الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عزم معاذ بن جبل على السفر إلى مقر عمله في اليمن دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم وسلم - كالممتحن له - قائلا: بم تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: قلت، بما في كتاب الله، فقال له الرسول: فإن لم يكن في كتاب الله في قال: قلت، أقضي بما قضى به رسول الله، قال: فإن لم يكن فيما قضى به رسول الله؟ قال: قلت، أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضى رسول الله)) (1).
مما ذكرنا من بيانات - وغيرها كثير - نرى أن الإسلام فيه الحل الكافي لجميع مشاكل الحياة المتجددة، وما تتطلبه حياتنا في حدود العفاف والكرامة البشرية والفضيلة الإنسانية، وهو الحق الذي به يرتفع الإنسان عن درجة بقية الحيوانات.
فالإسلام إذن دين ونظام حياة صالح لكل زمان ومكان إذا طبقه المسلمون كما هو، فقد نظم لهم حياتهم، وأبان لهم ما يفعلون وما يذرون مما لا ينكره العقل السليم والطبع الإنساني الصافي من الأمراض والوساوس الشيطانية مع ما فيه من أنواع الطاعات والقربات للخالق العليم، كي يعيش المسلم عيشة السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.
وهنا نتساءل: هل في مقدور المسلمين - في العصر الحاضر - أن يحكموا شريعة الإسلام في نظام حياتهم، فلا يخرجون عنها إلى غيرها من النظم التي تخالفها .. ؟؟
الجواب عن هذا السؤال يكون بنعم
…
إذا كانوا مسلمين حقا، ويحملون في قلوبهم عقيدة الإسلام، فإنهم يستطيعون أن يطبقوها - روحا ومعنى - بسهولة، أما بدون ذلك فإنهم لا يستطيعون مهما قالوا أنهم مسلمون.
الفصل الخامس: من هم المتهوكون
…
؟
((
…
فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون)) من حديث نبوي شريف.
ما أكثر التهوك والمتهوكين في وقتنا هذا!!!
(1) طبقات ابن سعد والإصابة.
التهوك هو التحير، كما جاء في كتب اللغة، جاء في "لسان العرب" للتهوك هذه المعاني:(التهوك: السقوط في هوة الردى، والأهوك والأهوج واحد، والأهوك الأحمق، فيه بقية، وقال الجوهري: التهوك مثل التهور، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة وغير روية - والتهوك التحير الخ) والتهوك، أو التهور، أو التحير، معناه عدم الاستقرار على أمر، وهو دليل على قلة الإيمان والجزم بالأمر، والحقيقة أن البعض من المسلمين - إن لم نقل الكثير منهم - قد أصابهم هذا المرض الخطير وهو التهوك والتحير في أمر دينهم، مع أن دينهم - الإسلام - الذي اختاره لهم رب العالمين قد جاءهم بما فيه الكفاية من الإيمان واطمئنان النفوس وراحة البال والضمير.
فالمسلم الصادق في إسلامه لا يشك ولا يتحير فيما جاءه من عند الله بواسطة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو شريعة الإسلام الجامعة لما فيه صلاح الإنسان وسعادته في دنياه وفي أخراه؟ فقد أغناه الله بها عن كل شرع أو تشريع سواها. فلا حيرة ولا تحير، ولا اضطراب ولا تهوك في حياة المسلم الموقن بربه وبدينه وبنبيه.
فقد تهوك اليهود والنصارى في أمر دينهم، فأدخلوا فيه وأخرجوا منه ما لم يأذن الله به، فحرفوا وبدلوا وغيروا، ومن هنا جاءهم التهوك والتحير، ودعما لهذا المعنى نورد - كتحذير لإخواننا المسلمين - ما حدث لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن حسن نية ورغبة في ازدياد الخير - كما جاءت بذلك الأخبار والآثار:
فقد جاء في الأخبار والآثار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له صديق كتابي - يهودي - يزوره بين الحين والآخر، فذهب إليه ذات يوم فوجده يقرأ كتاب التوراة، فأعجبه ما سمعه منه، فطلب إليه استنساخه ففعل وجاء عمر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا مسرورا بهذه الغنيمة، ولما عرض ما جاء به - قرأ شيئا منه - على الرسول صلى الله عليه وسلم، تغير وجهه الشريف، وقال لصاجه عمر ما قال، وأغلظ له في القول، فانزعج عمر لما رآى من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منه الصفح والعفو، والروايات في هذه الواقعة متنوعة متعددة الطرق، وإن كانت ترجع إلى شيء واحد وهو إنكار الرسول صلى
الله عليه وسلم على عمر ثقته في اليهود الكذبة وتوراتهم المحرفة، وأرشده إلى أن ما في القرآن وشريعة القرآن يغنيه عن كل ما سواهما.
