الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[تتمة ما وقع من الحوادث سنة 836]
[3] ذكر سفر السلطان الملك الأشرف [برسباى] إلى آمد
لما كان يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب من سنة ست وثلاثين وثمانمائة، الموافق لأول فصل الربيع، وانتقال الشمس إلى برج الحمل، ركب السلطان «1» الملك الأشرف برسباى من قلعة الجبل ببقية أمرائه «2» ومماليكه، وعبّى أطلابه «3» ، وتوجه فى الساعة الثالثة من النهار المذكور إلى مخيّمه بالرّيدانيّة «4» ، [خارج القاهرة]«5» ، تجاه مسجد التّبن «6» ، فسار فى موكب جليل إلى الغاية، وقد خرج الناس لرؤيته، إلى أن وصل إلى مخيمه، وصحبته من الأمراء المقدمين: الأمير جقمق العلائى أمير آخور «7» ، والأمير
أركماس الظاهرى الدّوادار، والأمير تمراز القرمشى رأس نوبة النّوب، والأمير يشبك السّودونى المعروف بالمشدّ «1» ، والأمير جانم أخو «2» الملك الأشرف، والأمير جانى بك الحمزاوى، فهؤلاء «3» من مقدمى الألوف؛ وسافر معه جماعة كثيرة من أمراء الطبلخاناه، مثل الأمير قراخجا الشعبانى الظاهرى برقوق، ثانى رأس نوبة، والأمير قراسنقر من «4» عبد الرحمن الظاهرى برقوق، والأمير قراجا الأشرفى شادّ الشرابخاناه «5» ، والأمير تمر باى التّمر بغاوى الدوادار الثانى، والأمير شيخ الرّكنى الأمير آخور الثانى، والأمير خجا سودون السّيفى بلاط الأعرج، أحد رؤوس النوب، والأمير تغرى بردى البكلمشى المؤذى «6» ، أحد رؤوس النوب، فهؤلاء الذين يحضرنى الآن أسماؤهم «7» .
وسافر معه عدة كبيرة من الأمراء العشرات، وخلع «8» على الأمير حسين بن أحمد
المدعو تغرى برمش، باستقراره فى نيابة الغيبة، ورسم له بسكنى باب السلسلة «1» والحكم بين الناس. ورسم باستقرار الأمير آقبغا التّمرازى، أمير مجلس، بإقامته بالقاهرة، وبسكنه بقصر بكتمر عند الكبش، والآمير بردبك الإسماعيلى قصقا الحاجب الثانى.
وعيّن أيضا عدة من أمراء العشرات والحجاب بالإقامة بالقاهرة، واستقر بالقلعة [المقام]«2» الجمالى يوسف ابن السلطان الملك الأشرف، وهو أعظم مقدمى الألوف، والأمير خشقدم الظاهرى الزمام الرومى، والأمير تنبك البردبكى نائب قلعة الجبل، والأمير إينال الظاهرى أحد رؤوس النوب المعروف بأبزى «3» .
وخلع على الأمير إينال الششمانى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره أمير حاجّ الموسم، وخلع على الوزير الأستادار الصاحب كريم الدين بإقامته بالقاهرة، وأن يتوجه أمين الدين إبراهيم بن الهيصم «4» ، ناظر الدولة صحبة السلطان.
وبات السلطان ليلة الجمعة بالرّيدانية، واشتغل بالمسير من الغد، فى يوم الجمعة، بعد الظهر إلى البلاد الشامية، ومعه من ذكرنا من الأمراء والخليفة المعتضد بالله داود والقضاة الأربعة، وهم: قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعى «5» ، وقاضى القضاة بدر الدين محمود العينتابى الحنفى «6» ، وقاضى القضاة شمس الدين محمد البساطىّ
المالكى، وقاضى القضاة محبّ الدين أحمد البغدادى الحنبلى.
ومن مباشرى الدولة: القاضى كمال الدين محمد بن البارزى كاتب السر، وزين الدين إبراهيم ابن كاتب جكم ناظر الخواصّ، والقاضى شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب السر، وأئمة السلطان الذين يصلّون به الخمس، ونديمه ولىّ الدين بن قاسم الشّيشينى؛ فهذا الذين سمحت القريحة بذكرهم. وكان سفر السلطان فى الغد من يوم خروجه من القاهرة، بخلاف عادة الملوك- انتهى.
