الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لهذه الأموال المكنوزة؟ ولعلهم الفقراء المساكين القابعون في الحانات ومحال الفجور
…
ليستعينوا بها على ما هم فيه، غير أننا لم نعد نسمع كلمة أبي ذر بعد 19 جوان 1965 فتكون قد ذهبت مع من ذهب من أصحاب الأطماع.
تلك كلمة أبي ذر التي نقلت عنه - وحفظت - وجيء بها لتكون عونا على انتزاع الأموال من أهلها، والاستيلاء عليها، تطبيقا لرأي أبي ذر رضي الله عنه في الظاهر، أما في الباطن فالله يعلم ما هو المقصود.
الفصل الرابع: من هو أبو ذر هذا
؟
المعروف من كتب السير والتراجم أن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كان من السابقين الأولين إلى الدخول في الإسلام، فهو رابع أربعة أو خامس خمسة كما جاء عنه، كما أنه من عظماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشجعان، نطق بكلمة الشهادة - أعلن إسلامه - أمام عظماء قريش الطغاة، وناله من العذاب في سبيل إسلامه ما ناله، وكان زاهدا في ملك الدنيا ورعا رقيق القلب كثير الخشوع لله، كما كان أكثر الصحابة طاعة وامتثالا لولي أمر المسلمين، ولو كان الوالي عبدا حبشيا كما قال هذا هو نفسه، لا رغبة له في المال ولا في جمعه، ولم يكن الكثير من الصحابة مثله في هذا، فكل مال دخل يديه أنفقه في سبيل الله والخير، أو أنفقه على المحتاجين، فيصرفه إليهم من غير أن يبقي منه تحت يده شيئا لنفسه، ويبقى هو كواحد من الفقراء، ولم يعرف عنه أنه أنفق ماله في سبيل الشيطان، كما ينفقه من أرادوا أن يستغلوا كلمته لمصالحهم الخاصة، قال فيه الحافظ الذهبي:(وكان رأسا في الزهد والصدق، والعلم والعمل، قوالا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدة فيه)(1).
وفي القصص التالية أمثلة من زهده في الدنيا وإعراضه عنها، وقد أتت إليه عفوا من غير تعب ولا طلب.
ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى في ترجمة أبي ذر قال: إن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، وذكر في ترجمته من طريق آخر، عن عبد الله ابن الصامت، أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال:
(1) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 32.
فجعلت تقضي حوائجه، قال ففضل معها سلع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسا، قال: قلت: لو اذخرته للحاجة تبوء بك، أو للضيف ينزل بك، فقال:(إن خليلي عهد إلي إن أي مال - ذهب أو فضة - أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله).
وأخرج أبو نعيم في الحلية - بسنده - عند الكلام على أبي ذر في ترجمته قال: بعث حبيب بن سلمة - وهو أمير الشام - إلى أبي ذر بثلاثمائة دينار وقال استعن بها على حاجتك، فقال أبو ذر لمن جاءه بها: ارجع بها إليه، أما وجد أحدا أغر بالله منا؟ ما لنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل. وقال أبو نعيم أيضا من طريق آخر عن أبي ذر: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها)) وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري.
والمعروف أيضا أن أبا ذر عندما كان في الشام كان يبث في الناس مبدأ الزهد في الدنيا، وينهاهم عن كنز المال وادخاره، وحاول أن يحمل الناس على رأيه ومذهبه فلم يستطع، وأحرج بعمله هذا موقف العامل فيها - أي في الشام - وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ووقع بينهما خلاف في فهم الآيتين الكريمتين من كتاب الله عز وجل وهما قوله تعالى:
فاختلف الصحابيان - أبو ذر ومعاوية - في فهمهما، فمعاوية رآى أنهما نزلتا في حق أهل الكتاب خاصة، خصوصا وذلك بعد قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
(1) الآيتان: 34 - 35 من سورة التوبة.
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (1) وأبو ذر رأى أنهما نزلتا فيهم وفينا معاشر المسلمين، هذا هو منشأ الخلاف بينهما كما ذكره المفسرون، والذي اتفق عليه علماء المسلمين أنهما نزلتا في الجميع - كتابيين ومسلمين - غير أن المسلم إذا أخرج زكاة ماله ودفعها إلى بيت مال المسلمين لتصرف في أوجهها المبينة في آية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِالخ
…
} أو دفعها منه مباشرة إلى الفقراء ومن ذكر معهم من الأصناف الثمانية المستحقين لها فيما إذا لم توجد بيت مال المسلمين، فإذا دفع المسلم زكاة ماله فلا يسمى ما جمعه واذخره كنزا المتوعد عليه في الآية الآنفة الذكر، وبالخصوص إذا علمنا أن آية الزكاة لمستحقيها نزلت بعد هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَالخ
…
}، ففرضت الزكاة تطهيرا للمال ولصاحبه من الشح والبخل كما ورد في آية:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاالخ} (2) وكما ورد ذلك أيضا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
من أجل هذا الخلاف في فهم الآيتين، ومن أجل ما يقوم به أبو ذر - حسب زهده في الدنيا - من عتاب على جامعي الأموال ومدخريها من أجل ذلك شكا معاوية إلى أمير المؤمنين الخليفة الثالث - عثمان بن عفان رضي الله عنه ما يلقاه من أبي ذر ودعوته إلى تزهيد الناس في الدنيا، وحملاته الشديدة على جامعي الأموال ومدخريها، فكتب معاوية إلى عثمان:
(إذا كان لك حاجة بالشام فأقدم أبا ذر إليك)، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنورة وأسكنه الربذة - بفتح الراء والباء والذال - باختيار أبي ذر لها، وهي قرية خارج المدينة اختارها لتكون مقرا له من غير إلزام ولا جبر عليه.