فقد روى الإمام أحمد رحمه الله بسنده عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فغضب وقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) معناه - كما قال أبو عبيدة - أمتحيرون في الإسلام حتى تأخذوه من اليهود؟
وقال الإمام أحمد بسند آخر: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له - لعمر -: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمجمد رسولا، قال: فسرى عنه الغضب وقال: ((والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين)).
وورد الخبر هذا من طريق آخر فيه شيء من التفصيل، قال عمر: انطلقت أنا فاستنسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما هذا في يدك يا عمر؟)) قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي:(الصلاة جامعة)، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم صلى الله عليه وسلم، السلاح السلاح
…
فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فيهم خطيبا فقال: ((يا أيها الناس إني أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوكوا
…
ولا يغرنكم المتهوكون)) (1) قال عمر: فقلت رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبك رسولا، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء في رواية أخرى ذكرها ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟)).
والمتأمل في هذه القصة التي تعددت طرق نقلها يدرك ما يرمي إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء هذا الغضب الذي غضبه على صاحبه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو ذلكم المؤمن القوى في إيمانه الغيور على دينه - فالرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أن اليهود والنصارى بدلوا وغيروا كتابيهما ودينيهما، فهو يخشى أن يتأثر المسلمون من بعده - بما فعله أهل الكتاب قبلهم، فيغيرون هم كتابهم القرآن - وبذلك تكون قد سرت إليهم عدوى أهل الكتاب - اليهود والنصارى - كما يرمي إلى أن القرآن كتاب الله حق لا شك فيه، فلا يليق بالمسلم أن يستبدل به كتابا آخر، فهو كتاب جامع مانع، فيه ما يغني المسلمين ويكفيهم عن غيره، سواء في العقائد، أو في العبادات، أو في التشريع والأحكام، كما أن الشريعة الإسلامية صافية نقية من عقائد الزيغ والضلال، بينة الأحكام، طاهرة من كل الأدناس والأرجاس، شريعة العقل الصافي السليم، لأنها تسير معه ولا تصادمه، فالمسلمون في غنى عن أخذ أي شيء من غيرها، بعدما بان لهم التحريف والتزوير في اليهودية والنصرانية، ثم حلف الرسول صلى الله عليه وسلم على أن موسى - الذي أتى بالتوراة - لو كان حيا لا يسعه ولا يكفيه أي شرع ودين إلا الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يليق بالمسلم بعد هذا أن يأخذ شيئا من شريعة محرفة ومزورة؟ وهذا المحذور الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم صاحبه عمر - الحريص على كسب الخير - قد وقع فيه المسلمون بعد أعصر الإسلام الأولى الطاهرة النقية، فقد أهملوا القرآن - تشريعا، واتباعا، واعتبارا - وأبدلوا به غيره من تشريع البشر، فسلبوا ما كانوا فيه من عز وسيادة وهيبة،
(1) البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف لابن حمزة، قال أخرجه أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم.
فلو درسوا القرآن كما درسوا غيره من القوانين الوضعية والأعراف الدولية لما تنكبوا عن صراط الله السوي.
ومما يناسب المقام أن نذكر هنا بعض ما جاء في بيان فضل القرآن ومكانته، من التنويه بشأنه ولفت النظر إليه، في ذلك قول الله جل جلاله:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} .
ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات الثلاث من سورة يوسف عليه السلام قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله عز وجل:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا الخ} (1) ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} ، قال: فأرادوا الحديث فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص، وزاد من طريق آخر، فأنزل الله:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (2).
فلنتأمل هذا التوجيه الرباني الذي وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عامة، إذ قال لهم: إن لكم في القرآن - كلام الله - ما تزيلون به مللكم وسآمتكم، قصص واقعة لا خيال فيها، فيها العبرة بما حدث في القرون الخوالي، فمنها تأخذون الدروس الكافية لكم في حياتكم - والحياة كلها دروس - عما حدث للأمم السابقة التي أعرضت عن شرائع الله ونبذت أحكام دينه، وكذبت رسله - وتهوكت - وتحيرت في أمرها، كيف كانت عاقبة أمرها؟؟ حقا لقد كانت عاقبة أمرها خسرا، ذلك أن في القصص الصادقة عبرا جليلة عظيمة، ولهذا قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ
(1) الآية 23 من سورة الزمر.
(2)
الآية 16 من سورة الحديد.
بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (1) وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (2) هذا هو القرآن الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (3) وهذا هو أثره وتأثيره في النفوس المؤمنة المطمئنة لا تهوك فيها ولا اطراب {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية، ذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه. اهـ.
فهل يليق بالمسلم الصادق أن يترك القرآن ويلغي أحكامه؟ وهو الذي أحاط به الشرف من كل جانب، وهو حبل الله المتين، ويتشبث بخيوط هي أوهى وأضعف من خيط العنكبوت، كما هي معرضة في كل وقت وحين للتغيير والتبديل.
إن المتتبع لما جرى ويجري في بعض الأوطان العربية الإسلامية من صدود وإعراض عن كتاب الله القرآن وإهمال لما فيه من أحكام هي عين الحق والعدل، وترك لشريعة الله وتعويضها بقوانين البشر الكفرة - ليدرك مدى السقوط والضلال، والهوة السحيقة التي وقع فيها بعض "المتهوكين" ممن يسمون أنفسهم مسلمين - وما هم في الحقيقة بالمسلمين - لأن الإسلام لا يكتفي - من المسلم - بالانتساب إليه فقط قولا بلا عمل، فالإسلام رفع شأن العرب الأوائل بالعمل به إلى أن جعلهم قدوة حسنة لمن هم في زمانهم من الشعوب ولمن جاء بعدهم من الأمم.
فجاء من بعدهم قوم من ذريتهم أضاعوه ونسوه، فلم يقيموا له وزنا
(1) الآية 120 من سورة هود.
(2)
الآية 111 من سورة يوسف.
(3)
الآية 42 من سورة فصلت.
ولم يرعوا له حرمة، كما قال رب العالمين:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (1) وذلك لخلو قلوبهم من نوره، وغفلتهم من أسرار تشريعه، وصاروا يأنفون من الانتساب إليه بأفعالهم وأقوالهم، وراحوا يبحثون في - قمامات - الشعوب غير المسلمة - التي ليس لها تاريخ مثل تاريخهم - يلقطون من فضلات فتات موائدهم القذرة ما يتوهمون أنه خير لهم وأفضل مما جاءهم به الإسلام العظيم في تشريعه وإصلاحه للأوضاع البشرية، فزاد شقاؤهم، واتسع بلاؤهم، وعمت الفوضى جموعهم كبارهم وصغارهم، عامتهم وخاصتهم رؤساءهم ومرؤوسيهم - إلا من رحم ربك وقليل ما هم - فتهوكوا وتحيروا في أمرهم، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم صاجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فصاروا: لا هم بالمسلمين الصادقين، ولا هم بالكافرين الجاحدين .... ؟؟؟؟
هذا الخلف لا شك أنهم قوم من أبناء جلدتنا، تعلموا في غير معاهد المسلمين، فسولت لهم نفوسهم أنهم بلغوا درجة الكمال العقلي، فهم في غنى عن الدين وأحكامه، فأول شيء بدأوا به هو الانسلاخ من دينهم وتاريخهم، ولم يكتفوا بهذا بل ضموا إليه احتقار كل ما هو من سمات الإسلام والمسلمين، من تكاليف شرعية، وأخلاق دينية، وألفاظ عربية، وعادات وطنية، فانكشف أمرهم عن تهوك وحيرة واضطراب.
وأولئك قوم آخرون - منهم - نقلوا إلى أمتهم المسلمة شعارات ومبادئ هدامة، هدمت ما بناه سلفهم الصالح، من فضائل ومكرمات، وهدمت العقائد الإسلامية والأخلاق المرضية، وتلك المبادئ هي من صنع اليهود المجرمين، فاشتركوا معهم في الجريمة والفساد من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فهم متهوكون متحيرون متهورون وقعوا فيما ذهبوا - بأمتهم - إليه بقلة مبالاة.
وإلى جانب آخر رأينا بعض البلدان العربية الإسلامية قد منحها الله خالق الكون ومدبره، نعمة عظيمة جليلة، لها وزنها وقيمتها في هذه الحياة.
(1) الآية 59 من سورة مريم.
