الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم فى يوم الاثنين ثانى ذى الحجة، وصل الأمير جلبان نائب الشام، إلى القاهرة، ونزل السلطان إلى ملاقاته بمطعم الطيور بالرّيدانيّة خارج القاهرة، وخلع عليه خلعة الاستمرار على نيابة دمشق، وهذه قدمته الثانية فى الدولة الظاهرية، ثم قدّم جلبان المذكور تقدمته إلى السلطان من الغد فى يوم الثلاثاء، وكانت تشتمل على عدة حمّالين كثيرة، منها سمّور خمسة أبدان، ووشق بدنان «1» ، وقاقم خمسة أبدان، وسنجاب خمسون بدنا، وقرضيات خمسون قرضية، ومخمّل ملون خاصّ أربعون ثوبا، ومخمل أحمر وأخضر وأزرق حلبى، خمسون ثوبا، وصوف ملوّن مائة ثوب، وثياب بعلبكى خمسمائة ثوب، وثياب بطائن خمسمائة أيضا، وقسىّ حلقة ثلثمائة قوس، منها خمسون خاصّا، وطبول بازات مذهبة عشرة، وسيوف خمسون سيفا، وخيول مائتا رأس، منها واحد بسرج ذهب وكنبوش زركش، وبغال ثلاثة أقطار، وجمال أربعة أقطار، وعشرون ألف دينار على ما قيل «2» .
[ما وقع من الحوادث سنة 848]
وفى أواخر هذه السنة ظهر الطاعون بمصر، وفشا فى أول المحرم سنة ثمان وأربعين [وثمانمائة]«3» ، وقد أخذ السلطان فى تجهيز تجريدة عظيمة لغزو رودس، وأخذ الطاعون يتزايد فى كل يوم، حتى عظم فى صفر، وزاد عدة من يموت فيه على خمسمائة إنسان «4» .
ثم فى يوم الثلاثاء حادى عشرين صفر، نفى السلطان كسباى الششمانى المؤيدى، أحد الدوادارية الصغار، وعدّ ذلك من الأشياء التى وضعها [الملك] »
الظاهر فى محلها؛ وقد استوعبنا أمر كسباى هذا، والتعريف بأحواله فى غير هذا المحل.
ثم فى شهر ربيع الأول أخذ الطاعون يتناقص من القاهرة ويتزايد بضواحيها.
ثم فى يوم السبت سادس عشر [شهر]«1» ربيع الأول [المذكور]«2» ، نفى السلطان سودون السودونى الحاجب إلى قوص، وأنعم بإقطاعه على الأمير ألطنبغا المعلّم الظّاهرى برقوق، زيادة على ما بيده.
ثم فى يوم السبت المذكور، خرجت الغزاة من القاهرة، فنزلت فى المراكب من ساحل بولاق، وقصدوا الإسكندرية ودمياط، ليركبوا من هناك البحر المالح، والجميع قصدهم غزو رودس. وكانوا جمعا موفورا، ما بين أمراء وخاصّكية ومماليك سلطانية ومطوّعة، وكان مقدم الجميع فى هذه السنة أيضا الأمير إينال العلائى الدّوادار الكبير «3» ، كما كان فى السنة الخالية، وكان معه من الأمراء الطبلخانات، الأمير يلخجا من مامش الساقى الناصرى الرأس نوبة الثانى، ومن العشرات جماعة كبيرة، منهم، تغرى برمش الزّردكاش، وتغرى برمش الفقيه نائب القلعة، وهو مستمر على وظيفته؛ ورسم السلطان للأمير يونس العلائى الناصرى أحد أمراء العشرات أن يسكن بباب المدرج، إلى أن يعود تغرى برمش المذكور من الجهاد، وسودون الإينالى المؤيدى قرافاس رأس نوبة، وتمربغا الظاهرى جقمق، ونوكار الناصرى، وتمراز النّوروزى «4» رأس نوبة المعروف بتعريص «5» ، ويشبك الفقيه المؤيدى.
وفيها تأمّر بعد [130] عوده بعد موت تمراز النّوروزى، من جرح أصابه وجماعة أخر من أعيان الخاصّكية، كل «6» منهم مقدّم على غراب أو زورق، ومعه عدة من المماليك السلطانية وغيرهم، وكانت المماليك السلطانية فى هذه الغزوة تزيد عدتهم على ألف مملوك، هذا خارج عمن سافر من المطوعة، وأضاف إليهم السلطان أيضا جماعة كبيرة من أمراء البلاد الشامية، كما فعل [الملك]«7» الأشرف فى غزوة قبرس المقدم
ذكرها، ورسم لهم السلطان أن يتوجه الجميع إلى طرابلس، ليضاف إليهم العسكر الشامى، ويسير الجميع عسكرا واحدا، ففعلوا ذلك، وسافر الجميع من ثغر دمياط، وثغر الإسكندرية، فى يوم الخميس حادى عشر [شهر]«1» ربيع الآخر؛ وكان لخروجهم من ساحل بولاق يوم عظيم «2» ، لم ير مثله إلا نادرا.
ولما ساروا من ثغر الإسكندرية ودمياط إلى طرابلس، ثم من طرابلس إلى رودس، حتى نزلوا على برّها بالقرب من مدينتها فى الخيم، وقد استعد أهلها للقتال، فأخذوا فى حصار المدينة، ونصبوا عليها المناجيق «3» والمكاحل، وأرموا على أبراجها بالمكاحل [والمدافع]«4» ، واستمروا على قتال أهل رودس فى كل يوم. هذا ومنهم فرقة كبيرة «5» قد تفرقت فى قرى رودس وبساتينها ينهبون ويسبون، واستمروا على ذلك أياما، ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة، لشدة مقاتليها ولعظم عمارتها، وقد تأهبوا للقتال وحصّنوا رودس، بالآلات والسلاح والمقاتلة، وصار القتال مستمرا «6» بينهم فى كل يوم، وقتل من الطائفتين خلائق كثيرة، هذا وقد استقر الأمير يلخجا الناصرى فى المراكب، ومعه جماعة كبيرة من المماليك السلطانية وغيرهم، لحفظ المراكب من طارق يطرقهم من الفرنج فى البحر، وكان فى ذلك غاية المصلحة، وصار يلخجا مقدم العساكر فى البحر، كما كان إينال مقدم العساكر فى البر، وبينما يلخجا ورفقته ذات يوم، إذ هجم عليهم الفرنج فى عدة كبيرة من المراكب، فبرز إليهم يلخجا ومن معه، وقاتلوهم قتالا عظيما، حتى نصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج وغنم المسلمون منهم.
كل ذلك وقتال رودس مستمر فى كل يوم، والعساكر فى غاية ما يكون من الاجتهاد
فى قتال رودس، غير أن رودس لا يزداد أمرها إلا قوة، لعظم استعداد أهلها للقتال.
ولما كان بعض الأيام، وقع للمسلمين محنة عظيمة، قتل فيها جماعة كبيرة من أعيان الغزاة من الخاصّكية وغيرهم، وهو أنّ جماعة من المسلمين الأعيان، نزلوا فى كنيسة تجاه رودس، وبينهم وبين العسكر الإسلامى رفقتهم مخاضة من البحر المالح، وبينهم أيضا وبين مدينة رودس طريق سالكة.
فاتفق أهل رودس على «1» تبييت هؤلاء المسلمين الذين بالكنيسة المذكورة، إلى أن أمكنهم ذلك، فخرجوا إليهم على حين غفلة وطرقوهم بالسيوف والسلاح.
وكان المسلمون فى أمن من جهتهم، وغالبهم جالس بغير سلاح، وهم أيضا فى قلة والفرنج فى كثرة.
فلما هجموا على المسلمين، ووقعت «2» العين فى العين، قام المسلمون إلى سلاحهم، فمنهم «3» من وصل إلى أخذ سلاحه، وقاتلهم حتى قتل، ومنهم من قتل دون أخذ سلاحه، ومنهم من ألقى بنفسه إلى الماء ونجا، وهم القليل.
