الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خبر عصيان تغرى برمش المذكور
«1»
وهو أنه كان له من يوم مات [الملك]«2» الأشرف برسباى، أخذ فى أسباب الخروج، واحترز على نفسه فى عوده صحبة العساكر إلى حلب غاية الاحتراز، حتى إنه لم يدخل حلب إلا بعد خروج العساكر المصرية منها بعد أيام، ولما دخل حلب شرع فى تدبير أمره والنظر فى ما يفعله لنفسه، ولم يكن له غرض فى طلب الملك لمعرفته أن القوم لا يرضونه لذلك، غير أنه يعلم أنهم لا يدعونه «3» فى نيابة حلب إن أمكنهم ذلك، لكونه كان «4» تركمانيا غير الجنس. وتحقق هذا، فأخذ فى عمل «5» مصلحة نفسه، واستدعى أمراء التركمان للقيام معه، فأجابه جماعة كبيرة، وانضم عليه خلائق.
وكان تغرى برمش من رجال الدهر، عارفا بتدبير أموره، جيد التصرف، وعنده عقل ومكر وحدس صائب، وتدبير جيد، وهمة عالية، على أنه كان لا يعرف المسألة الواحدة فى دين الله، مع جمودة فى مجالسته وخشونة ألفاظ تظهر منه كما هى عادة أوباش التركمان، وجميع جهده ومعرفته كانت فى أمور دنياه لا غير، مع جبن وبخل، إلا فى مستحقّه.
فلما استفحل أمره بمن وافقه من أمراء التركمان فى الباطن، وبكثرة مماليكه وخدمه، مع ما كان حصّله من الأموال، وبلغه مع ذلك أن الملطّفات السلطانية وردت على أمراء حلب فى القبض عليه، رأى أنه يظهر ما استكتمه من الخروج عن الطاعة، ويملك حلب وأعمالها طول عمره، لما دبره أنه إذا غلب عليها وكثرت
عساكره بها، يحصّنها ويقيم بها، فإن جاءه «1» عسكر هو قبيله، قاتله، وإن كانت الأخرى، انهزم أمامه بعد تحصين قامتها، وتوجّه «2» إلى جهة بلاد التركمان، إلى أن يعود عنها من أتاها من العساكر، ولم يبق بها إلا من استنيب بها، [و]«3» قدمها تغرى برمش وملكها منه، كما كان يفعله شيخ ونوروز مع الملك الناصر [فرج ابن برقوق]«4» ، مع أن تغرى برمش هذا، كان أرسخ منهما قدما بتلك البلاد، لكونه كان تركمانيا، وله أموال جمة، وأكثر دهاء ومكرا، وإن كان شيخ ونوروز أعظم فى النفوس وأشجع، فليس هذا محلّ شجاعة وعظمة، وإنما هو محل تشويش وتنكيد. وتأييد ما قلته: أن [الملك]«5» الظاهر جقمق، قلق لعصيان تغرى برمش [هذا]«6» أكثر من عصيان الأمير إينال الجكمى نائب الشام الآتى ذكره، وأرسل [الملك]«7» الظاهر خلفى وكلّمنى فى المحضر المكتتب فى حق تغرى برمش هذا قديما، من قتله لبعض مماليك الوالد، لما كان تغرى برمش المذكور بخدمة الوالد، على ما سيأتى بيانه فى [ذكر وفيات هذا الكتاب إن شاء الله تعالى]«8» ، وكلّمنى الملك الظاهر فى أمر تغرى برمش بسبب المحضر وغيره، فلحظت منه ما ذكرته من تخوفه من طول أمر تغرى برمش المذكور معه- انتهى.
