الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفكري الجديد الذي أخذ دعاته يمهدون له، وينشرون محاسنه - في نظرهم - بين أبناء الأمة، والعجب أن الشيوعية تعمل - جاهدة - على نشر مبادئها المخربة في أوطان المسلمين، في حين أنها لا تسمح هي بنشر مبادئ الإسلام في وطنها بل تحاربه وتمنعه، وهذا هو مبدؤها، كالإضراب عن العمل، فإنها تحرض عليه بواسطة عملائها، في غير بلدها وفي غير وطنها، أما في وطنها فإنه يعد جريمة يعاقب عليه القانون، وبذلك تحدث الاضطرابات والمشاكل في العالم وتكون هي في منجاة منها، ويسأل السائل فيقول:
ترى، هل للعمال في وطنها مشاكل عمل أولا
…
؟؟؟ وهل إن كانت هناك مشاكل عمل وخلافات تسوى بسهولة فلا حاجة إلى الإضرابات؟؟ يقول العارفون بما هنالك: إن الحكم هنالك حكم قوة فلا يسمح - أبدا - بتعطيل العمل لحظة واحدة، بدعوى أن العامل هو صاحب المصنع، إلى آخره، وهو قول أجوف، لا قيمة له، فإن العمال هناك أشبه شيء بالعبيد القدامى المسخرين، لا يحق لهم الكلام ولا الاحتجاج، فهم مسخرون كما يسخر العبيد، من لدن حكومة "ديكتاتورية".
الفصل الرابع: الاستهتار بالقيم الروحية - وشهد شاهد من أهلها
.
إن الاستهتار بالقيم الروحية، وبالدين والأخلاق الإسلامية الصادر من جماعة من الشبان المسلمين كان لأسلافهم الفضل في مواقفهم المشرفة التي نشروا بها النور الإسلامي، فأزاح عن العالم ظلمات: الجهالة والشرك، والفجور، قد فشا وكثر، ويؤسفنا من هذا الخلف أن ينحرف عن طريق أسلافه، نتيجة للدعاية الإلحادية التي وجدت آذانا صاغية - في بعض الشبان - وقلوبا من الإيمان خالية، فتمكنت منها كما تتمكن الجراثيم الوبائية من الجسوم الضعيفة التي لا مناعة لها تحفظها من تأثير تلكم الجراثيم فيها.
إن قول البعثي - الشيوعي - السابق مستمد من البيان الشيوعي الذي حدد فيه "ماركس" اليهودي الألماني مبادئ وأهداف الشيوعية الماركسية.
والذي جاء فيه قوله: (ما الدين، والأخلاق، والقانون في نظر - البروليتاريا - (1) إلا آراء بورجوازية، ورسالة - البروليتاريا - هي
(1) البروليتاريا هي طبقة العمال.
القضاء على الدين والداعين إليه) (1) وقوله: (إن القانون، والأخلاق، والدين، ليست كلها في نظر البروليتاري إلا أوهاما بورجوازية)(2) وقوله:
(إن الماركسية تؤمن بأهدافها، وكل وسيلة تؤدي إلى هذه الغاية فهي خير)(3) وكان يقول: (لا إله والحياة مادة) وقال ماركس أيضا: (إن النظام الخلقي في كل مجتمع، وديانته وقوانينه، ليست غير جزء من بناء زائف، أقامته ظروف الإنتاج، فهي تترجم بالتالي عن مصالح الطبقة السائدة)(4).
هذه الفقر جاءت في البيان الشيوعي الماركسي، الذي هو بمنزلة الدستور للشيوعية، والمتأمل فيها يرى الجهل والغباوة وسوء النية وإرادة الشر للإنسان تفوح روائحها الكريهة من بينها، فالماركسيون أرادوا أن يتولوا أو أن يستولوا على الحكم وسلطة البلاد وليست لهم مؤهلات ذلك، فابتدعوا هذه الخدعة ليتولوا بها على عقول العمال البسطاء ليكونوا لهم قوة يقاومون بها قوة جيوش الدولة، وبذلك نالوا مرغوبهم وتولوا الحكم في البلاد لا أكثر ولا أقل، ولما استولوا على الحكم فعلوا في الشعوب أكثر مما فعله الملوك المستبدون الإقطاعيون ومن أنكر هذا فقد أظهر قلة تفكيره وإدراكه للحقائق الواضحة، وما لمسناه في البلدان الاشتراكية حجة على ما قلناه وقد شهدت الشيوعية على نفسها بأنها تتخذ كل وسيلة توصلها إلى أهدافها.
