الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: حكم إيمان المقلدين
عقد السفاريني فصلاً في ذكر الخلاف في صحة إيمان المقلد في العقائد وعدمها وفي جوازه وعدمه شارحا قوله في منظومته:
وكل ما يطلب فيه الجزم
…
فمنع تقليد بذاك حتم
لأنه لا يكتفى بالظن
…
لذي الحجى في قول أهل الفن
وقيل يكفي الجزم إجماعا بما
…
يطلب فيه عند بعض العلما
فالجازمون من عوام البشر
…
فمسلمون عند أهل الأثر
فقال: (وكل ما) أي حكم ومطلوب مما عنه الذكر الحكمي، وهو المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري، وهو ما أنبأ عن أمر في نفسك من إثبات أو نفي، والمراد هنا كل اعتقاد (يطلب فيه) أي ذلك الاعتقاد من معرفة الله تعالى، وما يجب له ويستحيل عليه، ويجوز (الجزم) بأن يجزم به جزما لا يحتمل متعلقه النقيض عنده لو قدره في نفسه، فإن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح وإلا ففاسد، فما كان من هذا الباب (فمنع تقليد) وهو لغة وضع الشيء في العنق حال كونه محيطا به، وذلك الشيء يسمى قلادة وجمعها قلائد، وعرفا أخذ مذهب الغير يعني اعتقاد صحته واتباعه عليه بلا دليل، فإن أخذه بالدليل فليس بمقلد له فيه، ولو وافقه فالرجوع إلى قوله صلى الله عليه وسلم ليس بتقليد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - في المسودة: التقليد قبول القول بغير دليل، فليس المصير إلى الإجماع بتقليد، لأن الإجماع دليل، ولذلك يقبل قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقال تقليد، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية أبي الحارث من قلد الخبر رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى فأطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة بنفسه. انتهى ملخصا. (بذاك) أي بما يطلب فيه الجزم ولا يُكْتَفَى فيه بالظن (حتم) بفتح الحاء المهملة وسكون التاء المثناة فوق أي لازم واجب، قال علماؤنا وغيرهم يحرم التقليد في معرفة الله تعالى، وفي التوحيد والرسالة، وكذا في أركان الإسلام الخمس، ونحوها مما تواتر واشتهر، عند الإمام أحمد رضي الله عنه والأكثر وذكره أبو الخطاب عن عامة العلماء، وذكر غيره أنه قول الجمهور قاله في شرح التحرير، قال: وأطلق الحلواني من أصحابنا وغيره منع التقليد في أصول الدين، واستدلوا لتحريم التقليد بأمره سبحانه وتعالى بالتدبر والتفكر والنظر.
وفي صحيح ابن حبان لما نزل في آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الآيات [آل عمران: 190] قال صلى الله عليه وسلم: ((ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن، ويل له، ويل له)) (1)
والإجماع على وجوب معرفة الله تعالى، ولا تحصل بتقليد لجواز كذب المخبر، واستحالة حصولها، كمن قلد في حدوث العالم، وكمن قلد في قدمه، ولأن التقليد لو أفاد علما، فإما بالضرورة، وهو باطل، وإما بالنظر، فيستلزم الدليل والأصل عدمه، والعلم يحصل بالنظر، واحتمال الخطأ لعدم مراعاة القانون الصحيح، ولأن الله تعالى ذم التقليد بقوله تعالى إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: 22] ولقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: 19] فألزم الشارع بالعلم، ويلزمنا نحن أيضا؛ لقوله: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158].
(1) رواه ابن حبان (2/ 386) بلفظ: ((أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآية كلها [آل عمران: 190])). وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (68): صحيح.
فتعين طلب اليقين في الوحدانية، ويقاس عليها غيرها، والتقليد لا يفيد إلا الظن، ولهذا قال معللا للمنع عنه بقوله (لأنه) أي الشأن والأمر والقصة (لا يكتفى) في أصول الدين، ومعرفة الله رب العالمين (بالظن) الذي هو ترجيح أحد الطرفين على الآخر، فالراجح هو الظن، والمرجوح الوهم، فلا يكتفى به في أصول الدين (لذي) أي لصاحب (الحجى) كإلى أي العقل والفطنة (في قول أهل الفن) من الأئمة وعلماء المنقول والمعقول من الأصوليين والمتكلمة وغيرهم.
قال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: كل ما يطلب فيه الجزم يمتنع التقليد فيه، والأخذ فيه بالظن لأنه لا يفيده، وإنما يفيده دليل قطعي، قال: في شرح مختصر التحرير: وأجازه - يعني في التقليد في أصول الدين - جمع، قال بعضهم: ولو بطريق فاسد.
