المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع: صون الإسلام للمرأة، وابتذال غيره لها - المزدكية هي أصل الاشتراكية

[عبد اللطيف سلطاني]

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌تقديم:

- ‌الباب الأول

- ‌الفصل الأول:ما هي المزدكية

- ‌الفصل الثاني: من ابتدعها

- ‌الفصل الثالث: أين نبتت شجرتها

- ‌الباب الثاني

- ‌الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني:

- ‌الفصل الثالث: وقفة هاهنا للتأمل والاعتبار

- ‌الباب الثالث

- ‌الفصل الأول:الشرائع السماوية وسعادة البشرية

- ‌الفصل الثاني: ما نتج عن توريد المبادئ الأجنبية الهدامة

- ‌الفصل الثالث: الصحافة تنشر ما يساعد على بعث المزدكية

- ‌الفصل الرابع: الصحافة وحماة الدين

- ‌الباب الرابع

- ‌الفصل الأول:ما قدمته الأمة الجزائرية من ضحايا في سبيل الإسلام لا يتفق مع توريد بعض المذاهب الإلحادية

- ‌الفصل الثاني: كيف يكون الدفاع عن الإسلام

- ‌الفصل الثالث: مضار الخمر وغض النظر عنها

- ‌الفصل الرابع: النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمرا

- ‌الفصل الخامس: إنتهاك الحرمات الشرعية سببه من المبادئ الإلحادية

- ‌الفصل السادس: في الحلال عوض عن الحرام {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}

- ‌الباب الخامس

- ‌الفصل الأول:العلماء والتعصب

- ‌الفصل الثاني: من لا يتعصب لمبدئه فلا خير فيه

- ‌الفصل الثالث: الأحزاب السياسية والتعصب

- ‌الفصل الرابع: لمن هذه الأصوات…؟ وما شأنها

- ‌الفصل الخامس:جندي جيش التحرير الجزائري كان صاروخا بشريا صارخا

- ‌الفصل السادس: موقف العلماء من هؤلاء الساخرين

- ‌الفصل السابع:الاحتفال بالآثار الرومانية تعظيم للشرك والمشركين: ما هو الداعي إلى هذا