وسار السلطان بعساكره، لا يتجاوز فى سيره المنازل، إلى أن وصل إلى مدينة غزة، فى أول شعبان، بعد أن خرج نائبها «1» الأمير إينال العلائى الناصرى، أعنى الملك الأشرف إينال، إلى ملاقاته هو وأعيان غزة؛ ودخل السلطان إليها فى موكب عظيم [سلطانى]«2» ، وأقام بها، إلى أن رحل منها فى يوم الخميس رابعه، بعد أن [4] نزل بالمسطبة خارج غزة ثلاثة أيام؛ وسار إلى جهة دمشق، ونحن فى خدمته، إلى أن وصل إلى مدينة دمشق فى يوم الاثنين خامس عشر شعبان، واجتاز بمدينة دمشق بأبهة السلطنة وشعار الملك فى موكب جليل، وحمل الأمير جارقطلو «3» نائب الشام القبّة والطّير على رأسه، إلى أن نزل بالدّهليز السلطانى بمنزلة برزة «4» خارج دمشق، وكذلك جميع أمرائه وعساكره نزلوا «5» بخيامهم بالمنزلة المذكورة، ولم ينزلوا بمدينة دمشق، شفقة على أهل دمشق «6» .
وأقام السلطان بمخيّمه خمسة أيام، وركب فيها غير مرة، ودخل دمشق، وطلع
إلى قلعتها مرارا؛ ثم رحل السلطان من دمشق بأمرائه وعساكره، فى يوم السبت عشرينه، يريد البلاد الحلبية، فحصل للعسكر بعيض مشقّة لعدم إقامته بدمشق، من أجل راحة البهائم. ولم يعلم أحد قصد السلطان فى سرعة السير لماذا [؟] وسار حتى وصل إلى حمص ثم إلى حماه، فخرج الأمير جلبان نائب حماه إلى ملاقاة السلطان بعساكر حماه، فأقام السلطان بظاهر «1» حماه المذكورة ثلاثة أيام، ثم رحل منها يريد حلب. ولم يدخل السلطان حماه بأبهة السلطنة كما دخل دمشق لما سبق ذلك من قواعد الملوك السالفة:
أن السلطان لا يدخل أبدا من مدن البلاد الشامية بأبّهة السلطنة إلا دمشق وحلب ثم مصر، وباقى البلاد يدخلها على عادة سفره إلا الملك المؤيّد شيخ، فإنه لما سافر إلى البلاد الشامية فى واقعة نوروز الحافظى «2» ، عمل بحماه الموكب السلطانىّ ودخلها بأبهة السلطنة، وحمل على رأسه القبة والطير الأمير الكبير، استقلالا «3» بنائبها، فإنه لا يحمل القبة والطير على رأس السلطان إلا أحد هؤلاء الأربعة: الأمير الكبير، أو ابن السلطان، أو نائب الشام، أو نائب حلب.
وكان لعمل الملك المؤيّد الموكب بحماه سبب، وهو أنه كان فى أيام إمرته، فى الدولة الناصرية [فرج] لما حاصر الأمير نوروز الحافظى بها تلك المدة الطويلة، وقع فى حقّه من أهل حماه أمور شنيعة، صار فى نفسه من ذلك حزازة «4» ، فلما ملك البلاد وتسلطن، أراد أن ينسكيهم «5» بما هو فيه من العظمة، ويريهم ما آل أمره إليه-[انتهى]«6» .
وسار السلطان [الملك]«7» الأشرف من حماه إلى أن وصل إلى حلب فى يوم الثلاثاء، خامس شهر رمضان، ودخلها على هيئة دخوله إلى دمشق، بأبهة السلطنة؛ وحمل القبّة
والطير على رأسه، الأمير [سيف الدين]«1» قصروه [بن عبد الله]«2» ، من «3» تمراز نائب حلب؛ وشقّ السلطان مدينة حلب فى موكب عظيم، إلى أن خرج منها على هيئته، ونزل بمخيمه بظاهر حلب برأس العين «4» ، ونزل معه جميع عساكره بخيلهم، ولم ينزل أحد منهم بمدينة حلب، فأقام السلطان بمكانه المذكور خمسة عشر يوما، يركب فيها ويدخل إلى حلب ويطلع إلى قلعتها.
وكانت إقامة السلطان بحلب هذه المدة، ليرد عليه بها قصّاد الأمير عثمان بن طرعلى، المدعو قرا يلك «5» ، فى طلب الصلح، فلم يرد عليه أحد ممن يعتمد السلطان على كلامه، فعند ذلك تهيأ السلطان للخروج إلى جهة آمد.
