الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم فى يوم الأحد ثانى عشرين ذى الحجة المذكور، استقر علاء الدين على بن محمد ابن آقبرس، فى حسبة القاهرة، عوضا عن يرعلى الخراسانى، بمال بذله فى ذلك، وكان أصل ابن آقبرس هذا عنبريّا «1» بسوق العنبر، فى حانوت، ثم اشتغل بالعلم، وتردد الأكابر، واتصل بالملك الظاهر جقمق فى أيام إمرته، وناب فى الحكم عن القضاة الشافعية، إلى أن تسلطن [الملك]«2» الظاهر جقمق، فصار «3» ابن آقبرس هذا من ندمائه، وولى نظر الأوقاف وعدة وظائف أخر، وكان أيضا من جملة مبغضى السفطى وممن يعيب عليه أفعاله القبيحة من البلص والطلب من الناس، وسمّاه «الهلب» ؛ على أن ابن آقبرس أيضا كان من مقولة [السفطى]«4» وزيادة.
[ما وقع من الحوادث سنة 853]
ثم فى يوم الخميس حادى عشر محرم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة ضربت رقبة أسد الدين الكيماوى، بمقتضى الشرع، بعد أمور وقعت له «5» ، ذكرناها مفصلا فى تاريخنا «حوادث الدهور [فى مدى الأيام والشهور] » «6» .
وفى هذا الشهر، تشاكى الأمير تمراز المؤيدى نائب القدس كان، وناظر القدس
عبد الرحمن بن الديرى، فمال السلطان على ابن الديرى وبهدله، فأمر به فجعل فى عنقه جنزير، إلى أن شفع فيه عظيم الدولة الجمالىّ ناظر الخواص الشريفة «1» .
ثم فى يوم السبت ثالث عشره، توجه تمراز المذكور «2» ، وعبد الرحمن [ابن الديرى]«3» وأبو الخير النحاس، إلى بيت ناظر الخاص المذكور، وجلسوا بين يديه إلى أن أصلح بينهما، وأنعم على كل منهما بفرس مسروج، وأنعم على أبى الخير بشىء، فقبّل الثلاثة يده وخرجوا من عنده، وأبو الخير يوم ذاك فى تنبوك»
عزه «5» وعظم تعاظمه على جميع أرباب الدولة، إلا الصاحب جمال الدين [هذا]«6» فإنه معه على حالته الأولى إلى الآن.
[هذا]«7» وقد فشا أمر الطاعون بالقاهرة وتزايد، ثم أهلّ صفر من سنة ثلاث وخمسين، يوم الأربعاء، فيه عظم الطاعون، ومات فى هذا الشهر جماعة كبيرة من الأمراء، وأعيان الدولة، على ما سيأتى ذكره فى الوفيات من هذا الكتاب.
ثم فى يوم الأحد ثانى عشر صفر، أعيد القاضى برهان الدين إبراهيم بن الديرى إلى نظر الإسطبل السلطانى، بعد موت برهان الدين بن ظهير.
وفى يوم الاثنين ثالث عشره استقر الأمير جرباش الكريمى الظاهرى أمير مجلس، أمير سلاح «8» ، بعد موت الأمير تمراز القرمشى الظاهرى؛ وفيه أيضا استقر الأمير تنم المعزول عن نيابة حلب، أمير مجلس، عوضا عن جرباش المذكور؛ وفيه أنعم
السلطان على الأمير دولات باى المحمودى المؤيدى الدّوادار الثانى، بإمرة مائة وتقدمة ألف، بعد موت تمراز القرمشى، وصار من جملة أمراء الألوف؛ وأنعم بإقطاعه على الأمير يونس الأقبائى «1» شادّ الشراب خاناه، والإقطاع إمرة طبلخاناه، وأنعم بإقطاع يونس على الأمير «2» [السيفى]«3» جانبك رأس نوبة الجمدارية الظاهرى جقمق، وعلى مغلباى طاز الساقى الظاهرى أيضا، لكل واحد منهما إمرة عشرة.
ثم فى يوم الخميس سادس عشر صفر، استقر الأمير تمربغا الظاهرى جقمق، دوادارا ثانيا، عوضا عن دولات باى المقدم ذكره، على إمرة عشرة- وفيه أيضا، أنعم السلطان على قانى باى المؤيدى الساقى، المعروف بقراسقل «4» ، بإمرة عشرة، بعد موت إينال اليشبكى.
ثم فى يوم الاثنين عشرين صفر، ووافقه أول خمسين النصارى «5» ، تناقص الطاعون.
ثم فى يوم الخميس ثالث عشرينه، أنعم السلطان على الأمير يشبك الفقيه المؤيدى،
بإقطاع الأمير بختك «1» الناصرى بعد موته، وأنعم بإقطاع يشبك المذكور على الشهابى أحمد، من الأمير الكبير إينال العلائى، وكلاهما إمرة عشرة. وفيه أيضا، أنعم السلطان على مغلباى الشهابى رأس نوبة الجمدارية، بإمرة عشرة، عوضا عن مغلباى الساقى، بعد موته، وكان مغلباى أخذ الإمرة [141] قبل موته بأيام يسيرة، حسبما تقدم ذكره.
وفى يوم الخميس هذا، أنعم السلطان بإقطاع الأمير قراخجا الحسنى الأمير آخور، بعد موته، على الأمير تنم أمير مجلس، وأنعم بإقطاع تنم على الأمير جرباش المحمدى الناصرى الأمير آخور الثانى المعروف بكرت، وصار من جملة المقدمين؛ وأنعم بإقطاع جرباش المذكور ووظيفته الأمير آخورية الثانية، على الأمير سودون المحمدى المؤيدى، المعروف بسودون أتمكجى «2» ؛ وأنعم بإقطاع سودون [أتمكجى]«3» المذكور، على الأمير جانبك اليشبكى والى القاهرة، بسفارة المقر الجمالى «4» ناظر الخواص. وفيه أيضا استقر الأمير قانى باى الجاركسى الدّوادار الكبير، أمير آخور كبيرا، بعد موت الأمير قراخجا الحسنى، وكان السلطان رشح الأمير أسنبغا الطّيارى للأمير آخورية، فألح قانى باى فى سؤال السلطان، على أن يليها اقتحاما على الرئاسة، ولا زال به حتى ولّاه؛ واستقر أيضا دولات باى المحمودى المؤيدى دوادارا كبيرا، عوضا عن قانى باى الجاركسى بمال كبير بذله فى ذلك.
ثم فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين صفر، خلع السلطان على القاضى ولىّ الدين محمد السنباطى، باستقراره قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن التنسى، بحكم وفاته، وكان السنباطى هذا يلى قضاء
الإسكندرية، فلما مات ابن التنسى، طلب وولى القضاء؛ وجميع من ذكرنا [وفاته]«1» هنا ماتوا بالطاعون.
ثم فى يوم الخميس أول شهر ربيع الأول، خلع السلطان على الطّواشى فيروز النّوروزى الزّمام والخازندار، باستقراره أمير حاجّ المحمل.
ثم فى يوم الاثنين خامس [شهر]«2» ربيع الأول، خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطّيّارى باستقراره رأس نوبة النوب، بعد موت الأمير تمرباى التّمربغاوى، بالطاعون.
وفى أواخر [هذا]«3» الشهر، قلّ الطاعون بالقاهرة، بعد أن مات بها خلائق كثيرة؛ فكان من جملة من مات للسلطان فقط: أربعة أولاد من صلبه، حتى لم يبق له ولد ذكر، غير المقام الفخرى عثمان.