- ‌الفصل الثامن: الشريعة الإسلامية تنهى عن تعظيم المشركين وآثارهم

- ‌الفصل التاسع: افتخار أمراء المسلمين بإسلامهم، واعتزازهم بدينهم

- ‌الفصل العاشر: بين منبر الجمعة وكرسي الحكم

- ‌الباب السادس

- ‌الفصل الأول:المال في نظر (مزدك) واشتراكيته

- ‌الفصل الثاني: بالكد والعمل ندرك المآرب

- ‌الفصل الثالث: هل هذه بوادر المزدكية تلوح في الأفق

- ‌الفصل الرابع: من هو أبو ذر هذا

- ‌الفصل الخامس: من مكائد اليهود للإسلام، واغترار المسلمين بالمظاهر

- ‌الباب السابع

- ‌الفصل الأول:هل الإسلام قادر على حل جميع المشاكل

- ‌الفصل الثاني: حماية العمل والعمال في الشريعة الإسلامية

- ‌الباب الثامن

- ‌الفصل الأول:الاشتراكية والدين

- ‌الفصل الثاني: محاربة الاشتراكية الشيوعية للإسلام

- ‌الفصل الثالث: من التبشير المسيحي إلى التبشير الإلحادي

- ‌الفصل الرابع: الاستهتار بالقيم الروحية - وشهد شاهد من أهلها

- ‌الفصل الخامس: تمزيق المصحف، وإحراقه

- ‌الباب التاسع

- ‌الفصل الأول:الاشتراكية الشيوعية، والديموقراطية والحرية

- ‌الفصل الثاني: خداع العناوين

- ‌الفصل الثالث: من ذيول الاشتراكية تحديد النسل

- ‌الباب العاشر

- ‌الفصل الأول:مسؤولية حكومات الشعوب الإسلامية

- ‌الفصل الثاني: منزلة الحاكم في الشريعة الإسلامية

- ‌الفصل الثالث: من هو أبو مسلم الخولاني

- ‌الفصل الرابع: الإسلام دين ونظام حياة

- ‌الفصل الخامس: من هم المتهوكون

- ‌الفصل السادس:اعتراف جاسوس فرنسي، قال: "إن الإسلام دين المحامد والفضائل

- ‌الفصل السابع: مأساة اليمن

- ‌الباب الحادي عشر

- ‌الفصل الأول:مفهوم المدنية والتمدن عند جيل هذا العصر

- ‌الفصل الثاني: الإنسان العصري المتمدن والإيمان بالغيب

- ‌الباب الثاني عشر

- ‌الفصل الأول:هل في الاشتراكية خير للإنسانية؟ ازدياد عدد الفقراء فيها

- ‌الفصل الثاني: الاشتراكية والمرأة

- ‌الفصل الثالث: وصية الإسلام بالرفق بالضعفاء: اليتيم، والمملوك، والمرأة

- ‌الفصل الرابع: صون الإسلام للمرأة، وابتذال غيره لها

- ‌الفصل الخامس: مثال من حصافة رأي المرأة العربية المسلمة

- ‌كلمة ختامية:

الفصل: ‌الفصل الرابع: صون الإسلام للمرأة، وابتذال غيره لها

فكذلك المرأة في محيط الحياة التي تحياها - كمسلمة - تحترم دينها، فتؤدي فروضه وتبتعد عن منهياته، فإنها لم تهمل أو تهن، فالله يقول:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1).

فهل بعد هذه العناية والاهتمام بالمرأة المسلمة - طبعا - ومكانتها في الشريعة الإسلامية المحمدية - وما لم أذكره كثير - ينعق الناعقون - دعاة الإلحاد - اتباع كل ناعق، كما قال علي كرم الله وجهه - وأعوان إبليس، بأن الإسلام لم ينصف المرأة

؟؟؟ وهل هم أرحم بالمرأة من خالقها الرحيم العالم بتكوينها ووظيفتها في المجتمع الذي تعيش فيه .. ؟ نقول ونؤكد بأن الإسلام أوصى خيرا بالمرأة المسلمة حقيقة لا بالمتشبهة بالمرأة الأروبية. إن الإسلام لم يجحف المرأة حقها، بل ساوى بينها وبين الرجل في كل شيء إلا فيما هو من اختصاصه أو من اختصاصها، من غير تزاحم بينهما فيه، بل وفضلها عليه - بالنظر لضعفها - في بعض الأمور كالنفقة - مثلا - فإنه أوجبها عليه، ولم يكلفها بشيء منها في جميع حالاتها - صونا لها وحفظا لكرامتها من الابتذال والتذلل في سبيل التحصيل على لقمة العيش - وكالحضانة فإنه خصها بها دون الرجل لمزاياها في هذا الشأن، وفضله عليها في الإرث نظرا لما عليه من واجبات النفقة على زوجته وأطفاله، وهي معفوة منها، هذا بعض فقه حكمة التشريع التي تعامى عنها المغرضون الهدامون، في حق المرأة المسلمة.

‌الفصل الرابع: صون الإسلام للمرأة، وابتذال غيره لها

.

أراد الإسلام للمرأة الصيانة، والعفة، والطهارة، والكرامة، والشرف، وأراد لها إبليس وجنوده وأنصاره خلاف هذه الأوصاف، فهم يريدون لها أن تحوم حول حمأة الحياة المنتنة القذرة، ليسهل عليهم جرها إلى الحمأة وإدخالها فيها، واقتناصها وصيدها منها، لأغراض إبليس الملعون، ولا يستطيعون أن ينكروا ذلك، فالمشاهدة لا تنكر، وهي أقوى دليل على ما يخفون.

(1) الآية 97 من سورة النحل.

ص: 283

والإسلام يحب لها أن تبتعد عن كل هذه القاذورات والأوساخ التي تصادفها في الطريق، وتلقاها أينما توجهت وحلت، فكل من دعا أو عمل على الزج بالمرأة في وسط المجتمع الفاسد السيء الخلق، هو داخل في قول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1).