وسار من حلب فى يوم الاثنين، حادى عشرين شهر رمضان، مخفّفا من الأثقال والخيام الهائلة؛ ونزل القضاة بمدينة حلب، وصحب الخليفة أمير المؤمنين المعتضد داود، وهو فى ترسيم الأمير قراسنقر العبد الرحمانى «6» ، أحد أمراء الطبلخاناه، كما هى العادة فى مشى بعض الأمراء مع الخلفاء فى الأسفار، كالتّرسيم عليه، وهذا «7» أيضا من القواعد القديمة.
واستمر السلطان فى سيره بجميع عساكره، غير أنهم فى خفّة من أثقالهم، إلى أن وصل البيرة، وقد نصب جسر المراكب على بحر الفرات لتعدية العساكر السلطانية عليه إلى جهة الشرق، فنزل السلطان فى البر الغربى الذي جهة حلب، وأقام بمخيمه، وأمر الأمراء أن تعدى إلى تلك الجهة بأطلابها قبله، ثم يسير السلطان بالعساكر بعدهم لئلا تزدحم «1» العساكر على الجسر المذكور، لأن الجسر، وإن كان محكما، فهو موضوع على المراكب، والمراكب مربوطة موثوقة «2» بالسلاسل، فهو على كل حال، ليس بالثابت تحت الأقدام، ولا بد أن يرتجّ عند المرور عليه؛ وكانت «3» سعة الجسر بنحو أن يمر عليه قطاران «4» من الجمال المحملة- انتهى.
فأخذت الأمراء فى التعدية إلى جهة البيرة [5]- والسلطان بعساكره فى خيامهم- إلى أن انتهى حال الأمراء، فأذن السلطان عند ذلك للعساكر بالمرور على الجسر المذكور إلى البيرة من غير عجلة، فكأنه استحثهم على السرعة، فحمّلوا جمالهم «5» للتعدية، ووقع بينهم أمور وضراب ومخاصمة بسبب التعدية، يطول شرحها، إلى أن عدّى غالبهم. فعند ذلك ركب السلطان بخواصّه ومرّ على الجسر المذكور إلى أن عدّاه، ونزل بقلعة البيرة فى يوم السبت سادس عشرين شهر رمضان، ونزلت العساكر المصرية «6» والشامية «7» على شاطىء بحر الفرات وغيره، فأقام السلطان بالبيرة إلى أن رتب أمورها وترك بها أشياء كثيرة من الأثقال السلطانية، ورحل منها فى أواخر شهر رمضان المذكور إلى جهة آمد حتى نزل على مدينة الرّها فى ليلة عيد الفطر، فوجدناها «8» خرابا خالية من أهاليها وأصحابها لم يسكنها
إلا من عجز «1» عن الحركة من ضعف بدنه أو لقلة «2» ماله. ونزل السلطان على ظاهرها من جهة الشرق وعيّد بها عيد الفطر، ودخلت أنا إلى مدينة الرّها وطلعت إلى قلعتها، فإذا هى مدينة لطيفة، وقلعتها «3» فى غاية الحسن، على أنها صغيرة جدا.
ثم أصبح السلطان يوم عيد الفطر، وقد اشتغل بالمسير إلى جهة آمد، وإلى الآن لم يعرف لقرايلك خبر، والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من يقول إنه تهيأ ويريد قتال العساكر السلطانية، ومن الناس من يقول إنه دخل إلى آمد وحصّنها، ومن الناس من يقول إنه ترك بمدينة آمد ابنه بعد أن حصنها، وتوجه إلى قلعة أرقنين «4» ، وأرقنين على يسار المتوجّه إلى آمد. وسار السلطان بعساكره من الرّها وعليهم الأسلحة وآلة الحرب، إلى أن نزل على آمد فى يوم الخميس ثامن شوال؛ وقبل نزول السلطان عليها صفّ عساكره عدة صفوف، ووراءهم الثقل والخدم، حتى ملأوا «5» الفضاء طولا وعرضا. ومشى السلطان هو والخليفة، ومباشرو «6» الدولة حولهما بغير سلاح، يوهم أن المباشرين المذكورين هم قضاة الشرع، لكون لبسهم على هيئة لبس الفقهاء، وليس بينهم وبين القضاة فرق، بل كان فيهم مثل القاضى كمال الدين [بن البارزى]«7» كاتب السر، وهو أفضل من قضاة كثيرة، وسار السلطان بهم أمام عسكره.
وقد هال أهل آمد ما رأوه من كثرة العساكر وتلك الهيئة المزعجة التى قل أن يجتمع فى عساكر الإسلام مثلها، من ترادف العساكر بعضها على بعض، حتى ضاق عليهم اتساع
تلك البرارى، وخلف العساكر المذكورة الأطلاب الهائلة، والكوسات تدق، والبوقات تزعق، وقد تجاوز عدد أطلاب الأمراء، لكثرة ما اجتمع على السلطان من العساكر المصرية والنواب بالبلاد الشامية وأمراء التركمان والعربان؛ فكانت عدة الأطلاب التى بها الطبول والزمور تزيد على مائة طلب، ما بين أمراء مصر المقدمين وبعض الطّبلخانات ونائب دمشق وأمرائها، وهم عدة كثيرة، ونائب حلب وأمرائها وطرابلس وأمرائها، وكذلك حماه وصفد وغزة ونواب القلاع «1» وأمراء التركمان «2» الذين تضرب على بابهم الطّبول «3» ، فدقت عند قدوم السلطان جميع طبول هؤلاء وزعقت الزمور يدا واحدة، فانطبق الفضاء طبلا وزمرا حربية، هذا مع كثرة البراشم «4» والأجراس المعلقة على خيول الحرب الملبّسة بالعدد الكاملة وقلاقل الجمال.
وعند القرب من مدينة آمد، أخذت العساكر تلتمّ حتى أشرف أجناد كثيرة على الهلاك «5» من عظم ازدحام بعضهم على بعض، ومع هذا أعرض «6»
العساكر مدد العين، وصار الرجل من العسكر إذا تكلم مع رفيقه لا يسمع رفيقه كلامه إلا بعد جهد كبير لعظم الغوغاء، فانذهل أهل آمد مما عاينوا من كثرة هذه العساكر وشدة بأسها وحسن زيّهم، ومن التّجمّل الزائد فى العدد والآلات والخيول والأسلحة، والكثرة الخارجة عن الحد فى العدد.
وكان قرايلك قبل أن يخرج «1» من مدينة آمد، أمر أن يطلق الماء على أراضى آمد من خارج البلد من دجلة، ففعلوا ذلك فارتطمت «2» خيول كثير من العسكر بالماء والطين، فلم يكترث أحد بذلك، ومشى العسكر صفّا واحدا، وخلف كل صف صفوف لا تعدّ. واستمروا فى سيرهم المذكور [6] إلى أن حاذوا خندق آمد، وقد بهت أهلها لما داخلهم من الرّعب والخوف ممّا طرقهم من العساكر، ولم يرم منهم أحد بسهم فى اليوم المذكور إلا نادرا، ولا علا «3» أحد منهم على شرفات البلد إلا فى النادر أيضا، وصاروا ينظرون العساكر من الفروج التى بين الشرفات «4» .
ولم يكن لآمد المذكورة قلعة بل سور المدينة لا غير، إلا أنه فى غاية الحسن من إحكام بنيانه، وكل بدنة بالسور المذكور تحمى البدنة الأخرى، فلهذا يصعب «5» حصارها، ويبعد أخذها عنوة؛ فوقف العسكر حول آمد ساعة.
ثم مال السلطان بفرسه إلى جهة بالقرب من مدينة آمد، ونزل به فى مخيمه، وأمر الناس بالنزول فى منازلهم، وأمرهم بعدم قتال أهل آمد؛ على أن أوباش القوم تراموا بالسهام قليلا، فتوجه كل واحد «6» إلى مخيمه، ونزل الجميع بالقرب من آمد، كالحلقة عليها، غير أنهم على بعد منها، بحيث أنه لا يلحقهم الرمى من السور، وأحدقت العساكر بالمدينة من جهتها الغربية، وكان الموضع الذي نزلنا به هو أقرب الجهات «7» للمدينة المذكورة.
ونزل السلطان بمخيمه وقد ثبت عنده رحيل قرايلك من آمد. وأنه ترك أحد أولاده بها، فأقام بمخيمه إلى صبيحة يوم السبت عاشر شوال، فركب»
وزحف بعساكره على مدينة آمد بعد أن كلمهم السلطان فى تسليمها قبل ذلك؛ وترددت الرسل بينه وبينهم، فأبى من بها من الإذعان «2» لطاعة السلطان وتسليم المدينة إلا بإذن قرايلك.
ولما زحف السلطان على المدينة اقتحمت عساكر السلطان خندق آمد، وقاتلوا من بها قتالا شديدا، حتى أشرف القوم على الظفر وأخذ المدينة، وردم غالب خندق مدينة آمد بالحجارة والأخشاب.
