الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والبعض قال في المؤسسة التي لها إشراف - محدود - على الشؤون الدينية:
أنها لا تنتج، وهو يعني أنها لا تأتي بالفائدة لصندوق الدولة كما في شجرة العنب مثلا - فإنها تدر على صندوق الدولة - من الخمر - بالأرباح الوافرة، وهذه الآراء والأقوال في مجموعها دليل على ما في النفوس من تقدير واحترام للدين وجهل بما يأتي به الدين للأمة - من خيري الدنيا والآخرة - وما يتركه في نفوس المسلمين من الخلق الكريم، والاستقامة على المنهج القويم، والمعروف لدى العارفين أن الدين يشارك جميع الوزارات في أعمالها، فهو مع الداخلية في الأمن وغيره، وهو مع الخارجية في الاتصالات وغيرها وهو مع التربية والتعليم في التهذيب، ومع العدل في الاستقامة، ومع المالية في الاقتصاد، وكذا يقال في جميع أجهزة الدولة، لكن لو وجد من يعرفه ويعمل به ويرعاه حق رعايته.
الفصل السادس: في الحلال عوض عن الحرام {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}
.
نعود من قريب إلى شجرة - العنب - ففيها العبرة البالغة لمن أراد أن يعتبر.
دلت هذه العبرة على رحمة الله بهذه الأمة الجزائرية المسلمة، لو وجدت من يفهمها حق فهمها، وهي بينة جلية في قوله عز وجل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (1).
أمتنا الجزائرية أمة مسلمة - عقيدة وعملا - ابتلاها الله بدولة استعمارية كافرة قوية استحوذت على أرضها بالقوة، وأعطتها لأبنائها، فاستغلوها، وفعلوا فيها ما فعلوه في أرضهم وبلادهم، وحسب شهواتهم، فأكثروا فيها من غراسة أشجار الكروم - العنب - ليعصروها خمرا، وفعلا نجحوا فيها نجاحا كبيرا، وربحوا منها أرباحا طائلة، ولما أراد الله اليقظة لأمتنا - بعد نوم طويل - وجاء وقت اليقظة والانتباه، قامت واستيقظت من نومها، وطالبت بحقها في أرضها، فلم يلب المحتل لها رغبة، ولم يسمع لها صوتا، عند هذا حملت السلاح واتحدت - معظمها - سنة 1954 وخاضتها حربا شعواء ضروسا دامت سبع سنوات ونيفا، وبعد تضحيات كبيرة وصلت إلى هدفها، ونالت ما أرادت - وهو الاستقلال - وفي أثناء الثورة المسلحة،
(1) من الآيتين 2 - 3 من سورة الطلاق.
وفي سنوات الكفاح المرير الشديد، قام المستعمر الفرنسي بالبحث والتنقيب عن البترول في صحرائها، فوجده - فيها - بجميع أنواعه ومحتوياته، وتدفق في الأرض الجزائرية، وصار يصدر منها ويباع في الأسواق العالمية، ويدر على خزينة الدولة - وعلى شركاته - بأرباح كثيرة، زادت بمر السنين، وبتحسين وسائل العمل والإخراج والاستغلال، هذا واقع لا ينكر، ومحل العبرة ظاهر فيه لمن تدبر.
ذلك أن الله العالم بما تحمله الأيام في أحشائها، وما تخفيه السنون في طياتها، قد سبق علمه كل شيء، ففي العثور على الغاز وإخراجه والانتفاع به تنبيه للغافلين منا، فكأن الله قال لنا: قد علمت من حربكم أنكم على حق، وأنكم ستنالون حقكم الذي قمتم تطالبون به، فها أني قد هيأت لكم ما فيه الغناء لكم في أرضكم، ورزقتكم من الحلال الذي لا تبعة فيه، ولا ذنب يترتب عليه، أعطيتكم كنزا كبيرا - ادخرته لكم - وذخرا عظيما، أعطيتكم الغاز في أرضكم، فإذا وصلتم إلى ما تحبون، ونلتم ما تبغون - وهو استقلالكم - وفزتم بحرية بلادكم، فالغاز يكفيكم عن شجرة الخمر الملعونة التي غرسها المستعمر الكافر الجاحد في أرضكم، فاقتلعوها، وأزيلوا جذورها، فإن الشر كل الشر فيها وفي محصولها، فلتكن لكم الكفاية فيما رزقتكم به من الحلال فاعتبروا بهذا يا أولي الأبصار .. ولكن أين من يعتبر ويدكر؟ ورد في بعض الأدعية المأثورة هذا الدعاء، وفيه تعليم لنا جميعا، وتنبيه للساهين:((اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك)) (1) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به)) - وفي رواية: ((كل جسد نبت من سحت)) (2).
(1) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن، أصله أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2)
أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وله قصة.