وصدق الله في قوله الحكيم.

قالوا للمرأة المسلمة: إنهضي وطالبي بحقك في المساواة - التامة - حتى تكوني مثل الرجل في كل شيء.

وهل هي في خلقتها وتكوينها مثل الرجل

؟؟

استجابت المرأة المسلمة - في بعض الأقطار الإسلامية - للرغبة الملحة عليها، فقامت ورفعت صوتها: أريد حقي .... في السياسة، والوزارة، والإدارة، والاقتصاد، وفي تسيير دفة الحكم ومقاليد الأمور، وفي غشيان المجتمعات العامة بلا حدود توقفني أو تحد من نشاطي، إلى غير ذلك من المطالب - المحترمة والمعقولة جدا - وقالت: أريد المساواة - التامة - وإزالة الفروق بيننا حتى في فروق اللغة العربية، تلك اللغة التي تفرق بين الرجل والمرأة

وهذه الفروق التي تعنيها سيدة الزمان - المرأة المسلمة - هي من حسنات اللغة العربية الدالة على سعة مفرداتها وأساليبها في الخطاب، والغيبة، والافراد، والتثنية، والجمع، ليسهل على السامع فهم المراد من الكلام.

فمن الفروق - مثلا - تاء التأنيث، ونون النسوة، وكسر التاء، والكاف في خطاب المؤنث، فالمرأة العربية المتحررة - كما تزعم - قد طالبت - فعلا - بأن تزال وتحذف من اللغة العربية تاء التأنيث ونون النسوة وكاف الخطاب المكسورة، لأن في المذكورات فرقا أو تفريقا بين الفعل المسند إلى المذكر والفعل المسند إلى المؤنث، فعوضا من أن تقول: - قامت زينب - يجب أن تقول: - قام زينب - بإسقاط التاء كما تقول في المذكر: قام صالح، وبدلا من قولنا: النسوة قمن، يجب أن نقول: النسوة قاموا، مثلما نقول: الرجال قاموا، وبهذا الاقتراح السديد - أو الأعرج - تكون

(1) الآية 19 من سورة النور.

ص: 284

المساواة - تامة - بين الرجل والمرأة في اللغة العربية، التي ظلمت المرأة حين ميزت بينها وبين الرجل - كما ظلمها الإسلام حين ميز بينهما في الإرث - كي لا يختلط الفعل المسند للرجل بالفعل المسند للأنثى، وهو اقتراح يدل على الجهل والغرور والغباوة.

حقا

إننا في زمن الخلط، والتخليط

والاختلاط

هذا الذي ذكرته مطلب قدمته - أو قدمه - إحدى - أو أحد - الجمعيات النسائية إلى بعض مجامع اللغة العربية، طالبة - أو طالبا - منه أن يقرر حذف تاء التأنيث ونون النسوة، وبينما المجمع اللغوي - الأمين على اللغة العربية - يناقش الاقتراح الجريء بل العجيب في نوعه، إذا بأحد أعضائه الأذكياء يفاجئ المجمع برأي سديد - أو نكتة - فيلقي بين أعضائه في وسط المجمع قنبلة - ذرية عربية - نسفت الاقتراح من أساسه وقاعدته، فبعثت بالاقتراح الغريب إلى سلة المهملات الحقيرة، وتلك القنبلة هي قول هذا العضو الذكي: (للمجمع أن يقرر ما يشاء، ولكنه لن يستطيع أن يحذف النون التي خلقها الله

).

ولعل المرأة - ومن ورائها من يدفعها، أو يجرها - ستطالب في يوم - ما - بمساواتها بالرجل في إبطال - العدة - عنها كالرجل - كما أشار إلى هذا بعض النبهاء - ذلك أن المرأة إذا طلقت أو مات عنها زوجها، أوجبت عليها الشريعة الإسلامية أن تعتد - وتتربص - المدة المعروفة حتى يظهر أمرها، هل هي ذات حمل من زوجها المطلق أو المتوفي أو لا؟ والحكمة في إيجاب العدة على المرأة دون الرجل ظاهرة، وهي اختبار براءة الرحم، حتى لا تختلط الأنساب والأولاد، لأن المرأة هي المنجبة للأولاد، فلعلها تطالب في يوم من الأيام بإلغاء العدة، وتقول: يجب أن تجعلوا قانونا وضعيا يبطل العدة الشرعية على المرأة ويبيح لها أن تتزوج من يوم طلاقها أو موت زوجها أو ما يقرب منه بدون انتظار أمد العدة الذي قد يطول، فهي تريد أن تكون كالمرأة الأمريكية.

