الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا نشور، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فالملحد لا يؤمن بهذا، والمؤمنون يقولون:{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} (1)، هكذا قال الله جل جلاله، وبهذا يؤمن المؤمنون بربهم، غير أن إلحاد الملحدين قد وصل إلى قلوب بعض المسلمين، وذلك لما يجده الملاحدة وأعوانهم من التسهيل والتشجيع على نشر إلحادهم، فمال بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين إلى ما يقوله الملحد الجاحد، فمن يتأمل هذه الآية القرآنية - وغيرها كثير - يهتدي إلى ما تحيله من تنبيه فيه الكثير من الوعيد، قال الله تعالى:{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} (2) ومن الله نسأل التوفيق والهداية.
الفصل الثاني: الإنسان العصري المتمدن والإيمان بالغيب
.
وبهذه المناسبة - إنكار البعث للأجساد، والنشور، والحساب الخ - يليق بنا أن نذكر - ونذكر - ما يتفوه به بعض من سلب منهم الإيمان، أو قل من ليس لهم عقول سليمة {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (3) ممن يتطاولون إلى مقام الخالق الرحيم، ويبثون هذا في أوساط شباب المسلمين، ويقولون لهم: إنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا بعث للأجساد، ولا نشور ولا حساب ولا جزاء على الأعمال التي وقعت في هذه الحياة، إلى آخره، فأنكروا وجود الله، ووعده ووعيده وشرائعه وكتبه ورسله، كما رأينا ذلك مسطرا ومنشورا في كلمة - الإنسان البعثي العربي الاشتراكي - التي مرت في فصل (محاربة الاشتراكية للإسلام) والتي جاء فيها (الموت، وليس غير الموت، لن يكون هناك نعيم، أو جحيم الخ
…
) لأنهم في دعواهم - لا يصدقون بما هو غائب عنهم لا يرونه، هذه هي عقيدة الملاحدة التي بنوا عليها اشتراكيتهم، كما هو معروف من مبادئها، والتي راحوا يبثونها في المجتمعات التي اختارت حكوماتها
(1) الآيتان 6 - 7 من سورة المعارج.
(2)
الآيتان 13 - 16 من سورة طه.
(3)
الآية كه من سورة الفرقان.
اشتراكيتهم، ولا يقبلون المناقشة فيها ولا يفسحون المجال لمن يناقشهم فيها، وهي باطلة - عقلا - لا يؤمن بها إلا غبي لا تمييز له بين الحقائق والأوهام.
وكثيرا ما أنبه إلى هذا وأحذر منه المؤمنين، كي لا ينخدعوا، ولا ينخدع شبابنا - بالخصوص - الموفق بهذه السموم التي تبث في أوساطهم، وأقول لهم لا تصدقوهم بما يقولون، فإنهم مأمورون ومأجورون على ذلك، ولو من الشيطان، بإفساد عقيدة الشباب المسلم، وأزيدهم بيانا بأمثلة واضحة بينة.
من ذلك أني أقول لهم: إن الملاحدة أنكروا وجود الخالق، كما أنكروا ما جاء من عنده، من شرائع وكتب سماوية ورسل الخ
…
وآمنوا وصدقوا بما يقوله لهم رؤساؤهم، والإنسان قد يكذب ويقول خلاف الحقيقة، إذا كان له في الكذب منفعة، - ولا يكذب إلا ضعيف النفس الحقير - أما الخالق الحكيم فإنه لا منفعة له في أي شيء سواء آمن العباد أم كفروا، إذ هو الخالق لكل شيء وكفى، فأخباره كلها صادقة، لأنها وفق علمه ومشيئته.
نعلم أن العلم قدم الإنسان في هذا العصر تقدما ملموسا، وخفف عنه الكثير من أنواع العناء والعذاب، تقدم بالإنسان إلى الدوران حول الأرض في دقائق من الزمن معدودات، والصعود به إلى القمر والنزول على سطحه والجولان في بعض جهاته، وقد شاهد الناس ذلك بواسطة النظر البعيد - التلفزة - وهذا غير محال على الإنسان لما ركب فيه الخالق العليم الحكيم من قابلية واستعداد للتطور والرقي.
ومن حادثة الإخبار بنزول الإنسان على سطح القمر نأخذ منها عبرة بليغة تصل بنا إلى الاعتقاد بوجود الله وقدرته على كل شيء، وتسخيره للإنسان كل ما في هذا الكون من موجودات، قال الله تبارك وتعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (1) وقال: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
(1) سورة العنكبوت الآية 61.