وبينما الناس فى أشد «3» ما [هم]«4» فيه من القتال، أخذ السلطان فى مقت المماليك وتوبيخهم، وصار كلما جرح واحد من عساكره وأتى له به يزدريه ويهزأ «5» به، وينسب القوم للتراخى فى القتال.
ثم لبس هو سلاحه بالكامل، وأراد أن يقتحم المدينة بنفسه حتى أعاقه عن ذلك أعيان أمرائه، وهو راكب على فرسه، وعليه السلاح الكامل من الخوذة إلى الركب، واقف على فرسه بمخيّمه حيث يجلس، والناس وقوف وركبان بين يديه، تعده بالنصر والظفر فى اليوم المذكور، وإن لم يكن فى هذا اليوم فيكون فى الغد «6» ، وتذكر له أن القلاع لا تؤخذ «7» فى يوم ولا فى «8» يومين، وهو يتكلم بكلام [معناه] «9» : أن عساكره تتهاون «10» فى قتال أهل آمد، فلا زالت الأمراء به، حتى خلع عن رأسه خوذته ولبس
(النجوم الزاهرة ج 15)
تخفيفة على العادة، واستمر القرقل «1» عليه، إلى أن ترضّاه الأمراء، وخلع قرقله «2» ، فحمى «3» الحر واشتدت القائلة وسئمت «4» الناس من القتال، هذا مع ما بلغهم من غضب السلطان، بعد أن لم يبقوا ممكنا «5» فى القتال؛ وقد أثخنت جراحات الأمراء والمماليك من عظم القتال.
كل «6» ذلك والسلطان ساخط عليهم بغير حق، فعند ذلك فتر عزم القوم عن القتال «7» من يومئذ، وما أرى هذا الذي وقع إلا خذلانا «8» من الله تعالى لأمر سبق، وإلا فالعساكر الذين «9» اجتمعوا «10» على آمد، كان يمكنهم أخذ عدة مدن، مثل آمد وغيرها.
ولما انقضى القتال، وتوجه كل واحد إلى مخيمه، وهو غير راض فى الباطن، وجد «11» أهل آمد راحة كبيرة بعودة القوم عنهم، وبلعوا ريقهم، وأخذوا فى تقوية أبراج المدينة وسورها، بعد أن كان أمرهم قد تلاشى، مما دهمهم من شدة قتال من لا قبل لهم بقتاله. ونزل السلطان بمخيمه، وندب الأمراء [والعساكر]«12» للزحف «13» على هيئة ركوبهم يوم السبت، فى يوم الثلاثاء، وهو أيضا فى حال غضبه، فابتدأ الأمير قصروه نائب حلب، والأمير مقبل نائب صفد، والأمير جقمق العلائى الأمير آخور،
فى الكلام مع السلطان فى تسكين غضبه، وقالوا:«يا مولانا السلطان، القلاع [كما فى علم السلطان] «1» ، ما تؤخذ فى يوم [واحد]«2» ، ولا فى شهور «3» ؛ وثمّ من القلاع ما «4» حاصره تيمور لنك مع كثرة عساكره، عشر سنين. يا مولانا السلطان، الحصون ما تبنى إلا للمنع، ولولا ذاك ما بنى أحد حصنا، وقد اجتهد مماليك السلطان وأمراؤه «5» فى القتال، وجرح الغالب منهم» .
وكان ممن جرح من الأعيان: الأمير [7] تغرى بردى المحمودى، رأس نوبة النوب، وهو كان يوم ذاك أتابك العساكر «6» بدمشق، والأمير سودون ميق، أحد مقدمى الألوف بديار مصر، والأمير تنبك من سيّدى بك الناصرى المعروف بالبهلوان، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة؛ وأما من المماليك والخاصكيّة فكثير. فكان آخر كلام السلطان للأمراء:«إن العساكر تركب صحبة الأمراء فى يوم الثلاثاء، وتزحف على المدينة، ويكون الذي يركب مع الأمراء للزحف، المماليك القرانيص «7» ، وأنا ومماليكى
الأجلاب «1» نكون خلفهم» ، أراد بذلك عدم معرفة مماليكه بطرق الحرب، فحمل الناس كلامه على أنه يفعل ذلك شفقة على مماليكه، وأنه يريد هلاك من سواهم.
وقامت قيامة القوم، وتنكرت القلوب على السلطان فى الباطن، وتطاولت «2» أعناق أمرائه إلى الوثوب عليه، واتفق كثير منهم على ذلك لولا أن بعضهم مات من جراحه، وتخوّف بعضهم أيضا من بعض، وعدم موافقة جماعة أخر من أعيان الأمراء لذلك.
وكان ممن اتّهم بالوثوب، على ما قيل، الأتابك جار قطلو نائب الشام، وطرباى نائب طرابلس، ومقبل نائب صفد، وتغرى بردى المحمودى- مات بعد أيام من جرح أصابه- وسودون ميق- مات أيضا من جرح أصابه- والأمير جانبك الحمزاوى- مات فى عود الملك الأشرف إلى مصر بعد أن ولاه نيابة غزة على كره منه، وجماعة كثيرة غير هؤلاء، على ما قيل.
وكان الذي لم يوافقهم على الوثوب، الأمير قصروه والأمير إينال الجكمى أمير سلاح، والأمير جقمق الأمير آخور؛ وأما الأمير سودون من عبد الرحمن أتابك العساكر، فلم يكن «3» من هؤلاء «4» ولا من هؤلاء، لطول مرضه: من يوم خرج من مصر وهو فى محفة، وكل ذلك لم يتحققه أحد، غير أن القرائن الواقعة بعد ذلك تدل على صدق هذه المقالة- انتهى.
ولما خرج الأمراء من عند السلطان، بعد أن امتثلوا ما رسم به من الزحف فى
يوم الثلاثاء، بلغ السلطان عن الأمراء والمماليك نوع مما ذكرناه، فاضطرب أمره وصار يحاصر «1» [المدينة]«2» وهو فى الحقيقة محصور من احتراسه من أمرائه ومماليكه، وأخذ فى الندم على سفره «3» ، وفتر عزمه عن أخذ المدينة فى الباطن، وضعف عن تدبير القتال.
كل ذلك والموكب السلطانى يعمل فى كل يوم، والأمراء تحضره، ويركب السلطان ويسير إلى حيث شاء «4» ، ومعه الأمراء والنواب، غير أن البواطن معمورة بالغش، ويمنعهم من إظهار ما فى ضمائرهم موانع؛ هذا والقتال مستمر فى كل يوم، بل فى كل ساعة، بين العسكر السلطانى وبين أهل آمد، غير أنه لم يقع يوم مثل «5» يوم السبت المذكور، وقتل خلائق من الطائفتين كثيرة، وصار السلطان يضايق أهل آمد بكل ما «6» وصلت قدرته إليه، هذا وقد قوى أمرهم واشتد بأسهم لما بلغهم من اختلاف عساكر السلطان، وصاروا يصيحون من أعلى السور:
«الله ينصر جار قطلو» ، وانطلقت «7» ألسنتهم بالوقيعة والسبّ والتوبيخ، من السلطان إلى من «8» دونه.
وبينما السلطان فيما هو فيه، قدم عليه الأمير دولات شاه الكردى صاحب أكلّ «9» من ديار بكر، فأكرمه السلطان وخلع عليه.
ثم لما بلغ الملك الأشرف أحمد ابن الملك العادل سليمان ابن المجاهد غازى ابن الكامل محمد ابن العادل أبى بكر ابن الأوحد عبد الله ابن المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب]«1» ابن [السلطان]«2» الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب بن شاذى الأيوبى، صاحب حصن «كيفا» قدوم السلطان الملك الأشرف إلى آمد، خرج من الحصن فى قليل من عسكره فى أوائل ذى القعدة، يريد القدوم «3» على السلطان، «4» فاعترضه فى مسيره جماعة من أعوان قرايلك على حين غفلة، وقد نزل عن فرسه لصلاة العصر، وقاتلوه إلى أن قتل الملك الأشرف المذكور من سهم أصابه، وانهزم بقية من كان معه وانتهبوا، ففدم جماعة «5» منهم [على الملك]«6» الأشرف، وعرّفوه بقتل الملك الأشرف صاحب الحصن، فعظم عليه ذلك إلى الغاية.
ومن هذا اليوم أخذ السلطان فى أسباب الرحيل عن آمد، غير أنه صار يترقب [8] حركة يرحل بها لتكون لرحيله «7» مندوحة. ثم ندب السلطان جماعة كبيرة من التركمان والعربان من عسكره لتتبع قتلة الملك الأشرف صاحب الحصن. وكان منذ نزل السلطان على آمد و «8» أتباع العسكر السلطانى من التركمان والعربان تعيث «9» وتنهب فى قرى آمد وغيرها ويأتون «10» بما يأخذونه للعساكر المذكورة،
وصارت الغلمان تخرج من الوطاق إلى جهات آمد وتحصد الزروع «1» وتأتى بها الأجناد، حتى صار أمام خيمة كل جندى جرن كبير من الزرع، وهو الذي قام بعلوفة خيول العسكر فى طول مدة الإقامة على آمد، ولولا ذلك لكان لهم شأن آخر.
ولما ندب السلطان الجماعة المذكورة لتتبع قتلة الملك الأشرف وغيره، خرجوا إلى جهة من الجهات فوافوا جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وقاتلوهم حتى هزموهم، وأسروا منهم جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وفرسانه وأتوا بهم إلى السلطان، وهم نيف على عشرين نفسا، فأمر السلطان بقيدهم فقيدوا.
ثم توجهوا ثانيا فوافقوا جماعة أخر، فقاتلوهم أيضا وأسروا منهم نحو الثلاثين، ومن جملتهم قرا محمد أحد أعيان أمراء قرايلك؛ فأحضر السلطان قرا محمد وهدده بالتّوسيط «2» إن لم يسلم له آمد، فأخذوا «3» قرا محمد المذكور ومرّوا إلى تحت سور المدينة، فكلمهم قرا محمد المذكور فى تسليم المدينة، فلم يلتفتوا إليه، فأخذوه وعادوا، فأصبح السلطان وسّط منهم تحت سور آمد عشرين رجلا، من جملتهم قرا محمد المذكور.
واتفق فى توسيط هؤلاء غريبة، وهو أن بعضهم حمل للتوسيط فاضطرب من أيدى حملته فوقع منهم إلى الأرض، فقام بسرعة وهرب إلى أن ألقى بنفسه إلى الخندق، بعد أن تبعه جماعة، فلم يقدروا على تحصيله؛ ثم خرج من الخندق وقد أرخى إليه من سور آمد حبل «4» ، وتشبث به إلى قريب الشرفة، فانقطع الحبل فوقع إلى الأرض، ثم جرّ ثانيا إلى أعلى المدينة ونجا، وقيل إنه مات بعد ثلاثة أيام من طلوعه، والله أعلم.
ثم بلغ السلطان أن قرا يلك نزل من قلعة أرقنين «1» بجماعة من عساكره، يريد أن يكبس على السلطان فى الليل أو يتوجه بهم إلى حلب. فندب السلطان جماعة من الأمراء والمماليك فى عمل اليزك «2» بالنوبة، فى كل ليلة لحفظ العساكر؛ ثم رسم السلطان للأمير قطلو نائب الشام بالتوجه لقرايلك بقلعة أرقنين، وندب معه جماعة من النواب والأمراء والعساكر المصرية- وكنت أنا معهم- فخرجنا من الوطاق السلطانى فى الليل بجموع كثيرة، وجددنا «3» فى السير حتى وافينا قرايلك وهو بمخيمه تحت قلعة أرقنين بين الظهر والعصر، وكان غالب العسكر قد تخلف بعدنا، فتقدم بعض العسكر السلطانى من التركمان والعربان، ومثل الأمير مقبل الحسامى نائب صفد وآقبغا الجمالى المعزول عن الأستادارية وجماعة أخر من الأعيان من أمراء مصر والشام، واقتتلوا مع القرايلكية قتالا جيدا إلى أن [كانت]«4» الكسرة فينا، وقتل منا جماعة كثيرة من التركمان والعربان وأمراء دمشق وغيرهم، مثل الأمير تمرباى الجقمقى أحد أمراء دمشق، [والأمير]«5» بخت خجا أيضا من أمراء دمشق، وجرح أكثر من كان مغنا من الخاصكية والمماليك، كل ذلك وسنجق السلطان إلى الآن لم يصل إلينا.
وأما جار قطلو، فإنه لما قوى الحرّ عليه نزل على نهر بالقرب من أرقنين ليروى خيوله «6» منه، وصار الرائد «7» يرد عليه بأن القوم قد التقوا مع عساكر قرايلك، وهم «8» فى قلة وقد عزموا على القتال، فلم يلتفت إلى ذلك وسار على هينته، فتركه «9» بعض
عساكره وساقوا «1» حتى لحقوا بمن تقدمهم وقاتلوا القرايلكية، وهم من تقدم ذكرهم ممن قتل من أمراء دمشق.
ولما أن بلغ من معنا من الأمراء المصريين ما وقع لجماعتنا، ساقوا أيضا حتى وافى «2» جماعة منهم العسكر السلطانى، فعند ذلك تراجع القوم وكروا على القرايلكية وهزموهم «3» أقبح هزيمة، وتعلق قرايلك بقلعة أرقنين وتحصّن بها، ونهبت عساكره وتمزقوا كل ممزق. ثم عدنا إلى جهة الوطاق بآمد فى آخر النهار المذكور على أقبح وجه ممن باشر القتال، وهم القليل، وأما غالب [9] العسكر فلم ير القتال بعينه.
