الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في حد القذف
عرف الفقهاء رحمهم الله القذف بأنه الرمي بزنى أو لواط، وهو في الأصل الرمي بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنى واللواط.
وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
هذه عقوبة القاذف العاجلة في الدنيا: الجلد ورد شهادته، واعتباره فاسقا ناقصا سافلاً إذا لم يثبت ما قال.
وأما عقوبته في الآخرة؛ فقد بينها الله تعالى: بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يومئذ يوفيهم الله يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات"، وعد منها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
وقد أوجب الله الحد الرادع على القاذف، فإذا قذف المكلف المختار محصنا بزنى أو لواط؛ فإنه يجلد ثمانين جلدة؛ لقوله تعالى:
ومعنى الآية الكريمة: أن الذين يقذفون بالزنى المحصنات الحرائر العفائف العاقلات، ثم لم يأت هؤلاء القذفة بأربعة شهداء على ما رموهن به؛ فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا فرق بين كون المقذوف ذكرًا أو أنثى، وإنما خص النساء بالذكر؛ لخصوص الواقعة، ولأن قذف النساء أشنع وأغلب
وإنما استحق القاذف هذه العقوبة صيانة لأغراض المسلمين عن التدنيس، ولأجل كف الألسن عن هذه الألفاظ الذرة التي تلطخ أغراض الأبرياء، وصيانة للمجتمع الإسلامي عن شيوع الفاحشة فيه.
والمحصن الذي يجب الحد بقذفه هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله.
قال ابن رشد: "اتفقوا على أن من شروط المقذوف أن يجتمع فيه خمسة أوصاف: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنى، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف؛ لم يجب الحد".
وحد القذف حق للمقذوف؛ يسقط بعفوه، ولا يقام إلا بطلبه، فإذا عفا المقذوف عن القاذف؛ سقط الحد عنه، ولكنه يعزَّر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم المتوعَّد عليه باللعن والعذاب الأليم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا يحدُّ القاذف إلا بالطلب إجماعا" انتهى.
ومن قذف غائبا؛ لم يحد حتى يحضر المقذوف ويطالب، أو تثبت مطالبته بذلك في غيبته.
وألفاظ القذف تنقسم إلى قسمين:
ألفاظ صريحة لا تحتمل غير القذف؛ فلا يقبل منه تفسيره بغير القذف.
وألفاظ كنايات تحتمل القذف وغيره، فإذا فسرها بغير القذف؛ قبل منه.
فالألفاظ الصريحة؛ مثل قوله: يا زاني، يا لوطي، يا عاهر، وكنايته مثل: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة، فإذا قال القاذف: أردت بالقحبة أنها تتصنع للفجور، أو قال: أردت بالفاجرة أنها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعته فيه، وأردت بالخبيثة أنها خبيثة الطبع؛ قبل منه هذا التفسير، ولم يجب عليه حد؛ لأن لفظه يحتمل، والحدود تدرأ بالشبهات.
وإذا قذف جماعة لا يتصور منهم الزنى أو قذف أهل بلد؛ لم يحد، وإنما يعزر بذلك؛ لأنه مقطوع بكذبة؛ فلا عار عليهم بذلك، وإنما يعزَّر لأجل تجنب هذه الألفاظ القبيحة والشتائم البذيئة، وذلك معصية يجب تأديبه عليها، ولو لم يطالبه أحد منهم.
ومن قذف نبيا من الأنبياء؛ كفر؛ لأن ذلك ردة عن الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقذف نساء النبي صلى الله عليه وسلم كقذفه؛ أي: كقذف النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بردة القاذف".
وقال شيخ في القاذف إذا تاب قبل علم المقذوف هل تصح توبته: "الأشبه أنه يختلف باختلاف الناس، وقال أكثر العلماء: إن علم به المقذوف؛ لم تصح توبته، وإلا؛ صحت، ودعا له، واستغفر...." انتهى.
ومن هذا يتبين لنا خطر اللسان، وما يترتب على ألفاظه من مؤاخذات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"، وقال تعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، ويزن ألفاظه، ويسدد أقواله؛ قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} .