الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في أحكام النذر
النذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا: إذا أوجبته على نفسك.
وتعريفه شرعا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئا لله تعالى.
والنذر نوع من أنواع العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لغير الله تعالى من قبر أو ملك أو بني أو ولي؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ لأنه بذلك قد عبد غير الله؛ فالذين ينذرون لقبور الأولياء والصالحين اليوم أشركوا بالله الأكير والعياذ بالله؛ فعليهم أن يتوبوا إلى الله، ويحذروا من ذلك، وينذروا قومهم لعلهم يحذرون.
وحكم النذر ابتداء: أنه مكروه، وقد حرمه طائفة من العلماء؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال:"إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل". قال في "المنتقى": "رواه الجماعة إلا الترمذي".
ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل
الشرع، فيحرج نفسه ويثقلها بهذا النذر، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بدون نذر.
لكن إذا نذر فعل طاعة؛ وجب عليه الوفاء بذلك:
لقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} .
وقال تعالى في وصف الأبرار: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} .
وقال تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} .
وفي "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسل أنه قال: "من نذر أن يطيع الله؛ فلطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه".
وقال الإمام ابن القيم: "الملتزم الطاعة لله لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن تكون بيمين مجردة، أو بنذر مجرد، أو بيمين مؤكدة بنذر، أو بنذر مؤكد بيمين؛ كقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} ؛ فعليه أن يفي به؛ وإلا دخل في قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} ؛ وهو أولى باللزوم من أن يقول: لله علي كذا" انتهى.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله: أنه يشترط لانعقاد النذر أن يكون الناذر بالغا عاقلاً مختارًا لقوله صلى الله عليه وسل: "رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى
يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ"، فدل الحديث على أنه لا يلزم النذر من هؤلاء؛ لرفع القلم عنهم.
ويصح النذر من الكافر إذا نذر عبادة، ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لحديث عمر رضي الله عنه؛ قال: إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة. فقال له النبي صلى الله عليه وسل: "أوف بنذرك".
والنذر الصحيح خمسة أقسام:
أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقا أو معلقا؛ لما روى عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين"، رواه ابن ماجة والترمذي، وقال:"حسن صحيح غريب".
فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله عز وجل.
الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحا، أو: إن كان كذبا؛
فعلي الحج أو العتق
…
ونحو ذلك؛ فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لحديث عمران بن حصين؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسل يقول: "لانذر في غضب، وكفارته كفارة يمين"، رواه سعيد في "سننه".
والثالث: نذر المباح، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابتهن ويخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني.
واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لما روى الإمام بالبخاري: بينما النبي صلى الله عليه وسل يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم. فقال:"مروه؛ فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه".
الرابع: نذر المعصية، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسل:"من نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه"، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية؛ لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، ومن نذر المعصية النذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهم،
وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: "ومن أسرج قبرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان؛ لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعا، ويصرف في المصالح؛ ما لم يعلم ربه
…
" انتهى.
الخامس: نذر التبرر، وهو نذر الطاعة؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه، سواء كان مطلقا "أي: غير معلَّق على حصول شرط"؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم
…
، أو معلقا على حصول شرط؛ كقوله: إن شفى الله مرضي؛ فلله عليَّ كذا، فإذا وجد الشرط؛ لزمه الوفاء به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه"، رواه البخاري. ولقوله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ، ولقوله تعالى:{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} ، والله اعلم.