والذي نعرفه أن المرأة الأمريكية قد تتزوج مرتين أو أكثر في الشهر الواحد، وتفارق كذلك، وأمريكا هي بلاد العجائب، كما يقال

ص: 285

ولعل المرأة المسلمة تجد من أصحاب القانون - الوضعي - من يلبي طلبها ويقول: إن المرأة المسلمة مظلومة ظلمها الإسلام، حيث لم يسو بينها وبين الرجل، مثلما سمعناها تطالب بتسويتها معه في الوظيف وتحمل مسؤولية شؤون البلاد، وفعلا فقد تم لها بعض ما طلبت، والعاقل يسأل هذا السؤال ويقول: هل للمرأة من الاستعداد والقدرة ما يجعلها كالرجل في تحمل المسؤولية في هذه المهمة الصعبة

؟؟؟

إن الواقع قد كشف عجزها عن تسيير الشؤون العامة في غير ما بلاد، وهذا هو السر في قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (1) وليس هذا من الرسول صلى الله عليه وسلم قدحا في المرأة، أو تنقيصا من شأنها - كما توهمه بعض الجاهلين - إنما ذلك راجع بالذات إلى طبيعة خلقتها وتكوينها، و ((كل ميسر لما خلق له)) (2) كما ورد في الحديث.

فالإسلام - دين الله الحكيم العليم - قد راعى في المرأة مزاجها وذاتها، فكلفها بما هو من خصائصها، فمنحها إنجاب الأولاد، وتكوين الرجال والأجيال، وتهيئتهم للمستقبل وللبلاد - وليس هذا بالأمر الهين - فإذا زج بها في وسط المجتمع المختلط، للخدمة وغيرها، فقد ضاعت المهمة التي كلفتها بها الفطرة وساء حال الأمة، وفعلا وقع هذا ولا يستطيع أحد نكرانه

لنفرض - جدلا - أن طبيبا حاذقا لصنعته يعالج المرضى في المستشفى أو في المصحة، والأمة في أمس الحاجة إلى خدماته فيما هو من خصائصه، فإذا أخرجناه من محل عمله - المستشفى أو المصحة - وأوليناه عملا آخر لا صلة بينه وبين عمل ما هو خاص به، كمحافظ للشرطة أو غيره من الأعمال، هل يعتبر هذا العمل إصلاحا - في المجتمع - قمنا به وتوفيقا ورعاية للمصلحة العامة

؟؟؟ اللهم لا يقول بهذا الإصلاح إلا المجنون

وبالعكس من هذا لو نقلنا محافظ الشرطة من عمله إلى عمل الطبيب في المصحة أو في المستشفى، لو فعلنا هذا لذهبت البلاد إلى الهاوية السحيقة، نتيجة لسوء التصرف وتصريف

(1) أخرجه البخاري والإمام أحمد والنسائي، سببه أن أمة الفرس أولت بنت كسرى لما مات أبوها، فبلغه ذلك فقال: لن ....

(2)

أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما أخرجه غيره.

ص: 286

الأمور، ولقال العقلاء لنا: إنكم قوم مجانين جهلة لا ذوق لكم، فأنتم والحيوانات العجماوات سواء، كما هو واقع - فعلا - الآن

إن الشريعة الإسلامية - العادلة - قد وزعت الأعمال والأدوار - حسب الفطرة - على صنفي بني آدم وحواء - الذكر والأنثى - فلكل منهما عمل يؤديه، ودور يقوم به في هذه الحياة، فإذا قام كل واحد منهما بعمله أحسن القيام، وأتقن دوره صلحت الحياة، وعمها البشر والسرور والطمأنينة، وكانا شريكين صادقين أمينين فيه، أما إذا أخل أحدهما بما أسند إليه فتركه وراح يعمل عمل غيره، فإن الحالة تنعكس إلى ضدها - وهذا مما هو مشاهد - وتهلك البلاد.

