَرُودٍ

فاض وَادِي العَقِيقِ دَمْعِي وسالَا

وقوله:

أشْتاقُ من ساكِني ذاك الحِمَى خِيَماً

لأجْلِها زاد شَوْقي في الحَشَا ونَمَا

ولاعِجُ الشوقِ والتَّبْريحِ من كَمَدٍ

أجْرَى من العينِ دَمْعاً يُخْجِل الدِّيمَا

ما جَنَّ لَيْلِيَ إلَاّ بِتُّ من كَلَفٍ

أرْعَى النجومَ بطَرْفٍ يسْتَهِلُّ دَمَا

لولا هوَى شادِنٍ في القلبِ مَرْتَعُهُ

ما اشتقْتُ وادِي النَّقَا والْبَانَ والعَلَما

نفسي الفداءُ لظَبْيٍ وجهُه قمرٌ

وبُرْجُه في سَما قلبِي العَمِيدِ سَمَا

يُصْمِي فؤادِي بنَبْلٍ من لَواحِظِه

عن قَوْسِ حاجبِه مَهْما رَنَا ورَمَى

في ثَغْرِه الدُّرُّ منظوماً فيا لَكَ مِن

ثَغْرٍ شَنِيبٍ يُرِيك الدُّرَّ مُنْتظِمَا

جَلَّ الذي صاغَه بَدْراً على غُصُنٍ

على كَثِيبٍ فأبْداه لنا صَنَمَا

لم يَكْسُه الحُسْنُ ثَوْباً مِن مَطارِفِه

إلَاّ كَسَا جَسَدِي مِن عِشْقِه سَقَمَا

وقوله من أخرى، أولها:

جاد الغَمامُ مَراتِعَ الغِزْلانِ

ومَرابِعَ الرَّشَأِ الأغَنِّ الْغَانِي

وجرى عليها كلُّ أسْحَمَ هاطلٍ

غَدِقٍ يسيحُ بوابِلٍ هَتَّانِ

ص: 484

يُحْيِي رُبوعاً طال ما لعبتْ بها الْ

غِيدُ الحِسانُ نَواعِسُ الأجْفانِ

من كلِّ فاتنةِ اللِّحاظِ إذا رَنَتْ

سلَبتْ بِسحْرِ اللَّحْظِ كلَّ جَنانِ

فكأنّما الأقمارُ تطلعُ في دُجَى

ليلٍ من المُسْترْسِل الفَيْنَانِ

وكأنما تلك القُدودُ إذا انْثَنتْ

قُضُبٌ تمايَلُ في رُبَى الكُثْبانِ

وبمُهْجتِي خِشْفٌ أغَنُّ مُهَفْهَفٌ

أصْمَى فُؤادِي إذْ رنَا فرَمانِي

ظَبْيٌ مِن الأعْرابِ في وَجَناتِهِ

قُوتُ القلوبِ وسَلْوةُ الأحْزانِ

باللهِ ما طالعْتُ طَلْعةَ وجهِه

إلَاّ ورُحْتُ براحةِ النَّشْوانِ

ماءُ الشَّبِيبةِ فوق وَرْدِ خُدُودِهِ

يجْرِي على مُتلَهِّب النِّيرانِ

ذابتْ عليه حُشاشتي وَجْداً به

وصَبابةً وجَفَا الكَرَى أجْفانِي

لم أنْسَ أيامَ التَّواصُلِ واللِّقا

والشَّمْلُ مُجْتمِعٌ بوادِي الْبَانِ

ومُنادمِي مَن قد هويْتُ وبَيْنَنا الصِّ

رْفُ الكُمَيْتُ تُدار في الأدْنانِ

شمسٌ مَطالِعُها سُعودُ كُؤوسِها

بين النَّدامَى في بُروجِ تَهانِي

في روضةٍ مَفْروشةٍ أرْجاؤُها

بالوردِ والمَنْثورِ والرَّيْحانِ

يتراقَصُ النُّدَماءُ من طَرَبٍ بها

بتراجُعِ النَّغَماتِ والعِيدانِ

لم لا يُواصِلُني السُّرورُ ونحْن في الْ

فردوسِ بين الحُورِ والوِلْدانِ

وقوله، وعجز كل بيت معكوس كلمات صدره

تَيَّمَنِي مَن هويْتُ وَاكَمَدِي

وَاكَمَدِي مَن هَويْتُ تَيَّمَنِي

حَيَّرنِي من سَناه حين بَدا

حين بَدا من سَناه حَيَّرنِي

ترشُقني بالنِّبالِ مُقْلَتُه

مُقْلَتُه بالنِّبَالِ تَرْشُقنِي

عَذَّبنِي بالصُّدودِ وَاتَلَفِي

وَاتَلَفِي بالصُّدودِ عَذَّبنِي

صَيَّرنِي في هَواه ذا قَلَقٍ

ذَا قَلَقٍ في هَواه صَيَّرَنِي

يُمْطِلُنِي باللِّقا ويُوعِدُنِي

يُوعِدُنِي باللِّقا ويُمْطِلُنِي

الحسن بن علي بن جابر الهبل شهمٌ ندب، روض أدبه ما طرقه جدب.

افتن في الآداب، وسن فيها سنة ابن داب.

وله شعرٌ كاسمه حسن، وفضلٌ يقصر عن وصفه كل ذي لسن.

قال الصفي بن أبي الرجال، في حقه: لا عيب فيه سوى بعد بلاده، وقرب ميلاده.

فالمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أوطانِه حَطَبُ

أما صغر الميلاد، فلله در أبي الطيب، حيث يقول:

ليس الحَداثةُ من حِلْمٍ بمانعةٍ

قد يُوجَد الحِلْم في الشُّبَّانِ والشِّيبِ

وأما بعد الميلاد، فأمرٌ لا يعتبره الحذاق، وإن قالوا: القرب المفرط مانعٌ لإدراك الأحداق.

وقال بعض الناس:

عَذِيرِيَ مِن عُصْبةٍ بالعراقِ

وقلبُهمُ بالجَفَا قُلَّبُ

يرَوْنَ العجيبَ كلامَ الغريبِ

وأمَّا القريبُ فلا يُطْرِبُ

وعُذْرُهمُ عند تَوْبيخِهمْ

مُغنيِّةُ الحيِّ لا تُطْرِبُ

لكن العاقل الفاضل لا يجنح إلى التقليد، حتى في تفضيل الحصباء على لآلي الجيد.

وإن الإنصاف، من أجمل الأوصاف.

انتهى.

وقد وقفت له على أشعارٍ شعشعها وروقها، واستدعى بها القلوب للصبابة وشوقها.

فأثبت منها ما اتسق اتساق النزعات الوجدية، وانتسق انتساق النسمات النجدية.

فمن ذلك قوله، من قصيدة أولها:

لو كان يعلم أنَّها الأحْداقُ

يومَ النَّوَى ما خاطرَ المُشْتاقُ

جهِل الهوَى حتى غدَا في أسْرِه

والحبُّ ما لأسِيرِه إطْلاقُ

ما لي أُكَنِّي بالنَّقَا عن غيرِه

وأقولُ شامٌ والمُرادُ عِراقُ

يعجبني في هذا المعرض قول الحاجري:

خُمارُ هواك قد أتَى بالقَدَحْ

والوقتُ صَفَا فقُم بنا نَصْطَبِحْ

ص: 485

كم تكتُم سِرَّ حَالِك المُفْتضَحْ

قُلْ علوة واكْشِفِ الغِطَا واسْتَرِحْ

منها:

إن قلتُ قد أشْرقْتَنِي بمَدامِعِي

قال الأهِلةُ شَأْنُها الإِشْراقُ

وقوله:

حتَّى مَ عن جهلٍ تلومْ

مَهْلاً فإنَّ الجهلَ لُومْ

طَرْفِي الذي يشكُو السُّها

دَ وقلبيَ المُضْنَى الكَلِيمْ

إن الشَّقا في الْحُبِّ عِنْ

د العاشقين هو النَّعِيمْ

ما الحبُّ إلاّ عَبْرةٌ

عَبْراءُ أو جسمٌ سَقِيمْ

يا مَن أُكَتِّمُ حُبَّه

واللهُ بي وبه عَلِيمْ

وبَلابِلٌ بَيْن الْجَوا

نحِ لا تنَامُ ولا تُنِيمْ

ما لِي وما لِلوَائِمِي

أعليكَ ذو عقلٍ يلُومْ

يا هل تُراهُ يَعودُ لي

بِكَ ذلك الزمنُ القَدِيمْ

وهَنِيُّ عيشٍ باللِّوَى

لَو أنَّ عيشَ هَناً يَدُومْ

وبِرَامَةٍ إذ نِلْتُ مِن

وَصْلِ الأحبَّةِ ما أرُومْ

يا حَبَّذا تلك الرُّبو

عُ وحَبَّذا تلك الرُّسومْ

يا تاركينَ مبُهْجَتِي

شَرَراً يذوبُ بها الجَحِيمْ

طال المِطالُ ولم تهُبَّ

لِصِدْقِ وعدِكمُ نَسِيمْ

مَطْلُ الغَرِيمِ غَرِيمَهُ

حاشَاكمُ خُلْقٌ ذَمِيمْ

وقوله:

يا مَن أطالَ التَّجَنِّي

منك الصُّدودُ ومِنِّي

مولايَ إن طال هذا

عليَّ فاعلمْ بأنِّي

أفْديك قُلْ ليَ ماذَا الّ

ذي بدَا لك مِني

تركْتَني مُستهاماً

حَيْرانَ أقْرَعُ سِنِّي

أشكُو إليك الذي بي

وأنتَ تُعْرِضُ عنِّي

ولم تَرِقَّ لِحالِي

ولا رثَيْتَ لحُزْنِي

وقوله:

أصِخْ لِشَكِيّتِي وارْفُقْ

بجسمٍ فيك قد نَحَلَا

وقُل لي مَن أحَلَّ دَمِي

ومَن ذا حَرَّمَ القُبَلَا

وإن تُنْكِرْ ضَنَى جَسدِي

ولم تعطِفْ عليَّ ولَا

فكُفَّ النَّبْلَ من عيْنيْ

ك يكْفي بعضُ ما فَعَلَا

ولا تُطْلِعْ لنا خَدَّا

كَ وَرْدَ رِياضِها الخَضِلَا

وقوله:

ما زلتُ من دَرَنِ الدَّنايا صائناً

عِرْضاً غدا كالجوهرِ الشَّفّافِ

فإذا جَرَى مَرَحاً بمَيْدان الصِّبا

مُهْرُ الهوَى أَلْجَمْتُه بعَفافِ

وإذا همُ وصَفُوا مَحاسِنَ شادِنٍ

مُسْتكمِلٍ لِمَحاسنِ الأوْصافِ

أبْدَيْتُ فيه من النَّسِيبِ غرائباً

ووصفْتُ فيه ما عدا الأرْدافِ

وقوله:

تغزَّلْتُ حتى قِيلَ إنِّي أخو هَوىً

وشَبَّبْتُ حتى قيل فاقدُ أوْطانِ

وما بيَ من عِشْقٍ وشوقٍ وإنما

أتَيْتُ من الشِّعْرِ البديعِ بأفْنانِ

وله في تعليل كسوف البدر، وفيه لزوم ما لا يلزم:

لا بِدْعَ أن يُكْسَفَ بدرُ السَّمَا

ذاك لِمَعْنىً قد تحقَّقْتُهُ

لمَّا بدَا لي وجهُه مُشْبِهاً

وَجْهَ حبيبي حين فارَقْتُهُ

ذكرتُ مَحْبوبي فمِن أجْلِهِ

صَعَّدْتُ أنْفاسِي فأحْرَقْتُهُ

وله أيضاً:

قالَ من قال أُكْسِفَ البدرُ قُلْنا

لا تظنُّوا كُسُوفَه عن شِئانِ

قد أخَذْنا سَناهُ عند التَّلاقِي

وأعَرْناهُ حُلةَ الهِجْرانِ

ومن بدائعه قوله:

إذا شئْتَ أن نَتَسَلّى هواكَ

ونَصْبِرَ لَا كان مَن يصْبِرُ

فقل لِقَوامِك لا ينْثنِي

وقُلْ لِلِحاظِك لا تسْحِرُ

وغَطِّ العِذارَ فمهْما بدا

فإنّا على خَلْعه نُعْذَرُ

وقوله:

قد كتب اللهُ على خَدِّه

بالمِسْكِ سَطْراً دَقَّ مَعْناهُ

ص: 486

فقلتُ للعُشَّاقِ لمَّا بَدَا

صَبْرٌ على ما كتَبَ اللهُ

وله في مليح يقرأ:

وساتِرٍ خَدَّه بمُصْحَفِهِ

قلتُ له والفؤادُ في قَلَقِ

خِفْتَ على الوردِ من لَواحِظِنا

يا غُصْنُ حتى اسْتترْتَ بالْوَرَقِ

وله:

لِفعْلِ الخيرِ تشْتُمُنِي

وتَرْكِي بَثَّ أسْرارِكْ

فقلْ ما شِئْتَ في ذَمِّي

فإنِّي الفاعلُ التَّارِكْ

وله في مليح خراز:

وبرُوحِي أفْدِيه خَارِزُ جُلِّهِ

يُخْجِلُ البدرَ في الليالِي السُّودِ

يتراءَى للعاشقِين بسِكِّي

نٍ تشُقُّ القلوبَ قبلَ الجلودِ

وله، في جندي باع سلاحه بعد مرض:

قام صلاحُ الدِّين مِن مَرَضِه

واستقْبَل الدهرَ بعُمْرٍ جديدْ

لا تعجَبوا أن باعَ أسْيافَه

كلَّفَه التَّنْقِيةُ أكلَ الحديدْ

وقوله:

إياكَ لا تَضَعِ المَدي

حَ ولا تُرَى مُتغزِّلَا

أتقول قافيةً وقد

خَلتِ الدِّيار فلَا وَلَا

يريد قول الغزي:

خَلَتِ الديارُ فلا كريمٌ يُرْتجى

منه النَّوالُ ولا مليحٌ يُعْشَقُ

وله:

صَدَّ وَصْلَ الحبيبِ عنِّي عَذُولِي

راح يسْعَى إليه بالتَّفْنِيدِ

ورقيبٍ كأنما هو شهر الصَّ

ومِ عندي فِراقُه يومُ عِيدِ

وله في مليح يعرف بالقاسمي:

وَافَى فقلتُ وقد رأيتُ له سَناً

قمراً على غصنٍ رَطِيبٍ ناعمِ

يا قاسِمِي بحُسامِ فاتِرِ طَرْفِهِ

ارْحَمْ بعِزِّك ذِلَّتِي يا قاسِمِي

وله، وقد أرسل إليه السيد يحيى بن محمد بن الحسن كتاباً ودراهم:

يحيى عمادَ الدِّين يا مَن له

كَفٌّ يُنِيل السُّؤْلَ قبلَ السُّؤالْ

عِطْفِي قد اهْتَزَّ يا سيِّدِي

مذ جاءَنِي منك خطابٌ ومَالْ

وله مضمناً:

لمَّا رآني مَن أحَبَّ مُفكِّراً

نادَى إليَّ مُداعِباً بتلَطُّفِ

حدَّثتَ قلبَك بالسُّلُوِّ فقلتُ بلْ

قلبي يُحدِّثني بأنّك مُتْلِفِي

وله، رباعية:

كم أكتُم لَوْعتِي وكم أُخْفِيها

والدمعُ إذا جرَى وما يُبْدِيَها

يا مالِكَ مُهْجتِي رُوَيْداً بشجٍ

ها مُهْجَتُه لدَيْك فانْظُر فيها

وله:

لا تعتبرْ ضَعْفَ مالِي واعتبِرْ أدَبِي

وغُضَّ عَن رَثِّ أطْمارِي وأسْمالِي

فما طِلابِيَ للدُّنْيَا بمُمْتَنِعٍ

لكنْ رأيتُ طِلَاب المجدِ أسمَى لِي

وله:

رُوَيْدَك من كَسْبِ الذنوبِ فأنتَ لا

تُطِيقُ على نارِ الجحيم ولا تَقْوَى

أترْضَى بأن تَلْقَى المُهَيْمِنَ في غدٍ

وأنتَ بلا عِلْمٍ لَديْك ولا تقوَى

وله:

افْزَعْ إلى البارِي وكُنْ

ممَّا جنَيْتَ على وَجَلْ

وارْجُ الإلهَ فلم يَخِبْ

راجِي الإلهِ علَى وجَلّ

وقد سبق إلى هذا في قول الأول:

كُنْ من مُدَبِّرِك الحكِي

م عَلَا وجَلَّ علَى وَجَلْ

وله في الثقة بالله:

ثِقْ بالذي خلق الورَى

ودَعِ البَرِيَّةَ عن كَمَلْ

إن الصديقَ إذا اكْتَفى

ورأَى غَناءً عنك مَلّ

وله:

رضيتُ بربِّيَ عن خَلْقِهِ

وعن هذه الدارِ بالآخِرَهْ

سأسْعَى لطاعتِه طَاقَتِي

وإن قصرتْ هِمَّتِي القاصِرَهْ

وقال، وقد رأى شعرةً بيضاء في رأسه:

شبابٌ غيرُ مذمومٍ تولى

وشَيْبٌ قد أتى أهْلاً وسَهْلَا

مضَى عمرِي الطويلُ ومَرَّ عَيْشِي

كأنِّي لم أعِشْ في الدهرِ إلَاّ

الضد أقرب خطوراً بالبال عند ذكر ضده، فذكرت من قوله: رأى شعرةً بيضاء في رأسه ما حكى أبو الخطاب بن عون الحريري الشاعر، أنه دخل على أبي العباس الشامي المصيصي واجماً، ورأسه كالثغامة، وفي شعره واحدةٌ سوداء.

فقلت: يا سيدي، برأسك شعرةٌ سوداء!

ص: 487

قال: نعم، هذه بقية شبابي، وأنا أفرح بها، ولي فيها شعرٌ.

فقلت: أنشدنيه.

فأنشدني:

رأيتُ في الرَّأْسِ شَعْرةً بَقِيَتْ

سوداءَ تهْوَى العيونُ رُؤْيتَهَا

فقلتُ للبِيضِ إذْ تُرَوِّعُها

باللهِ ألَا فارْحَمْنَ غُرْبَتَهَا

وقَلَّ لُبْثُ السوداءِ في وَطَنٍ

تكون فيه البَيْضاءُ ضَرَّتَهَا

ثم قال: يا ابن الخطاب، بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء.

أحمد اليبنبعي شهابٌ في سماء الفضل قد وقد، تنفث أقلامه في عقودٍ لا عقد.

وضح في طريق المعارف وضوح النور الساطع، ومضى في تحصيل شواردها مضاء السيف القاطع.

وله بديهة لم تعب في ميدان سبقٍ بتخلف، وأشعارٌ سلمت من وصمة تعقيدٍ وتكلف.

فمنها قوله:

سَبَى فؤادِي ومَن حاز الجمال سَبَى

ظَبْيٌ من التُّرْكِ ألْهَى حُسْنُه العَرَبَا

منها:

والليلُ مشتمِلٌ بالغَيْم مُتّشِحُ

بالبَرْقِ قد وضعُوا تاجاً له الشهُبَا

والبرقُ مُسْتعِرُ الإيماضِ مُتَّصِلٌ

كأنه قلبُ صَبٍ للنَّوَى وَجَبَا

أو أنه ضَوْءُ مِصْباحٍ يُمثِّلُه

ضَحْضَاحُ ماءٍ ولكن عندمَأ اضْطَرَبَا

وله من أخرى، مطلعها:

سَلُوا عن فؤادِي إن مَرَرْتُم على سَلْعِفعَهْدِي به لمّا الْتَقَى الرَّكْبُ بالجِزْعِ

منها:

كأنَّ حُروفَ العِيسِ في فاحِمِ الدُّجَى

أحاديثُ سِرٍ أُودِعتْ جَيِّدَ السَمْعِ

كأنَّ سُهَيْلاً غُرَّةٌ فوق أدْهمٍ

يُجاذِبُه رَبُّ العِنانِ عن الرَّفْعِ

وتنظُر في الغَرْبِ الهلالَ كأنه

مِن الْعاج مُشْطٌ غاصَ في آخرِ الفَرْعِ

هذا التشبيه محل نظر.

إلى أن تجلّى عن دُجَى الليلِ صُبْحُهُ

تَجلِّي أمير المؤمنين عن النَّقْعِ

وله:

شكى إلى آسِيهِ مِن رأسِه

مَن قَدُّه يَهْزأُ بالآسِ

قلتُ كِلانَا والهوى قد رَسَا

في القلبِ نَشْكُو ألَمَ الرَّاسِ

إبراهيم بن صالح المهتدي أحد من سبق وادعى، ورعى من حق الصنعة ما رعى.

تبلغ بها على رواج سوقها، وانتحلها على توافر أمانيه من وثوقها.

والإمام أحمد بن الحسن أول من استدناه، وبلغه من وفور المواهب مناه.

فتهادته السيادة تهادي الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في العيش الوسيم.

فنشأ خلقاً جديداً، وجرى طلقاً مديدا.

وهو شاعرٌ كاتب، حقه واجب، وفضله راتب.

وكلماته قلائد في طلى ولائد، وفرائد في أجياد خرائد.