كما لها وزنها في الغنى والاستغناء بها عن الغير، تلك هي نعمة "كنوز الغاز والبيترول المدخرة في طبقات الأرض" فلم يرعوا نعمة الله حق رعايتها، واستعانوا بها على معاصي الله، من خمر، وفجور، وفسق، وغير ذلك كظلم العباد والكبير على عباد الله، وصدق الله في قوله {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (1) هذا والعدو اليهودي فوق أنوفهم - مواقع عزهم - ماسك بخناقهم، جالس فوق أكتافهم، ركبهم كما يركب صاحب الحمار حماره، يهمزه بالمهماز، ويسوقه بالعصا إلى حيث يشاء ويريد، فضيق عليهم موارد رزقهم، وأخرجهم من ديارهم وأموالهم، وهم إلى جانب هذا الذل المحدق بهم لم يستيقظوا من نومهم وغطيطهم، وإذا استيقظوا هرعوا إلى مجالس (الأمم المتحدة) .. - وكأنها اتحدت ضدهم - - وهي من أسباب محنتهم وشقائهم - أسرعوا إليها يبكون ويشتكون - شأن الأطفال الصغار - وهم منهم يسخرون ومن تهوكهم يضحكون، هذا شأنهم كلما مسهم ضر اليهود - أو طاف بهم طائف من ربك وهم نائمون - فلو رجعوا إلى العمل بدينهم الذي رفع من شأن أسلافهم وأنابوا إلى ربهم - وتركوا هذه المزدكية العصرية - لأعانهم على كشف ما مسهم من الضر فيقوى إيمانهم بربهم وبأنفسهم، ومنه يأخذون عدتهم وقوتهم.
فالعرب اليوم قد اشتغلوا ببعضهم - أو قل بكراسيهم - وتركوا عدوهم يمرح ويلعب في ديارهم بأرواحهم، وفوق تراب أرضهم، وإذا رفع منهم نذير صوته منذرا بالخطر الداهم المدلهم نفوه أو سجنوه - أو شنقوه - ليستريحوا من صوته، بدعوى أنه أحدث شغبا أو أراد أن يحدث انقلابا ليستولي على السلطة أو على كرسي الحكم. فهم كما قال الفرزدق:
يستيقظون إلى نهاق حميرهم
…
وتنام أعينهم عن الأوتار
حقا، لقد نامت أعين العرب عن الأخذ بثأرهم من عدوهم، فلم تكن بهم قوة لذلك، ولم تبق في قلوب أعدائهم هيبة منهم، ولا رعاية لحقهم، ومع هذا البلاء العظيم فهم لا زالوا - العرب - يمرحون ويلعبون، ويسودون بياض ورق الصحف بالتصريح تلو التصريح، وقد نسوا ما كان يقوله المظلوم من أجدادهم العرب الأحرار، فقد كان يقول الواحد منهم
(1) الآيتان 6 - 7 من سورة العلق.
إذا ظلم، أو قتل له قتيل، أو سيقت إبله بغيا وعدوانا - كما هي عادتهم في القديم - كان يقول: الطيب أو الغسل علي حرام حتى أثأر لنفسي ممن ظلمني، أما أحفادهم فقد مسهم الذل والمسكنة من كل جانب، فسكتوا ولم يثأروا لأنفسهم، بل ما إن توقفت مدافع اليهود وطائراتهم عن دك ونسف دورهم وحصونهم والاستيلاء على أراضيهم حتى هرعوا - مسرعين - إلى دور السينما والرقص والتمثيل، كأنهم كانوا في جولة للتفسح والنزهة ونسوا كل ما نزل بهم في ساعات قليلة.
قالوا: إن أمريكا - القوية - في عون اليهود، ونحن ضعفاء لا حول لنا ولا طاقة بحرب أمريكا، فنقول لهم: إن رب أمريكا أقوى منها - إن كنتم مؤمنين به - فلو أطعتموه وعملتم بدينه لصرف عنكم أمريكا وإعانتها لليهود - رحمة بأوليائه وأنصار دينه - ولكنكم عصيتموه ونبذتم دينه فسلط عليكم من قهركم واستباح حماكم - والكفر كله ملة واحدة - فـ (لا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون).
وأذكر بهذه المناسبة ما قاله الرجل العالم العامل الشجاع المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لرئيس وزراء فرنسا: دلاديي، عندما ذهب مع الوفد النيابي الجزائري إلى باريس ليطالب بحقوق الشعب الجزائري، فلما كان الوفد في مكتب الرئيس دلاديي وقدموا له مطالب الشعب الجزائري، رد عليهم مطالبهم ردا غير لائق، وفي الرد شيء من التهديد والوعيد، فقال مخوفا لهم:
(إن فرنسا عندها مدافع طويل يصل إلى كل مكان
…
) فسكت عنه النواب المثقفون ثقافة فرنسية، وكان فيهم المحامي والطبيب وغيرهما، فلم يستطع أي واحد منهم أن يرد عليه قوله بمثله غير الشيخ عبد الحميد ابن باديس العالم الديني الشجاع - والعلماء الآن ينعتون بالرجعيين من طرف
…
- إذ رد عليه تهديده بقوله الدال على قوة إيمانه بربه، فقال له: (إن مدفع ربي أطول من مدفع فرنسا
…
) فتأثر رئيس وزراء فرنسا وسكت، مما قاله الشيخ وهكذا كان الأمر، وصدق ما قاله الشيخ المؤمن بربه وحده، فلم تمر سوى مدة يسيرة من الزمن حتى قامت الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) فكانت فرنسا أول دولة هزمت وانهزمت فيها، ولم ينفعها مدفعها الطويل، كما قال رئيس وزرائها، غير أنه لم يدرك هزيمة فرنسا القوية بمدفعها
الطويل، فقد مات الشيخ رحمة الله عليه بعد زوال يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول 1359 هـ، الموافق لـ 16 أفريل - نيسان - سنة 1940، وفرنسا ألقت السلاح في جوان - حزيران - 1940، أي بعد شهرين فقط من وفاته.
