الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبواب
باب في أحكام الرضاع
قال تعالى في سياق بيان المحرمات من النساء: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} .
وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة"، رواه الجماعة.
والرضاع لغة: مص اللبن من الثدي أو شربه، وشرعا: هو مص من دون الحولين لبن اثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
والرضاع حكمه حكم النسب في النكاح والخلوة والمحرمية وجواز النظر على ما يأتي تفصيله.
ولكن لا تثبت له هذه الأحكام إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون خمس رضعات فأكثر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "أنزل في القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك"، رواه مسلم، وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم، وهو مبين لما أجمل في الآية والأحاديث في موضوع الرضاع.
الشرط الثاني: أن تكون خمس الرضعات في الح ولين؛ لق وله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ؛ فدلت هذه الآية الكريمة على أن الرضاع المعتبر ما كان في الحولين، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام"، قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، ومعناه: أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما وصل إلى الأمعاء ووسعها؛ فلا يحرم القليل الذي لم إليها ويوسعها، ولا يحرم إلا ما كان قبل الفطام؛ أي: ما كان في زمن الصغر، وقام مقام الغذاء؛ فالذي يثبت الحرمة حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعه وينبت لحمه، فيكون ذلك جرءًا منه.
وحدّ الرضعة: أن يمتص الثدي ثم يقطع امتصاصه لتنفس أو انتقال من ثدي لآخر أو لغير ذلك؛ فيحتسب له بذلك رضعة، فإن عاد؛ فرضعتان
…
وهكذا، ولو في مجلس واحد، وذلك لأن الشارع اعتبر عدد الرضعات ولم يحدد الرضعة، فيرجع في تحديدها إلى العرف.
ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الرضاع؛ له حكم الرضاع؛ كما لو قطر في فمه أو أنفه، أو شربه من إناء ونحوه؛ أخذ ذلك حكم الرضاع؛ لأنه يحصل به ما يحصل من التغذية؛ بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات.
وأما ما ينشره الرضاع من الحرمة: فمتى أرضعت امرأة طفلاً دون الحولين خمس رضعات فأكثر؛ صار المرتضع ولدها في تحريم نكاحها عليه وفي إباحة نظره إليها وخلوته بها، ويكون محرما لها؛ لقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} ، ولا يكون ولدًا لها في بقية الأحكام؛ فلا تجب نفقتها عليه، ولا توارث بينهما، ولا يعقل عنها، ولا يكون ولي الها؛ لأن النسب أقوى من الرضاع؛ فلا يساويه إلا فيما ورد فيه النص، وهو التحريم، وما يتفرغ عليه من المحرمية والخلوة.
ويصير المرتضع ولدًا لمن ينسب لبنها إليه بسبب حملها منه، أو بسبب وطئه لها بنكاح أو شبهه؛ للحوق نسب الحمل به في تلك الأحوال والرضاع فرع عنه، فيكون المرتضع ولدًا له في الأحكام المذكورة في حق المرضعة فقط، وهي تحريم النكاح وجواز النظر والخلوة والمحرمية دون بقية الأحكام.
وتكون محارم من نسب إليه اللبن كآبائه وأولاده وأمهاته وأجداده وجداته وإخوته وأخواته وأولادهم وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته يكونون محارم للمرتضع، وتكون محارم المرضعة كآبائها وأولادها وأمهاتها وأخواتها وأعمامها ونحوهم محارم للمرتضع.
وكما تثبت الحرمة على المرتضع تنتشر كذلك على فروعة من
أولاده وأولاد أولاده دون أصوله وحواشيه؛ فلا تنتشر الحرمة على من هو أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، كما لا تنتشر إلى من هو في درجته من حواشيه وهم إخوانه وأخواته.
ومن رضع من لبن امرأة موطوءة بعقد باطل أو بزنى؛ صار ولدًا للمرضعة فقط؛ لأنه لما لم تثبت الأبوة من النسب؛ لم يثبت من الرضاع وهو فرعها.
ولبن البهيمة لا يحرم، فلو ارتضع طفلان من بهيمة؛ لم ينشر الحرمة بينهما.
واختلف في لبن المرأة إذا در لها لبن بدون حمل وبدون وطء تقدم، ورضع منه طفل، فقيل: لا ينشر الحرمة؛ لأنه ليس بلبن حقيقة، بل رطوبة متولدة، لأن اللبن ما أنشز العظم وأنبت اللحم، وهذا ليس كذلك، والقول الثاني: أنه ينشر الحرمة الموفق وغيره.
ويثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها.
قال شيخ الإسلام: "إذا كانت معروفه بالصدق، وذكرت أنها أرضعت طفلاً خمس رضعات؛ قبل على الصحيح، ويثبت حكم الرضاع" انتهى.
وإن شك في وجود الرضاع، أو شك في كماله خمس رضعات، وليس هناك بينة؛ فلا تحريم؛ الأصل عدم الرضاع، والله أعلم.