على أنه قتل من الفرنج جماعة كبيرة، قتلتهم فرسان المسلمين قبل أن يقتلوا لما عاينوا الهلاك، أثابهم الله الجنة.
ولما وقعت الهجّة، قام كل واحد من المسلمين إلى نجدة هؤلاء المذكورين، فلم يصل إليهم أحد حتى فرغ القتال، إلا أن بعض أعيان الخاصّكية مع رفقته، لحق جماعة من الفرنج قبل دخولهم إلى رودس، ووضعوا فيهم السيف.
وقد استوعبنا واقعتهم بأطول من هذا، فى غير هذا الكتاب.
وكان عدة من قتل فى هذه الكائنة نيفا «4» على عشرين نفسا، ودام القتال بعد
ذلك فى كل يوم بين عساكر الإسلام وبين فرنج رودس أياما كثيرة، ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة. فعند ذلك أجمع المسلمون على العود، وركبوا مراكبهم، وعادوا إلى أن وصلوا إلى ثغر الإسكندرية ودمياط، ثم قدموا إلى القاهرة. فكانت غزوة العام الماضى، أعنى غزوة قشتيل التى أخربوها وسبوا أهلها، أبهج من هذه الغزوة [131] ، فلله «1» الأمر من قبل ومن بعد. وكان وصول الغزاة المذكورين إلى القاهرة، فى يوم الخميس ثانى عشر شهر رجب من سنة ثمان وأربعين المذكورة.
ثم فى يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير سودون المحمدى أحد أمراء العشرات، باستقراره فى نيابة قلعة دمشق، بعد نقل الأمير جانبك الناصرى دوادار برسباى الحاجب منها، إلى حجوبية الحجاب بدمشق، بعد موت الأمير سودون النّوروزى.
وفيه استقر الأمير قنصوه النّوروزى الخارج على السلطان، فى نوبة الجكمى، فى نيابة ملطية، بعد عزل الأمير قيزطوغان العلائى، وقدومه إلى حلب، أتابكا بها، عوضا عن الصاحب خليل بن شاهين بحكم عزله ونفيه.
ثم فى يوم السبت رابع شهر رجب، وصل إلى القاهرة الأمير بردبك العجمى الجكمى، نائب حماة، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض، فنهره السلطان، وأمر بالقبض عليه، فأمسك وحبس بالقلعة، ثم سفّر إلى ثغر الإسكندرية فسجن بها؛ وسبب ذلك واقعة كانت بينه وبين أهل حماة، قتل فيها جماعة كبيرة من الحمويين، استوعبناها فى الحوادث «2» [من غير هذا الكتاب]«3» ، ورسم السلطان للأمير قانى باى
الأبوبكريّ البهلوان، نائب صفد بنيابة حماة، ونقل الأمير بيغوت المؤيدى الأعرج نائب حمص إلى نيابة صفد.
ثم فى يوم الاثنين سادس شهر رجب المذكور، خلع السلطان على الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدى، الذي كان ولى حسبة القاهرة، باستقراره فى نيابة الإسكندرية، بعد عزل الأمير ألطنبغا المعلم اللّفّاف الظاهرى برقوق، وقدومه إلى القاهرة على إقطاعه، وقد زاده «1» السلطان عدّة زيادات.
ثم فى يوم الخميس خامس عشر شعبان، قدم إلى القاهرة قاصد القان معين الدين شاه رخ بن تيمور لنك وفى خدمته نحو المائة نفر، وأتباع كثيرة «2» ، وكان معه أيضا امرأة عجوز من نساء تيمور لنك، قدمت برسم الحج إلى بيت الله الحرام؛ أقامت بدمشق لتتوجه فى الموسم صحبة الركب الشامى، ومع القاصد المذكور كسوة الكعبة التى أرسلها شاه رخ، وكان القاصد الذي قدم فى العام الماضى، استأذن السلطان فى ذلك، واعتذر أن شاه رخ نذر أنه يكسو الكعبة، كما كان ذكر «3» ذلك للملك «4» الأشرف برسباى؛ وكان ذلك سببا لضرب الأشرف لقصّاده والإخراق بهم.
فلما استأذن القاصد الملك الظاهر جقمق، أذن له وعاد القاصد بالجواب إلى شاه رخ، فأرسلها فى هذه السنة، صحبة هذا القاصد المذكور، واعتذر الملك الظاهر بقوله:«إن هذه قربة، ويجوز أن يكسو الكعبة كائن من كان» ؛ وعظم ذلك على أمراء الدولة والمصريين إلى الغاية، ونزل القاصد المذكور فى بيت جمال الدين الأستادّار بين القصرين.
فلما كان يوم الاثنين حادى عشر شهر رمضان، طلع قاصد شاه رخ المذكور ورفقته إلى القلعة، وكان السلطان قد احتفل إلى طلوعهم، ونادى أن أحدا من أجناد الحلقة والمماليك السلطانية، لا يتأخر عن طلوع القلعة فى هذا اليوم، وعمل السلطان الخدمة بالحوش من القلعة، ولم تكن العادة بعمل الخدمة إلا فى إيوان القلعة، فأبطل السلطان ذلك وعملها فى الحوش، وطلعوا القصّاد ومعهم التقدمة والكسوة، فأمر السلطان بإدخال ما معهم إلى البحرة لئلا يفطن أحد بالكسوة المذكورة «1» ، وترحّب السلطان بالقصّاد وأكرمهم وقرئ ما على يدهم من المكاتبة، وعادوا إلى جهة منزلهم، إلى أن وصلوا إلى بيت جمال الدين حيث سكنهم، وقد أطلقت الألسن فى حقهم بالوقيعة من العوام «2» والرجم المتتابع إلى البيت المذكور.
وحال دخولهم إلى البيت، نزل خلفهم فى الوقت من المماليك السلطانية الذين «3» بأطباق القلعة، مقدار ثلاثمائة مملوك، وانضاف «4» إليهم جماعة كبيرة من المماليك البطّالين والعوام، وكبسوا على القصّاد المذكورين، ونهبوا جميع ما كان لهم، وكان شيئا كثيرا إلى الغاية، وأفحشوا فى النهب حتى أخذوا خيولهم، وكان قيمة ما نهب لهم من الفصوص الفيروزج الكرمانى والشقق الحرير والمخمّل والمسك وأنواع الفرو وغير ذلك نيّف «5» على عشرين ألف [132] دينار وأكثر، ولولا أن الأمير يلخجا الرأس نوبة الثانى، كان سكنه بالقرب منهم، فركب فى الحال بمماليكه ونجدهم، ومنع الناس من نهبهم، ثم وصل إليهم الأمير إينال العلائى الدوادار الكبير، ثم الأمير تنبك حاجب الحجاب، وأمسكوا جماعة من العامة، وأخذوا ما كان معهم مما نهبوه، وإلا كان الأمر أعظم من ذلك.
ولما بلغ السلطان الخبر، غضب غضبا شديدا، وأمسك جماعة من العامة، وضربهم
بالمقارع، وأبدع فيهم، وقطع أرزاق بعض المماليك السلطانية من الخدامة وأولاد الناس، ثم أعطى السلطان القصّاد شيئا كثيرا، وطيّب خواطرهم- انتهى.
ثم فى أواخر شهر رمضان المذكور، نفى السلطان الأمير أقطوه الموساوى الظاهرى [برقوق]«1» ، أحد أمراء الطبلخاناة إلى طرسوس، ثم شفع فيه فتوجّه إلى دمشق بطالا.
ثم [فى شوال]«2» ورد الخبر على السلطان بنصرة مراد بك بن عثمان متملّك بلاد الروم على بنى الأصفر «3» .
وفى هذه السنة، أبطل السلطان الرمّاحة الذين يلعبون بالرمح يوم دوران المحمل فى شهر رجب.
ثم فى يوم الاثنين، استقر محبّ الدين محمد بن الشّحنة الحنفى «4» قاضى قضاة حلب وكاتب سرها، وناظر الجيش بها، بسفارة الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الخاص [الشريف]«5» .