الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دنَوْتُ إليها وهْي لم تدْرِ ما الهوى
…
وما علمتْ ما حلَّ بي من هوى نَجْد
فقلتُ أما من رُضابِك رَشْفةٌ
…
مُعَّللةٌ أرْوِي بها غُلةَ الوجدِ
وهل للتَّداني عِلَّةٌ أستمدُّها
…
وأبذُل في إنْجاز وُصْلتِها جُهْدِي
فقالتْ أما يكْفيك وعدي تعِلَّةً
…
لقْلبِك فاقْنَعْ يا أخا الوُدِّ بالوعدِ
ولا تَرْجُ مهما تقصد النفسُ نَيْلَه
…
فإن الرَّزايا في مُتابعِة القصْدِ
ولا تستِمحْ من كلِّ خِدْنٍ وصاحبٍ
…
إخاءً فقد يُفضى الإخاءُ إلى الزهدِ
فما كل إنسانٍ تَراه مُهذَّباً
…
ولا كلُّ خِلِّ صادق الوعد والعهدِ
ولا كلُّ نجمٍ يُهتدَي بضيائِه
…
ولا كلُّ ماءٍ طيِّب الطعمِ والوِرْدِ
ولا المسكُ في كل المَهاةِ مَحِلُّه
…
ولا ريحُ ماءِ الوردِ من عاصرِ الوردِ
ولا فضلُ مولانا البهاءِ محمدٍ
…
كفضلِ المَوالي السابقين على حَدِّ
قلت: هذه العلاقة النجدية، اقتضت أن تسمى القصيدة بالوجدية.
وله، من قصيدة أخرى، في مدح البهاء أيضاً، مطلعها:
قطبُ السماءِ هو الطريقُ الأقْصدُ
…
دارتْ عليه نجومُه والفَرْقَدُ
والمُشْترِي والزُّهَرَةُ والزهراءُ في
…
أَوْج السُّعودِ هبوطُها والَمصعَدُ
والشمسُ ما شرُفتْ على أقْرانها
…
إلا بنِسْبته إليها العَسْجَدُ
واللهُ لا تحصَى شئونُ كمالِه
…
فالويْل ثَمَّ على الذي لا يشهدُ
ولقد أتيتُ الدهرَ غيرَ مُغادرٍ
…
في حالة منها أقومُ وأقعُدُ
فسألتُه مَن في الحمى فأجابني
…
مُفتِي الأنام أبو البهاءِ محمدِ
قلت: ها هنا فائدة من المستخرجات بالإلهام، وهي أن كثيراً من الشعراء من يبني روى قصيدته على اسم ممدوحه، ولم يذكروا هذا في البديع، فينبغي أن يسمى ب " التمهيد "، ويذكر.
ومن مستحسناته، قوله في الخمرة ونشأتها:
لا تَرْضَ بالإضرارِ للناسِ
…
إن رُمْتَ أن تنجو من الباسِ
وانظُر إلى الخمرِ وما أوقعتْ
…
في شارِبيها بعد إيناسِ
لما رضَوا في دَوْسِها عُوقبوا
…
بَضرْبةٍ منها على الرَّاسِ
هذا معنى تصرف فيه وبناه على العقاب، وقد استعمله القدماء وأحالوه على جور الشراب.
ولكل مشرب، إما عذب أو مستعذب.
ومن الثاني قول ابن الأثير من فصل في وصف الخمر: وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استثأرت من الرءوس بجناية أقدامها.
وهو أخذه من قول القائل:
ذكرتْ حقائدَها الكريمةُ إذ غدتْ
…
وَهْناً تُداسُ بأرْجل العصَّارِ
لا نتْ لهم حتى انتشَوْا فتحكَّمتْ
…
فيهم فنادتْ فيهمُ بالتَّارِ
وعلى ذكر التار فأعجب لتار الإشبيلي الذي ينطق الأوتار، وهو قوله:
والخمر تعلمُ كيف تأخذُ ثأرَها
…
إني أملتُ إناءَها فأمالنِي
ويعجبني في هذا السياق، قول بعد الأندلسيين الحذاق:
لاتعجَبنَّ لطالبٍ نال العُلَى
…
كهلاً وأخْفَق في الزمانِ الأوَّلِ
كالخمرِ تحكُم في العقُول مُسِنَّةً
…
وتُداس أوَّلَ عَصْرها بالأرجُلِ
السيد عبد الله بن محمد حجازي
السيد الصنديد، الفقيه الشبيه والنديد.
الشريف في نفسه فضلا عن أرومته، الحسيب في ذاته علاوة على جرثومته.
شرفٌ ليس بمدعي ولا منتحل، وحسب له رونق المشتري ومرتقى زحل.
إذا انتسب باهت به الأنساب، وإذا كتب أرى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب.
