الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول:
1 -
تعريف الشهرستاني لمزدك ونحلته.
جاء في كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني عند الكلام على هذه النحلة قوله:
(هو مزدك الذي ظهر في أيام - قباذ والد أنوشروان - ودعا قباذ إلى مذهبه فأجابه، واطلع أنوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله) وجاء فيه أيضا: (وكان مزدك ينهي الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلاء (1).
2 -
تعريف المسعودي:
ورد في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي عند كلامه على ملوك الفرس قوله: (ثم ملك قباذ بن فيروز، وفي أيامه ظهر (مزدك) الزنديق، وإليه تنسب (المزدكية) وله أخبار مع قباذ، وما أحدثه في العامة من النواميس والحيل، إلى أن قتله أنوشروان في ملكه) وزاد على ما تقدم فقال:(ولما ملك أنوشروان قتل مزدك وأتبعه بثمانين ألفا من أصحابه)(2) وسيأتي بيان أوسع من هذا يوضح كيف قبل الملك (قباذ) الدخول في مذهبه، وكيف توصل كسرى أنوشروان بن قباذ إلى قتل هذا الزنديق المفسد.
(1) الملل والنحل ج 2 ص 69 طبع صبيح.
(2)
مروج الذهب ج 1 ص 263 - 264 طبع السعادة.
معنى أنوشروان:
ولما قتل كسرى أنوشروان (مزدك) وأراح منه ومن شره البلاد والعباد، اجتمع الكهان وخلعوا على الملك هذا اللقب (أنوشروان) شكرا له وتقديرا لما فعل بمزدك وجماعته المفسدين في الأرض، ومن ذلك الوقت صار يدعى (كسرى أنوشروان) ومعناه بالعربية - الروح الخالدة، أو مجدد الملك - لأنه أعاد للأمة الفارسية - ذات الحضارة القديمة - ما كانت أضاعته من أراضيها في أيام الملوك المتقدمين عليه، فجمع ملكها الكبير بعد شتات استمر أزمانا.
3 -
ما قاله المؤرخ الطبري:
وذكر المؤرخ الطبري - مبينا دعوة مزدك - ما يلي: (قال مزدك وأصحابه إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا - يقصد مزدك وجماعته - أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة (1) ذلك واغتنموه، وكانفوا (2) مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله، ونسائه، وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على ذلك، وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به، وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم) (3).
وهكذا في كل زمان ومكان من قديم الزمان إلى يومنا هذا، إذا أحاطت حاشية السوء والفساق بالملوك - ومن كان في منزلتهم - فإنهم يحولون
(1) السفلة: بفتح السين وكسر التاء وفتح السلام، أو بكسر السين وسكون الفاء وفتح السلام هم: شرار الناس وأراذلهم، وجدوا في دعوة مزدك فرصة لهم فاغتنموها.
(2)
المكاتفة: المعاونة.
(3)
تاريخ الرسل والملوك ج 2 ص 92 - 93 - طبع المعارف.
بينهم وبين ذوي الحاجات من عامة الناس، فلا يصل إليهم مظلوم ليرفع ظلامته إليهم كي ينصفوه من ظالمه.
4 -
تعريف صاحب المنجد في الأدب والعلوم لمزدك:
جاء في منجد العلوم ما يلي: (مزدق رجل إيراني، دعا إلى مذهب غايته نزع الخلاف بين الناس، بجعل الحق في الأموال والنساء مشاعا بينهم، قد نجح سعيه على أيام الملك (قباذ)(488 - 531) مات قتيلا) (1).
كيف اتبع الملك قباذ مزدك؟ ولماذا؟
فقباذ لم يستجب لـ (مزدك) وجماعته إلا بعد أن توعده وهدده بخلعه وإزالته عن عرشه وكرسيه إذا هو لم يتبعهم ويتركهم يعبثون بأموال الناس ونسائهم كما يشاؤون ويبتغون، فقبل - مكرها - واتبعهم على مذهبهم، وبهذا صار المذهب المزدكي مذهب الملك (كسرى) فاكتسب بذلك قوة، وهكذا قوي الباطل باتباع أهل الرأي الصائب له، ولكن إلى حين.