وكان أول ما بدأ به تغرى برمش أنه أخذ يستميل الأمير حطط نائب قلعة حلب، فلم يتم له ذلك، فأخذ يدبر على أخذ القلعة بالحيل، فأحسّ حطط وكلّم أمراء حلب بسببه، وانفقوا على قتاله، وبادروه وركبوا عليه بعد أمور وقعت يطول شرحها، ورمى عليه حطط من أعلى قلعة حلب؛ وركب الأمير بردبك العجمى الجكمى حاجب حلب، والأمير قطج من تمراز أتابك حلب، وجماعة أمراء حلب، وعساكرها، وواقعوه، فصدمهم بمماليكه صدمة بدد شملهم فيها، وانهزموا
وتشتتوا، فتوجه قطج إلى جهة البيرة «1» فيما أظن، وتوجه بردبك العجمى ومعه أيضا جماعة إلى حماه، وكانت الواقعة فى ليلة الجمعة ثامن عشرين شعبان، ودخل بردبك حماه فى آخر يوم السبت سلخ شعبان؛ هذا ما كان من أمر تغرى برمش، ويأتى بيان أمر هذه الوقعة، فى كتاب تغرى برمش المذكور [إلى السلطان]«2» فيما بعد.
وأما ما كان من أمر السلطان، فإنه لما بلغه خبر عصيانه، طلب الأمراء وعمل معهم مشورة بسببه، فوقع الاتفاق بعزله عن نيابة حلب، وتولية غيره، ثم ينتظر السلطان بعد ذلك ما يرد عليه من الأخبار من البلاد الشامية، لما كان أشيع بالقاهرة أن الأمير [102] إينال الجكمى هو الذي أشار لتغرى برمش المذكور بالخروج عن الطاعة، وأنه موافقه فى الباطن، فلذلك لم يعيّن السلطان أحدا من العساكر المصرية، ولا نواب البلاد الشامية، لقتال تغرى برمش.
فلما كان يوم الخميس ثانى عشر [شهر]«3» رمضان المذكور، كتب السلطان بنقل الأمير جلبان أمير آخور نائب طرابلس، إلى نيابة حلب، عوضا عن تغرى برمش المذكور، وأن يستقر الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حماه المقدم ذكره «4» فى نيابة طرابلس [عوضا عن جلبان، وأن يستقر بردبك العجمى الجكمى حاجب حجاب حلب، المقدم ذكره]«5» فى نيابة حماه، عوضا عن قانى باى الحمزاوى.
وتوجّه الأمير على باى العجمى المؤيدى، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة،
بتقليد جلبان وتشريفه بنيابة حلب، وتقليد بردبك العجمى بنيابة حماه، وبردبك المذكور هو خال على باى المتوجه وجالبه وبه يعرف بالعجمى، على شهرة خاله المذكور.
وتوجه الأمير جانبك المحمودى المؤيدى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بتقليد الأمير قانى باى الحمزاوى وتشريفه بنيابة طرابلس، وعلى باى وجانبك هما يوم ذاك عقد المملكة وحلّها. وبقى السلطان فى قلق بسبب إينال الجكمى نائب الشام، لكونه أشيع أن سودون أخا «1» إينال الجكمى، منذ قدم من عند إينال إلى القاهرة يستميل الناس إليه، وكان السلطان لما تسلطن أرسل سودون المذكور إلى جميع نواب البلاد الشامية، وكانت العادة جرت، أنه يتوجه لكل نائب أمير، يبشره بجلوس السلطان على تخت الملك، كلّ ذلك مراعاة «2» لخاطر أخيه إينال الجكمى، وكان السلطان أيضا أرسل إلى إينال المذكور، بخلعة ثانية مع الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك باستمراره على نيابة دمشق.
فلما كان يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان، ورد الخبر على السلطان من الأمير طوخ مازى الناصرى نائب غزة: بأن الأمير ناصر الدين محمد بن منجك المقدم ذكره، لما وصل من عند السلطان بما على يده من الخلعة إلى جسر يعقوب، بعث إليه إينال الجكمىّ ساعيا يستحثه على سرعة القدوم إلى دمشق، ثم أردفه بآخر حتى قدم ابن منجك إلى دمشق فى يوم السبت سابع شهر رمضان المذكور، وخرج إينال إلى لقائه، ولبس التّشريف السلطاّ المجهز إليه على يد ابن منجك، وقبّل الأرض،
وركب الفرس المحضر معه «1» أيضا، ودخل إلى دمشق فى موكب جليل، ونزل بدار السعادة، فاطمأن أهل دمشق بذلك، فإنه كان قد أشيع أيضا بدمشق بعصيان نائبها المذكور.
