الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في موانع الحضانة
من موانع الحضانة: الرق؛ فلا حضانة لمن فيه رق، ولو قل لأن الحضانة ولاية، والرقيق ليس من أهل الولاية، ولأنه مشغول بخدمة سيده، ومنافعه مملوكة لسيده.
ولا حضانة لفاسق؛ لأنه لا يوثق به فيها، وفي بقاء المحضون عنده ضرر عليه؛ لأنه يسيء تربيته، وينشئه على طريقته.
ولا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه أولى بعدم الاستحقاق من الفاسق؛ لأن ضرره أكثر؛ فإنه يفتن المحضون في دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيه عليه.
ولا حضانة لمزوجة بأجنبي من محضون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لوالدة الطفل: "أنت أحق به ما لم تنكحي"، ولأن الزوج يملك منافعها، ويستحق منعها من الحضانة، والمراد بالأجنبي هنا من ليس من عصبات المحضون، فلو تزوجت بقريب محضونها؛ لم تسقط حضانتها.
فإن زال أحد هذه الموانع؛ بأن عتق الرقيق، وتاب الفاسق،
وأسلم الكافر، وطلقت المزوجة؛ رجع من زال عنه المانع من هؤلاء إلى حقه في الحضانة؛ لوجود سببها، مع انتفاء المانع منها.
وإذا أراد أحد أبوي المحضون سفرًا طويلاً، ولم يقصد به المضارة، إلى بلد بعيد ليسكنه، وهو وطريقه آمنان؛ فالحضانة تكون للأب، سواء كان هو المسافر أو المقيم؛ لأنه هو الذي يقوم بتأديب ولده والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا عنه؛ لم يتمكن من ذلك، وضاع الولد.
وإن كان السفر إلى بلد قريب دون مسافة القصر لغرض السكنى فيه؛ فالحضانة للأم، سواء كانت هي المسافرة أو المقيمة؛ لأنها أتم شفقة على المحضون، ولأنه يمكن لأبيه الإشراف عليه في تلك الحالة.
أما إذا كان السفر لحاجة، ثم يرجع، أو كان الطريق أو البلد المسافر إليه مخوفين؛ فإن الحضانة تكون للمقيم منهما؛ لأن في السفر بالمحضون إضرارًا في هاتين الحالتين.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "لو أراد الإضرار والاحتيال على إسقاط حضانة الأم، فسافر ليتبعه الولد؛ فهذه حيلة مناقضة الشارع؛ فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت
…
".
إلى أن قال: "وأخبر "يعني: النبي صلى الله عليه وسلم" أن من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، ومنع أن تباع الأم دون ولدها والولد دونها، وإن كانا في بلد واحد؛ فكيف يجوز مع هذا التحيل على التفريق بينها وبين ولدها تفريق اتعز معه رؤيته ولقاؤه، ويعز عليها
الصبر عنه وفقده، هذا من أمحل المحال، بل قضاء الله ورسوله أحق؛ أن الولد للأم، سافر الأب أو أقام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"أنت أحق به ما لم تنكحي"؛ فكيف يقال ك أنت أحق به ما لم يسافر الأب؟ وأين هذا في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة" انتهى.
وأما تخيير الغلام بين أبويه؛ فيحصل عند بلوغه السابعة من عمرهن فإذا بلغ سبع سنين وهو عاقل؛ فإنه يخبر بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما، قضى بذلك عمر وعلي رضي الله عنهما.
وروى الترمذي وغ يره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت ام رأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب ب ابني. فقال: "يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت. فأخذ بيد أمه، فانطلقت به"؛ فدل الحديث على أن الغلام إذا استغنى بنفسه؛ يخبر بين أبويه؛ فإنه إذا بلغ حدًا يستطيع معه أن يعرب عن نفسه، فمال إلى أحد الأبوين؛ دل على أنه أرفق به وأشفق عليه، فقدم لذلك.
ولا يخير إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الأبوان من أهل الحضانة.
والثاني: أن يكون الغلام عاقلاً، فإن كان معتوها؛ بقي عند الأم؛ لأنها أشفق عليه وأقوم بمصالحه.
وإذا اختار الغلام العاقل أباه؛ صار عنده ليلاً ونهارًا؛ ليحفظه ويعلمه ويؤدبه، لكن لا يمنعه من زيادة أمه؛ لأن منعه من ذلك تنشئة له على العقوق وقطيعة الرحم، وإن اختار أمه؛ صار عندها ليلاً وعند أبيه نهارًا؛ ليعلمه ويؤدبه، وإن لم يخبر واحدًا منهما؛ أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر إلا بالقرعة.
والأنثى إذا بلغت سبع سنين؛ فإنها تكون عند أبيها إلى أن يتسلمها زوجها؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره، ولا تمنع الأم من زيارتها مع عدم المحذور، ف فن كان الأب عاجزًا عن حفظ البنت أو لا يبالي بها لشغله أو لقلة دينه، والأم تصلح لحفظها؛ فإنها تكون عند أمها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضرر، فلو قدر أنه عاجز عن حفظها وصيانتها، ويهملها لاشتغاله عنها، والأم قائمة بحفظها وصيانتها؛ فإنها تقدم في هذه الحال، فمع وجود فساد أمرها مع أحدهما؛ فالآخر أولى بها بلا ريب".
وقال رحمه الله: "وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة، وهو يتركها عند ضرة أمها، لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها وتقصر في مصلحتها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها؛ فالحضانة هنا للأم قطع ا" انتهى، والله أعلم.