ثم فى يوم الثلاثاء سابع عشرين [شهر]«4» ربيع الأول، أخذ السلطان من السفطى ستة عشر ألف دينار، وسبب ذلك أن قاضى القضاة بدر الدين الحنبلى، كان [وصيّا]«5» على تركة قاضى القضاة بدر الدين [بن]«6» التنسى المالكى، فلما عرض موجوده، وجد فى جملة أوراقه ورقة فيها ما يدل على أنه كان للسفطى عنده ستة عشر ألف دينار وديعة، ثم وجد ورقة أخرى، فيها ما يدل على أن السّفطى، أخذ وديعته، وبلغ السلطان ذلك، فرسم بأخذ المبلغ منه- قلت: لا شلت يداه! «والذي خبث لا يخرج إلا نكدا» - فحملت بتمامها إلى السلطان، ولم يرض السلطان بذلك، وهو فى طلب شىء آخر فتح الله عليه، وهو أن السلطان صار يطلب السفطى بما وقع منه من الأيمان، أنه ما بقى يملك شيئا من الذهب، ثم وجد له هذا المبلغ، فصار للسلطان مندوحة بذلك فى أخذ ماله.
فلما استهل شهر ربيع الآخر يوم الجمعة، وطلع القضاة للتهنئة بالشهر، تكلم السلطان معهم فى أمر السفطى، وما وقع منه من الأيمان الحانثة، واستفتاهم فى أمره،
وحرّض القضاة على مجازاته؛ فنزلوا من عند السلطان على أن يفعلوا معه الشرع، وبلغ السفطىّ ذلك فخاف وأخذ فى السعى فى رضى السلطان؛ وخدم بجملة مستكثرة، ورضى السلطان عنه، ثم تغير عليه، وأخذ منه فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شهر ربيع الآخر عشرة آلاف دينار، كانت له وديعة عند بعض القضاة، فأخذها السلطان، وهو مطالب بغيرها.
ثم فى يوم الخميس رابع عشره، أفحش السلطان فى الحطّ على السفطى، وبالغ فى ذلك، بحيث أنه قال:«هذا ليس له دين، وهذا استحق القتل بما وقع منه من الأيمان الفاجرة، بأن ليس له مال ثم ظهر له هذه الجمل الكثيرة، وقد بلغنى أن له عند شخص آخر، وديعة مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار» ؛ وظهر من كلام السلطان أنه يريد أخذها، بل وأخذ روحه أيضا، كل ذلك مما يوغّر أبو الخير النحاس خاطر السلطان عليه، وبلغ السفطىّ [142] جميع ما قاله السلطان، فداخله لذلك من الرعب والخوف أمر عظيم «1» ؛ ومع ذلك بلغنى أن السفطىّ فى تلك الليلة تزوج بكرا ودخل بها واستبكرها، فهذا دليل على عدم مروءته «2» ، زيادة على ما كان عليه من البخل والطمع، فإنى لم أعلم أنه وقع لقاض من قضاة مصر ما وقع للسفطى من البهدلة والإخراق وأخذ ماله، مع علمى بما وقع للهروى وغيره، ومع هذا لم يحصل على أحد ما حصل على هذا المسكين، فما هذا الزواج فى هذا الوقت! «3»
ثم فى يوم الثلاثاء سادس عشرين [شهر]«4» ربيع الآخر [المذكور]«5» ، رسم بنفى يرعلى العجمى الخراسانى المعزول عن الحسبة، ثم شفع فيه المقرّ الجمالى ناظر الخواصّ، فرسم له السلطان بلزوم داره بخانقاه سرياقوس؛ ويرعلى هذا أيضا من أعدآء النحاس.
ثم فى يوم السبت سلخه، أنعم السلطان على أسندمر الجقمقى السلاح دار، بإمرة عشرة، بعد موت الأمير أركماس الأشقر المؤيدى.
ثم فى يوم الاثنين ثانى جمادى الأولى، خلع السلطان على مملوكه الأمير أزبك من ططخ الساقى، باستقراره من جملة رؤوس النّوب، عوضا عن أركماس الأشقر، المقدم ذكره.
وفيه استقر الزينى عبد الرحمن بن الكويز، أستادّار السلطان بدمشق، عوضا عن محمد بن أرغون شاه النّوروزى بحكم وفاته.
ثم فى يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى [المذكور]«1» استقر علىّ بن إسكندر أحد أصحاب النحاس، فى حسبة القاهرة، وعزل ابن أقبرس عنها، لتزايد الأسعار فى جميع المأكولات.