وهنا نسأل أصحاب هذه الدعاية - وغيرهم - الذين استعملوا ويستعملون كلمة أبي ذر تلك كحجة لهم على دعواهم، فنقول لهم: لماذا لم تأخذوا من أقوال أبي ذر غير هذا
…
؟؟؟ أللتزهيد في جمع المال وادخاره؟ والكل يعلم أن أرباب هذه الدعاية عملوا - جادين - على كسب المال وادخاره، أو لكون كلمة أبي ذر فيها دعاية وترغيب لمبدأ (مزدك) المجوسي؟ إن وراء هذه الدعاية سرا مكتوما يعلمه الراسخون في العلم.
(1) الآية 34 منها.
(2)
الآية 103 من نفس السورة.
إن أبا ذر رضي الله عنه معروف بفكرته تلك، وأول من عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن أبا ذر طلب ذات يوم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمله على بعض الولايات، فكان جواب الرسول الكريم الحكيم الرحيم بأمته عليه الصلاة والسلام لصاحبه الذي طلب منه أن يوليه عملا من الأعمال، كان جوابه ما عرفه فيه من أنه لا يصلح للولاية، لا لتهمة وجهت إليه، ولا لخيانة ربما تصدر منه، ولا لجهل بالأعمال والأحكام، ولا، ولا، فالجواب ما ذكره أبو ذر نفسه كما جاء في صحيح مسلم (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها - الولاية - أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) (1).
فالولاية وهي الحكم بين الناس ورعاية مصالحهم، تتطلب من الوالي أن يكون حازما شجاعا يقظا لكل ما يطرأ عارفا بسياسة الحكم يداري الناس في سبيل المصلحة العامة الخ، فالرسول صلى الله عيه وسلم عرف أن صاحبه أبا ذر لا يصلح للولاية والحكم، ولهذا قال له ما قال - شفقة عليه من تبعات الولاية - ولم يعطه أية ولاية لضعفه عنها، ولا يسمى هذا نقصا أو تنقيصا في مرتبة أبي ذر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال:
((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) (2)، وأيضا فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعطي الولاية من يطلبها أو يحرص عليها.
ونذكر هنا قول الرسول عليه الصلاة والسلام في أبي ذر رضي الله عنه: ((رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) (3) قال فيه هذا عندما خرج الرسول عليه الصلاة والسلام في جيشه قاصدا تبوك، وخلف أبا ذر بعيره الهزيل الذي لم يستطع مسايرة الجيش، فتخلف عنه، ولما تفقده الرسول لم يجده فسأل عنه، وبينما الناس ينظرون إلى الطريق رأوا رجلا راجلا قادما إليهم من بعيد، فقالوا: يا رسول الله هذا رجل
(1) صحيح مسلم وطبقات ابن سعد الكبرى.
(2)
الطبراني عن ابن عباس وغيره.
(3)
ج 2 من سيرة ابن هشام عند الكلام على غزوة تبوك ص 524 من القسم الثاني طبع مطبعة مصطفى الحلبي.
قادم من بعيد، فقال الرسول:((كن أبا ذر)) فكان هو نفسه، ولما وصل قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:((ما أخرك إلى الآن؟))، قال:
بعيري الهزيل، ولما أبطأ بي حملت متاعي وجئت أمشي وتركته، فقال فيه الرسول كلمته تلك.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوما مخاطبا أصحابه: ((أيكم يلقاني - يعني يوم القيامة - على الحال الذي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقت)، ثم قال:((ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم)) (1) وفي رواية أخرى ((من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر)).
هذه نظرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى صاحبه أبي ذر رضي الله عنه، وهي شهادته فيه، وقد تحقق كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر.
وقد كان من علماء الصحابة، في درجة عبد الله بن مسعود في العلم، سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبي ذر فقال:(وعى علما عجز فيه، وكان شحيحا حريصا، شحيحا على دينه حريصا على العلم)(2).
وقد اختار أبو ذر الربذة مقرا له كما سلف، وكان يعيش مع زوجته وغلامه فيها فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا أنا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب، فما علموا حتى كادت ركائبهم تطأ السرير الذي عليه الميت، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال ما هذا؟ قيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) فنزل وتولى هو بنفسه دفنه، هذه رواية وهناك رواية أخرى تثبت أن الركب وجده لا زال حيا فحضر وفاته ودفنه، وقال لهم: قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبا من ثيابي
(1) الترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهم.
(2)
ج 4 من الطبقات الكبرى لابن سعد ص 232.