نعود مرة أخرى إلى المؤرخ ابن جرير الطبري، فنجده ذكر في مكان آخر من تاريخه نبذة من أقوال وأفعال هذا الزنديق الذي نشر الفساد والعار في الأرض، فقال: (وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه:
التآسي (2) في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وإنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال، ورضا في التفاوض، فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله (3).
فقد رأينا من خلال هذا التوضيح، أن الفاحشة وانتهاك الحرمات والاعتداء
(1) المنجد في الأدب والعلوم ص 493.
(2)
التآسي المواساة والتعاون.
(3)
تاريخ الطبري ج 2 ص 99 طبع المعارف.
على كرامة وحرمة الحرائر المصونات، هذا كله يعد قربة وطاعة لله في المذهب المزدكي الشيطاني!!! يا لها من وقاحة وبهتان.
فإذا كانت الفواحش قربة وطاعة فهي - في الحقيقة - للشيطان، فهو الذي يأمر أتباعه بالفواحش ويزينها لهم، ويدعوهم إليها، أما الخالق الحكيم مرسل الرسل الصادقين بالشرائع السماوية الطاهرة حاملة معها قوانين إصلاح البشر وإسعادهم، مبينة لهم الحدود التي لا يجوز للإنسان أن يتعداها ويجاوزها إلى ما وراءها - قلنا أما الخالق الحكيم فحاشاه أن يأمر بالفواحش أو يثيب عليها وهو القائل:{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (1).
5 -
ما قاله ابن النديم في المزدكية والخرمية:
وهذا ابن النديم يقص علينا في كتابه "الفهرست" عن محمد بن إسحاق من خبر هذا الشيطان المارد ودعوته الخبيثة الفاسدة المفسدة للمجتمع وأخلاقه - تحت عنوان "مذهب الخرمية والمزدكية" - ما يلي: (وهؤلاء أهل مجوس في الأصل، ثم حدث مذهبهم، وهم ممن يعرف بـ "اللقطية"، وصاحبهم مزدك القديم، أمرهم بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات، والأكل والشرب والمواساة، والاختلاط وترك الاستبداد بعضهم على بعض، ولهم مشاركة في الحرم والأهل، لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر، ولا يمنعه، ومع هذه الحال فيرون أفعال الخير، وترك القتل، وإدخال الآلام على النفوس، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو لأحد من الأمم، إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان، وعلى هذا المذهب (مزدك الأخير) الذي ظهر في أيام قباذ بن فيروز، وقتله أنوشروان وقتل أصحابه، وخبره مشهور معروف (2).
فالمفهوم مما ذكره ابن النديم أن اسم مزدك سمي به رجلان، أولهما مزدك القديم والثاني مزدك هذا الذي ظهر في أيام الملك (قباذ بن فيروز) والذي قتله أنوشروان بن قباذ عندما ورث عرش أبيه، وسيمر بنا قريبا - إن شاء الله -
(1) الآية 28 من سورة الأعراف.
(2)
الفهرست ص 493 طبع الاستقامة.
زيادة بيان لهذه النقطة، أما دعوتهما فواحدة في هدفها وما ترمي إليه، لم تختلف حسبما أوضحه المؤرخون.
ما هي الخرمية؟
أما الخرمية (1) التي جاءت في عنوان ابن النديم مع المزدكية فقد بينها وأوضح أهدافها الكثيرون ممن كتبوا عن الطوائف والفرق، ونكتفي هنا بما ذكره العالم المستشرق الألماني (يوليوس فلهوزن)، وهو باحث محقق في التاريخ العربي واليهودي والمسيحي، لأنه كان ابن قسيس، وقد درس المسيحية وأجيز فيها.
6 -
ما قاله (فلهوزن) في الخرمية والمزدكية:
قال: (أما الخرمية فلم تكن حزبا، بل كانت نزعة إباحية عامة وكان الخرمية - كما يزعمون - لا يرضون عما في الإسلام من نزعة يهودية، أعني أنهم كانوا يعترضون على روح التطهر والتشدد الحزينة في ذلك، فكانوا يريدون أن يجعلوا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين، وهم في ذلك يصلون مذهبهم بالديانة الوثنية التي كانت في بلاد العجم من قبل، ويجوز أنهم كانوا إلى جانب ذلك متأثرين بمبادئ اجتماعية، كانت تلائم ما يطمح إليه الموالي أحسن ملاءمة، ويروى أن الخرمية، والراوندية، قد جددوا الدعوة إلى الشيوعية في النساء، وهي الشيوعية التي كان مزدك قد دعا إليها من قبل)(2).