إلى مكرمات يدرك أقاصيها، ومعلوات يعقد بالفلك نواصيها.
ألبس من الفضل أحسن لباس، وخلق من طينةٍ غير طينة الناس.
وهو محاسن وفنون، تتغاير عليها آذان وعيون.
بحر إذا نطق وطود إذا سكت، وكله من فرقه إلى قدمه تحف ونكت.
بفكر يفتح المقفل، وذهن يستدرك المغفل.
وآداب رطبةٍ لدى الهصر، ومعارف تأبى على العد والحصر.
ولقد لقيته بالروم سنة سبع وثمانين، وأنا في أيام تلك الغربة راعى سنين.
ولي فؤاد إلى المخالطة شيق، وصدر يسع هم الدنيا وهو ضيق.
فنزلت منه بحيث ملتقى الصدر الرحب والمحيا الوسيم، وحليت بقلبه حلول المسرة وهببت في روض أخلاقه هبوب النسيم.
وكان لي من مجلسه نضرة الريحان، ونفحة الروض وطرب الألحان.
أشيم خضرة ترف في زهرة حسن، وأجتلي روضة في ناظر ونجوى في أذن.
وهو أناله الله من كرمه أفضل إنالة، لا يقترح على الأيام مطلبٌ إلا قال: أنا له.
إلا أن له حبائل تعتلقه، ومطامع لم تزل تعتلقه.
فعوادي الأايام عليه ملحة مكبة، وبواعث صفوها مريحة مغبة.
وهو من بعد الهمة، ووساوس الشدة المدلهمة.
في قسوة سدت عليه طريقاً ومنهجا، وآيسته من أن يلقى مفرجاً ومخرجا.
فأبي له التخيل، إلا التصنع والتحيل.
فدبر أمراً تحراه، ونسب فيه إلى أنه افتراه.
وكان سهوه فيه أكثر من تيقظه، ووقعه أقرب إليه من تحفظه.
فخرج متحسباً إلى مصر، وهو زميل همٍ مبرح وإصر.
ثم عدل الحقيقة عن المجاز، وتوجه إلى مثابة الحجاز.
فحج البيت الحرام وعاد، ودخل بلده وهو من توفر الحظ على ميعاد.
فلم يلبث حتى مد عنان النظر، وتدرج إلى حالٍ أفضت به للأمر المنتظر.
وسبب ذلك أنه وقع بحلب غلا، نهض به سعر الأشياء وعلا.
وكان حاكمهم العرفي سارع إليهم مدده، وتوفرت لعنايتهم أنصاره وعدده.
فانجذبت إليه قلوب الخاصة والعامة، وصاروا يحوطونه من سمة النقص بالكلمات التامة.
واتفق أن الحجازي دعاه ليلة إليه، فلما مضى عنده لم يستقر حتى حقت المنية عليه.
فنسبوه إلى أنه اقتدح في هلكه زنداً ورية، وسقاه الحمام كاساً روية.
ولما خرجوا بجنازته ليودعوه القبر، رأوا الحجازي أمامهم فلم يملكهم عن قتله الصبر.
وشغلوا عن الرثاء بطلب الثار، ولم يجدوا مثلها فرصةً تخمد هذا العيب المثار.
فرمته عن قوسها سهام القضاء الصوائب، وعضت منه إبهام الإبهام بنابها النوائب.
فبقي جسده على الأرض مطروحاً، كأن لم يكن في روض المعارف غصناً مرحاً.
وبلغت أمانيها من ذهابه الأغراض، ولله تعالى المشيئة فليس لنا اعتراض.
فأنا إذا أفكرت في صرعته، وأخذتني لوعة محنته وروعته.
ملكتني عبرة تترقرق، أكاد بمائها أشرق.
وأرغب إلى الباعث بعد الحمام، مادثر من هوامد الرمام.
أن يهبه رحمته وعفوه، ويعوضه عن كدر دنياه النعيم وصفوه.
وقد أثبت من أشعاره التي طلعت محاسنها سافرة المحيا، وسرت سرور الحبيب أحْيَي وحَيَّي.
ما حشوت حينا من دره الثمين مسمعي، فإذا تلوته بكيت فضائله فيبكي السامع معي.