وقد أثبت له ما يبلغ الغاية في الإغراب، ولم يسمع بأجود منه من العرب والأعراب.

فمنه قوله، من قصيدةٍ كتبها إلى الإمام إسماعيل، يحثه على الجهاد، لما أحصر الركب اليماني، في سنة ثلاث وثمانين بعد الألف:

أظُلْماً عن البيتِ الحرامِ تُذادُ

على مِثْلها الخلُ الجِياد تُقادُ

وخَسْفاً يُسامُ الهاشِمِيُّون إنها

لَفَادِحةٌ فيها الحتوفُ تُقادُ

فلا نامتِ الأجْفانُ يا آلَ قَاسِمٍ

وكيف وفيهِنَّ السيوفُ حِدادُ

ولا حمَلتْكُم مِن نتائجِ دَاحِسٍ

شَوازبُ ما لم تُسْتشَبَّ زِنادُ

إذا لم يَصُنْ مجدَ الخلافةِ منكمُ

فمِن أين مجدٌ طارِفٌ وتِلادُ

تدافعتِ البِيدُ المَوَامِي بقومِكمْ

تَدافُعَ ذُلٍ في دِماه ضِمادُ

ورُدُّوا حيارَى خائبين بصفْقةٍ

يُنالُ بها رِيحُ الرَّدَى وتُقادُ

وقد شارَفُوا أرْجاءَ مكةَ وانْثَنَوْا

بِفاقِرةٍ تَفْرِي الأَدِيمَ وعادُوا

بنى القاسم المْنصور لا تحْسَبونها

مُهنِّيةً لا بَلْ عَناً وعِنادُ

فعَزْماً فأنتم أُسْرَةُ السُّؤْددِ الذي

مَبَانِيه من فوقِ النُّجومِ تُشادُ

ص: 488

ألستمُ بأهلِ البيتِ والرُّكْنِ والصَّفَا

بلَى وهْيَ أوطانٌ لكم وبِلادُ

فلا تتركوا الأتْراكَ في جَنَباتِها

على الغَيِّ قد سادُوا القُرومَ وشَادوا

وصُولُوا مَصالاً يتْرُك البحرَ جَذْوةً

وحَزْماً فما فوق الجَمارِ رَمادُ

ويا آلَ قَحطانٍ ويا آلَ حاشِدٍ

وآل بَكِيلٍ آنَ آنَ جهادُ

يُذادُ عن البيتِ الحرامِ حَجِيجُكمْ

كما ذِيدَ عن ذِئْبِ الفَلاةِ نِقَادُ

فشُدُّوا حِزَامَ الحَزْمِ فالطِّرْفُ إن يُدَعْ

مَشَدُّ حِزامٍ منه مال بَدادُ

ألا أيْقظُوا نُجْلَ العيونِ عن الكَرَى

فَليس بها إلَاّ قذىً وسُهادُ

إذا فاتَها من أسْودِ الرُّكْنِ نظْرةٌ

فلا دار في أحْداقِهِنَّ سَوادُ

قليلٌ بأن تُشْرَى مِنىً بِمَنِيَّةٍ

لَيالِي لِقاً تزْهُو بِهِنَّ سُعادُ

وتَجْريعُ كأسِ الموتِ إن نَدَّ زَمْزَمٌ

وأعْوزَتِ الوُرَّادَ منه ثِمادُ

ونَحْرُ الفتى المذكورِ في عَرَفاتِها

على وَقْفةٍ فيها الجِرارُ بِرَادُ

ألَذُّ وأحْلَى لِلْكَمِيِّ مَذاقةً

ألا انْتبِهوا يا قوم طال رُقادُ

أتَقْذَى عيونٌ منكمُ بِمَذَلَّةٍ

وتُغْضِي جفونٌ حَشْوهنَّ قَتادُ

ويصْفُو على ذا الضَّيْم للحُرِّ مَشْرَبٌ

وكيف وشِرْبُ الهُونِ فيه يُرادُ

دعوتكُمُ هل تسمعون نِداءَ مَن

يُحرِّض لكن لا يُجيبُ جَمادُ

فيا سَيْفَ سيفِ الآلِ مِن حَسَنٍ أَجِبْ

فقد لقِحتْ حَرْبٌ وثار جِلادُ

أأحمدُ ماذا العَوْدُ منكم بأحمدٍ

ولكن حديثُ الضَّيْمِ منه يُعادُ

فثُرْ ثَوْرةً واغضبْ لربِّك غَضْبةً

بعَزْمٍ له فوق النُّجُوم مِهادُ

وقُلْ لأميرِ المُؤْمنين أفِقْ لنا

يُذادُ بنا والمُقْرَبات جِيادُ

لأَيَّةِ معنىً هذه الخيلُ تَدَّعِي

وبِيضُ المواضِي والرِّماح صِعَادُ

وفي مَ يجُرُّ الجيشُ وهْو عَرَمْرَمٌ

لُهامٌ بها عُصْبٌ رُبىً ووِهادُ

أغايتُه يوم الغَدِيرِ لِزِينَةٍ

وغايةُ جُرْدِ الخيلِ منه طِرادُ

أبَى اللهّهُ الدِّينُ الحَنِيفُ وصارمٌ

على عاتقِ الإسْلامِ منه نِجادُ

ويأبَى أميرُ المؤمنين وبأسُه

وفي الثَّغْرِ والرَّأْيِ السَّدِيدِ سَدادُ

فيا أيُّها المولى الخليفةُ عَزْمَةً

فقد شاب فَوْدٌ واستطَار فؤادُ

فلا تَبْرِ أقْلاماً سِوَى من لَهاذِمٍ

لها من دماءِ المَارِقين مِدادُ

ولا كُتُباً إلا الكتائبُ والظُّبَى

ولا رُسُلاً إلا قَنَاً وجِيادُ

دعا أحمدُ الهادي بمكةَ مُفْرَداً

فمال ذَوُوه عن دُعاه وحَادُا

وقام وجُنْحُ الكُفْرِ دَاجٍ عِرانُه

وما الكونُ إلا ضَلَّةٌ وفَسادُ

فلما تجلَّى صُبْحُ أسْيافِه انْجَلتْ

حَنادِسُ غَيٍ واسْتنارَ رشادُ

فسَيِّرْ أميرَ المؤمنين جَحافلاً

لهُنَّ من السُّحْبِ الثِّقالِ مُرادُ

وجَهِّزْ صَفِيَّ الدِّين يمضي بهِمَّةٍ

بأشْراكِها نَسْرُ السماءِ يُصادُ

وأيِّدْهُ بالأبْطالِ أبْناءِ عَمِّه

وبابْنِك عِ. ِّ الآلِ يُبْنَ وِسادُ

ولا تَطْوِ أحْشَاءَ الفَخارِ على جَوىً

تُؤجَّجُ منه جَذْوةٌ وزِنادُ

ص: 489

أتُقْصَى عن البيتِ الحرامِ رِكابُنا

ويُهْدَمُ مِن آلِ النَّبيِّ عِمادُ

ألم تذكر الأتْراكُ غارةَ أثْلَةٍ

وأنَّهم ذاقوا الوَبال وبادُوا

ويا رُبَّ يومٍ أدركوا فيه مَصْرعاً

وللوَحْشِ منهم مَنْهَلٌ ووِرادُ

فعُودُوا عليهم عَودةً قَعْسَريَّةً

تُصاب سَلِيمٌ عندها ومُرادُ

إذا أحْرَمتْ بِيضُ السيوف تَجِلَّةً

وناط بِخَيْفٍ أبْطَحٌ وجِيادُ

هنالك يُشْفَى غَيْظُ نفسٍ كريمةٍ

وقد حان من أهلِ الضَّلالِ حَصادُ

ودونكم الحَرَّاءَ من قلبِ عارفٍ

لها حِكَمٌ ما إنْ لَهُنَّ نَفادُ

لقد أرسلتْ تِمْثالَها وترسَّلتْ

فواصلُ فيها للعِداةِ صِفادُ

أصِيخُوا لها سَمْعاً وعَزْماً يقولُه

خطيبٌ بليغُ الواعظاتِ جَوادُ

سلامٌ عليكم إن عملتُم بِحُكْمِها

وإلَاّ فلا جاءَ الديارَ عِهادُ

وقد وقفت لصاحبنا أديب الدهر، أحمد بن ابي القاسم الحلي على قصيدة وزانها، رد عليه فيها.

وهي:

دَعَوْتَ ولكن مَن دعوتَ جَمادُ

ونَبَّهْتَ لكنْ مَن دَهاه رُقادُ

وأسمعْتَ مَن أضْحتْ بأُذْنَيْه عِلَّةٌ

فما لِمَواعيظِ الرَّشادِ رَشادُ

كأنَّ أحاديثَ الذين تحلّفوا

وصَدُّوا لآذانِ الرِّجالِ سِدادُ

وحرَّضْتَ أصْناماً ظننْتَ شُخوصَها

جُسوماً ولكنْ ما لهُنَّ فُؤادُ

رأيتَ سَراباً لاح منهم بِقِيعَةٍ

شَراباً فرِدْ إن الشّرابَ يُرادُ

وآنسْتَ ناراً يُستطارُ شَرارُها

وما هِيَ إلاّ إن كشفْتَ رَمادُ

قَذىً حَلَّ في عينيْك حتى تصوَّرتْ

لك الحُمْرُ أُسْداً والحمير جِيادُ

وحتى البُروقُ الّلامعاتُ صَوارِمٌ

وحتى الحصونُ المائلاتُ مَعادُ

وحتى النجومُ الزَّاهِرات مَغَافِرٌ

وحتى طِرادُ اللاعبِين جِلادُ

وحتى ظَلُومُ الليلِ جيشٌ عَرَمْرَمٌ

تضِيقُ به عند النُّزولِ بِلادُ

وحتى السحابُ الجُونُ قامتْ تُثيرُه

خيولٌ على السَّبْعِ الشِّدادِ شِدادُ

وحتى الرُّعودُ المُزعِجاتُ صَهِيلُها

إذا هيَ في اليومِ العَبُوس تُقادُ

وحتى العَباءُ السُّودُ وهْيَ عليهمُ

دُروعٌ لقد غَرَّ السوادَ سَوادُ

أعِدْ نَظَراً فيما رأيتَ ولا تَمِلْ

عن الحقِّ إنَّ المَيْلَ عنه عِنادُ

ألم يعلموا أن النفوسَ نَفائِسٌ

وأن مَذاقَ الموتِ ليس يُرادُ

ألم يعلموا أن السَّلامةَ مَغْنَمٌ

إذا حصَلتْ نالوا المُنَى وأفادُوا

وهَبْ أنهم هَشُّوا لقولك هَشّةً

وشدُّوا العِتاقَ السَّابقاتِ وقادُوا

ألَيس قُصاراهم إذا قامتِ الوغَى

ودارتْ رحَى الهَيْجا فَناً وشِرادُ

أبَعْد افْتراشِ الخَزِّ تغدو من الثّرَى

لهم فُرُشٌ مطروحةٌ ووِسادُ

وبَعْد رُكوبِ الخيْلِ يغْدو رُكوبُهم

على آلةٍ حَدْبا وعَزَّ مِهادُ

وبعد لَذِيذات المَطاعمِ منهمُ

يكون طعامٌ للسِّباعِ وزَادُ

يعِزُّ عليهم يا أخا العَزْمِ والنُّهى

يطُول لربَّاتِ الحِجَالِ حِدادُ

بحقِّك قُلْ لي هل رأيتَ هَلاكَهمْ

بإغْرائِهم كَيْما يُنال مُرادُ

وهل في الحَشَا منكم كُلومٌ قديمةٌ

فثَارَ لأخْذِ الثّأْرِ منك فُؤادُ

كأنِّي بهم لو حاولوا أن يُزايِلُوا

مَنازلَهم قادُوا الرِّقابَ نِجادُ

ص: 490

ولو خرجُوا منها لأوْشَك زَادُهمْ

يكون له قبلَ الخُروج نَفادُ

ولو جَنَحُوا للحربِ قَصَّ جَناحَهمْ

وظَلُّوا بأيْدِي القاعدين يُصادُوا

ولو فارقُوا أبْوابَ صَنْعا لفُرِّقتْ

جُموعُهم أيْدِي سَبَاءَ وبادُوا

ولو جاوزُوا غَرْسَ الغِراس هُنيئَةً

لكان لهم يومَ المَعاد مَعادُ

ومن بدائعه قوله، من قصيدة يمدح بها الإمام إسماعيل المتوكل.

ومستهلها:

نعمْ ما لربَّاتِ الحجُولِ ذِمامُ

ولا لعُهودِ الغانياتِ دَوَامُ

أعَزُّ إلى مَ البرقُ عندك خُلَّبٌ

وحتى مَ سُحْبُ الوصلِ منك جَهام

تقلَّص ظِلٌّ مِن وفائِك سابِغٌ

ظَلِيلٌ وعاد الرِّيُّ وهْو أُوامُ

تَخِذْتِ قِلالَ الصَّدِّ والبعدِ جُنَّةً

مَلَلْتِ ألا إن المَلالَ مَلامُ

وتلك لَعَمْرِي في الحِسانِ سَجِيَّةٌ

وللشَّيْخِ في إلْمامِهِنَّ لِزامُ

ولكنه في حَقِّهِنَّ مُمَدَّحٌ

يحِلُّ وأما في الرجالِ حَرامُ

قُصارَى جَمالِ الغِيدِ وَجْدٌ ولَوعةٌ

لها بيْن أحشاءِ الثّناءِ ضِرامُ

تعَصَّيْتِ حتى ما لمُضْناك حِصَّةٌ

من الوصلِ إلَاّ مِن رَنَاكِ سِهامُ

حسبْتِ بأن الحسنَ باقٍ وربما

غدا يَنْعُه يا عَزُّ وهْو تَمامُ

وكلُّ شبابٍ بالمَشيبِ مُروَّعٌ

وإن لم يَرُعْك الشَّيْبُ راع حِمامُ

ألم تعلمِي أن المَحاسنَ دولةٌ

يَزولُ إذا زالتْ جَوىً وغَرامُ

ولو دامتِ الدّولات كانُوا كغيْرِهمْ

رَعايا ولكن ما لَهُنَّ دَوامُ

إذا زِدْتِ بُعْداً أو أطلْتِ تجنُّباً

رحلتُ وجسمِي لم يُذِبْه سَقامُ

ومافَضْلُ ربِّ السيفِ إن فتكَتْ به

جفونٌ كَلِيلاتُ المَضاءِ كَهامُ

أينْصِبْن لي من هُدْبِهنَّ حُبالَةً

وهل صِيدَ في فخِّ الغَزالِ حَمامُ

ولي هِمَّة لا يطَّبيها صَبابةٌ

وحَزْمُ فتىً بالخَسْفِ ليس يُسامُ

وعَزْمةُ نَدْبٍ لا يذِلُّ فُؤادُه

وجانبُ حُرٍ لن تراه يُضامُ

هُيامِيَ في نَهْدٍ أقبَّ مُطَهَّمٍ

إذا القومُ في نَهْد المَليحةِ هامُوا

ولم يكُ عندي غيرَ كُتْبٍ نَفِيسةٍ

ترُوق وإلاّ ذابِلٌ وحُسامُ

ولي قلمٌ كالصِّلِّ أمَّا لُعابُه

فسَمٌّ وأما نَفْثُه فَمُدامُ

وإن أمَّنِي دهرِي الخَؤُونُ بحادثٍ

فلي مِن أمير المؤمنين عِصامُ

وله مناظرة بين القوس والبندق.

قال فيها: الحمد لله المفيض كرماً ومنا، والصلاة على نبيه الراقي إلى قاب قوسين أو أدنى.

المؤيد بخوارق آياتٍ هن أشد حكماً وأنفذ سهما، الذي أنزل عليه:" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ".

وعلى آله الذين تقوست بريهم ظهور النواصب، وأدركوا ببندق الإصابة كل غرض ناكب.

وأقيمت لهم في الدين الحجج والأدلة، وتقاصرت بجودهم الشهور والأهلة.

أما بعد: فهذه أرجوزة جمعت فيها غرائب من البديع، ووشعت بردها مفوفاً كأزاهير الربيع.

وسميتها براهين الاحتجاج والمناظرة، فيما وقع بين القوس والبندق من المفاخرة.

سلكت فرائدها ممتثلاً لمقترح مولاي السيد العلامة لسان المتكلمين، وترجمان الأئمة العارفين، سيف الإسلام والمسلمين، أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين.

وطرزتها بفرائد من مديحه، الذي لا يقضي النظر مع تعارض الأدلة إلا بترجيحه.

فهو المقصود أولاً وبالذات، والمقدم التالي في هذه الأبيات:

