الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلمة الثامنة والعشرون
تأملات في سورة القدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد ..
فإن الله أنزل هذا القرآن الكريم لتدبره والعمل به، قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].
ومن سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا، وتحتاج منا إلى تأمل وتدبر سورة {الْقَدْرِ} .
قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} يخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل فيها:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ} [البقرة: 185].
قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: «أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم»
(1)
.
وسميت ليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله تعالى، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الآجال، والأرزاق، والمقادير القدرية.
ثم قال تعالى معظمًا لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)} ، قوله:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أي تعادل في فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث مَنَّ تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمر طويلًا نيفًا وثمانين سنة.
قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ
(1)
. تفسير ابن كثير (14/ 403).
أَمْرٍ} أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما ينزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر:«إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ - أَوْ تَاسِعَةٍ - وَعِشْرِينَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى»
(1)
. {وَالرُّوحُ} هو جبريل عليه السلام.
والمعنى أنه ينزل مع الملائكة في ليلة القدر، وخصه بالذكر لشرفه مع أنه داخل في الملائكة.
{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره تعالى لهم بالنزول، فنزولهم طاعة لله، وقوله تعالى:{مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} أي ينزلون بكل أمر قدره الله، فمن بمعنى الباء، ويؤيد هذا قوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} .
قوله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} المعنى هي ليلة خير وأمان وسلام من كل آفة وشر، وتمتد تلك الليلة بما فيها من الخير إلى وقت طلوع الفجر.
(1)
. مسند الإمام أحمد (16/ 428) برقم 10734، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال محققوه: إسناده محتمل للتحسين، وحسن إسناده الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم 2205.
ومن فوائد السورة الكريمة:
1 -
أن القرآن منزل في ليلة القدر.
2 -
فضل ليلة القدر من وجوه كثيرة تقدم ذكرها.
3 -
تنزل الملائكة في تلك الليلة، وجبريل رضي الله عنه معهم.
4 -
أن الروح اسم لجبريل، كما قال تعالى:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} وتخصيصه بالذكر في هذا السياق لأنه الذي نزل بالقرآن.
5 -
أن نزول الملائكة بإذن الله أي بأمره.
6 -
إثبات الملائكة، وأنهم قائمون بأنفسهم ويتصرفون بأمر الله خلافًا لمن يزعم من المتكلمين أنهم أشياء معنوية، والإيمان بالملائكة من أركان الإيمان.
7 -
أن ليلة القدر مباركة، ومن بركتها كثرة نزول الملائكة فيها.
8 -
أنها ذات سلام، أي سالمة من الشرور التي تحدث في غيرها.
9 -
أن العمل يتضاعف فضله عن مثله بسبب وقوعه في زمن فاضل أو مكان فاضل، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)} [القصص: 68].
10 -
فضل الله على هذه الأمة بتيسير أسباب الأجور»
(1)
.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1)
. تفسير جزء عم وأحكامه وفوائده للشيخ عبد الرحمن البراك ص 239 - 244 بتصرف واختصار.