فمنه قوله، من نبوية مستهلها:
أهلا بنَشْر من مَهَبِّ زَرُودِ
…
أحْيَي فؤادَ العاشق المنْجودِ
وروى شذَى خبر العقيقِ ففجَّرتْ
…
منه عيونَ الدمع فوق خدودِ
ونمَى فنمَّ لنا بأسرار الهوى
…
من حيث منزلةُ الظباءِ الغِيدِ
تلك المعاهدُ جاءَها صَوْبُ الحيا
…
وسرى النسيمُ بظلها المدودِ
فيها بواعثُ مُنْيتي ومنيَّتي
…
وبوِرْدها ظمأِى وطِيبُ وُرودِى
إن تَنْأَ عن عيني بدورُ سمائِها
…
فأنا المُقيم على رَسِيس عهودِى
كيف الخلاصُ ولي فؤادٌ مُوثَقٌ
…
بالحب لا يُصغِي إلى التفنيدِ
تأوُّه لولا دموعي لم يكدْ
…
ينْجو الورى من جَمْرها المَوقُودِ
هذا من قول الآخر:
لولا دموعَى لم يكدْ
…
ينْجو الورى من نار قلبِي
وقول الآخر:
لولا الدموعُ وفَيْضُهنَّ لأحرقتْ
…
أرضَ الوداعِ حرارةُ الأكبادِ
وأشبه به قول رباح:
نار يُغذِّيها السحابُ بمائِه
…
فلذاك لم تكُ ترتمِي بشَرارِ
ولابن عبد ربه، من أبيات ربيعية:
والأرضُ في حُلَلٍ قد كاد يحرقُها
…
توقُّد النَّوْر لولا ماءُها الجارِي
وقد قلبه الحرفوشيّ كما تقدم في قوله:
ومدامعي لولا زفيري لم يكدْ
…
ينْجُو الورى من سَحِّها المُتَوالِي
داء تَعَوَّدَهُ فؤاد متيَّمٍ
…
لم يلتحِفْ غيرَ الأسَى ببُرودِ
كلا ولا كحَل الرُّقاد جفونَه
…
أيلَدُّ من ألِفَ الهوى بهُجودِ
ما أعذب التعذيبَ في طُرْق الهوى
…
إن لم تُشَب أسْقامُه بصدودِ
نفسِي الفداءُ لذي قَوامٍ ناضرٍ
…
جعل الحِدادَ وسيلةَ التهديدِ
رَخْصٌ كجسم النُّور مهْضوم الحشَا
…
لَدْن كخُوطِ البانةِ الأُمْلودِ
لبستْ غدائرُه الدجى وتقلَّدتْ
…
لَبَّاتُها من زهْرها بعقودِ
عهدي به والليلُ منْفصِم العُرَى
…
مُتوسِّد وَفْق المُنى بزُنودِ
والقلبُ يَظْمأُ من مَراشِف ثغرِه
…
ظمأَ السكارَى بابْنة العنقودِ
بعث الشبابُ على ورود رُضابِه
…
فأتى الفراقُ وحال دون وُرودِ
فجعلتُ زادِي بعده جَرْعَ الأسَى
…
وأطلتُ فيه تَهائمي ونُجودِى
وغدوْت في شجَنٍ يُقْلقِل أضلُعي
…
إن الشجونَ عَلامَة المَعْمودِ
ليت الذي منع التَّداني بيننا
…
وقضى عليَّ بوَحْشة التعبيدِ
بُلْوِى فيُسعفني بتقْريب الخُطا
…
ويفْكُّ من أسْر الفِراق قُيودِى
فأشِيمُ برقَ الوصل من قِبَل الحمَى
…
وأشمُّ رَوْح الأُنْسِ غير بعيدِ
وأرى خيامَ أحبَّتي وقبابَها
…
كالخَوْد تُجْلَى في عِرَاصِ البِيدِ
أرض يفُوح بتُرْبها أرَجُ النَّدى
…
والمجدُ في نُوَّارِها المخْضودِ
هي مهبِط الوحىِ القديمِ ومَعِقلُ الدِّ
…
ين القويمِ وموطنُ التوحيدِ
وكتب إلى الأمير منجك قصيدة طويلة، اكتفيت منها بالمقدار الذي كتبته، ومطلعها قوله:
سقى جِلِّقاً صَوْبُ السحابُ المزرَّدِ
…
وباكَر من أفْيائها كلَّ معهدِ
وقَّلد أجْيادَ الرُّبى في عِراصِها
…
يدُ الغيث عِقْدَى لُؤْلُؤ وَزَبْرَجِد
ولا زال خفَّاقُ النُّعامَى مُنبِّها
…
عيونَ الخُزَامى بالخفيف المجسَّدِ
وغنَّتْ بها الأطيارُ من كل نَغْمة
…
تُهيِّجْن ألْحان النديمِ ومَعْبَدِ
لقد هتَفتْ منها بوَجْدِي سواجِعٌ
…
تَلَّفع أظْلالَ الغُصون وترْتدِى
تُنوح وتُشْجينا فنزْداد عَيْمةً
…