قال العلامة ابن مفلح: وأجازه بعض الشافعية لإجماع السلف على قبول الشهادتين من غير أن يقال لقائلها هل نظرت؟ وسمعه الإمام ابن عقيل، عن أبي القاسم ابن التبان المعتزلي قال: وإنه يكتفى بطريق فاسد، وقال هذا المعتزلي: إذا عرف الله، وصدق رسوله، وسكن قلبه إلى ذلك، واطمأن به، فلا علينا من طريق تقليد كان أو نظرا أو استدلالا، وإلى هذا الإشارة بقوله (وقيل يكفي) في أصول الدين (الجزم) ولو تقليدا (إجماعا)(ب) كل (ما) أي حكم (يطلب) بضم أوله مبنيا لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مضمر يعود على الجزم (فيه) أي فيه ذلك المطلوب من أصول الدين (عند بعض العلماء) من علماء مذهبنا والشافعية والمعتزلة وغيرهم.
قال العنبري وغيره يجوز التقليد في أصول الدين، ولا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم، ويقاس غير الإيمان من أصول الدين عليه.
وقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وقيل يكفي الجزم يعني بالظن إجماعا بما يطلب فيه الجزم، (فالجازمون) حينئذ بعقدهم، ولو تقليدا (من عوام البشر) الذين ليسوا بأهل للنظر والاستدلال، بما لا يتم الإسلام بدونه (ف) على الصواب هم (مسلمون عند أهل الأثر) وأكثر النظار والمحققين وإن عجزوا عن بيان ما لم يتم الإسلام إلا به.
وقال ابن حامد من علمائنا: لا يشترط أن يجزم عن دليل - يعني بل يكفي الجزم ولو عن تقليد، وقيل الناس كلهم مؤمنون حكما في النكاح والإرث وغيرهما، ولا يدرى ما هم عند الله، انتهى.
وقال العلامة المحقق ابن قاضي الجبل من علمائنا في أصوله: قال ابن عقيل: القياس النقلي حجة يجب العمل به، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع، قال: ولا يجوز التقليد، والحق الذي لا محيد عنه، ولا انفكاك لأحد منه صحة إيمان المقلد تقليدا جازما صحيحا، وأن النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأن التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة، نعم يجب النظر على من لا يحصل له التصديق الجازم أول ما تبلغه الدعوة.
قال بعض علماء الشافعية: اعلم أن وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا يشترط فيه أن يكون عن نظر واستدلال، بل يكفي اعتقاد جازم بذلك، إذ المختار الذي عليه السلف وأئمة الفتوى من الخلف وعامة الفقهاء، صحة إيمان المقلد، قال: وأما ما نقل عن الإمام الشيخ أبي الحسن الأشعري من عدم صحة إيمان المقلد، فكذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري.
ثم قال: ومما يرد على زاعمي بطلان إيمان المقلد أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فتحوا أكثر العجم، وقبلوا إيمان عوامهم، كأجلاف العرب، وإن كان تحت السيف، أو تبعا لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدا منهم بترديد نظر، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجئوا أمره حتى ينظر والعقل يجزم في نحو هذا بعدم وقوع الاستدلال منهم لاستحالته حينئذ، فكان ما أطبقوا عليه دليلا أي دليل على إيمان المقلد، وقال: إن التقليد أن يسمع من نشأ بقمة جبل الناس يقولون للخلق رب خلقهم، وخلق كل شيء من غير شريك له، ويستحق العبادة عليهم، فيجزم بذلك إجلالا لهم عن الخطأ، وتحسينا للظن بهم، فإذا تم جزمه بأن لم يجز نقيض ما أخبروا به، فقد حصل واجب الإيمان، وإن فاته الاستدلال لأنه غير مقصود لذاته بل للتوصل به للجزم وقد حصل.
وقال الإمام النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقا، وإن كان مقلدا على مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، لأنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح التي يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي، انتهى.
وبما تقرر تعلم أن النظر ليس بشرط في حصول المعرفة مطلقا، وإلا لما وجدت بدونه لوجوب انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، لكنها قد توجد فظهر أن النظر لا يتعين على كل أحد، وإنما يتعين على من لا طريق له سواه، بأن بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بلغته دعوته، وصدق به تصديقا جازما بلا تردد، فمع صحة إيمانه بالاتفاق لا يأثم بترك النظر، وإن كان ظاهر ما تقدم الإثم مع حصول الإيمان، لأن المقصود الذي لأجله طلب النظر من المكلف وهو التصديق الجازم قد حصل بدون النظر فلا حاجة إليه، نعم في رتبته انحطاط، وربما كان متزلزل الإيمان فالحق أنه يأثم بترك النظر وإن حصل له الإيمان، ومن ثم نقل بعضهم الإجماع على تأثيمه لأن جزمه حينئذ لا ثقة به، إذ لو عرضت له شبهة عكرت عليه، وصار مترددا بخلاف الجزم الناشئ عن الاستدلال، فإنه لا يفوت بذلك، والله تعالى ولي التوفيق.