بل وتراها خيرا
…
فليتنبه الغافلون وليستيقظ النائمون لهذه المكائد التي تكيدها الشيوعية اليهودية للإنسانية (لا إله والحياة مادة) فمن خلقك وركب فيك العقل الذي توصلت به إلى أن قلت هذا القول أيها المغرور الغرار؟ إن كل شيء في الوجود ينادي بأنه مخلوق للخالق الواحد العظيم القهار، ولا أظن أي كائن من الكائنات ينكر وجود الخالق غير الشيوعي البليد.
وفي كل شيء له آية
…
تدل على أنه الواحد
أليس ما جاء في هذا البيان الشيوعي الذي أذاعه ماركس اليهودي عن أهداف الشيوعية هو الذي أثر في بعض الأفكار العربية - بواسطة عملاء وصنائع الشيوعية الملحدة - فبدأت تتبرأ من دينها، وماضيها، وأخلاقها
(1): (4) ص 81 من كتاب "التضليل الاشتراكي" للدكتور صلاح الدين المنجد، وكذلك الأرقام، 2، 3، 4، من صفحات 131 - 132 منه.
وقيمها؟ ومن ذلك البيان استمد ذلكم الاشتراكي البعثي العربي - والأليق أن نقول: الشيوعي - ما هذى به، فإن تسمية بعض الأحزاب السياسية بأسماء تتفق في أهدافها مع الشيوعية دلت على أن تلك التسمية ما هي إلا للتمويه والتغطية حتى لا تفطن شعوبهم لما يراد بها، فلا تستفيق إلا وهي شيوعية - لحما ودما وتفكيرا - وشبيه بقول الاشتراكي البعثي ما جاء في كتاب (في الاشتراكية العربية) لصاحبيه الدكتور مخيمر، ورفيقه رزق، فقد جاء فيه قولهما: (وبديهي ألا تجد القيم الخالدة في العقائد الدينية مكانا ضمن هذا الجهاز الفكري عن الأخلاق، وبديهي أن تغير القيم
…
وأن يعدم التقيد بأية قيم تقليدية، ما دامت المعركة تقضي بذلك) (1) فقولهما هذا هو قول البعثي الاشتراكي الملحد، وهما - القولان - من نفس البيان الشيوعي، وكلها أقوال غير المسلمين، والعجب العجاب من تأثير هراء هذه الأفكار الملحدة في عقول بعض قادة المسلمين، والمسلم المفكر لا يلتفت إليها فضلا عن الاهتمام بها أو العمل بمحتواها.
إن السكوت عن انتشار هذه الأوهام - التي يسمونها أفكارا - يعد رضى بها، وهي تنتشر بمساعدة دولة الملاحدة، بل السكوت عنها يعد جريمة من أكبر الجرائم في هذا الوقت يتحمل وزرها العلماء الأمناء على الدين والعقيدة؟ فليتكلموا ولينكروا ذلك بصراحة، وليكن ما يكون، {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (2) وهنا يظهر جهاد العلماء وزحفهم على العدو المهاجم على الدين والعقيدة، أو توليهم الأدبار ونكوصهم على أعقابهم خاسرين، ولا يخفى عليهم قول الرسول عليه الصلاة والسلام:((أفضل الجهاد كلمة حق - وفي رواية عدل - عند سلطان جائر)) (3) ولهم أسوة بصالح العلماء المجاهدين الذين وقفوا في وجوه ملوك زمانهم وأمرائهم الذين دفعت بهم نزوات السلطة والحكم إلى أن يعملوا غير مقيدين بالدين والخلق الكريم، فقام العلماء الصادقون ينافحون ويدافعون عن الدين بل ويهاجمون
(1) المصدر السابق.
(2)
الآية 113 من سورة هود.
(3)
رواه ابن ماجه وغيره.
أوكار المفسدين، حتى كان لدفاعهم عن الدين الأثر البالغ في إصلاح الأوضاع المتعفنة من أجل حب الرئاسة الخطير، ومثل العلماء في تحمل المسؤولية، المسؤولون في حكومات الشعوب الإسلامية، إن لم يكونوا هم الذين جلبوا - الشرور والمفاسد - أو تساهلوا في دخولها أو في إدخالها، فانتشرت بسكوتهم عنها.