سنعلم إن مِتْنا صدى أيّنا صَدِ
أشِيم بروقاً بالشَّآمِ مُثيرةً
…
عقابِيلَ شوقٍ بالفؤاد المُشرَّدِ
وأسْتافُ نَشْراً كلَّما هبَّ ضائعاً
…
تُحدِّث أنفاسَ الحبيب المُبعَِّد
فيْهتزُّ من رَيَّاه قلبي وينْثني
…
ولولا اهْتزاز الغصن لم يتأوَّدِ
فَواحُرقتي إن لم أبلَّغْ نعيمَها
…
ووافُرقني إن بِتُّ والبَيْن مُقعِدِى
ويومٍ بلَأْلاء الكؤوس مفضَّضٍ
…
كستْه يدُ الصَّهْباء حُلَّةَ عَسْجَدِ
قضيتُ به حقَّ الهوى غير أنني
…
متى أدْنُ منه اليوم يْنأَى ويبعُدِ
رعى اللهُ أيام الوصالِ فإنها
…
ألذُّ من التَّهْويمِ في جَفْن أرْمَدِ
تقضَّتْ وضنَّ الدهرُ منها بنَهْلَةٍ
…
تبُلُّ غليلَ السَّائق المتزوِّدِ
منها:
عسى تقذف البَيْداءُ نَضْوِى برحلةٍ
…
تُنِّفس عن أسْرِ المَشُوق المُقيَّدِ
إلى بقعة زِينتْ بباقعِة الحجَى
…
مُنِيل المعالي المَنْجَكِيِّ محمدِ
عريقِ بلاد الشام دُرَّةِ تاجها
…
غَياثِ بني الآداب مَأْوَى المُطرَّدِ
منها:
أخا مَنْجَك يا أكملَ الناس فِطْنةً
…
وأشرفَهم بْيتاً بغير تردُّدِ
صبغتَ العُلى بالمكرُماتِ فلم يَحِلْ
…
وينكَر في الأعْراضِ غيرُ التجدُّدِ
أمولاىَ يا بدرَ المعالي وشمسَها
…
ويا رحلةَ الآمالِ من غير موعدِ
لقد ذلِقتْ في وصف مجدِك ألْسُنٌ
…
وعَجَّتْ به بالرُّكْبانُ في كلِّ مشْهدِ
وأهدتْ لنا من بحر طبعِك لُؤْلُؤاً
…
على الطِّرسِ حتى كاد يُلقَط باليدِ
منها:
فأسْلْفتُك الإعظامَ والودَّ مُوفِياً
…
حقوقَ مَعاليك التي لم تُعدَّدِ
وقدَّمتُ من فكرِي إليك أَلُوكةً
…
حَبَتْكَ بمْغبوطٍ من المدح سَرْمَدِ
تُخبِّر عمَّا في القلوب من الجوَى
…
ويأْتِيك بالأخبارِ من لم تُزوِّدِ
فأوجِبْ لها حقاً وأنْعِم بمثلها
…
وعِضْني بنظمٍ من عقودك يحُمدِ
أُروِّى بها من لاعج الشوق والنوى
…
غليلَ فوادٍ بالصَّبابة مُكْمَدِ
منها:
فأنت لْجَفن الدهر سيفٌ وناظرٌ
…
ولولاك لم يُبِصرْ ولم يتقلَّدِ
ثم أعقبها بقطعة من نثره، وهي: حامل لواء النظم والنثر، حامي بيضته عن الصدع والكسر.
محل استواء شمس الكرم، العاصر بمجده عنقود الثريا تحت القدم.
واسطة قلادة الفضائل وعقد نظامها، وبيت قصيدة الآداب ورونق كلامها.
جناب الأمير ابن الأمير، والعطر ابن العبير.
لا برحت ظلال معاليه ممتدة على مفارق الأيام، وظل حساده أقلص من جفون العاشق عن طيب المنام.
هذا ولو أوتى الداعي زكن إياس، واستضاء من محاضرة أبي الفرج بنبراس.
وملك براعة ابن العميد، وأحرز خطب ابن نباتة وبداهة عبد الحميد.
وأعطى بلاغة الصاحب ونوادر أبي القندين، ونال مقامات البديع ومفاوضات الخالديين.
وحاز محاورات الأحنف وفصاحة سحبان، وحوى منشآت القاضي الفاضل ومدائح حسان.
ورام أن يزخرف كلاما يناسب مقتضى المقام والحال، لفل حد القلم وضاق ذرع المجال.
وإن أحجم بقيت في النفس حاجة، وعصف على القلب ربح حسرة فهاجه.
فلذلك أقدم على الثانية سجياً، وأبدى لتلك الحضرة هديا.
فإن أكرم الأمير مثواها، فنظم من فرائد عوائده فحلاها.
وأجاب بما يروى غليل الفؤاد، ويخصب مراد المراد.
فذلك من مساعي فطرته المنجكية، ودواعي شيمته البرمكية.
