الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في أحكام الشروط في البيع
الشروط في البيع كثيرة الوقوع، وقد يحتاج المتبايعان أو أحدهما إلى شرط أو أكثر؛ فاقتضي ذلك في الشروط، وبيان ما يصح ويلزم منها وما لا يصح.
والفقهاء رحمهم الله يعرفون الشرط في البيع بأنه إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ولا يعتبر الشرط في البيع عندهم ساري المفعول إلا إذا اشترط في صلب العقد؛ فلا يصح الاشتراط قبل العقد ولا بعده. والشروط في البيع تنقسم إلى قسمين: صحيحة وفاسدة:
أولاً: الشروط الصحيحة: وهي الشروط التي لا تخالف متقتضى العقد، وهذا القسم يلزم العمل بمقتضاه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم"، ولأن الأصل في الشروط الصحة؛ إلا ما أبطله الشارع ونهى عنه.
والقسم الصحيح من الشروط نوعان:
النوع الأول: شرط لمصلحة العقد؛ بحيث يتقوى به العقد، وتعود مصلحته على المشترط؛ كاشتراط التوثيق بالرهن، أو اشتراط الضامن، وهذا يطمئن البائع، واشتراط تأجيل الثمن أو تأجيل بعضه إلى مدة معلومة، وهذا يستفيد منه المشتري، فإذا وفي بهذا الشرط؛ لزم البيع، وكذلك لو اشترط المشتري صفة في البيع، مثل كونه من النوع الجيد أو من الصناعة الفلانية أو الإنتاج الفلاني؛ لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، فإن أتى المبيع على الوصف المشترط، لزم البيع، وإن اختلف عنه؛ فللمشتري الفسخ أو الإمساك مع تعويضه عن فقد الشرط؛ بحيث يقوم المبيع مع تقدير وجود الصفة المشترطة، ثم يقوم مع فقدها، ويدفع له الفرق بين القيمين إذا طلب.
النوع الثاني من الشروط الصحيحة في البيع: أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر بذل منفعة مباحة في المبيع؛ كأن يشترط البائع سكنى الدار المبيعة مدة معينة، أو أن يحمل على الدابة أو السيارة المبيعة إلى موضع معين؛ لما روى جابر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم باع جملاً واشترط ظهره إلى المدنية"، متفق عليه؛ فالحديث يدل على جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى موضع معين، ويقاس عليها غيرها، وكذا لو اشترط المشتري على البائع بذل عمل في المبيع؛ كأن
يشتري منه حطبا، ويشترط عليه حمله إلى موضع معلوم، أو يشتري منه ثوبا، ويشترط عليه خياطته.
ثانيا: الشروط الفاسدة: وهذا القسم أنواع:
النوع الأول: شرط فاسد يبطل العقد من أصله، ومثاله: أن يشترط أحدهما على الآخر عقداً آخر، كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تؤجرني دارك، أو يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تشركني معك في عملك الفلاني أو في بيتك، أو يقول: بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن تقرضني مبلغ كذا من الدراهم؛ فهذا الشرط فاسد، وهو يبطل العقد من أساسه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله الحديث بما ذكرنا.
النوع الثاني من الشروط الفاسدة في البيع: ما يفسد في نفسه، ولا يبطل البيع؛ مثل أن يشترط على البائع أنه إن خسر في السلعة؛ ردها عليه، أو شرط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة، ونحو ذلك؛ فهذا شرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى البيع أن يتصرف المشتري في السلعة تصرفا مطلقا، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"من اشترط شرطا ليس في كتاب الله؛ فهو باطل، وإن كان مئة شرط"، متفق عليه،
والمراد بكتاب الله هنا حكمه؛ ليشمل ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والبيع لا يبطل مع بطلان هذا الشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة حينما اشترط بائعها ولاءها له إن أعتقت؛ أبطل الشرط، ولم يبطل العقد، وقال صلى الله عليه وسلم:"إنما الولاء لمن أعتق".
إنه ينبغي للمسلم الذي يشتغل بالبيع والشراء أن يتعلم أحكام البيع وما يصح فيه من الشروط وما لا يصح؛ حتى يكون على بصيرة في معاملته، ولتنقطع الخصومات والمنازعات بين المسلمين؛ فإن غالبها ينشأ من جهل المتبايعين أو أحدهما بأحكام البيع، واشتراطهم شروطا فاسدة.