الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعدل والحرية والمساواة وكرامة النفس، فنظر الإسلام إلى المال يخالف نظر الاشتراكية المزدكية غيرها إليه.
إذا نظرنا إلى المال وجدنا أن الإسلام قد حكم فيه بحكمه العادل، وشرع فيه تشريعا محكما، اعتبره الكثيرون من المفكرين والمقننين والباحثين - مسلمين وغير مسلمين - تشريعا عادلا رفع كثيرا من الأحمال والأثقال التي كانت ترزح تحت وطأتها الإنسانية المعذبة، ولم يوجد إلى الآن قانون من القوانين الوضعية أتى على المشاكل المالية العصرية فحلها حلا لا ظلم فيه، حلها بقوانين فيها الرحمة واللطف والعطف على البشرية المهانة بقوة المال والطغيان، رغم الطبول التي دقها مقننوها، والمزامير التي زمروا بها، ورغم ما نشروا من دعايات ملفقة، وما أذاعوا من الكتب والنشرات والحسابات، إلى غير ذلك من وسائل الإشهار والاشتهار، فالفرق عظيم بين ما شرعه الحكيم العليم بما يصلح مخلوقاته كما قال:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (1) وبين ما شرعه المخلوق مهما كان اجتهاده وحرصه ومعرفته بطرق الإصلاح واسعة.
الفصل الثاني: بالكد والعمل ندرك المآرب
.
أباح الإسلام للفرد أن يملك ما شاء - ولم يقيد حريته - إذا كان ذلك بالوسائل المشروعة فيه، والعمل الشريف، وأوجب عليه - في نفس الوقت - في ماله حقوقا وواجبات يؤديها إلى أهلها، وحبب إليه فعل الخير وتقديم المساعدات والإعانات إلى المحاويج من الفقراء واليتامى والأيامى وغير ذلك من سبل الخير الكثيرة، كبناء المساجد ومراكز العجزة والأوقاف على سبل الخير والإحسان، فعليه - مثلا - أن يخرج زكاة ماله، ويدفعها لأصناف ثمانية ذكرهم الله في آية صرف الزكاة وهي قوله تعالى:
كما رغبه في مديد المعونة إلى كل ما فيه النفع والمصلحة لبني الإنسان وغيره
(1) الآية 14 من سورة الملك.
(2)
الآية 60 من سورة التوبة.
من باقي المخلوقات، فإذا كان تملكه له وقع بسعي شريف تبيحه الشريعة الإسلامية وقوانينها، فلم يكن مغتصبا بالقوة، أو مستولي عليه بالحيل والطرق الغير الشرعية، فهو مباح له، حلال تملكه، يتصرف فيه كما يريد فلو جمع ما جمع وكنز وادخر ما أراد واستطاع، فلا يعتبر - شرعا معتديا ولا ظالما، ولا يسمى ماله كنزا، والأدلة على هذا كثيرة، وهي ما أوضحته السنة النبوية في أحاديث ثابتة عن الرسول المبلغ عن رب العباد، بما يصلح العباد.
ما هو الكنز
…
؟
كان الصحابي العالم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (ما أدي زكاته فليس بكنز) وهذا ليس من رأيه لو لم يسمعه من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، وقد جاء مصرحا به في كتب الحديث.
جاء في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه من كتاب الزكاة بعنوان (باب
ما جاء في الكنز) قال: (حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو؟ فقال:
(هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة) وجعله الإمام البخاري في صحيحه عنوان باب، فقال في كتاب الزكاة:(باب ما أدي زكاته فليس بكنز).
وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أي مال أديت زكاته فليس بكنز))، ومن المعلوم أن معنى الكنز هو جمع المال وادخاره من غير أن تخرج منه الزكاة، هذا ما صرحت به أحاديث صاحب الشرع الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، ونقله وفهمه من تلقاه عنه مباشرة، وهم أصحابه الذين عاشوا معه وأخذوا منه شريعة الله كما جاءت، بلا تبديل ولا تحريف ولا تزييف رضوان الله عنهم، وكان سلف هذه الأمة حريصا على الامتثال للشريعة، شغوفا بدراستها وتطبيق نصوصها، عاملا على إعزازها واحترامها، لأنه يعلم أن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا عمل بشريعة الله، وطبقها كلها بأوامرها ونواهيها، يحل ما أحلته شريعة الله ويحرم ما حرمته، فهي كل لا تتجزأ.
وعندما قل العمل بالشريعة الإسلامية، أو تعطل في الكثير من أحكامها ونصوصها الصريحة، حاول خصوم الإسلام وأعداء الدين أن يظهروها بمظهر العاجز عن حل مشاكل الساعة والعصر، أو مسايرة هذا الوقت
المادي البحت، وقالوا فيها إن قوانينها - وقولهم كذب وبهتان - رجعية، غير موافقة لعلم الذي تكشفت فيه عناصر جديدة في حياة البشر، وأخذ أعداء الإسلام يفتنون بهذا بعض ضعاف الإيمان من المسلمين الذين لم تكن لديهم دراية كافية، ومعرفة وافية بما في الإسلام من تشريع حكيم، وعدالة اجتماعية لا توجد في غيره، وتوجيه صالح لم يكن في سواه إلى يومنا هذا، بل وإلى يوم الناس.
وما ذلك في الحقيقة وواقع الأمر إلا دسيسة وخديعة قدموها لمن ذكرنا، بقصد فتنتهم عن دينهم، والقضاء على النظم والقوانين الإسلامية العادلة، ولا يخفى على ذوي الألباب أن الإسلام في حرب مع خصومته من يوم ظهوره إلى الآن، فما هو قول الخصم - غير الشريف - في خصمه
…
؟
ففي الشريعة الإسلامية التي وضع قوانينها رب العالمين، وهو العالم بما يصلح عباده، ما يضمن لعباده الحياة الشريفة بدون ميز ولا محاباة، ولا ظلم ولا عدوان، لكن المسلمين أعرضوا عن دواء أمراض مجتمعهم الذي وصفه لهم الطبيب العارف بأمراضهم، وأخذوا يعالجون أمراض أمتهم بأدوية الجهلة والعجائز، فازدادت عللهم، وتمكن منهم المرض الذي لا شفاء منه إلا بالرجوع إلى استعمال دواء الطبيب العارف بالأمراض وعلاجها، شأنهم في هذا شأن المريض الذي أهمل دواء طبيبه الحاذق وأعرض عنه إلى العلاج بغيره.
وما هو ذنب الطبيب الذي عرف المرض ووصفه، وأعطى الدواء للمريض، وهذا أهمله ورمى به جانبا، واستشفى بغيره، فهل من فعل هذا تزول علته
…
؟؟؟ وهل يلام الطبيب - في هذه الحالة - أو يرمى بالجهل وعدم المعرفة والمريض لم يستعمل دواءه؟ الواقع يقول
…
لا، كما قيل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
…
والماء فوق ظهورها محمول
فلا بد إذن من العودة إلى منبع الإسلام الصافي، ودوائه الشافي - بإذن الله - وإلا فلا نطمع - ما دمنا على هذه الحال - في تكوين مجتمع صالح قوي ومتماسك، سليم من أمراض الخلافات والعداوات التي تؤدي إلى التخاصم والتباغض والتقاتل على كراسي الحكم وغيرها، وإرادة الشر لبعضنا بعضا.