الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى} ممن آمن به. وكان ابن عمته، وابن خالته {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} ظلمهم وتكبر وتجبر فيهم؛ وأعجب بماله وغناه {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} المفاتح: جمع مفتح. والمفتح: هو المفتاح. والمفتاح جمعه مفاتيح. وقيل: المراد بالمفاتح: الأوعية. فيكون المعنى: ما إن خزائنه، وصناديق كنوزه وأمواله {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} لتثقل بالجماعة {أُوْلِي الْقُوَّةِ} أصحاب القوة والشدة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} أي الفرحين: فرح أشر وبطر؛ أما من منّ الله تعالى عليه بنعمة: فاطمأن إليها؛ اطمئنان الواثق بربه، وفرح بها: فهو ممن أحبه مولاه؛ فرضي عنه وأرضاه
{وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي اطلب الآخرة فيما آتاك الله من الثروة والغنى؛ بأن تتصدق، وتصل الرحم؛ ولا تنس أن تبقى لنفسك شيئاً يقيك العوز، ويمنعك من إراقة ماء وجهك {وَأَحْسِن} إلى الناس؛ ولو أساءوا {كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} رغم إساءتك {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} بالمعاصي
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}
أي إنما حصلت على هذا المال بسبب علمي بوجوه المكاسب، وضروب الاتجار. وقيل: كان يشتغل بالكيمياء؛ وهي تحويل بعض المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة - كالذهب - وذلك بواسطة إضافة عناصر أخرى إليها. وقد شغف الكثيرون بذلك العلم؛ وقضوا أعمارهم، وأفنوا أموالهم في ذلك السبيل؛ فلم يحظوا بطائل؛ وحذر كثير من الألباء من ولوج هذا الباب؛ فحذار - أيها المؤمن اللبيب - أن تحاول ما يعكر صفو حياتك، ويشغلك عن عبادتك؛ وانصرف عما لا يفيدك، إلى ما يفيدك {مِنَ الْقُرُونِ} الأمم {وَأَكْثَرُ جَمْعاً} للمال {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} أي لا يسألون سؤال استعتاب {وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} بل يسألون سؤال حساب وعقاب {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وقيل: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم: لظهورها وكثرتها؛ بل يدخلون النار بغير حساب؛ كما يدخل خيار المؤمنين الجنة بغير حساب
{فَخَرَجَ} قارون {عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} أي في أبهته: لابساً فاخر الثياب، راكباً فاره المراكب {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وليس لهم نصيب في الآخرة {يلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} من الجاه والمال {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} نصيب كبير في الدنيا
{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} الدين، والمعرفة، والحقيقة {وَيْلَكُمْ} أي الويل لكم. والويل: حلول الشر {ثَوَابُ اللَّهِ} جزاؤه في الآخرة {خَيْرٍ} من الدنيا وما فيها، ومن فيها {لِّمَنْ آمَنَ} بالله
⦗4
80
⦘ {وَعَمِلَ صَالِحاً} في دنياه {وَلَا يُلَقَّاهَآ} أي لا يؤتى الجنة، ولا يدخلها؛ أو لا يوفق للأعمال الصالحة {إِلَاّ الصَّابِرُونَ} على الطاعات، وعن المعاصي
{فَخَسَفْنَا بِهِ} أي بقارون {وَبِدَارِهِ}
بما فيها من كنوز، وأموال؛ لم تغن عنه كثرتها ووفرتها؛ وأهلكه الله تعالى، وأذهب حاله، وزينته، وجاهه؛ ولم يبق له في الدنيا سوى الخزي واللعنة، وفي الآخرة الجحيم والعذاب الأليم {فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ} جماعة، أو عصابة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ} يمنعون عنه الهلاك الذي قدره له
{وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} وكانوا يقولون {يلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ} أصبحوا يقولون {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} وي: كلمة يقولها النادم لإظهار ندمه {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} بإرادته {وَيَقْدِرُ} يقبض ويضيق عمن يشاء بحكمته وليس البسط دليلاً على رضاه، ولا القبض دليلاً على سخطه {لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} بالإيمان والصبر {لَخَسَفَ بِنَا} الأرض؛ كما خسف بقارون {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} الذين كفروا بأنعمالله؛ فلم يشكروها. وقنطوا من زوال الشدة، فلم يصبروا عليها
{لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً} بغياً وكبراً {وَلَا فَسَاداً} بارتكاب المعاصي. لأن الطاعة والإحسان: هما الوضع الصحيح الذي يقتضيه النظام الكوني، وتلتزمه الفطر السليمة. أما المعصية والإساءة: فهما خروج عن الطاعة، وفساد للنظام. والمعصية: فساد {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} والعاصي: مفسد {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} {وَالْعَاقِبَةُ} في الدنيا والآخرة {لِلْمُتَّقِينَ} الذين {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} {إِلَاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جزاءه وعقوبته
{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي أنزله إليك، وكلفك بتبليغه والعمل به {لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ} إلى عود. أي لمعيدك بعد الموت، أو لرادك إلى مكة؛ بعد أن أخرجوك منها. وكانت عودته عليه الصلاة والسلام يوم الفتح
{وَمَا كُنتَ تَرْجُو} تأمل قبل أن نهبك النبوة {أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} أن ينزل عليك القرآن {إِلَاّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} ولكن الله تعالى أنزله إليك: رحمة منه تعالى بك وبالناس
⦗ص: 481⦘
{فَلَا تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي معيناً لهم. والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله - وهو أبعد المخلوقين عن مظاهرة الكافرين والمراد به أمته {لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}