فلما كان يوم الاثنين تاسعه، ركب الأمير إينال الجكمى الموكب على العادة، ودخل إلى دار السعادة، وجميع أمراء دمشق وسائر المباشرين بين يديه، وقد اطمأن كلّ أحد بأن ملك الأمراء مستمرّ على الطاعة، فما هو إلا أن استقر فى مجلسه أشار بالقبض على أعيان أمراء دمشق، فأغلق الباب وقبض على جميع الأمراء والمباشرين، وكان القائم فى قبض الأمراء [الأمير]«2» قانى باى الأبوبكريّ الناصرى أتابك دمشق، وقانصوه النّوروزى أحد مقدمى دمشق. والمقبوض عليهم أجلّهم: الأمير برسباى الحاجب وعدة كبيرة أخر يأتى ذكرهم «3» . قال: وإن على باى العجمى وجانبك المحمودى المتوجهين بتقليد نائب حلب وطرابلس وصلا «4» إلى غزة وأقاما بها.
فلما سمع السلطان هذا الخبر، اضطرب وتشوّش غاية التّشويش، لأنه كان عليه أدهى وأمرّ، وجمع الأمراء واستشارهم فى أمر إينال وتغرى برمش فأشاروا «5» الجميع بسفره، وتذكّر السلطان قول آقبغا التّمرازى لمّا أشار عليه «6» قبل سلطنته أن يتوجّه إلى البلاد الشامية ثم يتسلطن، فلم تفده التذكرة الآن، وانفض الموكب على أن السلطان يسافر لقتال المذكورين.
ثم فى يوم الأربعاء، ورد الخبر على السلطان: أن الأمير قطج أتابك حلب، وصل أيضا إلى حماة، وأن تغرى برمش أخذ مدينة عين تاب وقلعتها، وأن عدة
من قبض عليه الأمير إينال الجكمى من أمراء دمشق تسعة عشر أميرا، وأنه قبض أيضا على جمال الدين يوسف بن الصفى الكركى ناظر جيش دمشق، وعلى القاضى بهاء الدين محمد بن حجى كاتب سر دمشق، وأن على باى [103] وجانبك المحمودى توجّها من غزة إلى الأمير إينال الناصرى العلائى نائب صفد.
ثم فى يوم الخميس عشرينه، ورد على السلطان كتاب الأمير تغرى برمش نائب حلب مؤرخا «1» بثانى شهر رمضان، يتضمن أنه فى اليوم «2» الثالث والعشرين من شعبان لبس الأمير حطط نائب القلعة ومن معه بالقلعة السلاح، وقاموا على سور القلعة ونصبوا المكاحل وغيرها، وأمروا من تحت القلعة من أرباب المعايش وسكان الحوانيت بالنقلة من هناك. وأنه لما رأى ذلك، بعث يسأل حطط عن سبب هذا فلم يجبه، إلى أن كان ليلة التاسع والعشرين منه ركب الأمير قطج أتابك العساكر والأمير بردبك الحاجب فى عدة أمراء لا بسين السلاح ووقفوا تحت القلعة، فبعث إليهم جماعة من عسكره فكانت بين الفريقين وقعة هائلة انهزم فيها قطج، وأنه باق على طاعة السلطان، وأنه بعث يسأل حطط ثانيا عن سبب هذه الحركة، فأجاب بأن الأمير بردبك الحاجب ورد عليه مرسوم السلطان بالركوب عليك وأخذك. وجهزّ تغرى برمش أيضا محضرا ثانيا على قضاة حلب بمعنى ما ذكره، وأنه باق على طاعة السلطان، وأنه لم يتعرض إلى القلعة، فلم يعوّل السلطان على كتابه ولا على ما ذكره لما سبق عنده من خروجه عن الطاعة- انتهى ما تضمنه كتاب تغرى برمش.
ثم ورد على السلطان كتاب الأمير فارس نائب قلعة دمشق، بأن الأمير إينال الجكمى أمر فنودى بدمشق بالأمان والاطمئنان والدعاء للسلطان الملك العزيز يوسف، وأن القاضى تقىّ الدين بن قاضى شهبة، قاضى قضاة دمشق، دعا للملك العزيز على منبر جامع بنى أمية فى يوم الجمعة، وأن الخطبة بقلعة دمشق بافية باسم السلطان الملك
الظاهر جقمق؛ كل ذلك والسلطان قد اجتمع»
رأيه على إخراج تجريدة إلى البلاد الشامية.
ثم فى يوم السبت حادى عشرين [شهر]«2» رمضان، استقر القاضى بدر الدين محمد ابن قاضى القضاة ناصر «3» الدين أحمد التّنّسى أحد خلفاء الحكم المالكية قاضى قضاة الديار المصرية، بعد موت العلامة شمس الدين محمد بن أحمد البساطى.
ثم أصبح السلطان من الغد فى يوم الأحد ابتدأ بعرض المماليك السلطانية، وعيّن من الخاصكية ثلاثمائة وعشرين نفرا «4» ، لسفر الشام مع من «5» يأتى ذكره من أمراء الألوف وغيرهم.
ثم فى يوم الاثنين ثالث عشرينه، خلع السلطان على الأمير الكبير آقبغا التّمرازى باستقراره فى نيابة دمشق، عوضا عن إينال الجكمى بحكم عصيانه، على كره منه وتمنّع كبير.
ثم فى يوم الثلاثاء أيضا عرض السلطان الخاصكيّة وعين منهم للسفر ثلاثمائة وثلاثين خاصكيّا، لتتمة ستمائة وستين خاصكيّا، ثم نقّص منهم خمسة بعد أيام.
ثم فى يوم الأربعاء خامس عشرينه عيّن السلطان للسفر من أمراء الألوف:
قراخجا الحسنى رأس نوبة النوب، وتمرباى السّيفى تمربغا المشطوب، ومن أمراء الطبلخانات:[الأمير]«6» طوخ من تمراز الناصرى رأس نوبة ثانى، وهو مسفّر الأتابك آقبغا التّمرازى؛ ومن أمراء العشرات عشرة، وهم: أقطوه الموساوى، وقد صار أمير طبلخاناة، وتنم من عبد الرازق المؤيدى محتسب القاهرة ورأس نوبة،
ثم أعفى بعد ذلك، ويشبك من أزوباى الناصرى رأس نوبة، وبايزير «1» من صفر خجا الأشرفى رأس نوبة، وآقبردى الأشرفى أمير آخور ثالث، وقيزطوغان العلائى، وسودون الإينالى المؤيدى المعروف بقراقاس رأس نوبة، وسودون العجمى النوروزى رأس نوبة، وسودون النوروزى السلاح دار رأس نوبة، وجانبك النوروزى رأس نوبة، وخشكلدى الناصرى البهلوان.
ثم ورد الخبر على السلطان من الأمير طوغان العثمانى نائب القدس بأن إينال الجكمى، أطلق الأمراء الذين قبض عليهم قبل تاريخه، وحلّفهم للملك العزيز يوسف، وذلك بشفاعة قانى باى الناصرى البهلوان أتابك دمشق، فحزر أهل المعرفة أن أمر إينال الجكمى لا يتم لتضييعه الحزم فيما فعل من الإفراج عن الأمراء بعد أن تأكدت الوحشة بينهم، ومع ما كان بينه وبين الأمير برسباى الحاجب من حضوض «2» الأنفس قديما، ونفرت القلوب بذلك عن إينال الجكمى، وأول من نفر عنه تغرى برمش نائب حلب، وقال فى نفسه عن إينال المذكور: هذا فى الحقيقة ليس بخارج عن الطاعة، وإنما قصد بالإشاعة عنه أنه عاص حتى أقدم عليه ويقبض علىّ تقرّبا لخاطر السلطان، وهو معذور فى ذلك، فإن مثل هؤلاء [104] ما كان يفرج عنهم بشفاعة ولا لشفقة عليهم، وقد قصد ما قصد، [ولله در المتنبى فى قوله] «3» :[الكامل]
لا يخدعنّك من عدوك دمعه
…
وارحم شبابك من عدوّ ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
…
حتى يراق على جوانبه الدّم
ومن يومئذ أخذ أمر إينال الجكمى فى الاضمحلال قليلا، واستخف كل أحد عقله وتعجب من سوء تدبيره، وكاد أخوه سودون العجمى «4» أن يموت قهرا لما بلغه عن أخيه إينال [ذلك] ، «5» وهو يوم ذاك من جملة أمراء العشرات بالديار المصرية.
ثم ورد الخبر على السلطان بأن الأمير إينال العلائى الناصرى نائب صفد خرج منها، وسار حتى نزل بالرّملة فى سابع عشر [شهر]«1» رمضان، بعد ما أرسل إليه إينال الجكمى يدعوه لموافقته، وأعلمه أيضا أنه ما قام فى هذا الأمر إلا وقد وافقه نواب المماليك، وأركان الدولة وعظماء أمراء مصر، فلم يلتفت إينال العلائى لكلامه، ثم خشى أن يكبس بصفد، فخرج منها بعد أن جعل حريمه بقلعة صفد، وسار حتى نزل الرملة، فسرّ السلطان بذلك وكتب إليه بالثناء والشكر.
ثم فى يوم الخميس سابع عشرين [شهر]«2» رمضان المذكور أنفق السلطان فى العسكر المجرد إلى الشأم- وعدتهم ما بين خاصكىّ ومملوك: ستمائة واثنان وخمسون نفرا- كل واحد ثمانين «3» دينارا.
ثم قدم الخبر بأن الأمير جلبان، المستقر فى نيابة حلب، وصل إلى الرملة فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان فارّا من تغرى برمش نائب حلب، وكان من خبر تغرى برمش نائب حلب أنه لما قوى أمره وبلغه عصيان إينال الجكمى أيضا، عظم أمره واستدعى التركمان إلى حلب، فقدم عليه منهم جماعة كبيرة إلى الغاية؛ ثم عمل مكحلة «4» عظيمة من نحاس، ليرمى بها على قلعة حلب، وأخذ مع هذا كله يستميل جماعة من أهل قلعة حلب فمالوا له فى الباطن، وواعدوه على «5» تسليم القلعة له، وهو مع ذلك مستمر فى حصار القلعة المذكورة، والنقب فى جدر «6» القلعة [عمّال]«7» ، والقتال بينه وبينهم فى كل يوم يزداد، إلى أن بلغ الأمير حطط نائب قلعة حلب، عمن «8» وافق تغرى برمش المذكور، من أهل القلعة، فقبض على الجميع، وأخذ
بعضهم وجعله فى المنجنيق ورمى به على تغرى برمش، ثم قتل جماعة منهم وجعل رؤوسهم على سور قلعة حلب، فلم يكترث تغرى برمش بذلك واستمر على ما هو عليه من حصار القلعة حتى أشرف على أخذها، فخوّفه بعض أصحابه من وثوب أهل مدينة حلب عليه وأشاروا عليه بأن ينادى لهم بالأمان، فأمر بذلك.
