الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب القضاء
باب في أحكام القضاء في الإسلام
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقربة؛ فإنهما من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر بطلب الرئاسة والمال بها
…
" انتهى.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
قال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، وقال تعالى:{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ} .
وقد تولاه النبي صلى الله عليه وسل بنفسه، ونصب القضاة في الأقاليم التي دخلت تحت الحكم الإسلامي، وكذلك خلفاؤه من بعده.
وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس.
والقضاء في اللغة معناه: إحكام الشيء والفراغ منه؛ قال تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} ، وله معان أخرى، وأما معناه اصطلاحا؛ فهو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هو من جهة الإثبات شاهد، ومن جهة الأمر والنهي مفت، ومن جهة الإلزام بذلك ذو سلطان
…
" انتهى.
وحكم القضاء في الإسلام أنه فرض كفاية؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
قال الإمام أحمد: "لا بد للناس من حاكم لئلا تذهب الحقوق".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلتأمير الواحد في الاجمتاع القليل العارض في السفر، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع
…
" انتهى.
ويجب على من يصلح للقضاء الدخول فيه إذا لم يوجد غيره، وفي ذلك فضل عظيم لمن قوي عليه، وفيه خطر عظيم في حق من لم يؤد الحق فيه.
ويجب على إمام المسلمين أن يعين القضاة حسب المصلحة التي تدعو إلى ذلك؛ لئلا تضيع الحقوق، ويختار أفضل من يجده علما وورعا، ومن لم يعرف صلاحيته؛ سأل عنه.
ويجب على القاضي أن يجتهد في إقامة العدل بين الناس غاية ما
يمنكه، ولا يلزمه ما يعجز عنه، ويفرض له ولي الأمر من بيت المال ما يكفية حتى يتفرغ للقيام بالقضاء، وقد فرض الخلفاء الراشدون للقضاء من بيت المال ما يكفيهم.
وصلاحيات القاضي يرجع فيها إلى العرف في كل زمان بحسبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما يستفيد بالولاية [يعنى: من الصلاحيات] لا حد له شرعا، بل يتلقى من الألفاظ والأحول والعرف؛ لأن كل ما لم يحدد شرعا؛ يحمل على العرف؛ كالحرز والقبض".
قال: "وولاية الأحكام يجوز تبعيضها، ولا يجب أن يكون عالما في غير ولايته؛ فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه المواريث؛ لم يجب أن يعرف غير الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك، وإن ولاه عقود الأنكحة وفسخها؛ لم يجب أن يعرف إلا ذلك، وعلى هذا؛ إذا قال: اقض فيما تعلم؛ كما يقول: أفت فيما تعلم؛ جاز، ويسمى ما لا يعلم خارجا عن ولايته؛ كما نقول في الحاكم الذي ينزل على حكمه الكفار وفي الحكمين في جزاء الصيد
…
" انتهى.
وفي هذا الزمان قد وزارة العدل نظاما يسير عليه القضاة في ولاياتهم، وتتحدد به صلاحياتهم؛ فيجب الرجوع إليه، والتقيد به؛ لأن في ذلك ضبطا للأمور، وتحديد الصلاحيات، وهو لا يخالف نصا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله؛ فيجب العمل به.
ويشترط فيمن يتولى القضاء أن تتوفر فيه عشر صفات تعتبر حسب الإمكان:
أن يكون مكلفا: أي: بالغا عاقلاً؛ لأن غير المكلف تحت ولاية غيره؛ فلا يكون واليا على غيره.
وأن يكون ذكرًا؛ لقوله صلى الله عليه وسل: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"
أن يكون حرًا؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده.
وأن يكون مسلما؛ لأن الإسلام شرط للعدالة، ولأن المطلوب إذلال الكفار، وفي توليته القضاء رفعة واحترام له.
وأن يكون عدلاً؛ فلا تجوز توليه الفاسق؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} ، وإذا كان لا يقبل خبره؛ فعدم قبول حكمه من باب أولى.
وأن يكون سميعا، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
وأن يكون بصيرًا؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعي عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قياس المذهب تجوز ولايته كما تجوز شهادته؛ إذ لا يعوزه إلا معرفة عين الخصم، ولا يحتاج إلى ذلك، بل يقضي على موصوف؛ كما قضى داود الملكين، ويتوجه أن يصح مطلقا، ويعرف بأعيان الشهود والخصوم كما يعرف بمعاني كلامهم في
الترجمة، إذ معرفة كلامه وعينه سواء
…
" انتهى.
ويشترط في القاضي أن يكون متكلما؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
وأن يكون مجتهدًا، ولو في مذهبه الذي يقلد فيه إماما من الأئمة؛ بأن يعرف القول الراجح فيه من المرجوح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى الأنفع من الفاسقين وأقلهما شرًا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد".
قال صاحب "كتاب الفروع": "وهو كما قال".
وقال الإنصاف في تولية المقلد: "وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا؛ تعطلت أحكام الناس".
وذكر ابن القيم: أن المجتهد هو العالم بالكتاب والسنة، ولا ينافي اجتهاده تقليد غيره أحيانا؛ فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام.