الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ما وقع من الحوادث سنة 831]
السنة السابعة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر]«1»
وهى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة.
[و]«2» فيها توفى أمير الملأ عدرا بن نعير بن حيّار بن مهنّا مقتولا فى المحرم.
وتوفى الأمير الفقيه سيف الدين بكتمر بن عبد الله السعدى «3» ، أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، فى يوم الخميس ثالث عشر [شهر]«4» ربيع الأول، بسكنه بدار أستاذه القاضى سعد الدين إبراهيم بن غراب بخط قنطرة طقزدمر، ولم يخلّف بعده فى أبناء جنسه مثله بل ولا فى غير أبناء جنسه، لما اشتمل عليه من المحاسن: كان فاضلا دينا عاقلا شجاعا بارعا فى فنون الفروسية، انتهت إليه الرئاسة فى حمل المقيّرة «5» ورمى النّشّاب فى زمانه، هذا مع البشاشة والكرم وحسن الشكل والتواضع وحسن المحاضرة وجودة المشاركة فى كل علم وفن، مع الفصاحة فى اللغة التركية والعربية، والدين المتين والعفّة عن المنكرات والفروج؛ ولا أعرف من يدانيه فى محاسنه، فكيف يشابهه! وكان طوالا جسيما ضخما ذا قوة مفرطة، مليح الشكل، واللحية مدورة بادية الشيب، قبض مرة بأكتاف شخص من أعيان الخاصكيّة المشاهير بالقوة، وهزّه وأفلته، ثم قال له: ما بقى
فيك شىء يا فلان، فلم ينطق ذلك الرجل بكلمة وذهب خجلا لكثرة دعاويه، فقلت لبكتمر: هذا الذي أنت فيه من كثرة الإدمان، فقال: منذ «1» بلغت الحلم وأنا متزوج، غير أننى لا أهمل نفسى، فقلت له: هذه منح إلاهيّة. ولما مات أنعم [السلطان]«2» بطبلخانته على الأمير قجقار جغتاى السيفى بكتمر جلّق، ومات بكتمر السعدى هذا وسنه نحو خمسين «3» سنة تخمينا، وكان رومى الجنس رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين جانبك [بن عبد الله]«4» الأشرفى الدوادار الثانى وعظيم دولة أستاذه الأشرف برسباى فى يوم الخميس سابع عشرين [شهر]«5» ربيع الأول، وسنّه نحو خمسة وعشرين «6» سنة تخمينا، ودفن بمدرسته التى أنشأها بخط القربيين خارج باب زويلة على الشارع، ثم نقل منها بعد مدة إلى تربة «7» أستاذه بالصحراء، وحضر السلطان غسله ثم الصلاة عليه؛ وكان أشيع عنه أن نفسه تحدثه بالملك، فعاجلته المنية. وكان أصله من مماليك [الملك]«8» الأشرف برسباى، اشتراه صغيرا فى أيام إمرته وقاسى «9» معه خطوب الدهر أيام حبسه بقلعة المرقب وغيرها، ولما تسلطن [الملك]«10» الأشرف عرف له ذلك مع محبته له، فرقّاه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله خازندارا، ثم أرسله بتقاليد الأمراء نواب الشأم: تنبك البجاسى وغيره، ثم أنعم عليه بعد حضوره بإمرة طبلخاناة، وخلغ عليه بالدوادارية الثانية عوضا عن [الأمير]«11» قرقماس الشعبانى الناصرى بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، فعظم فى الدولة ونالته السعادة، حتى تزايد أمره وخرج عن الحد من كثرة إنعامه وإظهار الجميل والأخذ بالخواطر، حتى ركن إليه غالب أعيان الدولة من الخاصكيّة،
وكثر ترداد «1» الناس إليه، وصار أكابر الدولة مثل عبد الباسط وغيره تتردد أيضا إليه «2» إلى خدمته، [إذا سمح لهم بذلك، وله عليهم الفضل]«3» ؛ وصار أمره فى نمو وزيادة، وقصده الناس من الأقطار لقضاء حوائجهم. وبينما هو «4» فى ذلك وقد اشتغل الناس به وأشير إليه بالأصابع، وقد مرض ولزم الفراش مدة ونزل [السلطان]«5» إلى عيادته مرة، ثم رسم بطلوعه إلى القلعة، فحمل إليها وتولى السلطان تمريضه، فأفاق قليلا وترعرع، فأنزل إلى داره. وكان سكنه بالدار التى فى «6» سوق القبو الحسينى «7» ، وللدار باب من حدرة البقر، وهى الآن سكن الأمير يشبك الفقيه المؤيدى؛ وعند نزوله إليها عاوده المرض، ونزل إليه ثانيا فوجده كما قيل:[السريع]
لم يبق إلا نفس خافت
…
ومقلة إنسانها باهت
يرثى له الشّامت ممّا به
…
يا ويح من يرثى له «8» الشّامت
[53]
وبعد طلوعه مات فى تلك الليلة، فنزل السلطان إلى داره وحضر غسله- كما تقدم- والصلاة عليه.
وكان أميرا شابا حلو الشكالة، للقصر أقرب، أخضر اللون مليح الوجه صغير اللحية مدوّرها، فصيحا ذكيّا حاذقا، متحركا متجمّلا فى مركبه وملبسه وسماطه إلى الغاية، يكتب كتابة ضعيفة ويقرأ، إلا أنه كان عاريا لم يسبق له اشتغال، وما كان دأبه إلا فيما هو فيه من الأمر والنهى وتنفيذ الأمور؛ واتّهم السلطان بموته، والله أعلم بحاله.
وتوفى الشيخ المعتقد الصالح سعيد المغربى نزيل جامع الأزهر، به، فى يوم
الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول، بعد أن جاور بجامع الأزهر عدة سنين.
وكان للناس فيه اعتقاد كبير، وله كرامات ويقصد للزيارة والتبرك بدعائه؛ زرته غير مرة، ومات وقد علا «1» سنه وطال مرضه، وترك نحو الألفى دينار ما بين ذهب وفضة وفلوس.
وتوفى الأمير سيف الدين أزدمر [بن عبد الله]«2» من على جان الظاهرى المعروف بأزدمر شايا، فى سادس [شهر]«3» ربيع الآخر، وهو أحد أمراء حلب بعد أن تنقل فى عدة إمريات بالشأم ومصر، وصار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر، ثم أخرج إلى نيابة ملطية، ثم نقل إلى إمرة بحلب إلى أن مات بها. وقد تقدم التعريف بحاله عند إخراجه من مصر فى ترجمة [الملك]«4» الأشرف، ومات وسنّه نيف على خمسين سنة. وكان من سيئات «5» الدهر: لم يشهر «6» بدين ولا كرم ولا شجاعة ولا معرفة ولا عقل، مع كبر وجبروت وظلم وسوء خلق، وكان قصيرا نحيفا أصفر دميما حقيرا فى الأعين، وعدّ إخراجه من مصر [من]«7» محاسن [الملك الأشرف]«8» .
وتوفى الأمير [سيف الدين]«9» كمشبغا [بن عبد الله]«10» الجمالى الظاهرى أحد أمراء الطبلخانات بطّالا، فى يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، وقد علا سنه؛ وكان من أكابر المماليك الظاهرية [برقوق]«11» وممن تأمّر فى أيام أستاذه. وكان تركى الجنس عاقلا فقيها ديّنا خيرا عفيفا عن المنكرات والفروج، وطالت أيامه فى الإمرة، وتولى نيابة قلعة الجبل فى الدولة الناصرية [فرج]«12» ، واستمرّ من جملة
أمراء الطبلخانات فى صدر من الدولة الأشرفية [برسباى]«1» إلى أن أخرج [الملك]«2» الأشرف إقطاعه، فلزم داره على أحسن وجه إلى أن مات وهو فى عشر «3» الثمانين.
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين يشبك بن عبد الله «4» الساقى الظاهرى الأعرج «5» أتابك العساكر بالديار المصرية، فى يوم السبت ثالث جمادى الآخرة؛ وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن أعيان خاصكيّته، وصار ساقيا فى أيام أستاذه الظاهر.
ثم ثار على الملك الناصر فى أيام تلك الفتن، ووقع له أمور وحروب انصاب فى بعضها بجرح أصابه، بطل منه شقته وصار يعرج منه عرجا فاحشا، ثم عوفى، وانتمى للأمير نوروز الحافظى إلى أن ولّاه نيابة قلعة حلب «6» ، إلى أن أمسكه [الملك]«7» المؤيد شيخ وحبسه بعد قتل نوروز؛ ثم نفاه إلى مكة بطّالا سنين عديدة، إلى أن استقدمه [الملك]«8» الظاهر ططر [إلى القاهرة]«9» ، ومات قبل أن ينعم عليه بإمرة؛ فأنعم عليه الملك الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن قرمش الأعور دفعة واحدة، ثم صار أمير سلاح، ثم ولى أتابكية العساكر بعد الأمير قجق العيساوى، فاستمر على ذلك إلى أن مات [فى التاريخ المقدم ذكره]«10» .
وكان من رجال الدهر عقلا وحزما ودهاء «11» ومعرفة وتدبيرا، مع مشاركة جيدة فى الفقه والقراءات «12» ، ومعرفة تامة بفنون الفروسية وأنواع الملاعيب، كالرمح
والنّشاب وغيره، وكان يكتب المنسوب ويحفظ القرآن. وكانت نفسه تحدثه بأمور، فإنه كان يكثر من ذكر أخبار تيمور لنك وشدة بأسه لكونه كان أعرج «1» ، وقد صار أمره إلى ما صار، وهو الذي حسّن [للملك]«2» الأشرف الاستيلاء على بندر جدة، والقبض على حسن بن عجلان، ولو عاش لحسّن له أخذ اليمن كله «3» .
وتولى الأتابكية بعده الأمير جارقطلو [54] الظاهرى «4» .
وتوفى بدر الدين حسن كاتب سر دمشق وناظر جيشها، بها، فى يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الآخرة؛ وكان أصله من سمرة دمشق، وخدم عند الأمير بكتمر جلّق نائب دمشق، ثم ترقّى إلى أن جمع له بين كتابة سر دمشق ونظر جيشها، بسفارة الأمير أزبك المحمدى الدوادار الكبير، كون أزبك كان متزوجا ببنت زوجته.
وتوفى الشيخ الإمام العالم المفنن شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوى الشافعى، أحد فقهاء الشافعية ومدرس المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف، فى يوم الخميس ثانى عشرين جمادى الآخرة وقد أناف على ستين سنة، بعد ما أفتى وأشغل عدة سنين.
وتوفى القاضى بدر الدين حسن بن أحمد بن محمد البردينى الشافعى أحد نواب القضاة الشافعية «5» ، فى يوم الاثنين خامس عشرين [شهر]«6» رجب وقد أناف على الثمانين سنة، وكان قاضى سوء لم يشهر بعلم ولا دين.
أمر النيل [فى هذه السنة]«7» : الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة:
عشرون ذراعا سواء.