فأجابه بهذه الأبيات:
أمولايَ من دون الأنام وسيِّدِي
…
بمدحِك قد بلَّغْتني كلَّ سُؤْدَدِ
بعثتَ بأبياتٍ كأن عُقودَها
…
مُنضَّدةٌ من لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ
أُمتِّع طَرْفي في طروسٍ كأنها
…
مبادِى عِذارٍ فوق خَدٍّ مُورَّدِ
سطورٌ إذا مارمتُ قتْل حواسدِي
…
أُجرِّد منها كلَّ عَضْبٍ مهنِّدِ
تكلفِّني ردَّ الجواد وإنني
…
أبِيتُ بفكرٍ في الزمان مُشرَّدِ
وليس يُجيد الشعرَ منطقُ عاجزٍ
…
ضئيل على فُرْش السُّهادِ مُوَسَّدِ
يمرُّ به العمرُ الطويل مُضيَّعاً
…
على الكُرْهِ منه بين واشٍ وحُسَّدِ
فعذراً أخا العلْياءِ فُلَّتْ عزائمي
…
وقد كنُت كالسيف الصَّقِيلِ المجرَّدِ
فإنك أهلُ الصفحِ والعفوِ والرِّضا
…
وإنك من نَسْلِ النبيِّ محمدِ
أعَزُّ بني الدنيا وأشرفُ من سَمَا
…
إلى الرتبِة العَلْيا بغير تردُّدِ
صغيرٌ إذا عُدَّت سِنِىُّ زمانِه
…
كبيرٌ به أشياخُنا الغُرُّ تقتدِى
تملَّك رقَّ الحمدِ والشكرِ والثَّنا
…
بكفٍّ على فعل الجميلِ مُعوَّدِ
فلا زال عيناً للزمان وأهلِه
…
يجرِّر ذيلَ الفخرِ في كلِّ مَشْهَدِ
ومما طارحني به في بعض مطارحاته، أنه لما مر بدمشق قاصداً الحج، شغف بأحد أبناء سراتها، وكان من الأشراف، قال: ثم فارقته وتباكينا يوم التوديع، فكتبت إليه من الطريق مضمناً بيت البحترى:
يا آل بيتِ المصطَفى هل رحمةٌ
…
لفؤاد مشبوبِ الجوانح نائرِ
ضلَّتْ نواظُره الرَّقادَ وما اهتدتْ
…
ببَياض دمعٍ من سوادِ ضمائرِ
دمعٌ تعلَّق بالشَّؤونِ فساقَه
…
زفراتُ بَرْحٍ من جوًى مُتخامِرِ
لو تنظرون إلى الشَّتيتِ وسِرْبُه
…
يقْفو سُروبَ زواخرٍ وزوافرِ
لعذرْتموه وماله من عاذِلٍ
…
وعذلْتموه وماله من عاذرِ
واهاً لأيامٍ تقضَّتْ خُلْسةً
…
في ظلِّ دَوْحٍ بالسيادةِ ناضرِ
دوحٌ عليه من النبيِّ محمدٍ
…
وَضَحُ الصباحِ ونفْح روضٍ باكرِ
لم أنْسَه يومَ الوَداعِ وطَرْفُه
…
يرنُو إلى شَعثِ النجيبِ الضَّامِرِ
وفعالُه تُبدِى نفاسةَ عِرْقِهِ
…
في فضْل وجهٍ بالسماحةِ زاهرِ
حتى إذا جدَّتْ بنا ذُلَلُ النَّوى
…
والعينُ تسْفح بالنَّجِيع المائرِ
سِرْنَا وعاوَد كالمقيم وربما
…
كان المقيمُ عَلاقة للسائرِ
ومن بدائعه قوله:
ألا لا تسَلْ أيّ شيءٍ جرَى
…
ومن قَرْح جَفْنِيَ ماذا جرَى
تعلَّمتُ من حبِّه الكيِميَا
…
وصرتُ حكيماً به أكْبرا
سحَقْت فؤادي وأودعتُه
…
بنارِ غرامٍ به أسْعَرَا
وصيَّرتُ عيني أنبيقةً
…
وقطَّرْتُه ذهباً أحمرا
ألا هكذا يا أُخَيَّ الهوى
…
كما كلَّ صيدٍ بجوف الفَرَا
وقوله:
لم يدْرِ من بالوصل مازَ جَفاكِ
…
أن الرَّحِيقَ العذبَ مازَج فاكِ
قد كنتُ في دِين الغرام موحِّداً
…
ومُوحَّداً من دون من يَهواكِ
حتى نصبْتِ الهُدْبَ منكِ حُبالة
…
للعاشقين وعُقْلةَ النُّسَّاكِ
وأريْتنِي ناراً بخدِّك أُضرمتْ
…
فوقعتُ في الأشْراكِ والإشْراكِ
وقوله:
رأسُ الشريف عليه سندسُ أخضرٍ
…
عنوانُ ما في الخلدِ بعضُ حُلاهُ
سُقِيتْ بماء مكارمٍ أعْراقُه
…
فاخْضرَّ من أصلٍ زكا أعْلاهُ
من قول الشهاب الخفاجي:
يقول على رأس الشريفِ علامةٌ
…
ونورُ نبيِّ الله عن ذاك أغْنَاهُ
فقلتُ جرى ماءُ المكارمِ والندى
…
وقد طاب مَجْراه لذا اخْضَرَّ أعْلاهُ
وله في مجدر:
يقولون من تهواه جُدِّر وجُهه
…
فقلتُ لهم حاشاه من نَصَبٍ يُردِي
ولكن أشارُوا بالبَنان لحسنِه
…
فأثَّر أطرافُ الأناملِ في الخدِّ
قلت: لله دره على ما أبدع: وقوله: جدر بالبناء للمفعول، تقول جدر الرجل، فهو مجدر.
وفي الأساس: مجدر ومجدور.
وأنكر الحريري في الدرة مجدراً، وعده من الوهم.
قال: لأنه داء يصيب الإنسان مرة في عمره، من غير أن يتكرر عليه، فلزم أن يبنى منه المثال على مفعول، ولا وجه لبنائه على مفعل الموضوع للتكثير.
ولا وجه لإنكاره، إذ ليس كل فعل للتكرير والتكثير، فقد يجيئ بمعنى فعل كثيراً، مع أن التكثير والتكرير محقق هنا باعتبار أفراد حباته، وهو في غاية الظهور.
والأفصح أن يقال جدري، بضم الجيم، واشتقاقه من الجدر وهو آثار الكي على عنق الحمار.
وقد أكثر الشعراء من وصف المجدر، ولم أر أحسن من قول أبي سعد الجويني:
بدتْ بثَراتُه فوق المُحيَّا
…
كما نُثرتْ على الشمس الثُريَّا
كأن الخدَّ والبثَرات فيه
…
حَبابٌ فوق كأسٍ من حُمَيَّا
وأنشدني الحجازي، قوله في وصف مجلس لبعض أحبائه، أطل على غدير فرشت أرضه بحصبائه:
حسَدتْ جَمْعنا النجومُ فألْقتْ
…
نَفْسَها في مناقِع الغُدْرانِ
هذ بيتٌ ماله الحسن موازي، يساوي ألف بيت من جنس بيت المنازي.
وما أظن أن أحداً سبقه إلى هذا المعنى، ولا أن فكراً طرق هذا المغنى، غير أن في قطعة لابن حمديس بيتا يقاربه في المبنى، وهو:
كأن حُبابا رِيع تحت حَبابِه
…
فأقبل يلقى نفسَه في غَدِيرِهِ
وأنشدني من لفظه لنفسه، قوله في قصيدة، في مدح الوزير الفاضل:
ولرُبَّ يومٍ قد تلفَّعتِ الضحَى
…
منه بثوبَيْ قَسْطَلٍ وغَمامِ
حسرتْ قِناعَ النَّقْع عنه عُصبةٌ
…
غُبْرُ الوجوه مُضيئةُ الأحْلامِ
مُتجرِّدين إلى الِّنزالِ كأنما
…
يتجرَّدون لواجبِ الإحرامِ
لا يأنَسُون بغير أطْرافِ القَنا
…
كالأُسْد تألَف مَرْبِض الآجامِ
يْسرى بهم نَجْمان في ليلِ الوغَى
…
رأىُ الوزير ورايةُ الإسلامِ
وكان أتحفني من أناشيده بطرف بدائع، هي في عهده الدهر من جملة مالي من ودائع.
ووقع في داره بالروم حريق، فتلف بعض أسباب رياشه، وذهب جل ما اتخذه من ذخائر معاشه.