فقد اتضح من هذا الرأي الذي أبداه العالم الألماني (يوليوس فلهوزن) أمران: 1) أن الشيوعية متفقة مع الخرمية في مقاصدها وأهدافها
(1) الخرمية بضم الخاء وفتح الراء المشددة وكسر الميم: نسبة إلى خرمة، قال صاحب القاموس: خرمة كسكرة بلدة بفارس ومنها بابك الخرمي، وتخرم دان بدين الخرمية لأصحاب التناسخ والإباحة، وقال ياقوت في معجم البلدان: الخرمية قيل أنه اسم بلدة قرب أردبيل، وإليها ينسب بابك الخرمي، وقيل فارسي معناه: الذين يتبعون الشهوات ويستبيحونها، وهذا يلائم فيها ما قاله (فلهوزن).
(2)
عن كتاب: (تاريخ الدولة العربية) ليوليوس فلهوزن ص 488.
وهي الشيوعية في النساء، - 2 - أن الخرمية - أخت للشيوعية. وهما لا يحبان التطهر والتدين، ويريدان أن يجعلا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين، ومن أجل هذا رأينا في البلاد الاشتراكية والشيوعية عناية كبرى بالغناء والرقص بجميع أصنافهما، وصارت الأموال تنفق عليهما من خزينة الدولة بغير حساب مع مسيس الحاجة إلى تلك الأموال لصرفها في المشاريع المفيدة للأمة، فهذه الفرق - الفنية - الكثيرة يؤتى بها من كل مكان لتقيم الحفلات الساهرة في الليالي العديدة، في المناسبات وفي غير المناسبات - تطبيقا وعملا بهذا المبدأ الذي أشار إليه العالم الألماني - وصار للفن الماجن الخليع انتشار كبير مذهل، وصاروا يلقبون صاحب المجون حامل رسالة، وللفن الفاجر رسالة .. فإن كان الفن الخليع رسالة، وحامله رسولا، فذلك للشيطان، كما صار لهذا الفن، مكانته في وزارات الأخبار والثقافة، وصارت كلمة - الثقافة - تطلق على الرقص والمجون، وما ينشأ عنهما، والأمة في حاجة أكيدة إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن وغير هذا من المشاريع الهامة والنافعة لأبناء الأمة المحرومين من كثير من وسائل الحياة الكريمة.
فالمال الذي ينفق على جلب فرق الرقص والغناء الخليع والماجن ربما يفوق - كثرة - أو يساوي ما ينفق على جلب العلماء لتعليم أبناء الأمة ما يعود عليهم بالنفع والفائدة، من شتى أصناف العلوم والصناعات جاء في المثل العربي (خَرْقَاءُ وَجَدَتْ صُوفًا).
وقد رآى النظارة بواسطة التلفزة الجزائرية - في أيام أسبوع العلم - الذي يقام - عادة - بمناسبة ذكرى وفاة العالم الكبير، والمصلح الجزائري الشيخ (عبد الحميد ابن باديس) - نعمه الله بنعيمه الدائم - الذي لا يستطيع أحد أن ينكر علمه وفضله وورعه وصلاحه وطهارة نفسه، والذي بذل كل جهوده وطاقاته في سبيل بعث الأمة الجزائرية من جديد - وقد أنجح الله جهوده - بواسطة علمه وتقواه لربه وإخلاصه في عمله - أقول رآى النظارة في أسابيع العلم تلك ما يمجه الذوق السليم، وينكره الضمير الحي، وينبذه العقل الواعي، وخاصة في أسبوع هذه السنة - من 16 أفريل 1973 إلى 22 منه، فقد مر الأسبوع معظمه - إن لم نقل كله - بسهراته في الرقص الخليع، بل شاهد
النظارة حتى رقصة البالي - وهي كما يعرف الجميع من كشف وتهتك - وكان أسبوع هذه السنة أكثر خلاعة ومجونا من أسابيع السنوات الماضية، ففيه تدرج إلى ما لا يليق بالعلم، وعلماء الدين بالخصوص.
فهل هذا وفاء وبرور بالعلم، وعالم الجزائر العظيم
…
؟؟؟ أو هو عقوق لهما من أقبح وأشنع أنواع العقوق؟ وما هذا في الحقيقة إلا تطبيق للنزعة الخرمية والاشتراكية الشيوعية، التي تعمل - جاهدة - على تلهية الأمة بشتى أنواع اللهو، ولو كان لا يوافق طبيعة الأمة والذوق السليم، كما شاهد الجزائريون سنة (1967) حتى الفرق اليهودية الصهيونية (1) التي جيء بها للغرض نفسه، وقد يكون ذلك في ليالي الشهر المبارك - شهر رمضان المعظم من المؤمنين - بعنوان - إحياء ليالي رمضان - وهذا أمر غريب عن الشريعة الإسلامية، فليالي رمضان إنما يكون إحياؤها بما جاء في شريعة الله، لا بما جاء في شريعة الشيطان، فهؤلاء كما قال العالم الألماني:(يريدون أن يجعلوا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين).
اللهم هب لنا عقولا مدركة صافية من كل ما يكدرها
…
وبمناسبة الكلام على الفن وفرقه أقول:
إن الوقت الذي يقضيه المسلم في الاستماع إلى هذه الفرق الفنية التي تبث في أوساطها ما لا يليق بالمسلم سماعه وقت ضائع لا خير فيه، زيادة عن كونه يبعث في الناس الكسل - وخاصة الشبان - وما لا يليق من الأخلاق، والأمة
(1) فقد جيء بالمغني الصهيوني (جوني هاليدي) إلى الجزائر وغنى وأطرب عشاقه كما شاء وأراد وأثر في المشاهدين له، حتى بلغ الأمر بالبعض .... إلى أن ارتمى عليه ومزق له قميصه - كما ذكر المشاهدون - إعجابا به، وليأخذ منه قطحة يحتفظ بها كعربون حب وولاء له، والبعض مزق قميص نفسه كما بلغنا، ولما رجع إلى فرنسا شرع في الدعاية إلى برتقال إسرائيل .... فمتى ينتبه المسؤولون متى؟؟ أما الصهيوني الآخر فهو (شارل أنزيفور) فبعد أن خرج من الجزائر وأخذ معه ما أخذ من المال صرح بأنه سيرسل ما عنده من المال إلى إسرائيل .. هذه هي الوطنية الحقيقية وإلا فلا ..
التي تكثر منه ومن فرقه لا تستطيع أن تواجه خصومها في ميادين الحياة والجد، لأنها أضاعت أوقاتها في الهزل واللعب، ولربما يقضي ذلك عليها كأمة بين الأمم فهل نسينا أن الفن والغناء هما العامل القوي الذي عجل بضياع الأندلس - الفردوس المفقود -؟ فقد كان الغناء وما جر إليه هو الشغل الشاغل للأمراء وقادة الجيوش وبيوت العظماء وذوي الثراء منهم، فاشتغلوا به وأعرضوا عن النظر في شؤون الدولة وشؤونهم، وهم أمام أعدائهم، فلم ينتبهوا من سكر الفن حتى داهمهم الشر والعدو من كل جانب، فالحياة حياة جد وعمل، لا حياة هزل وكسل.
وكضياع الوقت بلا طائل ضياع المال الذي ينفق على الفن، فهو مال ضائع إذ لا فائدة تعود منه، فلا يستفيد منه إلا المحترف له، وقد صار الفنانون - وخاصة المغنون منهم - من أغنى طبقات الشعوب، لما يملكون من عمارات وغيرها، ولهم أرصدة مدخرة في المصارف، وقد يبلغ كراء المقعد الواحد في حفلة غنائية مائة دينار جزائري، أي عشرة جنيهات أو أكثر، وهذا يدل على السفه وسوء التدبير، ولعل البعض منا لا يعجبه هذا الكلام، ويعده صادرا من رجل متأخر - حسبما يرى - ومع هذا فهو الحقيقة، والحقيقة لا تخفى على أحد، ولبعض المغنين تطأطأ الرؤوس، فقد رأيت مرة رئيس جمهورية ذهب إلى المطار لملاقاة أحد المغنين المشهورين.
نعود - بفكرنا - لما تقدم لنرى أن المذهب المزدكي - وما تفرع منه - ذلك المذهب الذي يحمل لأهله وأتباعه كل أنواع الخزي والعار - لم يدع إليه ويحث عليه أي عاقل من البشر، حتى الوثنيون، فقد كانت عندهم أخلاق وعادات حسنة، وغيرة وأنفة على الحرمات، فما هو إلا مذهب من المذاهب الحيوانية البهيمية، وقد بان مما ذكرناه هنا وفيما سبق - أن الشيوعية والاشتراكية اللتين انتشرتا - حديثا - إنما هما تجديد وامتداد للمزدكية.
7 -
رأي أحمد أمين في مذهب مزدك:
قال المرحوم أحمد أمين بعد أن نقل كلام ابن جرير الطبري، وما أمر به - مزدك - أتباعه ما يلي:(فترى من هذا أن تعاليمه - يعني مزدك - إشتراكية من أسبق الاشتراكيات في العالم.)(1).
(1) فجر الإسلام ص 130 الطبعة الثانية.
8 -
ما قاله المفكر الكبير العلامة ابن خلدون:
وشبيه بهذا ما ذكره العلامة ابن خلدون في تاريخه (كتاب العبر) حيث قال:
(وسورة الخبر - يريد نزاع ملوك الفرس - أن مزدك الزنديق كان إباحيا، وكان يقول باستباحة أموال الناس، وأنها فيء - أي غنيمة - وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجزه، (وهذا هو نفسه ما تدعو إليه الاشتراكية الشيوعية)، والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس، ولا يختص به أحد دون أحد، وهو لمن اختاره، فعثر الناس منه على متابعة مزدك في هذا الاعتقاد) (1).
فظاهر من قول ابن خلدون (والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس) ومما تقدم من قول الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) عند الكلام على مزدك والمزدكية وهو قوله: (فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيهما كاشتراكهم في الماء، والنار، والكلاء) أن المزدكية هي نفس الشيوعية والاشتراكية اليوم فيما ترميان إليه من إلحاد وكفر وزندقة وفجور، واستيلاء على أموال الناس، بدعوى ردها إلى الفقراء، وكما رأينا ذلك - أيضا - في كلام المؤرخ الألماني (فلهوزن) حيث قال:(ويروى أن الخرمية، والراوندية، قد جددوا الدعوة إلى الشيوعية في النساء، وهي الشيوعية التي كان مزدك قد دعا إليها من قبل ..).
فهذه الفرق الأعجمية الضالة: المانوية، والمزدكية، والخرمية، والراوندية وغيرها - كالشيوعية، والاشتراكية- هي التي بلبلت أفكار ضعفاء العقول وأصحاب المطامع والشهوات.
فبان من هذه الأقوال كلها أن (الشيوعية) و (الاشتراكية) اللتين ظهرتا في عصرنا هذا هما صنوان - أختان - لشيوعية واشتراكية (مزدك) المجوسي، فالجميع من فصيلة واحدة كما قال القائل الحكيم:
(فإن لم تكنه أو يكنها فإنه
…
أخوها غذته أمه بلبانها)
بل - هما هي وهي هما - وإن اختلفت أسماء هذه الاشتراكيات بحسب البلدان التي ابتليت بها وبحسب ما يناسب جو أهل البلد والوطن الذي طبقت فيه، فكل بلد سماها ونعتها بما يوافق هواءها أو هواها، كما تقدت الإشارة إليه من قبل.
(1) كتاب العبر المجلد 2 ص 356 طبع ونشر دار الكتاب اللبناني.