ثم فى يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الأولى [المذكور]«2» ، خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة، فيها نحو الأربعمائة مملوك وعدة أمراء، ومقدم الجميع الأمير الكبير إينال العلائى الناصرى، وصحبته من الأمراء المقدمين، تنم أمير مجلس، وقانى باى الجاركسى أمير آخور، وعدة أخر من الطبلخانات والعشرات.
ثم فى يوم الاثنين ثامن عشرينه، عزل قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى الشافعى، عن القضاء، لسبب حكيناه فى تاريخنا «حوادث الدهور» إذ هو كتاب تراجم وضبط «3» حوادث ووفيات «4» لا غير «5» . ثم أعيد قاضى القضاة علم الدين، فى يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة.
ثم فى يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة، سافر الأمير قانم من صفر خجا المؤيدى، المعروف بالتاجر، رسولا إلى ابن عثمان «1» متملّك بلاد الروم، صحبة قاصد ابن عثمان الواصل قبل تاريخه.
ثم فى يوم السبت تاسع عشره، رسم السلطان بنفى الأمير سودون السودونى الحاجب، فشفع فيه، فأمر السلطان بإقامته بالصحراء بطّالا. وكان سبب نفى السّودونى، أنه كان له مغلّ، فكلمه علىّ بن إسكندر المحتسب فى بيع نصفه، وتخلية نصفه، لقلة وجود الغلال بالساحل، فامتنع سودون السودونى من ذلك، فشكاه أبو الخير النحاس للسلطان، فأمر بنفيه. وقد تقدم أن سودون السودونى هذا، كان ضرب أبا الخير النحاس فى يوم واحد علقتين ليخلّص منه مال أبى العباس الوفائى.
ومن ظريف ما وقع لسودون السودونى هذا، مع أبى الخير النحاس، من قبل هذه الحادثة أو بعدها، أنه لما صار من أمر أبى الخير ما صار، خشيه سودن السّودونى، مما كان وقع منه فى حقه قديما، فأراد»
أن يزول ما عنده، ليأمن شرّه، فدخل إليه فى بعض الأيام، وقد جلس أبو الخير النحاس فى دست رئاسته، وبين يديه أصحابه وغالبهم لا يعرف ما وقع له مع سودون السودونى «3» [المذكور]«4» ، فلما استقر بسودون الجلوس، أخذ فى الاعتذار لأبى الخير فيما كان وقع منه بسلامة باطن على عادة
مغفّلى «1» الأتراك، وساق الحكاية فى ذلك الملأ من الناس من أولها إلى آخرها، وأبو الخير ينقله من ذلك [الكلام]«2» إلى كلام غيره، ويقصد كفّه عن الكلام، بكل ما تصل قدرته إليه، وهو لا يرجع عما هو فيه، إلى أن استتم الحكاية؛ وكان من جملة اعتذاره إليه، أن قال له، ما معناه:«والله يا سيدى القاضى، أنا رأيتك شاب فقير، من جملة الباعة، وحرّضونى «3» عليك، بأنك تأكل أموال الناس، فما كنت أعرف أنك تصل إلى هذا الموصل، فى هذه المدة اليسيرة؛ وو الله [لو كنت]«4» أعرف أنك تبقى رئيس، لكنت وزنت [143] عنك المال» . وشرع فى اعتذار آخر، وقد ملأ النحاس مما سمع من التوبيخ، فاستدرك فارطه بأن قام على قدميه واعتنق السودونى، وأظهر له أنه زال ما عنده وأوهم أنه يريد الدخول إلى حريمه حتى مضى عنه إلى حال سبيله؛ وتحاكى الناس ذلك المجلس أياما كثيرة «5» . هذا ما بلغنا من بعض أصحاب النحاس، وقد حكى غير واحد هذه الحكاية على عدة وجوه، وليس هذا الأمر من أخبار تحرر، وما ذكرناه إلا على سبيل الاستطراد- انتهى.
وفى هذه الأيام توقف ماء النيل عن الزيادة، بل تناقص نقصا فاحشا، ثم أخذ فى زيادة ما نقصه، فاضطرب الناس لذلك، وتزايدت الأسعار إلى أن أبيع الإردب القمح بأربعمائة درهم «6» .
ثم فى يوم الثلاثاء تاسع عشرينه، وصل الأمير جانبك الظاهرى نائب جدة، وخلع السلطان عليه خلعة هائلة، ونزل إلى داره، وبين يديه وجوه الناس على كره من أبى الخير النحاس.
ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رجب، خلع السلطان على الشيخ يحيى المناوى، باستقراره قاضى قضاة الشافعية، بعد عزل قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى.
ثم فى يوم الخميس خامس عشرة، استقر الأمير يرشباى الإينالى المؤيدى الأمير آخور الثالث، أمير آخور ثانيا بعد موت سودون أتمكجى، وأنعم عليه بطبلخاناته، واستقر الأمير سنقر الظاهرى الجعيدى أمير آخور ثالثا، وهو فى التجريدة بالبحيرة.
ثم فى يوم الثلاثاء عشرينه، رسم السلطان بأن يكتب مرسوم شريف إلى دمشق، بضرب الزينى عبد الرحمن بن الكويز، وحبسه بقلعة دمشق، وله سبب ذكرناه فى «الحوادث» «1» .
ثم فى يوم الاثنين سادس عشرين [شهر]«2» رجب، استقر علاء الدين بن آقبرس ناظر الأحباس، بعد عزل قاضى القضاة بدر الدين محمود «3» العينى عنها، لكبر سنه، فلم يشكر ابن أقبرس على ما فعله لسعيه فى ذلك سعيا زائدا، وكان الأليق عدم ما فعله لأن مقام كل منهما معروف فى العلم والقدر والرئاسة.
ثم فى يوم الخميس تاسع عشرين [شهر]«4» رجب [المذكور]«5» ، جرت حادثة غريبة، وهو أنه لما كان وقت الخدمة السلطانية، أعنى بعد طلوع الشمس بقدر عشرة «6» درج، وقفت العامة بشوارع القاهرة من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة، وهم يستغيثون
ويصرخون بالسبّ واللعن ويهددون بالقتل، ولا يدرى أحد ما الخبر، لعظم الغوغاء «1» ، إلى أن اجتاز «2» علىّ بن إسكندر محتسب القاهرة فلما رأوه أخذوا فى زيادة ما هم فيه، وحطوا أيديهم فى الرّجم، فرجموه من باب زويلة، إلى أن وصل إلى باب القلعة أو غيرها، بعد أن أشبعوه سبا وتوبيخا بألفاظ يستحى من ذكرها، فلما نجا «3» علىّ منهم، وطلع إلى القلعة، استمروا على ما هم عليه بالشوارع، وقد انضم عليهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية، وهم على ما هم عليه، غير أنهم [صاروا]«4» يعرضون بذكر أبى «5» الخير النحاس، ووقفوا فى انتظاره إلى أن يطلع إلى القلعة، وكان عادته لا يطلع إليها إلا بعد نزول أعيان «6» الدولة، وكان أبو الخير قد ركب من داره على عادته، فعرّفه بعض أصحابه بالحكاية، فخرج من داره وسار من ظاهر القاهرة، ليطلع إلى القلعة، إلى أن وصل بالقرب من باب الوزير، بلغ المماليك الذين هم فى انتظاره أنه قد فاتهم، فأطلقوا رؤوس خيولهم غارة، والعامة خلفهم، حتى وافوه فى أثناء طريقه، فأكل ما قسم له من الضرب بالدبابيس، وانهزم أمامهم «7» ، وهم فى أثره، والضرب يتناوله وحواشيه، «8» وهو عائد إلى جهة القاهرة، وترك طلوع القلعة لينجو بنفسه، واستمر على ذلك إلى أن وصل إلى جامع أصلم «9» بخط سوق الغنم، فضربه شخص من العامة على رأسه فصرعه عن فرسه، ثم قام من صرعته ورمى بنفسه إلى بيت أصلم الذي بالقرب من جامع أصلم، وهو يوم ذاك سكن يشبك الخاصّكى الظاهرى جقمق، من طبقة الزّمام.
ومن غريب الاتفاق، أن أبا الخير النحاس كان قبل تاريخه بمدة يسيرة، شكا يشبك هذا صاحب الدار إلى السلطان، وشوّش عليه غاية التشويش، حتى أخذه أغاته «1» الأمير فيروز الزّمام، وبعثه إلى أبى الخير النحاس، على هيئة غير مرضية، فصفح عنه أبو الخير خوفا من خجداشيته، ومنّ «2» عليه؛ والمقصود أن [144] أبا الخير، لما ضرب وطاح عن فرسه، وكان الضارب له عبد أسود «3» ، وأخذ عمامته من على رأسه، فلما رأى «4» أبو الخير نفسه فى بيت يشبك المذكور، هجمت العامة عليه، ومعهم المماليك، إلى بيت يشبك، وكان غائبا عن بيته، وقبضوا عليه وأخذوا فى ضربه والإخراق به، وعرّوه جميع ما كان عليه، حتى أخذوا أخفافه من رجليه، واختلفت الأقوال فى الإخراق به، فمن الناس من قال: أركبوه حمارا عريانا وأشهروه فى البيت المذكور، ومنهم من قال أعظم من ذلك، ثم نجا منهم، ببعض من ساعده منهم، وألقى بنفسه من حائط إلى موضع آخر، فتبعوه أيضا، وأوقعوا به وهو معهم عريان، وانتهبوا جميع ما كان فى بيت يشبك المذكور.
ووصل يشبك إلى داره، فما أبقى ممكنا «5» فى مساعدة النحّاس، وما عسى يفعله مع السواد الأعظم؟ وكان بلغ السلطان أمره، فشق عليه ذلك إلى الغاية، فأرسل إليه جانبك والى القاهرة، نجدة، فساق إليه، حتى لحقه وقد أشرف على الهلاك، وخلصه منهم؛ وأراد «6» أن يركبه فرسا فما استطاع أبو الخير الركوب لعظم ما به من الضرب فى رأسه ووجهه وسائر بدنه، فأركبه [عريانا وعليه ما يستره]«7» على بغلة، وأردفه بواحد من خلفه على البغلة المذكورة، وتوجّه به على تلك الهيئة، إلى بيت الأمير تمربغا الدّوادار
الثانى، بالقرب من جامع سودون من زادة، والعامة خلفه وهم ينادمونه بأنواع السبّ ويذكرون له فقره وإفلاسه وما قاساه من الذل والهوان، إلى أن وصل إلى بيت تمربغا [المذكور]«1» بغير عمامة على رأسه، فأجلسه تمربغا بمكان تحت مقعده، واستمر به إلى الليل، فقام «2» وتوجه إلى داره مختفيا خائفا مرعوبا.
وأنا أقول: لو مات أحد من شدة الضرب، لمات أبو الخير [المذكور]«3» فى هذا اليوم، كل ذلك بغير رضى السلطان، لأن المماليك والعامة اتفقوا على [أبى الخير المذكور وعلى الفتك به]«4» ، وقلّ أن يتفقوا على أمر، فكان هذا اليوم «5» من الأيام المشهودة بالقاهرة، لأنى ما رأيت ولا سمعت بمثل هذه الواقعة، وقد سبق كثير من إخراق المماليك لرؤساء الدولة ونهب بيوتهم وأخذ أموالهم، ومع هذا كله لم يقع لأحد منهم بعض ما وقع لأبى الخير هذا، فإن جميع الناس قاطبة كانت عليه، وكل منهم لا يريد إلا قتله وإتلافه.
وأنا أقول إنهم معذورون فيما يفعلونه، لأنه كان بالأمس فى البهموت «6» من الفقر والذل والإفلاس، وصار اليوم فى الأوج من الرئاسة والمال والتقرب من السلطان، ومع هذا الانتقال العظيم، صار عنده شمم وتكبر، حتى على من كان لا يرضى أقل غلمانه أن يستخدمه فى أقل حوائجه، وأما على من كان من أمثاله وأرباب صنعته، فإنه لم يتكبر عليهم، بل أخذ فى أذاهم والإخراق بهم، حتى أبادهم شرا، وأنا أتعجب غاية العجب من وضيع يترأس، ثم يأخذ فى التكبر على أرباب البيوت وأصحاب الرئاسة الضخمة، فما عساه يقول فى نفسه! والله «7» العظيم، إننى كنت إذا دخل علىّ الفقيه الذي أقرأنى القرآن فى صغرى، على أن بضاعته من العلوم كانت مزجاة، أستحى أن أتكلم
بين يديه بفضيلة أو علم من العلوم، لكونه كان يعرفنى صغيرا لا فقيرا، فكيف حال هؤلاء مع الناس، كانوا يرتجون خدمة [أصاغر]«1» خدمهم؛ فليس هذا إلّا عظم الوقاحة، وغلبة الجنون لا غير- انتهى.
ثم فى يوم السبت ثانى شعبان، عزل السلطان علىّ بن إسكندر عن حسبة القاهرة، ورسم لزين الدين يحيى الأستادّار بالتكلم فيها، فباشر زين الدين الحسبة من غير أن يلبس لها خلعة، وكانت سيرة علىّ بن إسكندر ساءت «2» فى الحسبة إلى الغاية.
وأما أبو الخير النحاس، فإنه استمر فى داره «3» بعد أن قدم إليها من الليل من بيت الأمير تمربغا «4» إلى يوم الاثنين ثالث شعبان، طلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه كاملية مخمّل أحمر بمقلب سمّور، ونزل إلى داره وهو فى وجل من شدة رعبه من المماليك والعامة، لكنّه شق القاهرة فى نزوله، ولم يسلم من الكلام، وصار بعض العامة يقول:«أيش هذه البرودة!» ، فيقول آخر:«إذا اشتهيت أن تضحك على الأسمر لبّسه أحمر!» ، هذا وأبو الخير [145] يسلم فى طريقه على [الناس من]«5» العامة وغيرها؛ فمنهم من يرد سلامه، ومنهم من لا يرد سلامه، ومنهم من يقول بعد أن يولى بأقوى صوته:«خيرتك والّا ينحسوها» ، أعنى رقبته. ولم ينزل معه أحد من أرباب الدولة إلا المقر الجمالى ناظر الخواصّ الشريفة، قصد بنزوله معه أمورا لا تخفى على أرباب الذوق السليم، لأنه لم يؤهّله «6» قبل ذلك لأمر من الأمور، فما نزوله الآن معه، وقد وقع فى حقه ما وقع؟
ثم فى يوم الاثنين حادى عشر شعبان، قدم الأمراء من تجريدة البحيرة صحبة
الأمير الكبير إينال العلائى، وخلع السلطان على أعيانهم الثلاثة الأمير الكبير إينال، وتنم المؤيدى أمير مجلس، وقانى باى الجاركسى الأمير آخور.
ثم فى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان، برز الأمير جرباش الكريمى [الظاهرى برقوق]«1» أمير سلاح «2» ، إلى بركة الحاج على هيئة الرّجبيّة، وصحبته قاضى القضاة بدر الدين بن عبد المنعم [البغدادى]«3» الحنبلى، والزينى عبد الباسط بن خليل الدمشقى، وجماعة كثيرة من الناس.
ثم فى يوم السبت سابع شهر «4» رمضان، اختفى «5» السّفطى، فلم يعرف له مكان، بعد أمور وقعت له مع قاسم الكاشف؛ فعمل السلطان فى يوم الاثنين سادس عشره عقد مجلس بين يديه بالقضاة والعلماء بسبب حمام السّفطى، وظهر السفطى من اختفائه «6» ، وحضر المجلس، وانفصل عقد المجلس «7» على غير طائل، واختفى السفطى ثانيا من يومه فلم يعرف له خبر.
ثم فى يوم الخميس سابع عشر شوال، برز أمير حاجّ المحمل، فيروز النّوروزى «8» [الرومى]«9» الزّمام الخازندار، بالمحمل، وأمير الركب الأول، الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الثانى؛ وحجّ فى هذه السنة من الأعيان: الأمير طوخ من تمراز المعروف بينى بازق، أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، وينى بازق باللغة التركية:
أى غليظ الرقبة «10» ، وخرج تمراز البكتمرى المؤيدى المصارع، صحبة الحاج، واستقر
فى مشدّيّة «1» بندر جدّة، عوضا عن الأمير جانبك الظاهرى، حسبما نذكره من أمره ثانيا «2» فيما «3» يأتى مفصلا، إن شاء الله تعالى.
[ثم]«4» فى يوم السبت تاسع عشره، استقر القاضى ولىّ الدين الأسيوطى، فى مشيخة المدرسة الجماليّة، بعد تسحّب ولىّ الدين السّفطى واختفائه.
ثم فى يوم الاثنين العشرين من ذى القعدة، استقر الأمير جانبك اليشبكى والى القاهرة، فى حسبة القاهرة، مضافا لما معه من الولاية وشدّ الدواوين والحجوبية؛ وجانبك هذا أحد من رقاه المقر الصاحبى ناظر الخاص المقدم ذكره.
[ثم]«5» فى يوم الخميس ثالث عشرين ذى القعدة أيضا، نودى بالقاهرة على ولى الدين السّفطى، بأن من أحضره إلى السلطان يكون له مائة دينار، وهدّد من أخفاه بعد ذلك بالعقوبة والنكال.
ثم فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة، وصل الأمير يشبك الصوفى المؤيدى، نائب طرابلس، إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض، فحال وقوفه «6» رسم السلطان بتوجّهه إلى ثغر دمياط بطّالا، وذلك لسوء سيرته فى أهل طرابلس. وفيه عزل السلطان الأمير علان جلّق المؤيدى عن حجوبية حلب، لشكوى «7» الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حلب عليه، ثم انتقض ذلك، واستمر علّان على وظيفته.
ووقع فى هذه السنة- أعنى ثلاث وخمسين- غريبة، وهى أنه مات فيها من ذوات الأربع، مثل الأغنام والأبقار وغيرها، شىء كثير «8» ، من عدم العلوفة، لغلو الأسعار
والفناء، فأيقن كلّ أحد بتزايد أثمان الأضحية، فلما كان العشر الأول من ذى الحجة، وصل إلى القاهرة من البقر والغنم شىء كثير، حتى أبيعت بأبخس الأثمان.
ثم فى يوم تاسع عشر ذى الحجة المذكور، سمّر نجم الدين أيوب [بن حسن بن محمد نجم الدين بن البدر ناصر الدين]«1» بن بشارة، وطيف به، ثم وسّط من يومه، ووسّط معه شخص آخر من أصحابه، وقد ذكرنا سبب القبض عليه وما وقع له فى تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى «2» الأيام والشهور» ، إذ هو محله «3» .
ثم فى يوم السبت رابع عشرينه، عزل السلطان الأمير علان المؤيدى، عن حجوبية حجاب حلب، لأمر وقع بينه وبين نائب حلب، الأمير قانى باى الحمزاوى، ورسم بتوجّه علان المذكور إلى مدينة طرابلس بطالا، واستقر عوضه فى حجوبية حلب قاسم بن جمعة القساسى، وأنعم بإقطاع قاسم على الأمير جانبك المؤيدى المعروف بشيخ، المعزول أيضا [146] عن حجوبية حلب قبل تاريخه، والإقطاع إمرة طبلخانات بدمشق. وفيه رسم السلطان لما ماى السيفى بيبغا المظفرى، أحد الدّواداريّة الصغار، بالتوجه إلى ثغر دمياط، وأخذ الأمير يشبك الصوفى منه وتحبّسه بثغر الإسكندرية مقيّدا؛ ووقع ذلك.
ثم فى يوم الخميس خامس عشرين ذى الحجة، رسم باستقرار الأمير يشبك النّوروزى، حاجب حجاب دمشق، فى نيابة طرابلس، عوضا عن يشبك الصوفى المقبوض عليه قبل تاريخه، وولاية يشبك المذكور طرابلس، على مال كبير بذله له، وحمل إليه التقليد والتشريف بنيابة طرابلس، الأمير أسنباى الجمالى الساقى الظاهرى