فقلت أخاطبه:
فِدًى لك ما على الدنيا جميعَا
…
فعِش في صِحَّةٍ وابْلِ الرُّبوعَا
لئن جزِع الأنامُ لَفْقد شيءٍ
…
فلستَ لفَقْدك الدنيا جَزُوعَا
تعلَّمْنا الأناءَةَ منك حتى
…
توطَّنَّا بها الشرفَ الرفيعَا
أفاض اللهُ جودَك في البرايا
…
وأنبتَ من أياديك الربيعَا
وصوَّرك الميهمنُ من كمالٍ
…
لنَعْلم صنع خالقِك البديعَا
فمُر واحكُم بما تختارُ فينا
…
تَجِدْ كُلًّا با تهوَى مطيعَا
فلو كلَّفتَ يومَ الأمسِ عَوْداً
…
لَخاض الليلَ واخْتار الرجوعا
ولو ناديتَ سهماً في هواءٍ
…
لعاد القَهْقَري وأتى سريعَا
يضُمُّ البُرْدُ منك أخا فَخارٍ
…
يبيتُ الليلَ لا يدري الهُجوعَا
وإنِّي مَن بجُودك قد ترقَّى
…
وحلَّ من العُلى حصناً مَنِيعَا
خُلِقتُ على الوفاءِ لكمْ مقيماً
…
وأوْفَى الناسِ من حفِظ الصنيعَا
وكتبت إليه من دمشق، بعد عودى من الروم إلى حلب، هذه القصيدة:
أرى النَّدْبَ مَن صافَي الزمانَ المحاربَا
…
وأغْبَى الورى من بات للدهر عاتبَا
أتعتَبُ من لا يعقل العَتْبَ والوفا
…
ولا هَمَّه شيءٌ فيخشَى العواقبَا
وإن ضَنَّ لم يسمَح بمثْقال ذَرَّةٍ
…
ولم يُبْقِ موهوبا ولم يُبق واهبَا
ولا جَنَّةٌ تُغنِيك إن كان مانعاً
…
ولا منزلٌ يُؤْويك إن كان طالبَا
أُحاوِل شَكْواه فألْقَى نوائباً
…
تُهوِّن عندي منه تلك النوائبَا
ولن يسبِق الأقْدارَ من كان سابقاً
…
ولن يغلبَ الأيامَ مَن كان غالبَا
ومَن صحِب الدنيا ولو عُمْرَ ساعةٍ
…
رأَى من صُروف الدهر فيها العجائبَا
وقَفْرٍ كيوم الحْشر أو شُقَّة النوَى
…
يُضِلُّ القَطا أعْملت فيه النجائبا
وليلٍ كقَلْبِ السامِرِيِّ قطعتُه
…
إلى أن حكى بالفجر أسود شائبَا
وما كنتُ أرْضَى بالنوى غير أنني
…
جديرٌ بأن لا أرْتِضى الذلّ صاحبَا
فنظَّمتُ من دُرِّ المعاني قلائداً
…
جعلتُ قوافيها النجومُ الثواقبَا
وَيمَّمتُ أقْصَى الأرضِ في طلبِ العلى
…
ولم أصْطحبْ إلا القَنا والقواضِبَا
فلاقيْتُ في الأسْفارِ كلَّ غريبةٍ
…
ومن يغتربْ يلْقَ الأمورَ الغرائبَا
وخلَّفتُ مَن يرجُو من الأهلِ أوْبَتِي
…
كما انْتظر القوم العطاشُ السحائبَا
وكم قائلٍ لا قرَّب اللهُ داره
…
ومن يتمنَّى لو بلغتُ المطالبَا
فعُدْتُ على رغم الفريقْين سالماً
…
ولم أقْضِ من حّق الفضائل واجبَا
وحسْبِي وجودُ ابن الحجازِيِّ نائلاً
…
به لم أزلْ ألْقَى المُنَى والمآربَا
فتًى قد جهلتُ العُسْرَ منذ عرفُته
…
ولَانتْ ليَ الأيامُ عِطْفاً وجانبَا
وأصبحَ يْلقاني العدوُّ مُسالماً
…
وقد كاد يْلقاني الصديقُ مُحاربَا
منها:
فِراستُه تُغنيك عن ألفِ شاهدٍ
…
تُرِيه من الأشياءِ ما كان غائبَا
وَقُورٌ كأن الطيرَ فوق جليسِهِ
…
ترى الدهرَ منه خائفَ الدهرِ راهبَا
في قولهم: كأنما على رؤوسهم الطير توجيهان: أحدهما: أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رؤوسهم طائر يريد أن يصيده، فهو يخاف إن تحرك طيران الطير وذهابه.
والآخر، هو أن نبي الله سليمان عليه السلام، كان يجلس هو وأصحابه، ويقول للريح:
أقلينا، وللطير: أظلينا، ويستشعر أصحابه السكون والسكوت؛ فشبهوا بجلساء سليمان الذين لا يتحركون، والطير تظلهم من فوق رؤوسهم.
ويقال للرجل الحليم إنه يساكن الطير، أي أن طائره لا ينفر من سكونه.
أخافَ سِباعَ الطير من سَوْطِ رأيه
…
فكادتْ لفَرْطِ الخوف تُلقِى المخالبَا
ولو أدرك المجنونُ أيامَ حُكْمِه
…
لأعرَض عن ليلَى وأصبح تائبَا
منها:
خبيرٌ بتحْقيق العلومِ مُدقِّقٌ
…
إذا جال في بَحْثٍ أراك العجائبَا
وإن نثَرتْ يُمناه في الطِّرْس لُؤْلُؤاً
…
كتبْنَا على تلك الَّلآلي مطالبَا
وذيلتها برسالة وهي: أقسم بمن جلت عظمته، وعلمت كلمته.
