الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في ميراث المفقود
المفقود لغة: اسم مفعول من فقد الشيء: إذا عدمه، والفقد أن تطلب الشيء فلا تجده، والمراد بالمفقود هنا من اقطع خبره وجهل حاله؛ فلا يدرى أحي هو أم ميت، سواء كان سبب سفره أو حضوره قتالاً أو انكسار سفينة أو أسره في أيدي أهل الحرب أو غير ذلك.
ولما كان حال المفقود وقت فقده محتملاً مترددًا بين كونه موجودًا أو معدوما، ولكل حالة من الحالتين أحكام تخصها: أحكام بالنسبة لزوجته، وأحكام بالنسبة لإرثه من غيره وإرث غيره منه وإرث غيره معه، ولم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر؛ كان لا بد من ضرب مدة يتأكد فيها من واقعه، تكون فرصة للبحث عنه، ويكون مضيها بدون معرفة شيء عنه دليلاً على عدم وجوده.
وبناء على ذلك؛ اتفق العلماء على ضرب تلك المدة، لكن اختلفوا في مقدارها على قولين:
القول الأول: أنه يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم؛ لأن الأصل حياة المفقود، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين أو ما في حكمه، وهذا قول الجمهور، سواء كان يغلب عليه السلامة أم الهلاك،
وسواء فقد قبل التسعين من عمره أو بعدها، فينتظر حتى تقوم بينة بموته أو تمضي مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها.
القول الثاني: التفصيل، وذلك أن للمفقود حالتين:
الأولى: أن يكون الغالب عليه الهلاك؛ كمن يفقد في مهلكة، أو بين الصفين، أو من مركب غرق فسلم بعض أهله وهلك بعض، أو يفقد بين أهله؛ كأن يخرج لصلاة ونحوها؛ فلا يرجع؛ فهذا ينتظر أربع سنين منذ فقد؛ لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار؛ فانقطاع خبره إلى هذه المدة يغلب على الظن أنه غير حي.
الثانية: أنه يكون الغالب على المفقود السلامة؛ كمن سافر لتجارة أو الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا.
والرجح هو القول الأول، وهو أنه يرجع في تحديد مدة الانتظار المفقود إلى اجتهاد الحاكم؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والبلدان والأشخاص؛ لأنه في زماننا توفرت وسائل الإعلام والمواصلات، حتى صار العالم كله بمثابة البلد الواحد، مما يختلف الحال به عن الزمان السابق اختلافا كبيرًا.
فإذا مات مورث المفقود في مدة الانتظار المذكورة:
فإن لم يكن له وارث غير المفقود؛ وقف جميع ماله، إلى أن يتضح الأمر، أو تمضي المدة.
وإن كان له ورثة غير المفقود؛ فقد اختلف العلماء في كيفية
مسألتهم على أقوال، أرجحها قول أكثر العلماء: أنه يعامل الورثة الذين مع المفقود بالأضر، فيعطي كل منهم إرثه المتيقن، ويوقف الباقي، وذلك بأن تقسم المسألة على اعتبار المفقود حيا، ثم على اعتبار ميتا، فمن كان يرث في المسألتين متفاضلاً؛ يعطى الأنقص، ومن يرث فيهما متساويا؛ يعطي نصيبه كاملاً، ومن يرث في إحدى المسألتين فقط؛ لا يعطى شيئا، ويوقف الباقي إلى تبين أمر المفقود.
وهذا في توريث المفقود من غيره، وأما توريث غيره منه؛ فإنه إذا مضت مدة انتظاره، ولم يتبين أمره؛ فإنه يحكم بموته، ويقسم ماله الخاص وما وقف له من مال مورثه على ورثته الموجودين حين الحكم بموته، دون من مات في مدة الانتظار؛ لأن الحكم بموت المفقود جاء متأخرًا عن وفاة من مات في مدة الانتظار، ومن شرط الإرث حياة بعد موت المورث