ولنفرض - ثانيا - أن بلادا - ما - هاجمت بلادا أخرى، فإن النظام المتبع أن الجيش هو الذي يتولى الدفاع عن البلاد، والعمل على صد العدوان بكل وسيلة هي في الإمكان.

هذا الجيش الذي يذهب إلى الواجهة يحمل معه السلاح ليقوم بواجب الدفاع عن تراب الوطن، هو في حاجة إلى من يحضر له جميع ما يحتاج إليه، من طعام ولباس وذخيرة حربية وغير ذلك من الضروريات اللازمة للموقف، فلا يقبل عقلا - وعرفا - أن نقول: يجب على كل فرق الجيش أن تتوجه إلى الواجهة حتى الفرقة التي كانت تهيئ له المعدات الضرورية وغيرها، من غير أن تبقى فرقة لتهيئة ما يلزم من الضروريات، فإذا ذهبت - على هذا الفرض - كل فرق الجيش إلى ميدان المعركة، فإنها لا تقوى على الثبات في وجه العدو الذي يحاربها، فإذا أصابها الجوع أو العطش، أو نفدت لها الذخيرة، أو لم يكن لديها طعام وشراب وذخيرة، أصابها الضعف وتقهقرت إلى الوراء وخسرت المعركة وغلبت على أمرها، لأن قواها ضعفت، ولم تبق لها قوة للدفاع عن نفسها وبلادها، وانهزم الجيش في هذه المعركة، فإن كل فرق وأفراد الجيش شركاء في الهزيمة.

أما على النظام المتبع الذي جرت به العادة - لدى جيوش جميع دول العالم - فإن طائفة تحمل السلاح وتسير إلى ميدان المعركة لمحاربة الأعداء، وهي مطمئنة على قوتها وضرورياتها، لأنها تعرف أن طائفة أخرى من الجيش بقيت وراءها لتحضر لها طعامها وشرابها وضرورياتها من لباس ومعدات وغيرهما.

ص: 287

فإذا انتصر هذا الجيش الذي حارب عدوه بنظامه المعروف، فإن النصر الذي ناله يشمل جميع فرق الجيش، - كما أن الهزيمة تشمل الجميع - لا فرق بين من حمل السلاح، وبين من بقي في المؤخرة يهيئ الطعام أو يحرس الذخيرة الخ

فإذا تطاول حاملو السلاح في الواجهة على الطباخين - مثلا - وقالوا لهم - مفتخرين - نحن اللذين جئنا بالنصر، والفضل لنا، أجابهم طباخو الطعام: نحن شركاء لكم، إذ لنا سلاحنا كما لكم سلاحكم، ولولانا لما قدرتم على الوقوف في الواجهة، والحق إلى جانبهم، وكل العقلاء يوافقونهم على قولهم، ويحكمون لهم بأنهم شركاء في النصر، فهم ومن حمل السلاح سواء.

هذا هو الواقع، وهو ظاهر فلا يمكن تغطيته بكلمات فارغة جوفاء لا معنى لها، وخطب تطرز وتحشى بألفاظ العطف والشفقة ورعاية المصلحة إلى غير هذا، ولكنها في الحقيقة تضليل ومخادعة وتضييع للمصلحة العامة، كل ما فيها هو إفساد للمجتمع بإفساد عضوه العامل في دائرة عمله، وتعطيله عن العمل الخاص به، من أجل إرضاء رغبات شيطانية ألبست لباس العدل ودفع الحيف والإجحاف، ولا ينبئك مثل خبير، فإن الأخبار بفساد المجتمع - الاشتراكي - في كل مكان - متواترة - والتواتر يفيد القطع كما هو معلوم.