وكان بلغ أهل حلب أن تغرى برمش يريد يأمر التركمان بنهب حلب، فلما نودى بالأمان تحققوا ما كان قيل من نهب حلب، وألقى الله فى نفوسهم أن يركبوا عليه ويقاتلوه قبل أن يأمر بنهبهم. فثارت العامة وأهل حلب بأجمعهم «1» بقسيّهم وسلاحهم على حين غفلة، وساروا يدا واحدة واحتاطوا بدار السعادة وبه النائب تغرى برمش؛ وقد تقدم أن تغرى برمش المذكور كان جبانا غير ثابت فى الحروب، ضعيف القلب عند ملاقاة العدو، وليس فيه [سوى]«2» جودة التدبير وحسن السياسة بحسب الحال، وبالنسبة لأمثاله من الجهلة فعندما بلغه وثوب أهل حلب عليه لم يثبت، وذهب فارّا يريد الخروج من المدينة، وسار حتى خرج «3» من السور، وصار «4» واقفا «5» خارج السور فى نحو الأربعين فارسا تخمينا، وقد نهبت العامة جميع ما كان له بدار السعادة، من الخيول والأموال والسلاح وامتدت أيديهم إلى مماليك تغرى برمش وأتباعه يقتلونهم وينهبونهم.
وكان له المماليك الكثيرة المتجمّلة فى لبسهم وسلاحهم، غير أنهم كانوا على مذهب أستاذهم فى الجبن والخوف «6» وعدم الثبات فى القتال، ولم يظهر لأحد منهم نتيجة فى هذا اليوم ولا فى يوم مصاففته للعسكر المصرى، بل هرب غالبهم وجاء «7» إلى العساكر المصرية قبل وقوع القتال، وتركوا أستاذهم فى مثل ذلك اليوم مع عظم
إحسانه لهم، وتخوّلهم فى النّعم. وكانت هذه الوقعة فى يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان، بعد ما كان تغرى برمش حاصر القلعة ثلاثة عشر يوما وتلاحق عدة من أصحاب تغرى برمش ومماليكه به ولم يجد له قوة للعود إلى حلب لقتال أهلها، فسار بمن معه يريد طرابلس، وانضم عليه الأمير طر على بن صقل «1» سيز التركمانى بأصحابه، فلما قارب طرابلس لم يثبت الأمير [105] جلبان، وانهزم من طرابلس فى العاجل، إلى نحو الرملة حتى قدمها، وانضم على من كان بالرّملة من النواب وغيرهم. وكان جلبان أيضا من مقولة تغرى برمش فى القتال، غير أن أمره كان فى ستر لأمور لا تخفى على أحد، فدقت البشائر لذلك، وسر السلطان بهذا الخبر، وتعجب الناس من نكبة تغرى برمش المذكور، مع قوة أمره وكثرة جموعه.
ولما وصل جلبان إلى الرّملة واجتمع بالأمير إينال العلائى نائب صفد، والأمير طوخ مازى نائب غزة، والأمير طوغان العثمانى نائب القدس، اتفقوا على مكاتبة السلطان، فكتبوا له يستدعونه للسير بنفسه، بعد تجهيز العساكر بين يديه سريعا، وكان قدم بهذا الخبر صرغتمش السيفى تغرى بردى أحد مماليك الوالد، وهو يوم ذاك دوادار الأمير جلبان، فخلع عليه السلطان فى يوم الأحد تاسع عشرينه باستقراره دوادار السلطان بحلب، عوضا عن سودون النّوروزى بحكم انتقاله إلى حجوبية حلب، بعد بردبك العجمى المنتقل إلى نيابة حماه.
ثم فى هذا اليوم قدم الأمير جانبك المحمودى المتوجه بتقليد قانى باى الحمزاوى بنيابة طرابلس، بعد أن وصل إلى الرّملة ولم يتمكن من التوجه إلى حماه خوفا من إينال الجكمى، فأثار عند قدومه إلى القاهرة سرورا عظيما «2» ، فإنه زعم أنه ظفر بكتب جماعة من الأمراء وغيرهم إلى العصاة ببلاد الشام، أوقف عليها السلطان، فتعجب السلطان من ذلك غاية العجب، فإنه كان من يوم جلس على