فنرى وجه الشبه والاتفاق موجودا فيها كلها، وخاصة في الملك الفردي الخاص، وما عطف عليه مما يقبح التصريح به والتعرض له، فمبدأ الجميع واحد - كل شيء على الشياع لا يختص به أحد دون آخر - ومن أجل هذا الحلم اللذيذ أقبل عليها الذين وجدوا في دعوتها ما يوافق أهواءهم وغرائزهم، فاعتنقوها ودعوا إليها وهم يعلمون أنها لا تتوافق ولا تتلاقى مع تعاليم الشرائع الإلهية، التي أنزلها الخالق العليم بحسب ما يصلح مخلوقاته، فاعتنقوها واتخذوها دينا لهم ومذهبا، بدلا من دين الله، ومذهب الحق والعدل، وأخذوا يزينونها ويزينون مبدأها للأغرار وضعفاء العقول، وأرباب الأطماع والشهوات، ويذيعون فيهم ذلك بواسطة أجهزة الإعلام الحكومية، من شركات الأخبار، والصحافة، والإذاعة، والتلفزة، وغير ذلك من وسائل الإعلام.
وَقَدِيماً مَالَأَ مُزْدَكَ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ وَأَصْحَابُ الشَّهَوَاتِ وَالْكُسَالَى وَشِرَارُ النَّاسِ.
لهذا أحب الاستيلاء على أموال الناس، أولئك الذين لم يستطيعوا أن يعملوا - كما عمل غيرهم - لمركب النقص الذي هو فيهم، فلم يعملوا كما عمل غيرهم، حتى يملكوا ما يعود عليهم بالنفع والفائدة، فاتخذوا مذهب الشيوعية والاشتراكية وسيلة للاستحواذ على أموال الناس وأخذها، وبعد ما تعب أصحابها ونصبوا في العمل والكد توصلوا إلى امتلاك شيء قد ينفعهم عند الحاجة إليه، وقد كان استحواذهم عليها بواسطة التسلط بالقوة، وبدون حق شرعي، أو قانون عادل - تماما - كما فعل مزدك وأصحابه، ولو حاول محاول انتزاع كراسيهم منهم لقتلوه
…
كما اتبع المزدكية - أيضا - ضعاف النفوس وشرار الناس من الفجرة والفسقة، لأن شريعة الحق والعدل - شريعة الله - لا تبيح للناس أن يستبيحوا أعراض النساء، ولا أن يأخذوا أموال الغير بغير رضاه وبدون موجب شرعي مقبول، فكل من اتبع المذاهب والقوانين البشرية - مثل المزدكية القديمة والجديدة - وأعرض عن القوانين الدينية والشرعية فإنه إنما اتبعها وعمل بها من أجل شيء واحد لا غير، هو مصلحته العاجلة وإشباع شهواته بواسطتها، فراح يبحث عن شريعة الشيطان يتبعها ويدعو إليها، لأنها
تعينه على بلوغ أغراضه، فاعتنقها وشرع يزينها للناس، بل ويحثهم على العمل بها.
9 -
ما قاله بروكلمان في المزدكية وأصلها وما تولد منها:
ونضيف إلى ما سبق ما قاله العالم الألماني والمستشرق الكبير (كارل بروكلمان) في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" ما نصه: (وفي فترة الفوضى التي عقبت هزيمة الملك (فيروز) ومصرعه في المعركة التي خاضها ضد الهون البيض (1) سنة 484 م ظهر معلم ديني آخر هو (مزدك) الذي واصل فعل ماني من قبل النزعة (الغنوسية)(2) في إيران، لكن تعاليمه أدت عند التطبيق إلى الاشتراكية في الزوجات والأموال، وقد اعتنق الملك الجديد (قباذ) الأول مذهب مزدك سنة 488).
وقال - أيضا - بعد الذي تقدم ذكره: (حتى إذا خلفه ابنه كسرى الأول جعل "الزرادشتية الرشيدة" مذهب الدولة الرسمي من جديد، فخلع عليه كهانها الشاكرون لصنيعه لقب (أنوشروان) أي الروح الخالدة (3).
فالعالم الألماني سمى النحلة المزدكية "الاشتراكية في الزوجات والأموال" كما سبق لزميله (فلهوزن)، وهذان العالمان الألمانيان معروفان بالتحليل والتدقيق.
10 -
ما قاله النويري في المزدكية وأصحابها، وما فعله كسرى أنوشروان بهم:
ولزيادة التوضيح والبيان أو الدراسة التحليلية لهذا المذهب الباطل نورد هنا ما ذكره العلامة شهاب الدين (النويري) في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" عند كلامه على ملك أنوشروان وإبطاله لملة (زرادشت) الثاني ومزدك ما يلي: (وكان أول ما بدأ به أن أبطل ملة (زرادشت) الثاني الذي كان من
(1) الهون: أصلهم من شعب صيني أو مغولي الأصل، خرج من بلاد قزوين في منتصف القرن الخامس وطغى على أوربا واجتاح بلاد غوليا تحت قيادة ملكه أتيلا. (منجد العلوم) ص 558.
(2)
الغنوسية: مذهب ديني فلسفي، يرى أن المادة أشبه بسجن زجت فيه الروح (منجد العلوم) ص 373.
(3)
تاريخ الشعوب الإسلامية ج 1 ص 108 - 109، الطبعة الثانية - دار العلم للملايين.
أهل (فسا)، وأبطل ملة المزدكية، وقتل على ذلك خلقا كثيرا وسفك من الدماء بسبب أبطال هذين المذهبين ما لا يحصى كثرة، وقتل قوما من المانوية) (1).
وزاد النويري بعد الذي تقدم ذكره بقليل قوله: (وأما تدبيره - يعني به أنوشروان - في أمر المزدكية وإبطال ما فعلوه، فإنه ضرب أعناق رؤسائهم وقسم أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن عرف من الذين كانوا يدخلون على الناس في بيوتهم، ويشاركونهم في أموالهم وأهاليهم، ورد الأموال إلى أربابها، وأمر بكل مولود اختلف فيه أن يلحق بمن هو في سيمائه، وأمر بكل امرأة غلب عليها أن يؤخذ الغالب عليها حتى يغرم لها مهر مثلها، ثم تخير المرأة بين البقاء عنده وبين تزويج غيره، إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه، وأمر بكل من أضر برجل في ماله، أو ظلمه أن يؤخذ منه الحق، ويعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه)(2).
وكان النويري قد ذكر قبل هذا كلاما يشبه في معناه ما قاله المؤرخ ابن جرير الطبري، مع شيء من التفصيل نورده هنا:(وفي أيام قباذ ظهر مزدق ويقال فيه مزدك، وتفسيره حديد الملك، وإليه تنسب المزدكية، ويقال لهم "العدلية" وقال: إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالسوية، ولكن الناس يظلمون، واستأثر بعضهم على بعض، فانضم إليه جماعة وقالوا: نحن نقسم بين الناس بالسوية، ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء، ومن عنده فضل من المال، والقوت، والنساء، والمتاع وغير ذلك فليس هو له، ولا أولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه واتبعوا مزدك وأصحابه، فقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه، ولا يستطيع أن يردهم عنه ولا يدافعهم، ورآى الملك قباذ رأي مزدك وأصحابه وتابعهم، فازداد قوة، فلم يلبث الناس إلا قليلا حتى صار الأب لا يعرف ولده، ولا الولد يعرف والده، ولا يملك أحد شيئا، وصيرت العدلية قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم، فاجتمعت الفرس على خلع قباذ من الملك، ففعلوا ذلك)(3).
(1) المانوية كالمزدكية، مذهب منسوب إلى ماني بن فاتك المجوسي.
(2)
نهاية الارب ج 15 ص 191.
(3)
المصدر السابق ص 188 طبع دار الكتب.
ففي هذا الكلام تفصيل لأعمال فرقة المجرمين (المزدكية) ولما لاقته من جزاء عادل - لأنها سمت نفسها العدلية - على إجرامها، استأصلها وقطع دابرها واقتلع عروق شجرتها الخبيثة، هذه الفرقة التي ابتليت بها أمة الفرس ذات التاريخ القديم والحضارة الأصيلة، وذلك في الربع الأخير من القرن الخامس من ميلاد المسيح عليه السلام، كما مرت الإشارة إليه سابقا، ومن الغريب المضحك أنها نسبت نفسها للعدل وهي الظالمة، فالأسماء لا تغطي الأفعال، إذا كانت الأفعال تخالف الأسماء، فالإعتداء على الناس في أموالهم وأعراضهم لا يسمى عدلا.