جاءتْك تبْرِي أسْهُمَ الجفونِ

عن قوسِ ذاك الحاجبِ المَقْرونِ

تخْتالُ مثلَ الغُصُنِ الرَّطِيبِ

في مِطْرَفٍ من حُسْنها القَشِيبِ

ص: 491

رَيَّانةٌ ظامئةُ الوِشاحِ

سَكْراءُ من خَمْرِ الصِّبا يا صاحِ

تفْترُّ عن دُرٍ بَدِيدِ الشّنبِ

كأنه كأسٌ طَفَا بالحَبَبِ

هِمْتُ بها وأعْجَبُ الإبْداعِ

ذو طَيْلَسانٍ هام في قِناعِ

كالليلِ داجي شَعْرِها إذا سجَى

ووجهُها كأنه بدرُ دُجَى

بيضاءُ بيْضا الْجُسَيمِ كاعِبَهْ

تُضْحى بألْبابِ الرِّجالِ لاعِبَهْ

كم مُغْرمٍ بحُبِّها مُدَلَّهَا

بقلْبِه نحوَ الهوى مُدَّلَهَا

جاءتْ إلينا كالأصِيل في الضُّحَى

لو لَمَحَ البدرُ سَناها لَمَحَا

وطَوْقُها يلوحُ فوق الجِيدِ

كأنه شَكْلُ هِلالِ العيدِ

على جَبِين الأُفقِ البَهِيِّ

مُنْحدِرٌ في الجانبِ الغَرْبِيِّ

قد خُطّ في طِرسِ السَّما كالنُّونِ

كأنه قَوْسُ صَفيِّ الدِّينِ

رامِي حَشَا البُخْلِ بِسَهمِ الجودِ

وقاتلُ الإعْدامِ بالوجودِ

يَمُّ العلومِ والنَّدَى المألوفِ

وجُنَّةُ اللائذِ والمَلْهوفِ

هو الحُسامُ في يَدِ الخليفهْ

حامِي ذِمامِ المِلَّةِ الْحَنِيفهْ

مَنْ جَلَّ مِقْداراً على السِّماكِ

وقال للشمسِ أنا سَماكِ

أحمدُ نَجْلُ الحسنِ بن القاسمِ

ناهِيك في الهَيْجاءِ من مُصادِمِ

مَن عرَّف الجندَ بلَامِ الحربِ

واللامُ للتَّعْريف عند العُرْبِ

ما بين خَطِّيٍ وبين ماضِ

ومِغْفَرٍ وسابغٍ فَضْفاضِ

يتْلوهما تركشة في الرَّاسِ

فُؤادُها من الحديدِ قاسِ

وتركشُ النَّبْلِ وقَوسُ الرَّمْيِ

من لازمِ المُدَجَّح الكَمِيِّ

فالقوسُ قد عادتْ له أحكامُ

وارتفعتْ لحُكْمِه أعْلامُ

منذ أعاد الأحْمَدِيُّ أثَرَهْ

وشَدَّ أيضاً بالسَّوامِ أثَرَهْ

فصار بين الخافقَيْن مُشْتهَرْ

وجا على البُنْدُقِ أيضاً يفْتخِرْ

مُنْحَنِياً من الدّها مُترْكشَا

مُقَذِّفاً لسَهْمِه مُرَيِّشَا

يقول فَضْلِي ظاهرُ البيانِ

بسُورةِ الزُّخْرُفِ لا الدُّخانِ

يُرْجَى على ظهرِ الحصانِ الأعْوَجِ

أنا الهلالُ لم يُعَبْ بالعِوَجِ

قِدْحِي المُعَلَّى في ظهورِ السُّبَّقِ

فأين مِن مَرْمايَ مُجْرِي البُنْدُقِ

قَبيلتي بين الورَى كِنانَهْ

راشِقةٌ حِرابُها طَعّانَهْ

فهل ترى لبُنْدُقٍ قبيلَهْ

سوى مقصّ شم أو فَتِيلَهْ

وإن أتى وصوتُه مُجاشِعُ

فإنما أصولُه قَعاقِعُ

غِذاؤُه الباروتُ والرَّصاص

كأنما في جَوْفِه قُرَّاصُ

فأرْعَدَ البُنْدُقُ حتى أبْرَقَا

بَرْقاً من الياقوتِ قد تألّقَا

وقال إذْ قام على كُرْسِيِّهِ

قد أُنْطِق الأخْرسُ بعد عِيِّهِ

تمنْطَق القَوْسُ عليَّ وافتَخرْ

وهْو مدَى الأيامِ في أسْرِ الوَتَرْ

مُشدّدُ الأطرافِ كالمَوثُوقِ

وقلبُه مُطَرَّحٌ في السُّوقِ

يفْخَر والفاخرُ عُقْباه النّدَمْ

مَعْ أنه مُحْدَوْدِبٌ من الهِرَمْ

ليس له ذخيرةٌ يُنفِقُها

إن ثار من نارٍ الوغَى مُحْرِقُهَا

يجهْل ما بيْن الورَى تأْثيرِي

ورَفْعَ كُرْسِيِّي على الصدورِ

ولا أزال طالعاً في غاربِ

أرْمِي الشياطِين بنَجْمٍ ثاقبِ

أرُوعُ في الهَيْجا زئيرَ الأُسْدِ

بصَرْخةٍ من رَمْيتِي كالرَّعْدِ

ص: 492

آكُلْ بالمِيزانِ أكْلَ الحِكْمَهْ

فلستُ أخْشَى دائماً من تُخْمَهْ

كفَاك منِّي خَبَرِي وخُبْرِي

وحُسْنُ مَدْحِي من أديبِ العَصْرِ

قد قال فيّ والبليغُ حُجّهْ

وقولُه مُتَّضِح المَحَجّهْ

ضئيلةٌ تَرْقِيشُها حسنُ الفرندْ

جَوْهرُها في الرُّوم مَشْبوكُ الزّرَدْ

أفْعاءُ في أجْوافِها النِّيرانُ

يحْذَر منها الصِّلُّ والثُّعْبانُ

وسَمُّها تَحْمِلُه جَنِينَا

تُرْضِعُه من الرَّدَى علينَا

بيْنَا تُرَى تحملُ منه طِفْلَا

حتى يصيرَ للحِمامِ كَهْلَا

ما تدْرِ ما تلْفَحُه وتضَعُهْ

ومن أَفاوِيق الذُّعافِ تُرْضِعُهْ

إلَاّ بِمقْدارِ اكْتحالِ النّاظرِ

حتى يصير وهْو حَتْفُ الفَاجِرِ

وَاهاً لها تلك مَخاضُ حُبْلَى

أسْرَعُ ما تدْرأُ منه الحَمْلَا

فابْتَدرَ القوسُ بسهمٍ ووثَبْ

وازْوَرَّ كالحاجبِ من فَرْطِ الغَضَبْ

وصار يُبْدِي صَوْلة المِقْدامِ

يسْحبُ أذْيالاً من السِّهامِ

وقال ما أقْرَعُ في خِطَامِهْ

والمرءُ قد يُقْذِعُ في إعْظامِهْ

ما لِي وللْبُنْدُقِ يا أُخَيَّهْ

أصْبَح يُعْلِي صَوْتَه عَلَيّهْ

جوابُه أن لا يُجَابَ أبَدا

فما يُجِيبُ صوتَه إلا الصّدَى

لكنني مُنْتصِرٌ خَشْيَة أن

يقول إنِّي قد رُميتُ باللَّكَنْ

وكان أوْلَى عِنْدِيَ السُّكوتُ

فإنما نَفِيثُه بارُوتُ

مُسْتكْثَرٌ دُوَيْبقٌ في ثَمنِه

أما تراه أبْخَرَ من نَتَنِهْ

وقال لم تَعْلَقْه من تُخْمَهْ

وإنما غذاؤُه بالحِكْمَهْ

وكم له من بِطْنةٍ مبْغوضَهْ

تَظَلُّ أحْشاهُ بها مَغْضوضَهْ

كم آد مَن يحملُه من تَعَبْ

وأخَّر الرَّامِيَ عن نَيْلِ الأرَبْ

لثُقْلِه فجِرْمُه ثقيلُ

إن الثقيلَ قُرْبُه مَمْلولُ

ما أكثرَ التَّلْوينَ في دِيانتِهْ

وأضْيَعَ الأسرارَ في خِزانتِهْ

فَتِيلُه نارُ الفَرِيقِ في العَلَمْ

فسْرُّ مَن يغْزُو به لا يُكْتَتَمْ

كم دَرَّ بالصوتِ على رَاميهِ

ونَمَّ في الليل على سَارِيهِ

وأيْنَه منِّي وحِفْظُ سِرِّي

ما زال مَحْنُواً عليه ظَهْرِي

أُصِيب مَن أرْمِيه اغْتيالَا

حتى أكاد أرْشُق الخَيالَا

أصُونُ سِرِّي فهْو لا يبينُ

مُقْتدِراً بقَوْلِه اسْتعينُوا

إن يتبجَّحْ في عُلُوِّ الشَّانِ

بمَدْحِه من شاعرِ الزَّمانِ

فحُجَّتِي أرْجُوزةُ النَّباتِ

ودُرَّةٌ من بَحْرِه الفُراتِ

أعْنِي بذا فرائدَ السُّلوكِ

في ذِكْرِه مَصائد المُلوكِ

للهِ ما أعْذَبها مِنْ مُلَحْ

قد قال إذْ طَرَّزَها مَن مَدَحْ

يا حبذا مُجِيبةُ الوِصالِ

قاطعةُ الأعمارِ كالهلالِ

زَهْراءُ خضراءُ الإهابِ مُعْجِبَهْ

ممَّا ثَوَتْ بين الرِّياضِ المُعْشِبَهْ

كأنها حولَ المِياهِ نُونُ

أو حاجِبٌ بما يشا مَقْروُنُ

لها بَنانٌ بالمَنَى مَعْذُوقَهْ

من نَبْعةٍ واحدةٍ مَخْلوقَهْ

فاضْطرَب البُنْدُقُ واسْتثارَا

وأظْهرتْ ذخيرةٌ شَرارَا

وقال عندي خَبَرُ البُخارِي

ولي حديثُ الرَّمْيِ بالجِمارِ

يا قَوْسُ لا تدخُلْ في أحْكامِي

فأنت عندي من ذَوِي السِّهامِ

ص: 493

ولا تقُل في مَتْنِك التَّعْصِيبُ

فما له من قِسْمَتِي نَصِيبُ

القوسُ يا قومُ لنَدْفِ القُطْنِ

لا لاتِّخاذِ الرَّمْيِ يومَ الطَّعْنِ

كأنه في مَسْجِدٍ مِحْرابُ

أو راكعٌ من خشْيتي مُرْتابُ

كم فُتِّتَ تحت الْبانِ كَبِدُهْ

بِخِدْمةٍ حتى يُقاد أَوَدُهْ

أنا الذي أُحْرِزَ في الإقْدامِ

بآيةِ الكُرْسِيِّ صَدْرَ الرَّامِي

وقال إنِّي لَثقِيلُ الجِرْمِ

وليس يدْرِي أنَّ ذا من حِلْمِي

ونَبْلُه من خِفَّةٍ يَطيشُ

تحلُّه مع الرِّياحِ الرِّيشُ

ما كلُّ من خَفَّ قِباً لَطِيفُ

إن الخفيفَ عَقْلُه خَفِيفُ

فحين زادتْ منهما المُفَاخَرَهْ

واتَّصلتْ بينهما المُشاجرَهْ

وكاد أن يُفْضِي إلى القتالِ

بين رَصاصِ الرَّمْلِ والنِّبالِ

تجرَّد السيفُ عن القِرابِ

وجَرَّ حَدّاً منه غَيرَ نَابِي

وانْسَلَّ ما بينهما إصْلاحَا

وقال قد طَوَّلْتُما الكِفاحَا

والرأيُ أن تصْطِرخَا في الحالِ

وتذْهبا عن ظُلْمةِ الإشْكالِ

إلى الصَّفِيِّ فَيْصلِ الأحْكامِ

أحمدَ مَوْلى الحَلِّ والإبْرامِ

فإنه قد قال وهْو الحاكمُ

وحُكْمُه فيما يقولُ لازِمُ

لابُدَّ للأصْيَدِ في الفرسانِ

من مُرْهفٍ وذَابلٍ مُرَّانِ

وتركش مُقْترِنٌ بالقَوْسِ

كمن مضَى من خَزْرَجٍ وأوْسِ

فراجِلٌ يمْشي بلا حُسامِ

وبُنْدُقٍ رامٍ إلى المَرامِ

كفارسٍ يبْرُز للنِّزالِ

من غيرِ لا سيفٍ ولا عَسَّالِ

فعند ذا فاءَا إلى الصُّلْحِ مَعا

ونَحْوَ بابِ الأحْمَدِيِّ نَزَعَا

لَيْثٌ له كَهْفُ الفَخارِ خِيسُ

يرْتابُ من سَطْوتِه بِرْجِيسُ

الجامعُ الَّلامَ فيومِ الْفاءِ

في مَوْكبٍ يمْلأُ عَيْنَ الرَّائِي

رَعِيلُ شُهْبٍ تَنتقِيه الشُّهْبُ

وعنده نارُ العِداةِ تَخْبُو

به تَمُور قُلَلُ الشَّهْباءِ

وقَوْسُه في أُذُنِ الجَوْزاءِ

أمِيرُه سيفُ الفتوحِ أحمدُ

لِواؤُه في كلِّ نَصْرٍ يُعْقَدُ

يا قمراً في أُفُقِ الخِلافَهْ

دُونكَها مُجاجَة السُّلافَهْ

تخْتالُ في بُرْدٍ من الطُّروسِ

ماشِيةً كمِشْيةِ العَرُوسِ

لها مَعانٍ للعقولِ ساحرَهْ

فاخِرةٌ في حُلَلِ المُفاخَرَهْ

وإن تراخَتْ في قضاءِ الواجبِ

فعُذْرُها عُذْرُ زمانٍ غالبِ

ثم الصلاةُ ما بدتْ غَزالَهْ

على النبيِّ خاتِمِ الرِّسالَهْ

وآلِه سفينة النَّجاةِ

وصَحْبِه أكابرِ السَّاداتِ

ومن أبدع بدائعه، قوله مخابطاً للإمام إسماعيل، وقد عرض عليه حصانان من كرائم خيله، أحدهما أسود، والآخر أبيض:

وأدْهَمٍ قد زَهَى اسْوِداداً

مع أبْيَضٍ زانَه اخْضِرارُ

فأنتَ في رُتْبةِ المَعالِي

يحْمِلُك الليلُ والنهارُ

وقال، وكان الإمام أراد أن يدخل مكاناً له، فهوى قنديلٌ كان معلقاً، فانكسر:

لا تعْجَبُوا إن هوَى القِنْدِيلُ مُنْكَسِراً

فما عليه أُهَيْلَ الفَضْلِ من حَرَجِ

رأَى الإمامَ كشمسٍ في مطالِعِها

وعند شمسِ الضُّحَى لا حَظَّ للسُّرُجِ

ومما يحاضر به، ما اتفق أن زجاجةً انشقت من ذاتها، في مجلس سلطان، فظهر منه تطيرٌ، فأنشد بعض الشعراء:

ومجلسٍ بالسرورِ مُشْتمِلٍ

لم يَخْلُ فيه الزُّجاجُ عن أرَبِ

ص: 494

سَرَى بأعْطافِه يُرنِّحُهُ

فشَقَّ أثْوابَه من الطَّرَبِ

ومن محاسنه قوله يخاطب بعض السادة:

قُلْ للذين سَرَوْا والنارُ مُضْرَمةٌ

وفيهمُ شَرَفُ الإسلامِ إذ ظَعنُوا

لا تُشْعِلوا النارَ في مَسْراكمُ فلقد

أغْناكمُ النَّيِّران البدرُ والحَسَنُ

وله:

يا عينَ فرسانِ بني هاشمٍ

سبحانَ حامِيكَ من العَيْنِ

صُلْتَ برُمْحٍ وبِعطْفٍ فقُلْ

في فارسٍ جاء برُمْحَيْنِ

وله:

أقْبَلَ كالرمحِ له هزَّةٌ

تحت قِباءٍ غيرِم َمزْرورِ

كأن ذاك الخالَ في صدرِه

حَبَّةُ مِسْكٍ فوق كافُورِ

وله:

حدِّثاني عن النَّقِيبِ حديثاً

وصِفَا لي شُروطَه بالعَلامَهْ

وارْوِيا لي عن جَوْهَرٍ لَفْظَ حُكْمٍ

واجْعَلاه في جَبْهةِ الدهرِ شَامَهْ

فيصِحُّ الحديثُ من غَيْرِ سُقْمٍ

ما رواه إمامُنا عن أُسَامَهْ

وله:

كأنها والقُرْطُ في أُذْنِها

بَدْرُ الدُّجَى قُورِنَ بالمُشْتَرِي

قد كتبَ الحُسْنُ على وَجْهِها

يا أعْيُنَ الناسِ قِفِي وانْظُرِي

وله في حامل ساعة:

ومليحٍ ملَك الحُسْ

نَ جميعاً فأطَاعَهْ

جاءَنا ساعة أُنْسٍ

إذْ حَوَتْ يُمْناه سَاعَهْ

وله في بانياني اسمه رامه:

وَلِعْتُ ببانيانِي فيه حُسْنٌ

تظَلُّ الشمسُ عاكفةً أمامَهْ

كأن بِرِيمهِ لمَّا تبدَّى

بريقَ الغَوْرِ في أكْنافِ رَامَهْ

وله:

قد انْقضَى الصومُ ووَلّى وقد

أقْلَقهُ شَوَّالُ بالإرْتحالْ

في الأرضِ تَرْميه مَجانِيقُنَا

وفي السَّما يَرْمِيه قَوْسُ الهلالْ

وله:

طَيْلَسانُ المُهذّبِ بن عشيشٍ

هَذَّبْته الشهورُ والأعْوامُ

حاكَه مُجْتبَى النُّبُوَّةِ شِيثٌ

هكذا قد رَوَتْ لنا الأهْرامُ

وله:

طَيْلَسانُ ابنِ عشيشٍ ذِي العُلَى

قد بَراه الدهرُ في نَشْرٍ وطَيّ

شَيِّقٌ يُذْكِر أيامَ الصِّبا

ما له ممَّا بَراه الشوقُ فِيّ

طيلسان ابن عشيش، كطيلسان ابن حرب، في قدم الزمان والاختلال.

وطيلسان ابن حرب صاحب الشهرة على ألسنة الشعراء.

وكان محمد بن حرب أهداه إلى الحمدوني، وكان خلقاً، فقال في وصفه قرابة مائتي مقطوعة، لا تخلو واحدةٌ منها من معنىً بديع، وصار الطيلسان عرضةً لشعره، ومثلاً في البلى والخلوقة، وانخرط في سلك حمار طياب، وشاة سعيد، وضرطة وهب، وأير أبي حكيمة.

ومن نوادر ما قال فيه:

يا ابنَ حَرْبٍ كَسَوْتنِي طَيْلَساناً

أمْرَضْته الأوجاعُ فهْو سَقِيمُ

وإذا ما رَفَوْتُه قال سُبْحا

نَك مُحْيي العظامِ وهْي رَمِيمُ

قلت: ومثله في الشهرة، ثوب المالقي، وفروة ابن نباتة، وصوف ابن مليك.

السيد أحمد بن محمد الأنسي شاعر صنعاء المفلق، وشهاب أفقها المتألق.

تعانى الأدب حتى سما بإحرازها، فإذا نشرت حللها الصنعائية فهو طراز طرازها.

وكان له عند أئمتها قدرٌ لا يجهل، واعتناءٌ لا يكاد حقه يهمل أو يمهل.

ثم قدم مكة ومدح شريفها، ونال من المفاخر تليدها وطريفها.

فكان غرس نعمه، الذي سقاه كرمه سائغاً هنيا، فأثمر قولاً جنيا.

وحسامه الذي حلاه، فأهدى إليه من حلاه.

وحظي حظوةً ما زال في خيرها إلى الممات يتقلب، واشتهر شهرةً أنست شهرة أخي العرب قدم على آل المهلب.

وقد أثبت من أشعاره ما يستغني في إحكام صنعته عن الحجة والبرهان، ويدل على أن قائله حاز في ميدان البراعة مزية الرهان.

فمن ذلك رائيته المشهورة التي مدح بها الشريف زيدا، وبلغني أنه أجازه عليها ألف ذهبٍ، وعبداً، وفرسا:

سَلُوا آلَ نُعْمٍ بعدَنا أيُّها السَّفْرُ

أعندهمُ عِلْمٌ بما صنَع الدهرُ

تَصَدَّى لِشَتِّ الشَّمْلِ بيني وبينها

فمنزليَ البَطْحا ومَنْزلُها القَصْرُ

ص: 495

رآنِي ونُعْماً لاهِيَيْن فغالَنا

فشَلَّتْ يدُ الدهرِ الخَؤُونِ ولا عُذْرُ

فواللهِ ما مَكْرُ العَدُوِّ كمَكْرِهِ

ولكنَّ مَكْراً صاغَه فهو المَكْرُ

فقُولَا لأحْداثِ الليالي تمَهّلِي

ويا أيُّهذا الدهرُ مَوْعِدُك الحَشْرُ

سلامٌ على ذاك الزمانِ وطِيبِه

وعيشٍ تقضَّى لي وما نبَت الشَّعْرُ

فتلك الرياضُ الباسِماتُ كأنّ في

عَواتِقها من سُنْدُسٍ حُلَلٌ حُمْرُ

تنَضّد فيها الأُقْحُوانُ ونَرْجِسٌ

كأعْيُنِ نُعْمٍ إذْ يقابلُها الثَّغْرُ

كأنَّ غصونَ الوردِ قُضْبُ زَبَرْجَدٍ

تُخالُ من الياقوتِ أعْلامُها الحُمْرُ

إذا خطَرْت في الرَّوضِ نُعْمٌ عَشِيَّةً

تَفاوَح من فَضْلاتِ أرْدانِها العِطْرُ

وإن سحَبْت أذْيالها خِلْتَ حَيَّةً

إلى الماءِ تَسْعَى ما لأَخْمَصِها إثْرُ

كَساهَا الجمالُ اليُوسُفُِّ مَلابِساً

فأهْوَنُ مَلْبوسٍ لها التِّيهُ والكِبْرُ

فكم تخْجَلُ الأغْصانُ منها إذا انْثَنتْ

وتُغضِي حياءً من لواحِظِها البُتْرُ

لها طُرَّةٌ تكْسُو الظَّلامَ دَياجِياً

على غُرَّةٍ إن أسْفَرتْ طلعَ الفَجْرُ

وجِيدٌ من البِلَّوْرِ أبْيضُ ناعمٌ

كعُنْقِ غَزالٍ قد تكنَّفَها الذُّعْرُ

ونحر يقول الدُّرُّ إن به غِنىً

عن الحَلْيِ لكنْ بي إلى مثلِه فقرُ

وحُقَّانِ كالكافورِ نَافَ عَلاهُما

من النَّد مِثْقالٌ فنَدَّ به الصَّبْرُ

قلت هذا الند ند عن الند.