(تنبيهات):
الأول: في مسألة التقليد ثلاثة أقوال، (أولها) النظر واجب،
…
رجحه الإمام الرازي، وأبو الحسن الآمدي.
(الثاني) ليس بواجب والتقليد جائز،
…
(الثالث) التقليد حرام ويأثم بترك النظر والاستدلال، ومع إثمه بترك النظر، فإيمانه صحيح،
…
وثَم قول (رابع) وهو أن النظر حرام؛ لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد، فيجب بأن يجزم المكلف عقده بما يأتي به الشرع من العقائد الدينية، ولكن قد علم مما مر أن الرجوع إلى الكتاب والسنة ليس بتقليد، وإن سمي تقليدا فمجاز، ومنه قول الإمام أحمد رضي الله عنه: ومن قلد الخبر رجوت أن يسلم إن شاء الله تعالى.
وقد قال أبو حامد الغزالي في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة): من ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لا بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عباده عطية وهدية من عنده، تارة بتنبيه في الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بقرينة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال
…
وأمثالهم أكثر من أن تحصى، ولم يشتغل واحد منهم قط بكلام وتعلم الأدلة، بل كان يبدو نور الإيمان أولا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا يزال يزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة، وبتلاوة القرآن، وتصفية القلوب - إلى أن قال: والحق الصريح أن كل من اعتقد أن كل ما جاء به الرسول واشتمل عليه القرآن حق، اعتقادا جازما، فهو مؤمن، وإن لم يعرف أدلته.
قال: فالإيمان المستفاد من الأدلة الكلامية ضعيف جدا، مشرف على التزلزل بكل شبهة، انتهى فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كانوا يعلمون أن العوام وأجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالا، كما أجاب به الأعرابي الأصمعي عن دليل سؤاله: بم عرفت ربك؟ فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير.
فلذلك لم يلزموهم بالنظر، ولا سألوهم عنه، ولا أرجئوا أمرهم فلما كان كذلك، لم يكن اكتفاؤهم بمجرد الإقرار دليلا على عدم وجوب النظر على الأعيان، ولا على أن تاركه غير آثم. فالجواب: ما ذكروه دعوى بلا دليل، وحكاية الأعرابي لا تدل على أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة إجمالا، فإن المثال الجزئي لا يصحح القواعد الكلية، والعقول مختلفة الأمزجة متفاوتة أشد تفاوت، فوجود فرد من الأعراب قوي العقل نافذ البصيرة لا يدل على أن كل الأعراب والأجلاف كذلك بلا خفاء.
ويوضحه أن من الذين أسلموا في عهدهم كانوا يكونون عجما ونساء، وقبلوا منهم الإسلام ولم يأمروهم بالنظر ولم يرجئوهم، أيضا كان أهل الشرك من قريش يجادلون ويناضلون عن آلهتهم، و: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات: 36]، وقالوا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 5]،
…
(الثاني)
…
أن التقليد الصحيح محصل للعلم، بمعنى أن المقلد تقليدا صحيحا لا يصدق بما ألقي إليه من العقائد إلا بعد انكشاف صدقها عنده من غير أن يكون له دليل عليها، وقد جاء في محكم الذكر فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ [الأنعام: 125]
…
(الثالث) قد نقل عن أبي الحسن الأشعري أنه لا بد من انبناء الاعتقاد في كل مسألة من الأصول على دليل عقلي، لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه، وعلى مجادلة الخصوم، ودفع الشبه، قال السعد التفتازاني في (شرح المقاصد): هذا هو المشهور عن الأشعري حتى حكي عنه أن من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا. انتهى.
قال في جمع الجوامع: وعن الأشعري لا يصح إيمان المقلد. قال شارحه: وشنَّع عليه أقوام بأنه يلزمه تكفير العوام، وهم غالب المؤمنين، وقال القشيري: مكذوب عليه.
قال التاج السبكي: والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم بأن لا يجزم به، فلا يكفي إيمان المقلد قطعا؛ لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه، وإن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة لكن جزما فيكفي إيمان المقلد عند الأشعري وغيره خلافا لأبي هاشم المعتزلي في قوله: لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر.
وقد وافق النقل عن الأشعري جماعة منهم القاضي، وإمام الحرمين وغيرهما، قالوا: قال الجمهور بعدم صحة الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدينية حتى زعم بعضهم أنه مجمع عليه، وعزاه ابن القصار للإمام مالك رضي الله عنه.