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (1).
وكثيرا ما كنت أنبه من يحضر الدروس إلى جهل الإنسان وخطئه، من ذلك أن الأمريكان قالوا وأذاعوا: أنهم نزلوا بمركباتهم على سطح القمر، وأنزلوا روادهم عليه وساروا فيه أشواطا، وقد ضاهد الناس ذلك بواسطة "التلفزة"، والنظارة الذين شاهدوا هذا النزول قد صدقوا به واعتقدوه صحيحا لا يتطرق إليه أدق شك، كل ذلك ممكن - عقلا وواقعا - غير أني ألفت النظر - دائما - إلى هذه الحقيقة وهي:
كيف يصدق النظارة المشاهدون الأمريكان في أخبارهم وإخبارهم بنزولهم على سطح القمر، والمشاهدون لم يكونوا - طبعا - مع من في المركبة حتى يصدقوا ذلك بالمشاهدة والمعاينة الحسية؟؟ فالنظارة قد صدقوا بشيء هو غائب عن أعينهم
…
يصدقون بهذا ولا يصدقون الله الخالق لكل شيء في إخباره بأنه ستكون حياة بعد هذه الحياة، وسيكون بعث للناس من قبورهم وإعادة الأرواح إلى أجسادها، وسيكون حساب على الأعمال وجزاء عليها، إلى آخر ما جاء في قواعد الإيمان.
نصدق الأمريكان أو الروس المخلوقين، ويمكن عقلا أن يكونوا كاذبين لمصلحة اقتضت ذلك، لأن تلك الصور التي شاهدها الناس لعملية النزول والجولان بواسطة التلفزة يمكن أن تكون مصورة - فقط - من غير نزول ومسجلة ومهيأة لتعرض على النظارة، ليظهر الأمريكان للعالم قدرتهم ومبلغ علوم رجالهم، كيف نصدقهم فيما أخبروا به - وهم بشر كفرة بخالقهم - ولا نصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبر به عن الله - وهو الصادق المصدوق - ولم ينقل عنه الكذب - وحاشاه - بل قامت الأدلة وتواترت الأخبار بصدقه صلى الله عليه وسلم.
إن الخالق أخبر بواسطة رسله في جميع الشرائع السماوية عباده بأنه سيحييهم بعد موتهم - كما خلقهم أول مرة - وسيحاسبهم على أعمالهم، وعليها يكون الجزاء، وبهذا ظهر ضلال الإنسان الجحود المنكر للحقائق الثابتة بالبراهين والأدلة، ويصدق المخلوق، بما قال - وقد يكون في أخباره
(1) سورة لقمان الآية 20.
كاذبا لغرض أراده لنفسه - ولا يصدق الخالق المنزه عن الكذب والغرض والمنفعة، ولكنها الحقيقة التي لا تقبل الجدل والعناد، وأخيرا هذا هو الإيمان وأثره، والله قال:{وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} (1) ولكنه الضلال البشري يذهب بصاحبه إلى نكران الموجودات وجحود الحقائق الثابتة التي لا ينكرها إلا جاهل أو غبي بليد.
ومن قبيل ما تقدم أخبار علماء الفلك، فإنهم يخبرون - بناء على ما علموه ودرسوه في هذا العلم - بأن الشمس ستكسف ويذهب ضوؤها في يوم كذا من شهر كذا ساعة كذا مع الدقيقة والثانية الخ، فيؤمن الناس بما قالوه، ويصدقونهم في أخبارهم، ويتنقل المهتمون به من قارة إلى قارة مع المعدات العلمية والآلات الحديثة، لمشاهدة ذلك الحدث العظيم، ومثل كسوف الشمس خسوف القمر فيما تقدم في الأخبار والضبط.
نرى هؤلاء الضالين يؤمنون ويصدقون بما أخبر به علماء الفلك - ويمكن أن يخطئوا - ولا يؤمنون بما أخبر به خالق الأفلاك ومدبر سيرها سبحانه وتعالى.
نحن - المسلمين - نؤمن بالغيب - وهو ما غاب عن الحس - إذا قامت الأدلة القاطعة على صدق المخبر، وهذا هو سبيل المؤمنين الصادقين.
قال الله القادر الحكيم: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (2).
(1) سورة النساء الآية 122.
(2)
سورة المؤمنون الآية 115.