فالمرأة المسلمة أكرمها الله، وأسبل عليها ستره، وحفظها بحفظه، غير أن البعض منهن - أو منهم - أراد أن يكشفها، فكشفها - فعلا - ورمى بها وسط مجتمع لا تربية إسلامية له، ولا آداب ولا أخلاق حسنة فيه، فذهبت ضحية الأغراض السيئة، فالمرأة المسلمة أعزها الله في شرعه، وأراد إخوة إبليس إذلالها وإهانتها وشقاءها، فكثيرا ما غبطتها المرأة الأروبية القديمة والحديثة، وتمنت أن لو كانت مثلها - في كرامتها وتكريمها - وفي هذه القصة التي أذكرها الآن نوع من ذلك التمني. ذكر لي أحد الأصدقاء من الذين قضوا مدة في فرنسا - كعامل فيها - هذه القصة قال:

في يوم من الأيام قمت لعملي مبكرا، وركبت القطار الذي يسير تحت الأرض المسمى - ميترو - وكان - بالطبع - مختلطا بالعاملين والعاملات،

ص: 288

وكان إلى جنبي امرأة أروبية عاملة هي الأخرى وكانت تتأفف من - الحياة وأتعابها، ولما عرفتني أنني مسلم جزائري قالت لي: كم أتمنى أن لو كنت امرأة مسلمة أقيم في بيتي، أربي أطفالي، وأقوم بشؤون بيتي، وزوجي يعمل خارج البيت، كي نعيش مع أطفالنا عيشة هنية سعيدة، قال محدثي: فقلت لها: وما الذي أسخطك وأغضبك من هذه الحياة؟ قالت: ها أنت ترى حالي، إنني أفارق بيتي كل صباح في الساعة السادسة ولا أعود إليه إلا ليلا، وأنا فيها بين رئيسين اثنين: رئيس المعمل، فهو يطالبني بالعمل في المصنع، ولا يسمح لي بالتأخر لحظة، وإذا تأخرت فهناك الزجر والتقريع والتهديد بالطرد من المصنع، ورئيس البيت - زوجي - يطالبني بحقه علي، فأنا في أشد الاضطراب والحيرة من حياتي التعسة، ثم تنفست وقالت: آه لو كنت امرأة مسلمة لكنت في راحة تامة من كل هذا العناء الذي أعانيه والتعب والشقاء الذي أنا فيه

قال: فقلت لها: اصبري وتحملي هذه هي حياة مجتمعكم

هذه شهادة امرأة أروبية - تقدمية بلا شك - عرفت أن هناءها وسعادتها في بيتها، ووسط زوجها وأطفالها، لا في المصنع ولا في - الإدارة - وكم من امرأة أروبية قالت وتمنت مثل هذه السيدة، ذلك أن المرأة أدركت - بعد التجربة - أن قسمة العمل بين الرجل والمرأة أولى وأفضل بها، فهي عاملة في البيت، وهو عامل خارجه، ليقتسما أتعاب الحياة، وليخف الحمل على المرأة الضعيفة، وبهذا تكون الحياة خفيفة - نوعا ما - وسعيدة عليهما، إذ هي شركة بينهما.

ولعل في كلمة الفيلسوف الإنكليزي - المعاصر - والمتوفى أخيرا - بيرتراند راسل - درسا بليغا لمن أراد أن يفهم حقيقة الحياة والواقع - من حمقى المتزعمين - حقيقة عمل المرأة خارج بيتها ومملكتها وإدارتها.

هذا العمل المخالف لما أوصت به الشريعة الإسلامية من صون المرأة المسلمة عن الاختلاط بالرجال، حتى في أوقات العبادة كالصلاة والطواف بالبيت وغيرهما مما قد يحدث فيه اجتماع في وقت واحد، وقد علمنا أن الشريعة الإسلامية وزعت الأعمال بين الذكر والأنثى، فالفيلسوف الإنكليزي (بيرتراند راسل) غير رجعي، وغير تقدمي أيضا

ولكنه فيلسوف أدرك الحقيقة بفكره الصافي النير، كتب هذا الفيلسوف يقول تحت عنوان:

ص: 289