رُوَيْدَك يا كافورُ إن قُلوبَنا

ضِعافٌ وما كُلُّ البلادِ هي المِصْرُ

بَدا القَدُّ غُصْناً باسِقاً مُتأوِّداً

على نَقَوَىْ رَمْلٍ يطوفُ به نَهْرُ

يكاد يدُقُّ الخَصْرَ من هَيَفٍ به

رَوادِفُها لولا الثَّقافةُ والهَصْرُ

لها بَشرٌ مِثلُ الحريرِ ومَنْطِقٌ

رَخِيمُ الحَواشِي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ

رأتْني سَقِيماً ناحِلاً وَالهاً بها

فأدْنَتْ لها عُوداً أنَامِلُها العَشْرُ

وغنَّتْ ببيتٍ يلْبَثُ الرَّكْبُ عنده

حَيَارى بصَوْتٍ عنده يرقُص البَرُّ

إذا كنتَ مَطْبوباً فلا زلْتَ هكذا

وإن كنتَ مَسْحوراً فلا بَرِىءَ السِّحْرُ

فقلتُ لها واللهِ يا ابْنَةَ مالكٍ

لَمَا شَفَّنِي إلَاّ القطيعةُ والهجرُ

رَمَتْنِي العيونُ البابِلِيَّاتُ أسْهُماً

فأقْصَدنِي منها سهامُكمُ الحُمْرُ

فقالتْ وألْقتْ في الْحَشَا من كلامِها

تأجُّجَ نارٍ أنت من مُلْكِنا حُرُّ

فواللهِ ما أنْسَى وقد بكَرتْ لنا

بإبْرِيقِها تسعَى به القَيْنةُ البِكْرُ

تدُور بكاساتِ العُفارِ كأنْجُمٍ

إذا طلعَتْ من بُرْجِها أفَلَ البَدْرُ

نَدامايَ نُعْمٌ والرَّبابُ وزَيْنَبٌ

ثلاثُ شُخوصٍ بيْننا النظمُ والنثرُ

على النَّأيِ والعودِ الرَّخِيمِ وقَهْوةٍ

يُذكِّرها ذَنْباً لأقْدامِنا العَصْرُ

فتقْتصُّ من ألْبابِنا وعقولِنا

فلم نَدْرِ هل ذاك النُّعاسُ أو السُّكْرُ

مُعتَّقةٌ من عهدِ عادٍ وجُرْهُمٍ

ومُودِعها الأدْنانَ لُقْمانُ والنَّسْرُ

مُشَعْشَعةٌ صَفْرا كأن حَبابَها

على فُرُشٍ من عَسْجدٍ نُثِرَ الدُّرُّ

إذا أُفْرِغتْ في الكأسِ نُعْمٌ وأخْتُها

تَشابَه من ثَغْرَيْهما الرِّيقُ والخَمْرُ

خَلا أن رِيقَ الثَّغْرِ أشْفَى لِمُهْجتِي

إذا ذاقَه قلبي الشَّجِي بردَ الجَمْرُ

ص: 496

وأنْفَعُ دِرْياقٍ لمَن قتَل الهوى

فهاتِ ارْتِشافَ الثَّغْرِ إن سَمَحَ الثَّغْرُ

بهذا عرفْنا الفرقَ ما بين كأسِها

وبين مُدامِ الظَّلْمِ إن أشكلَ الأمْرُ

فواللهِ ما أسْلُو هَواها على النَّوَى

بَل إن سلَا بذْلَ النَّدَى الملكُ القَسْرُ

أبو حسنٍ زيدُ المَكارمِ والتقى

له دون أمْلاكِ الورى المجدُ والفخرُ

إذا ما مشَى بين الصُّفوفِ تزَلْزَلتْ

لِهَيْبتهِ الأمْلاكُ والعَسْكرُ المَجْرُ

وترْجُف ذاتُ الصَّدْعِ خَوْفاً لِبأْسِهِ

فَيْندكُّ أطوادُ المَمالكِ والقَفْرُ

فلو قال للبحرِ المُحيط ائْتِ طائعاً

أتاه بإِذْنِ اللهِ في الساعةِ البَحْرُ

على جُودِه من وَجْهِه ولسانِه

دليلان للوفْدِ البشاشةُ والبِشْرُ

فما أحنفٌ حِلْماً وما حاتمٌ نَدىً

وما عنْترٌ يومَ الحقيقةِ ما عَمْرُو

هو الملِك الضَّحَّاكُ يوم نِزالِه

إذا ما الجبانُ الوجه قَطَّبه الكَرُّ

لقد قَرَّ طَرْفُ المُلْكِ منه لأنَّه

لَديْه النَّوالُ الحُلْوُ والغضبُ المُرُّ

أنِخْ عنده يا طالبَ الرِّزْقِ فالذي

حَواه أنُوشِرْوانَ في عيْنهِ نَزْرُ

ولا تُصْغِ للعُذَّالِ أُذْناً وإن دَنَوْا

بأحْسابِهم منهم فما العبدُ والحُرُّ

وهل يسْتوِي عَذْبٌ فُراتٌ مُرَوَّقٌ

ومِلْحٌ أُجاجٌ لا ولا التِّبْنُ والتِّبْرُ

فلو سمعتْ أُذْنُ العِدَى بهِباتِه

إذا جاد لاسْتحْيتْ ولكنْ بها وَقْرُ

مَلِيكٌ إليه الإنْتهاءُ وقَيْصَرٌ

يُقصِّر عنه بل وكِسْرَى به كَسْرُ

مَلِيكٌ له سِرٌّ خَفِيٌّ كأنما

يُناجِيه بالغيْبِ ابنُ داودَ والحَبْرُ

فإن كذَّبوا أعْداءُ زيدٍ فحسْبُه

من الشاهدِ المَقبولِ قِصَّتُه البِكْرُ

لَياليَ إذ جاء الخَصِيُّ وأكْثروا

أقاويلَ غَيٍ ضاق ذَرْعاً بها الصَّدْرُ

فأيْقظَه من نَوْمِه بعد هَجْعةٍ

من الليلِ بيْتٌ زاد فَخْراً به الشِّعْرُ

كأنْ لم يكنْ أمْرٌ وإن كان كائنٌ

لكانَ به أمْرٌ نفى ذلك الأمْرُ

وفي طَيِّ هذا عِبْرةٌ لأُلي النُّهَى

وذِكْرَى لمن كانت له فِطْنةٌ بِكْرُ

فيا زيدُ قُلْ للحاسدين تحفَّظوا

بغَيْظِكمُ أن لا يُطيعَكمُ الصَّبْرُ

فمَجْدِي كما قد تعلمون مُوثَّلٌ

وكلُّ حَمامِ البَرِّ يقْنِصُها الصَّقْرُ

مِن القومِ أرْبابِ المَكارم والعُلَى

مَيامِينُ في أيْديهمُ العُسْرُ واليُسْرُ

مَسامِيحُ في الأَوْلَى مَصابيحُ في الدُّجَى

تَصافَح في مَعْناهمُ الخيرُ والشَّرُّ

أسِنَّتُهم في كلِّ شرقٍ ومَغْرِبٍ

إذا ورَدتْ زُرْقٌ وإن صَدَرَتْ حُمْرُ

مَساعِيرُ حربٍ والقَنا مُتشاجِرٌ

ويوم النَّدَى تبْدو جَحاجِحَةٌ غُرُّ

وَلِيدُهمُ ألقَى الملوكُ لأمْرِه

تقولُ لبَدْرِ التِّمِّ ما أنْصَف الشَّهْرُ

بنِي حَسَنٍ لا أبْعَدَ اللهُ دارَكمْ

ولا زال مُنْهَلاً بأرْجائِها القَطْرُ

ولا زال صَدْرُ الدَّسْتِ مُنْشَرِحاً بكمْ

فمنكم وُلاةَ البيتِ ينْشرحُ الصدرُ

قلت: وقد ترجمه صاحب السلافة، وقال فيه: ورد مكة، فمدح سلطانها السيد زيدا، بقصيدةٍ طويلة الذيل، فأجازه عليها جائزةً سنية النيل.

على أن نظام أبياتها غير مؤتلف، وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف.

فهي كما قيل: درةٌ وآجرة، وقحبة تجاورها حرة.

ثم أورد المقدار الذي ذكره من القصيدة، مع التعقبات التي في أثنائها، والاعتراضات التي طمست من سناها لا سنائها.

ص: 497

فإن محاسن محاسنها أثر فيها ذلك القدح، وجلالة قدرها مشيدةٌ بمدح الشريف وشريف المدح.

وأقول: كأن ابن معصوم لم يظفر من شعر الأنسي إلا بهذه القصيدة، التي أظهر فيها نقده.

على أن شعره كثير، وفضله أثير، وجياد كلامه لنقع البلاغة لم تزل تثير.

قال: قوله: فوالله ما مكر العدو.. إلخ هذا البيت ساقطٌ، ويتلوه ما بعده.

يشير بذلك إلى الأبيات الثلاثة التي بعده.

أقول: ليس في هذا البيت عيبٌ إلا تكرار لفظ المكر؛ فإن التكرار مخلٌّ بالبلاغة إن أدى إلى التنافر كما بينوه، وأما من حيث المعنى فهو مستقيم؛ لأنه لما ذكر أن الدهر معاندٌ له، أثبته عدواً، ونسب إليه المكر به، كما هو شأن العدو، وادعى أن مكره أشد من مكر العدو، على طريق المبالغة في وصفه بذلك.

وقوله: هو المكر؛ أي هو الذي يستحق أن يسمى مكراً، كأن غيره بالنسبة إليه لا يسمى مكراً.

وأما قوله: فقولا لأحداث الليالي.. إلخ، فلا يظهر وجه سقوطه؛ لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، وهو خارج مخرج التظلم من الدهر.

نعم قوله: فتلك الرياض ظاهر السقوط.

قال: وهو ملحون القافية، إذ صوابها النصب.

قوله: وإن سحبت أذيالها خلت حية، هذا من قبيح التشبيه، على ما فيه من الخلل.

قلت: اعتراضه عليه ليس فيه خفاء.

قوله: وصحنان خد. إلخ، ملحون أيضاً، وفيه تشبيه المثنى بالجمع.

وقوله: وما كل البلاد هي المصر.

قال: أدخل لام التعريف على مصر، وهي علمٌ للبلدة المشهورة وهو غير جائز.

قوله: لها بشر مثل الحرير، هذا البيت من قصيدة ذي الرمة المشهورة، وقد انتحله من غير تنبيه على ذلك.

قلت: بعد إثبات الشهرة لا يحتاج إلى التنبيه.

وفي قوله: قد انتحله من غير تنبيه على ذلك، غفلةٌ، فإن من ينتحل شيئاً لا ينبه على انتحاله.

قال: وإنما نبهت على ذلك كله لأن بعض أهل العصر يغالي في استحسانها، زاعماً أنها من أعلى طبقات الشعر، وليس كما توهم.

قلت: يكفيها شهادته بأنها من أعلى الشعر، فهي شهادةٌ بعالٍ من علي، والحق أن حسن مساقها واضحٌ جلي.

وقوله فيها: كأن لم يكن أمر وإن كان كائن.

لهذا البيت قصةٌ، وهي: أنه كان ورد مكة رجلٌ يقال له بشير، ومعه أوامر من السلطان مراد، بأنه مطلق التصرف، وكان في ظنه أنه يعزل الشريف زيداً عن منصبه، فلما وصل إلى ينبع، ظهر خبر موت السلطان، فلم يتم له أمرٌ.

وكان الشريف زيد: رأى في المنام، كأن شخصاً ينشده هذا البيت:

كأنْ لم يكنْ أمْرٌ

.........إلى آخره

فانتبه، وكتبه بالسواك على رمل، في صحن نحاس، خشية النسيان.

وكانت هذه الرؤيا في الليلة التي أسفر صباحها عن الخبر، فنظم الأنسي القصيدة، وأدرجه فيها.

وله هذه الكافية، في مدح الشريف المذكور أيضاً، وأولها:

مِن قبلِ رُؤْياك يا رَيَّا عَرفْناكِ

أهْدَى النسيمُ قَبُولاً طِيبَ رَيَّاكِ

ونَفْحة جابتِ الآفاقَ منكِ فلم

يبْقَى على المِسكِ ذِكْرَى بعدَ ذِكْراكِ

كم بَلْبَلَ البَالَ منها بُلْبُلٌ سَحَراً

وهل مَغانيه إلا بعضُ مَغْناكِ

وأطْربَ العِيس حَادٍ في مَفازَتِها

تحت الدُّجَى حين غَنَّاها بمَغْناكِ

حَلَلْتِ نَجْداً فطابتْ منكِ أرْبُعُهُ

وأصْبحَ التُّرْبُ تِبْراً بعد مَمْشاكِ

وخالطَتْ مَجَّةٌ منك العُذَيْب وما

عِلْمِي به قبلُ لولا نَفْثُ مِسْواكِ

عِمِي صباحاً مَغانِي الغانياتِ ولا

تنْفَكُّ نعم تغذ أيدي نُعْماكِ

أين العهودُ التي كانتْ مُؤكَّدَةً

إيَّاك أن تنْقُضِيها بعدُ إيَّاكِ

نعِمْتِ يا نُعْمُ بَالاً بعدَنا ولنا

بالٌ يُبَلْبِلُه ذِكْرى مُحيَّاكِ

إن كُنَّ أرْبُعِك الَّلاتي زهتْ وهَزَتْ

بأرْبعٍ من جِنانِ الخُلْدِ مَأْواكِ

فيهِنَّ عَيْنانِ من شُهْدٍ ومن لَبَنٍ

نَضَّاخَتانِ فمِن عَيْنَيَّ عَيْناكِ

والمُنْحنَى من ضُلوعِي لم يزلْ أبداً

مَثْواكِ والقلبُ لا ينْفكُّ مَرْعَاكِ

ص: 498

لولاكِ ما قلتُ بيْتاً في النَّسيب ولا

جَفا جُفونِي كَراها غِبَّ مَسْراكِ

ولا لَقِيتُ من الوَجْدِ المُبرِّح ما

يَرُضُّ رَضْوَى فهل باللهِ أرْضاكِ

نَزلْتِ نَجْداً وأضْحَى مَنْزلي بمِنىً

حتى متى يا تُرَى باللهِ ألْقاكِ

ولي بَقايَا حُشاشاتٍ أضِنُّ بها

عَسَى عَسَى تتلاقاها مَطايَاكِ

وفي فؤادِيَ أسْرارٌ تضمَّنها

من الصَّبا حبَّذا إيداعُها فاكِ

لا وَاخَذ اللهُ أيْدِي العِيسِ قد جمَعتْ

بعائدِ الصِّلةِ المَشْكُوَّ والشّاكِي

يا ربَّةَ الخْالِ والخَلْخالِ طَيْفُ خَيا

لٍ منك يشْفِي خليلاً وجْدُه ذَاكِ

وبارِقٌ برَقتْ لي من ثَنِيَّتِه

منك الثَّنايا فأضْحَى أيّ ضَحَّاكِ

فمتِّعِيه به ما عاشَ وابْتَعِثي

دِماه لا تعْدميه لا عَدِمْناكِ

سقَى ورَوَّى وحَيَّى للرَّبابِ مُلِثٌّ

للرَّبَابِ الرُّبى رَيَّا بذِكْراكِ

حتى يُقال لمَعْناها لقد رَحِمَ الضَّ

حَّاكُ يا قوم هذا العارِضَ الباكِي

وحاكَ منها بُروداً ثم فَوَّفَها

بكلِّ لَوْنٍ فأعْيَى وَضْعُها الْحَاكِي

كأن زيداً أطال الله مُدَّتَه

أمَدَّ بعضُ مُحَيَّاه مُحيَّاكِ

فهْو الذي يدُه البَيْضا وصَنْعتُها

نَسْجُ المَكارِم من إبَّانِ إدْراكِ

ما بأسُ عمرٍو وما هَمُّ ابنِ ذي يَزَنٍ

وما سياسةُ سَاسانٍ وإيناك

ما زال لا زال يَطْوِي كلَّ مُنْتَشِرٍ

من المَمالك في عُرْبٍ وأتْراكِ

حمَى به الحَرميْن اللهُ فامْتنعَا

عن مُلْحِدٍ وأثيمٍ بل وهَتَّاكِ

فَأَمَّتِ الأُمَمُ البيتَ الحرامَ على اخْ

تلافِها لم يَخفْ سِرْبٌ لنُسَّاكِ

سِنانُه لم يزَلْ يُدْعَى وصارِمُه

بفاطِرٍ وبسَفَّاحٍ وسَفَّاكِ

هو الأمينُ ولكن ليس يخدمُه ال

مأمونُ إن غَمزتْ عَيْنٌ لأفَّاكِ

سَلْ عنه مكةَ هل مَلْكٌ تَسَلْطَنَ يحْ

كي منه زيداً بها من قبلهِ حَاكِ

وهل لطائرِه المأمونِ من مَثَلٍ

فيمن تقدَّم سَلْ سَلْعاً وذي الداكِي

كم طاب في طَيْبَةٍ رَبْعٌ لِمُرْتبِعٍ

كَساه بُرْدَ ربيعٍ عَدْلُه الزَّاكِي

إن ينْتقِلْ عنك جَوْرُ يَثْرِبٍ فلا غرْ

وَفقد ثقلتْ من قبْل حُمّاكِ

زيدٌ هو الجوهرُ الفَرْدُ الذي انْعَقدتْ

له العِنايةُ في أثْناءِ شبَّاكِ

منها:

مَن لي برُؤْية زيدٍ مَن يُبلِّغنِي

مَن لي ببَسْطِ يدٍ من قبلِ إدْراكِ

أعوذُ باللهِ من عَجْزٍ يُحوِّلَ عن

ازْديارِ مَن سَكَن الزَّوْراءَ نَهَّاكِ

يا ربِّ بالبيتِ زِدْ زيدَ المكارمِ تَعْ

ميراً وعِزّاً وصِلْ من حَبْلِيَ الوَاكِي

ثم الصلاةُ على المختارِ من مُضَرٍ

وآلهِ ما انْطَوَتْ أشْراكُ إشراكِ

ولده أحمد سره الذي بدا، وأطل روضاً متروياً بطلٍ وندى.

لقيته بمكة يصطبح الحظ ويغتبق، وثناؤه ما بين أدبائها عبق.

وعندهم أشعاره ناطقةٌ بتبريزه، واستيلائه من معدن الأدب على إبريزه.

وأنا على ذلك من الشاهدين، وما شهدت إلا وأنا من المشاهدين.

وأما عشرتي معه فما زلت أذكرها، وبلسان الإخلاص أحمدها وأشكرها.

فقد رأيت منه خلاً طبعه مصفى، ومشربه من ريق الشؤبوب أصفى.

ومما خاطبته به، هذه الأبيات:

أأحمدُ يا مَن صَحَّ عندِيَ وُدُّه

ووُدِّي لديه صَحَّ عندِي ببُرْهانِ

كِلانَا على أنِّي الغريبُ وأنك الْ

غريبُ ولا دَعْوَى هناك برُجْحانِ

ص: 499

وإني وإيَّاك الحياةُ وجِسْمُها

كِلانَا على الإخلاصِ مُتَّفقانِ

عجبتُ لوُدٍ بيننا مَعْ تبايُنٍ

فإنِّيَ قَيْسِيٌّ وأنتَ يَماني

رفيقان شَتَّى ألَّفَ الدهرُ بيننا

وقد يلْتقِي الشّتَّى فيأْتلِفانِ

وقد أهدى إلي قصيدةً، يمدح بها كتابي هذا، وأنشدنيها ونحن في السردارية، المنتزه البهج، صحبة جماعةٍ صقلوا العشرة بطبعهم الرهج.

وهي قوله:

لشمسِ المَعالي والبلاغةِ إشْراقُ

وللنظمِ من بعد التَّقَيُّدِ إطْلاقُ

فريحانةُ المولى الخفاجِيّ عَرْفُها

برَوْضٍ من الآدابِ والعلمِ عَبَّاقُ

ويا حبَّذا ذيلٌ كساها مُحَمَّدٌ

سُلالةُ فضل اللهِ مَن هُوَ سَبَّاقُ

وذلك فضلُ اللهِ يُؤْتيه مَن يشَا

وحَسْبُك أن الفضلَ والعلمَ أرْزاقُ

لقد فاق مولانا الأمينُ مُؤرِّخاً

لقومٍ لما تحْوِي التواريخُ قد فاقُوا

بأوْراقِهِ زِينَتْ قُدودُ عُلاهُمُ

كما زانتِ الأغْصانَ في الرَّوضِ أوراقُ

وأحْكَم في تأْليفهِ مُتفنِّناً

وأبْدَعَ حتى قيل ذلك إغْراقُ

بإغْراقِه قد أصبح الغيثُ غارِقاً

وللغيثِ إرْعادٌ هناك وإبْراقُ

وفي بحرِه غار العُبابُ حَقارةً

وهيهات للْبرقِ اليمانِيِّ إلْحاقُ

فإن يُغْلِق الفتحُ بنُ خاقانَ بابَه

فحُقَّ له من بعد ذلك إغْلاقُ

به فارقتْ تلك القلائد جِيدَها

وليس إلى ذكرِ الخريدةِ مشتاقُ

ودَعْ عنك آدابَ السُّلافة بعده

فليس لكاساتِ السلافة إدْهاقُ

يحِقُّ لهذا الذيلِ إن قال تائِهاً

أنا الرَّأْسُ والريحانة الخُفُّ والسَّاقُ

كأن رِياضاً ما حَواه قِمَطْرُه

فعَنْ طَيِّه نَشْرُ اللطائفِ خَفّاقُ

كأن معانيه معانٍ لمَعْبَدٍ

يُجاوبُه مهما ترنَّم إسْحاقُ

كأن به هاروتَ ينْفُث سِحْرَهُ

فلِلْقَوْمِ إصْغاءٌ إليه وإطْراقُ

كأن ذوِي الآدابِ عند سَماعِه

وقد ثمِلُوا صَرْعَى مُدامٍ فما فاقُوا

كأن التَّواريَ والجِناسَ خرائدٌ

تُشاهدها في موقفِ الأُنْسِ عُشَّاقُ

كأن سَوادَ الحِبْرِ فوقَ بياضِه

وقد زانَه سحرُ البلاغةِ أحْداقُ

طَلاسِمُ أفكارٍ تخُطُّ لناظرٍ

دَيابِيجُها حولَ التَّراجِم أَوْفاقُ

تَداوَى به الأذْهانُ من داءِ عِيِّها

وتلك لداءِ العِيِّ طِبٌّ ودِرْياقُ

فقُلْ للأمين الأفضلِ السَّيِّد الذِي

له في العُلَى قَدْران خَلْقٌ وأخْلاقُ

لكَ اللهُ قد جُزْتَ الكواكبَ راقِياً

وهل مجدُك السَّامِي لقَوْلِيَ مِصْداقُ

وأطْلَعْتَ للآدابِ شمساً بنُورِها

تبلّج من ليلِ الجَهالةِ آفاقُ

وضَعْتَ لأبْناءِ الزمانِ قلائداً

تُطوَّق منها للمفاخِرِ أعْناقُ

ولا عَجَبٌ أن يُظهِر الفضلَ نَجْلُه

وأن يقْذِفَ الدُّرَّ الذي فيهِ دَفَّاقُ

ودونَك منِّي عن ذوِي الشِّعْرِ مِدْحةً

سَبائكُها للجدِّ تاجٌ وأطْواقُ

لقد زَانَ نَوْعُ الافْتتانِ نِظامَها

وما فاتَها مَعْ رِقَّةِ اللفظِ إفْلاقُ

أجَزْناك مَدْحاً يا فريدَ زمانِنا

ليُقْضَى به حَقٌّ ويُحفَظَ مِيثاقُ

وصلَّى على المُختارِ ما هبَّتِ الصَّبا

وما باكَر الرَّوضَ المُفَوَّفَ غَيْداقُ

وكتبت إليه أمدحه بقولي:

بين النُّهُودِ ومَعْقِد البَنْدِ

طعناتُ صائلةِ القَنا المُلْدِ

فاحْذَرْ هنالك من رَنَا مُقَلٍ

يصْرَعْنَ مَن يُبْصِرْنَ عن عَمْدِ

ص: 500