ألقت - فرنسا - السلاح في حرب لم تمكث سوى خمسة أيام فقط، وسقطت من علوها وجبروتها، وانهزمت شر هزيمة في التاريخ، ثم جاء مدفع الجزائر - القصير - في ثورة التحرير، فحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي صاحب المدفع - الطويل - وأخرجه منها إلى غير عودة إن شاء الله.
سقت هذه الواقعة للذكرى - لا غير - والذكرى تنفع المؤمنين.
إن طريق خلاص العرب مما وقعوا فيه لا زال واضح المعالم غير موصد ولا مسدود، وهو يكمن في العودة إلى النبع الصافي من كل الأكدار، إلى الشريعة الإسلامية الطاهرة المطهرة، وذلك بنبذ ما جلبوه - بعد ما جربوه - من أوطان لا تدين بدينهم "كالاشتراكية المزدكية الملحدة"، أما وهم ما زالوا في شك من أمرهم وتهوك - تهور - في شأنهم فهيهات منهم النصر على عدوهم هيهات
…
وهذه كلمة صريحة - أو نصيحة - في هذا المعنى لأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه مرشدة إلى ذلك، فالواجب على كل مسلم أن يدرسها بعناية بالغة ويضعها نصب عينيه - وخاصة قادة العرب وزعماءهم - إن أرادوا النصر على عدوهم والتغلب على خصومهم - والمسلم لا يخلو من أعداء وخصوم - وهي تتلخص في تقوى الله والعمل بشرعه، والخوف من الذنوب والمعاصي أكثر من الخوف من العدو، كما جاء في رسالته إلى قائد جنده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد قال عمر لسعد في تلك الرسالة:
(أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم،
ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا - وإن أسأنا - فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل - لما عملوا بمساخط الله - كفار المجوس، {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه العون على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم) (1) إلى آخر ما في هذه الرسالة من حسن التوجيه والنصح والإرشاد، وذلك ما يجب أن يطلع عليه - ويحفظه - كل من اضطلع بأمر من أمور المسلمين، من القادة وغيرهم.
فالعرب - المسلمون - ما داموا منحرفين عن منهج شريعتهم البين الواضح لا يطمعون في النصر على اليهود أو الأمريكان أو غيرهم، بل ما ينتظرهم إلا الهزائم تلو الهزائم، فلو أطاعوا ربهم وعملوا بدينهم لصرف عنهم اليهود والأمريكان الذين أمدوهم بكل قوة ممكنة، أما والعرب يذهبون إلى الميدان بغير عقيدة، وكثيرا ما كانوا مزودين بغير ما يرضاه الإسلام ولا رب العالمين، فمن أين يأتيهم النصر وهم في حالة عصيان وشر وفساد
…
؟؟؟
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم عن أخذ شيء من اليهود - كما سلف - كالتوراة المحرفة - قد استفاد من هذا الدرس القاسي الذي تلقاه من الرسول، وقد اعتمده في حياته كلها، وفي زمن خلافته بالخصوص، لم يرض للمسلمين أن يعتمدوا على ما عند أهل الكتاب، ولا ننسى قضية الكاتب - الكتابي - الذي اتخذه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه لضبط ديوانه، ذلك الذي لم يأذن له عمر بالدخول إلى المسجد ليقرأ عليه ما كتبه وضبطه، وكتب إليه في رسالة لما بلغه عنه ذلك:(مات الكتابي) ولم يزده على هذا، فالمعنى الذي يعطيه هذا اللفظ: هو الاستعداد لتكوين من يقوم بأمورنا من غير
(1) العقد الفريد لابن عبد ربه ج 1 ص 130 طبع اللجنة.