11 -
ما قاله ابن نبالة المصري في هذه الفرقة الشريرة:
وذكر ابن نباتة المصري في شرحه المسمى "سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون" عند الكلام على كسرى، وعند قول ابن زيدون:(وكسرى حمل غاشيتك) قال: (إن هذا الاسم لقب لملك الفرس، والمراد هنا كسرى أنوشروان، فإنه أشهر ملوك الفرس، وأحسنهم سيرة وأخبارا، وهو كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز، وفي أيامه ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (ولدت في زمن الملك العادل)(1) يعني كسرى، وكان ملكا جليلا محببا للرعايا تام التدبير، فتح الأمصار العظيمة في الشرق، وأطاعه الملوك، وتزوج ابنة خاقان ملك الترك، وقتل مزدك وأصحابه، وذلك أن أباه قباذ قد بايع رجلا زنديقا يسمى مزدك، أحدث مقالات في إباحة الفروج والأموال، وقال: إنما الناس فيها سواء، وكان لا يسفك الدم.
ولا يأكل اللحم، وأنه دخل يوما على قباذ وعنده زوجته أم كسرى أنوشروان، وكانت من أحسن النساء، وعليها حلي عظيم، فأعجبته، فقال لقباذ: إني أريد أن أنكحها، لأن في صلبي نبيا يكون منها، فأطاعه قباذ - لقوله بمقالته - فلما هم مزدك بها - وكان كسرى صغيرا - قبل قدميه وتضرع له في أن لا يفعل، فوهبها له. فأول ما ولي كسرى بعد موت أبيه قتل مزدك وأصحابه، فعظم في أعين الفرس (2).
(1) هذا الحديث الذي أورده ابن نباتة غير معروف، ولم أجده في مظانه بعد البحث الكثير عنه.
(2)
سرح العيون المطبوع على هامش شرح لامية العجم للصفدي ج 1 ص 49 - 50.
إن هذا الملك العظيم (كسرى أنوشروان) قد أظهر من حسن التدبير والعدل في سياسة الملك ما جعله محبوبا عند أمته - زيادة عما فعله بالمزدكية المفسدة - وصار يضرب بعدله الأمثال - وإن كان مشركا - وفي هذه القصة التي أقصها هنا ما يؤيد ذلك:
جاء في كتاب "مروج الذهب" للمسعودي عند الكلام على ملك أنوشروان الملك العادل قوله: (وانصرف أنوشروان إلى العراق، ووفدت عليه رسل الملوك وهداياها والوفود من الممالك، وكان فيمن وفد إليه رسول لملك الروم قيصر بهدايا وألطاف، فنظر الرسول إلى إيوانه (1) وحسن بنيانه، واعوجاج في ميدانه، فقال: كان يحتاج هذا الصحن أن يكون مربعا، فقيل له: إن عجوزا لها منزل من جانب الاعوجاج منه، وإن الملك أرادها على بيعه وأرغبها فأبت، فلم يكرهها الملك وبقي الاعوجاج من ذلك على ما ترى، فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء
…
) (2).
فرسول قيصر ملك الروم أعجبه عدل الملك، وفضله على استواء الميدان لو أخذ الملك دار العجوز منها بالغصب والقوة - وهو قادر على ذلك - ولكنه العدل. والعدل وحده هو الذي وقف بينه وبين الظلم. سقت هذه القصة لنرى من خلالها عدل الملوك في الأزمنة الغابرة.
12 -
ما قاله الملك المؤيد في المزدكية، وكيف لقيت جزاءها:
وفيما ذكره الملك المؤيد أبو الفداء زيادة بيان لأعمال هذه الفرقة الخاسرة، فقد ذكر في تاريخه المسمى:"المختصر في أخبار البشر" عند كلامه على ملوك الفرس ما يلي: (وفي أيام قباذ المذكور ظهر مزدك الزنديق، وادعى النبوة، وأمر الناس بالتساوي في الأموال، وأن يشتركوا في النساء لأنهم إخوة لأب وأم - آدم حواء - ودخل قباذ في دينه، فهلك الناس وعظم ذلك عليهم، أجمعوا على خلع قباذ، وخلعوه). ثم زاد أبو الفداء الموضوع بسطة على ما تقدم ذكره فقال: (ثم ملك بعد قباذ ابنه أنوشروان
(1) الإيوان مكان جلوس كسرى في قصره.
(2)
مروج الذهب ج 1 ص 264.