الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن تكون المعاملة بالدراهم الظاهرية الجقمقيّة، وهدد من خالف ذلك، فاضطرب الناس لتوقف أحوالهم. فنودى فى آخر النهار بأن الفضة الأشرفية تدفع للصيارف بسعرها، وهو كل درهم بعشرين درهما من الفلوس، وأن تكون الدراهم الظاهرية كل درهم بأربعة وعشرين درهما، وجعلت عددا لا وزنا «1» . فمنها ما هو نصف درهم عنه، اثنا «2» عشر درهما، ومنها ما هو ربع درهم، فيصرف بستة دراهم، على أن كل دينار من الأشرفية، بمائتين خمسة وثمانين «3» درهما.
ثم فى يوم الثلاثاء، خلع السلطان على غرس الدين خليل بن أحمد بن على السخاوى، أحد حواشى السلطان أيام أمرته، باستقراره فى نظر القدس والخليل. والسخاوى هذا أصله من عوام القدس السوقة، وقدم القاهرة، وخدم بعض التجار، وترقى، وركب الحمار، ثم ركب بعد مدة طويلة بغلة «4» بنصف رحل «5» على عادة العوام، ورأيته أنا على تلك الهيئة، ثم انتهى إلى خدمة السلطان، وهو يوم ذاك أحد مقدمى الألوف، واختص به، حتى تحدث فى إقطاعه، ودام فى خدمته إلى أن تسلطن وعظم أمره عند من هو دونه، إلى أن ولى فى هذا اليوم نظر القدس والخليل.
[ما وقع من الحوادث سنة 844]
ثم فى يوم الخميس ثامن المحرم من سنة أربع وأربعين، خلع السلطان على الأمير قيزطوغان العلائى، أحد أمراء العشرات وأمير آخور ثانى، باستقراره أستادارا، عوضا عن [محمد]«6» بن أبى «7» الفرج، بحكم عزله والقبض عليه وحبسه بالقلعة إلى يوم الأحد حادى عشره، فتسلمه «8» الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ.
[ثم]«1» فى يوم السبت رابع عشرين المحرم، خلع السلطان على زين الدين يحيى الأشقر قريب ابن أبى الفرج، باستقراره فى نظر ديوان المفرد «2» عوضا عن عبد العظيم ابن صدقة، بحكم مسكه، ونقل ابن أبى الفرج من تسليم الوزير، وسلّم هو وعبد العظيم للأمير قيز طوغان الأستادار، فأغرى «3» زين الدين، قيز طوغان، بابن أبى الفرج وعبد العظيم، حتى أخذ ابن أبى الفرج وعاقبه وأفحش فى عقوبته فى الملأ من الناس، من غير احتشام ولا تجمّل، بل طرحه على الأرض وضربه ضربا مبرحا، ووقع له معه أمور، إلى أن أطلق وأعيد إلى نقابة الجيش بعد أن نفى، ثم أعيد؛ ومن يومئذ ظهر اسم زين الدين وعرف فى الدولة، وكان هذا مبدأ ترقيه حسبما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى «4» .
وفى هذه الأيام وقع الاهتمام بتجهيز تجريدة [فى البحر]«5» لغز والفرنج، وكتب السلطان عدة من المماليك السلطانية، وعليهم الأمير تغرى برمش الزّردكاش،
والسيفى يونس الأمير آخور، وسافروا «1» من ساحل بولاق فى يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الأول، وكان جملة ما انحدر من ساحل بولاق، خمسة عشر غرابا فيها المماليك السلطانية والمطوّعة. وسبب هذه التجريدة كثرة عيث الفرنج «2» [فى البحر]«3» ، وأخذها مراكب التجار، وهذه أول بعثه بعثها الملك الظاهر من الغزاة.
ثم فى يوم السبت سادس عشرين شهر ربيع الآخر، قدم [123] إلى القاهرة رسل القان معين الدين شاه رخ بن تيمور لنك، ملك الشرق، وقد زينت القاهرة لقدومهم، وخرج المقام الناصرى محمد بن السلطان إلى لقائهم، واجتمع الناس لرؤيتهم، فكان لدخولهم «4» يوم مشهود «5» لم يعهد بمثله، لقدوم رسل فى الدول المتقدمة؛ وأنزلوا بدار أعدت لهم، إلى يوم الاثنين ثامن عشرينه، فتوجهوا «6» من الدار المذكورة «7» إلى القلعة، بعد أن شقوا القاهرة، وهى مزينة بأحسن زينة، والشموع «8» وغيرها تشعل، وقد اجتمع عالم عظيم لرؤيتهم، وأوقفت العساكر من تحت القلعة إلى باب القصر، فى وقت الخدمة من باكر النهار المذكور. فلما مثل الرسل بين يدى السلطان، قرئ كتاب شاه رخ، فكان يتضمن السلام والتهنئة بجلوس السلطان على تخت الملك، ثم قدمت هديته وهى: مائة فص فيروز «9» ، وإحدى وثمانون قطعة من حرير، وعدة
ثياب وفرو ومسك وثلاثون بختيّا «1» من الجمال وغير ذلك، مما يبلغ «2» قيمته خمسة آلاف دينار. وأعيد الرسل إلى منازلهم، وأجرى عليهم الرواتب الهائلة فى كل يوم، ثم قلعت الزينة فى يوم الثلاثاء سلخه، وكان الناس تفننوا فى زينة القاهرة، ونصبوا بها القلاع، وفى ظنهم أنها تتمادى أياما، فانقضى أمرها بسرعة.
ثم فى يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى «3» ، ورد الخبر على السلطان بنصرة الغزاة المجردين إلى قتال الفرنج.
ثم فى يوم الاثنين عشرين جمادى الأولى، خلع السلطان على القاضى بدر الدين أبى المحاسن محمد بن ناصر الدين محمد بن الشيخ شرف الدين عبد المنعم البغدادى، أحد نواب الحكم الحنابلة، باستقراره قاضى قضاة الحنابلة بالديار المصرية، بعد موت شيخ الإسلام محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادى.
ثم فى يوم الثلاثاء حادى عشرين جمادى الأولى المذكور، قدم الغزاة، وكان من خبرهم: أنهم انحدروا فى النيل إلى دمياط، ثم ركبوا منه البحر، وساروا إلى جزيرة قبرس، فقام لهم متملكها، «4» بالإقامات، وساروا إلى العلايا، فأمدّهم صاحبها بغرابين، فيهما المقاتلة، ومضوا إلى رودس، وقد استعد «5» أهلها لقتالهم، فكانت بينهم محاربة طول يومهم، لم ينتصف المسلمون فيها، وقتل منهم اثنا «6» عشر من المماليك، وجرح كثير، وقتل من الفرنج أيضا جماعة كثيرة، فلما خلص المسلمون من قتالهم بعد جهد، مروا بقرية من قرى رودس فقتلوا وأسروا ونهبوا ما فيها، وعادوا إلى دمياط وأعلموا السلطان بأنه لم يكن لهم طاقة بأهل رودس.
ثم فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكور، خلع على خواجا كلال رسول شاه رخ خلعة السفر، وقد اعتنى بها عناية لم يتقدم بمثلها لرسول فى زماننا هذا، وهى حرير مخمّل بوجهين: أحمر وأخضر، وطرز زركش، فيه خمسمائة مثقال من ذهب، وأركب فرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش، فى كل منهما خمسمائة دينار، وجهزت صحبته هدية ما بين ثياب حرير سكندرى، وسرج وكنبوش ذهب، وسيوف مسقّطة بذهب، وغير ذلك مما تبلغ قيمته سبعة آلاف دينار؛ هذا بعد أن بلغت النفقة من السلطان على الرسول المذكور ورفقته، نحو خمسة عشر ألف دينار، سوى الهدية المذكورة.
ثم فى يوم السبت ثانى جمادى الآخرة، وقع بين القاضى حميد الدين الحنفى، وبين شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكورانى الشافعى، مخاصمة، وآل أمرهما إلى الوقوف بين يدى السلطان، فغضب السلطان لحميد الدين وضرب الشهاب الكورانى وأهانه، ورسم بنفيه إلى دمشق، ثم إلى البلاد المشرقيّة، فخرج على أقبح وجه. وكان هذا الكورانى قدم القاهرة قبيل سنة أربعين وثمانمائة، فى فاقة عظيمة من الفقر والإفلاس، واتصل بباب المقرّ الكمالى ابن البارزى فوالاه بالإحسان على عادة ترفقه بأهل العلم، ونوّه بذكره، حتى عرفه الناس، وتردد إلى الأكابر، وصار له وظائف ومرتبات، فلم يحفظ لسانه لطيش كان فيه، حتى وقع له ما حكيناه.
ثم فى يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة، قدم الأمير جلبان نائب الشأم، إلى القاهرة، ونزل السلطان إلى لقائه [124] بمطعم الطّير «1» خارج القاهرة، وهو أول ركبة ركبها، بعد سلطنته بالموكب، وخلع السلطان على جلبان المذكور خلعة الاستمرار، وعاد السلطان إلى القلعة وهو فى خدمته.
ثم فى يوم الاثنين [عاشر]«2» شهر رجب، أنعم السلطان بإقطاع الأمير ألطنبغا
المرقبى المؤيدى، وتقدمته على الأمير طوخ من تمراز الناصرى الرأس نوبة الثانى، بعد موته؛ وأنعم بإقطاع طوخ وهو إمرة أربعين، على قانى باى الجاركسى شادّ الشراب خاناة.
ثم «1» فى يوم الاثنين أول شعبان، أضيف نظر دار الضرب، للمقر الجمالى ناظر الخواص الشريف، كما كانت العادة القديمة، وذلك بعد موت جوهر القنقبائى الزّمام والخازندار.
ثم فى يوم السبت سادسه، خلع السلطان على الطّواشى هلال الرومى الظاهرى برقوق، شادّ الحوش السلطانى، باستقراره زماما، عوضا عن جوهر المقدم ذكره، على مال كثير بذله فى ذلك.
ثم فى يوم الأحد سابعه خلع على الزينى عبد الرحمن بن علم الدين داؤد بن الكويز، باستقراره أستادار الذخيرة، وخلع على الطواشى الحبشى جوهر التّمرازى الجمدار، باستقراره خازندارا، كلاهما عوضا عن جوهر المذكور.
ثم فى يوم السبت عشرين شعبان، ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الموكب، لكن بجميع أمرائه وخاصّكيته ونزل فى أبهة عظيمة، وسار إلى خليج الزّعفران خارج القاهرة، ونزل هناك بمخيّمه، ومدت له أسمطة جليلة وأنواع كثيرة من الحلوى، والفواكه، ثم ركب بعد صلاة الظهر، وعاد إلى القلعة؛ بعد أن دخل من باب النصر، وشق القاهرة، وابتهج الناس به كثيرا. وهذه أول مرة شق فيها القاهرة بعد سلطنته، وكان هذا الموكب جميعه بغير قماش الموكب؛ ولم يكن ذلك فى «2» سالف الأعصار، وأول من فعل ذلك وترخّص فى النزول من القلعة بغير كلفتاه ولا قماش، الملك الناصر فرج، ثم اقتدى به [الملك]«3» المؤيد شيخ، ثم من جاء بعدهما.
وفى هذا الشهر، تكلم زين الدين يحيى الأشقر ناظر الديوان المفرد، مع الأمير قيزطوغان العلائى الأستادار، بأنه يكلم السلطان فى إخراج جميع الرّزق الإحباسية والجيشية التى بالجيزة «1» وضواحى القاهرة، وحسّن له ذلك، حتى تكلم قيزطوغان المذكور فى ذلك مع السلطان وألح عليه، ومال السلطان لإخراج جميع الرّزق المذكورة، إلى أن كلمه فى ذلك جماعة من الأعيان ورجّعوه عن هذه الفعلة القبيحة، فاستقر الحال على أنه يجبى من الرزق المذكورة، فى كل سنة عن كل فدان، مائة درهم من الفلوس، فجبيت، واستمرت إلى يومنا هذا فى صحيفة زين الدين المذكور، لأنه «2» [هو]«3» الدالّ عليها، والدال على الخير كفاعله وكذلك الشّر.
ثم فى يوم الثلاثاء أول شهر رمضان، ورد الخبر على السلطان بالقبض على الأمير قنصوه النّوروزى، وكان له من يوم وقعة الجكمى فى اختفاء، فرسم بسجنه بقلعة دمشق، وقانصوه هذا من أعيان الأمراء المشهورين بالشجاعة وحسن الرمى بالنّشّاب، غير أنه من كبار المخاميل الفلاسة المديونين.
ثم فى يوم السبت ثانى عشر [شهر]«4» رمضان، خلع السلطان على القاضى معين الدين عبد اللطيف ابن القاضى شرف الدين أبى بكر، سبط العجمى، باستقراره فى نيابة «5» كتابة السر بعد وفاة أبيه.
ثم فى يوم الاثنين تاسع عشر شوال، برز أمير حاجّ المحمل الأمير تمرباى رأس نوبة النوب، بالمحمل، وأمير الركب الأول سودون الإينالى المؤيدى، المعروف بقراقاس، أمير عشرة. وحج فى هذه السنة ثلاثة من أمراء الألوف: تمرباى المقدم ذكره، والأمير تمراز القرمشى أمير سلاح، والأمير ظوخ من تمراز الناصرى،
وسبعة أمراء أخر، ما بين عشرات وطبلخانات. وتوجه تمراز أمير سلاح بالجميع ركبا وحده قبل الركب الأول، كما سافر فى السنة الماضية الأمير جرباش الكريمى قاشق أمير مجلس، وصحبته ابنته زوجة السلطان الملك الظاهر.
ثم فى يوم السبت سابع ذى القعدة، قدم إلى القاهرة الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حلب باستدعاء [125] ، فركب السلطان إلى ملاقاته بمطعم الطير، وخلع عليه باستمراره على كفالته.
وفى أواخر «1» هذا الشهر، طرد السلطان أيتمش الخضرىّ الظاهرى، أحد الأمراء البطّالة من مجلسه، ومنعه من الاجتماع به، وهذه ثانى مرة أهانه السلطان وطرده؛ وأما ما وقع لأيتمش المذكور قبل ذلك فى دولة الأشرف برسباى من البهدلة والنفى، فكثير، وهو مع ذلك لا ينقطع عن الترداد للأمراء وأرباب الدولة بوجه أقوى من الحجر.
وفى هذه السنة، أعنى «2» سنة أربع وأربعين وثمانمائة، جدّد بالقاهرة وظواهرها عدة جوامع، منها جامع الصالح طلائع بن رزيك «3» خارج باب زويلة، قام بتجديده
رجل من الباعة يقال له عبد الوهاب العينى، ومنها مشهد السيدة رقية، قريبا من المشهد النّفيسى، جدده الشريف بدر الدين حسين بن أبى بكر الحسينى، نقيب الأشراف، وجدد أيضا جامع الفاكهيين «1» بالقاهرة، وجامع الفخر بخط سويقة الموفق بالقرب من بولاق، وجدد أيضا جامع الصارم أيضا، بالقرب من بولاق، وأنشأ أيضا جوهر المنجكى نائب مقدم المماليك، جامعا بالرّميلة، تجاه مصلاة المؤمنى «2» ، وعمارته بالفقيرى بحسب الحال، وأنشأ تغرى بردى المؤذى البكلمشى الدّوادار، جامعا بخط الصّليبة على الشارع الأعظم.
قلت: الناس على دين مليكهم، وهو أنه لما كانت الملوك السالفة تهوى النزه والطرب، عمرت فى أيامهم بولاق وبركة الرّطلى «3» وغيرهما من الأماكن، وقدم إلى القاهرة كل أستاذ صاحب آلة من المطربين وأمثالهم من المغانى والملاهى، إلى أن تسلطن [الملك]«4» الظاهر جقمق، وسار فى سلطنته على قدم هائل من العبادة والعفة عن المنكرات والفروج، وأخذ فى مقت من يتعاطى المسكرات، من أمرائه وأرباب دولته، فعند ذلك تاب أكثرهم، وتصولح وتزهّد «5» ، وصار كل أحد منهم يتقرب إلى خاطره بنوع من أنواع المعروف، فمنهم من صار يكثر من الحج، ومنهم من تاب وأقلع عما كان فيه، ومنهم من بنى المساجد والجوامع، ولم يبق فى دولته ممن استمر على ما كان