والمشهور نقل بعضهم عن الجمهور عدم جواز التقليد في العقائد الدينية وأنهم اختلفوا في المقلد، منهم من قال: إنه مؤمن إلا أنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح، ومنهم من فصَّل فقال: هو مؤمن عاص، إن كان فيه أهلية لفهم النظر الصحيح، وغير عاص إن لم يكن فيه أهلية ذلك، ومنهم من نقل عن طائفة أن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لاتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم، ومنهم من جعل النظر والاستدلال شرطا للكمال، ومنهم من حرم النظر كما مر ذلك.
قال الجلال المحلي في شرح (جمع الجوامع): وقد اتفقت الطرق الثلاث - يعنى الموجبة للنظر، والمجوزة له، والمحرمة - على صحة إيمان المقلد، انتهى.
وعبارة الآمدي في (الأبكار) اتفق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه ليس للجمهور إلا القول بعصيانه بترك النظر إن قدر عليه مع اتفاقهم على صحة إيمانه وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمان المقلد إلا لأبي هاشم بن أبي علي الجبائي من المعتزلة محتجا بأن من لم يعرف الله سبحانه وتعالى بالدليل فهو كافر. قال الآمدي: وأصحابنا مجمعون على خلافه
…
هذا حاصل ما أجيب به عن الأشعري حتى قال بعض الأشاعرة عن الأشعري لا يكاد يكون في العوام مقلد. وعبارة (شرح المقاصد) ذهب كثير من العلماء، وجميع الفقهاء إلى صحة إيمان المقلد، وترتيب الأحكام عليه في الدنيا والآخرة، ومنعه الشيخ أبو الحسن، والمعتزلة، وكثير من المتكلمين، احتج القائلون بالصحة بأن حقيقة الإيمان التصديق، وقد وجدت من غير اقترانه بموجب من موجبات الكفر، فإن قيل: لا يتصور التصديق بدون العلم لأنه إما ذاتي للتصديق أو شرط له، ولا علم للمقلد لأنه اعتقاد جازم مطابق مستند إلى سبب من ضرورة أو استدلال، فأجاب بأن المعتبر في التصديق هو اليقين، أعني الاعتقاد الجازم المطابق بل ربما يكتفي بالمطابقة، ويجعل الظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال في حكم اليقين. انتهى.
(الرابع) قال السعد: اعلم بأن القائلين بعدم صحة إيمان المقلد أو ليس بنافع اختلفوا، فمنهم من قال: لا يشترط ابتناء الاعتقاد (على استدلال عقلي) في كل مسألة بل يكفي ابتناؤه على قول من عرفت رسالته بالمعجزة مشاهدة أو تواترا، أو على الإجماع، ومنهم من قال: لا بد من ابتناء الاعتقاد في كل مسألة من الأصول على دليل عقلي، لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه ولا على مجادلة الخصوم
…
ومنهم من قال: لا بد مع ابتناء الاعتقاد على الدليل العقلي من الاقتدار على مجادلة الخصوم، وحل ما يورد عليه من الإشكالات - قال: وإليه ذهب المعتزلة فلم يحكموا بإيمان من عجز عن شيء من ذلك بل يحكم أبو هاشم بكفره.
وذكر عن العنبري وغيره من شيوخ المعتزلة جواز التقليد في أصول الدين، وأنه لا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم. فعليه المعول. واتضح أن المرجح صحة إيمان المقلد عند محققي كل طائفة بشرط الجزم وعدم التزلزل والشك، على أنا نقول: المختار أن الراجع إلى أخبار الرسول، والكتاب المنزل، والإجماع ليس بمقلد، فمن شهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ونهج سبيل المسلمين من فعل المأمور، وترك المحظور، ولم يأت بمكفر، فهو المؤمن، وبالله التوفيق.
ويؤيد هذا ما أخرجه الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري) بسنده المتصل إلى أبي حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ أنه قال: سمعت أبا علي طاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري - رحمه الله تعالى - في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات (1) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – 1/ 267
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان: أحدهما: من يقول: إن أكثر العامة تاركوه وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون: إن إيمانهم لا يصح وأكثرهم يقولون يصح إيمانهم تقليدا مع كونهم عصاة بترك النظر وهذا قول جمهورهم قد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح الفقه الأكبر فقالوا: قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد ولكنه عاص بترك الاستدلال
…
والنوع الثاني من موجبي النظر - وهم جمهورهم - يقولون: إنه متيسر على العامة كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وغيرهما ممن يقول ذلك درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - 4/ 93
(1)((تبيين كذب المفتري)) (ص 149).