وسخر القلوب للمودة، وصقل بالمحبة الخواطر المستعدة.
إنني أشوق إلى لثم يد مولاي من الروض إلى الغمام، ومن الساري إلى تبلج القمر في الظلام.
وقد كانت حالتي هذه وأنا جاره، فكيف الآن وقد بعدت عني داره.
وليست غيبته عني إلا غيبة الروح، عن الجسد البالي المطروح.
ولا العيشة بعد فراقه الجاني، إلا كما قال البديع الهمذاني: عيشة الحوت في البر، والثلج في الحر.
وليس الشوق إليه بشوق، وإنما العظم الكسير، والنزع العسير، والسم يسرى ويسير، والنار تشوى وتطير.
ولا الصبر عنه بصبر، وإنما هو الصاب والمصاب، والكبد في يد القصاب، والنفس رهينة الأوصاب، والحين الحائن وأين يصاب.
وقد كتبت إلى مولاي هذه القصيدة، وأنا لا أحسبها من الإحسان بعيدة.
وهذا الكتاب، وقد أنفقت عليهما مدةً من العمر، وصرفت على تحريرهما حينا من الدهر.
وكتبتهما وأنا مستغرق في ذكرك، مشغولٌ بحمدك وشكرك.
ذاكرٌ عهدك، ومقامي عندك.
في أوقاتٍ ألذ من قبل الغيد، وأشهى من اجتلاء الخدود ذات التوريد.
حيثما العيش أخذ طلقه، واستوفى من الأماني حقه.
وأنت تقرط سمعي بفوائدك، وتملأ صدفة أذني بلآلي فرائدك.
من أدبٍ أغزر مادةً من الديم، وأنشط للقلب من بوادر النعم.
ولقد يعز علي أن ألفى بعيداَ عنك، متروك الذكر منك.
ولكن هو الدهر، وعلاجه الصبر.
فصبراً على الأيام في كلِّ حالةٍ
…
فكم في ضميرِ الغيب سِرٌّ مُحجَّبُ
وربما تخالج في صدري لداعيةٍ اقتضته، ورعونةٍ لأجل التنافس تقاضته.
أن يشرفني بمكاتبة، ويؤهلني إلى مخاطبة.
جرياً على معروف المعروف، وطمعا في اغتنام كرمه الموصوف.
حتى أباهي بكلمه الزمان، وأجعلها حرز الأماني والأمان.
وأظنه يفعل ذلك متفضلاً، لا برح لكل إحسان مؤملا.
فكتب إلى جوابا.
نحن عِفْنا الشهباءَ شوقاً إليكم
…
هل لديكم بالشَّامِ شوقاً إليْنَا
قد عجزْتُم عن أن تَرَوْنا لديكمْ
…
وعجزْنا عن أن نراكم لَديْنَا
حفظ اللهُ عهدَ من حفِظ الْ
…
عهدَ ووَفَّى به كما وَفَّيْنَا
اللهم جامع المحبين، ومعين القوى على ألم النوى وما جعل الله لرجلٍ من قلبين.
أسألك بما أودعته في سرائر المخلصين من أسرار المحبة، وأنبت في رياض صدورهم من المودة، هي التي كحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.
فارع فرع الشجرة المحببة وأصلها، وأفض عليها فواضلك التي كانوا أحق بها وأهلها.
واحفظ اللهم هاتيك الذات الزكية التي رؤيتها أجل الأماني، ونور تلك الصفات التي إذا تليت تلقتها الأسماع كما تتلقى آيات المثاني.
هذا وما الصب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب.
بأشوق مني إلى تلقي خبره، واستماع ما يفتخر به الركبان من حسن أثره.
وماغرضي من عرض الأشواق، التي ضاقت عنها صدور الأوراق.
إلا تأكيدٌ لما يحيط به علمه المحترم وتشنيفٌ لمسامع اليراع بذكر صفاته التي تطرب فيترنم بألطف نغم.
ولقد كنت أتوقع زيارته لما قدم البلدة النجرا، فثنى عنان الإعراض وأجرى جواد الانبرا.
وما هكذا كنَّا لقد كان بيْنَنا
…
معاملةٌ عن غير هذا الجفَا تُنْبي
هذا وضمير الأخ أنور من أن يستضئ بمصباح الاعتذار وأعلم بصدق المحبة في حالتي القرب والبعد والإعلان والإسرار.
وليس يندمل الجرح منا إلا بمرهم لقائه، ولا يشفى غليله إلا بري روائه.
فالرجاء أن يتلافى ما فرط بل أفرط من الإعراض، ويسمح بما نتوقعه منه بلا إغماض.