فلا غرابة في حوادث هذه الحياة وأحداثها، فقديما كانت محنة العلماء الصادقين شديدة وقاسية عليهم - لوقوفهم في وجوه طغاة زمانهم - ذلك لأنهم لم يلينوا لهم ولم يتساهلوا في القيام بواجبهم، فكانت المحن تنزل عليهم من كل جانب وهم صابرون، كما أخبر بذلك أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم:((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه)) (1) وقد ظهر ذلك في كبار الأئمة رحمهم الله خاصة، فقد امتحن إمام دار الهجرة مالك بن أنس والأئمة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وابن تيمية، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وغيرهم كثير رضي الله عنهم، لقيامهم في وجوه حكام زمانهم الطغاة، فلم يستكينوا لهم، ولم يوافقوهم على أعمالهم المخالفة للدين، وأنكروا عليهم ما يفعلون في جرأة وصراحة، كما يوجب ذلك عليهم دينهم، مما هو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب على من تعين عليه، وبدون هذا لا يستقيم حال الأمة - حاكمها ومحكومها - غير أن حكام المسلمين - اليوم - لا تتسع صدورهم وعقولهم لتلقي النصائح الدينية المفيدة والتوجيه النزيه، والنقد المفيد - أو البناء - ولا يرضون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحسبون أنفسهم أنهم فوق كل أحد، فما رأوه واختاروه فهو الحق الذي يجب أن يجد الآذان صاغية، والقلوب واعية، وما سواه فهو الباطل المتروك، ولا يراجعون في شيء ارتضوه، وهذا خطأ من بعض الحكام، متمكن في نفوسهم، واستعلاء وتجبر على عباد الله، كما هو مخالف للتربية الإسلامية، فذلكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب - وكفى به مثالا رضي الله عنه كان يقبل النقد والتوجيه، ويعترف بخطئه أحيانا وإصابة غيره،
(1) رواه الأئمة: البخاري، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه.
كما جاء في قصة عزمه على التحديد أو التقليل من مهور النساء، فبعد أن خطب في الناس وأمر بذلك - وهو أمير المؤمنين - بالتقليل تراجع عن أمره، ذلك أن امرأة واحدة عارضته فيما ذهب إليه، وقالت له: ليس لك ذلك يا عمر، قال لها: ولم؟ فتلت عليه الآية القرآنية وهي قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الآية} (1) فقبل قولها ورجع إلى رأيها، وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، ولم تأخذه العزة بالإثم، ولم يتمسك برأيه، وإن كان مما حقا وصوابا، فهذه هي نتيجة تربية الإسلام لحكام المسلمين، ومما حفظ عنه قوله:((رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي)) (2).
ويجرني الكلام عن أعمال الملاحدة المخربين في البلاد الإسلامية إلى ما هو واقع من الأعمال فيها تلكم الأعمال المنافية حتى للمجاملة وحسن الاستقبال أو الجوار، فهم - ما وجدوا إلى ذلك سبيلا - جادون في إفساد عقيدة المسلمين في مقدساتهم، ويتخذون لذلك كل وسيلة - لإهانة الإسلام - يتوصلون بها إلى نيل أغراضهم - كما مر في البيان الشيوعي - أقول يجرني الكلام إلى ذكر أحداث مؤلمة تمس أعز ما يقدسه المسلمون، وهو القرآن العظيم كتاب الله المقدس، حدثت هذه الأحداث في الجزائر - المسلمة - ووقعت هذه الأحداث فيما بين شتاء 1967 وشتاء 1973 م مما سأقصه - إن شاء الله - وهذه الأحداث يجب أن تذاع ولا تكتم، لعلها تنبه الغافلين لما يجري في البلاد الإسلامية، ليهبوا لإبادة هذه الحشرات الطفيلية التي خرجت من القمامات المتعفنة عندما نزلت أمطار الحرية والاستقلال، بعد أن سقيت أرضها - الجزائر - بدماء المسلمين، لا بدماء الملاحدة، فإن هذه الأعمال دلت على أن عمل الملاحدة متواصل، لاحتقار الإسلام وتوهين دعوته وتهوين شأنه في قلوب المصلحين، وخاصة في أوساط الشباب الفاقد - للأسف - لحسن القيادة والتوجيه والرعاية، وفيها مس لشعور المسلمين في عقيدتهم التي حافظوا عليها أيام عهد الاستعمار المظلم، ولم يستطع أن يحولهم عنها، رغم وعوده وإغوائه، وهذه الحادثة لم يقع مثلها فيما سمعنا حتى في زمن الاستعمار الذي كان يحكم هذه الديار، وكان يحترم - إلى
(1) الآية 20 من سورة النساء.
(2)
مقدمة سنن الدارمي.