وصار الأمير أزبك جحا «4» بين يدى السلطان يثنى «5» على التركمان والعربان، ويقول:«يا مولانا هؤلاء هم العسكر الذي ينتصر الملوك بهم لا غيرهم» ؛ فعظم ذلك على طائفة من المماليك إلى الغاية، وشنعوا القالة فيه لكونه تكلم الحق، ومن يومئذ تحقق السلطان ما قيل عن جارقطلوا من تقاعده عن قتال قرايلك، وأكثر أهل آمد من هذا اليوم الدعاء للأمير جارقطلو المذكور من أعلى السور، حتى خرجوا عن الحد، فلم يدر الناس هل كان ذلك مكيدة من مكايد قرايلك ليوقع الخلف «6» بين العسكر بسبب ذلك، أم كان ذلك عن حقيقة «7» ، والله أعلم.
هذا والسلطان مجتهد فى عمارة قلعة من الخشب تجاه أبراج آمد، ومكاحل «1» النفط ترمى فى كل يوم بالمدافع والمناجنيق «2» منصوبة، يرمى بها أيضا على الأبراج، وأهل آمد فى أسوأ ما يكون من الحال؛ هذا مع عدم التفات السلطان لحصار آمد الالتفات الكلى، لشغل خاطره من جهة التفاته «3» [إلى]«4» اختلاف عساكره، وهو بتلك البلاد بين يدى عدوه، وقد تورط فى الإقامة على حصار آمد، والشروع ملزم. وطالت إقامته على آمد بعساكره نحو خمسة وثلاثين يوما، وقد ضاق الحال أيضا على أهل آمد، فعند ذلك ترددت الرسل بين السلطان وبين قرايلك فى الصلح، وكان قرايلك هو البادئ فى ذلك، حتى تم وانتظم «5» الصلح بينهما على أن قرايلك يقبّل الأرض للسلطان، ويخطب باسمه فى بلاده ويضرب السكة على الدينار والدرهم باسمه، فأجاب إلى ذلك، فأرسل إليه السلطان حمى «6» القاضى شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر، وأرسلت أنا معه بعض أعيان مماليك الوالد ممن كان فى صحبتى من المماليك السلطانية، فتوجه إليه القاضى شرف الدين المذكور بالخلع والفرس الذي جهزه السلطان إليه بقماش ذهب، ونحو ثلاثين قطعة من القماش السكندرى.
ولما بلغ قرايلك مجىء القاضى شرف الدين، نزل من قلعة أرقنين بمخيمه، ولقى القاضى شرف الدين المذكور، وسلم عليه، ثم قام وقبّل الأرض فألبسه القاضى شرف الدين
الخلعة، وكانت كامليّة مخمل كفوىّ «1» بمقلب سمّور، وفوقانيّا «2» بوجهين أحمر وأخضر «3» ، بطراز عريض إلى الغاية. ثم قدم له الفرس صحبة الأوجاقى «4» ، فقام إليه «5» ، فأمره القاضى شرف الدين بتقبيل حافر الفرس، فامتنع من ذلك قليلا، ثم أجاب بعد أن قال:«والله إن هذه عادة تعيسة» ، أو معنى ذلك.
ثم أخذ «6» فى الكلام مع القاضى شرف الدين، فأخذ القاضى «7» شرف الدين يعظه ويحذره مخالفة السلطان وسوء عاقبة ذلك، فقال:«وأنا من أين! والسلطان من أين! أنا رجل تركمانى فى جهة من الجهات!» . ثم شرع «8» يذكر قلة رأى السلطان فى مجيئه «9» إلى بلاده، وقال:«أنا يكفينى نائب حلب، وهو بعض نواب السلطان، [و] «10» ما عسى كان يفعل السلطان لو أخذ آمد؟ وكل شىء فى آمد ما يساوى بعض ما تكلفه» ، ثم قال:«والله لو أعطانى السلطان نصف ما ذهب من الكلف فى نعل خيوله وخيول عساكره، لرضيت ودخلت فى طاعته» ، ثم قال:«لو كان مع السلطان أمير من جنس هذا- وأشار إلى مملوك الوالد الذي توجه مع القاضى شرف الدين- ما خلّاه يجيء «11» إلى هنا» ، وكان المملوك المذكور تتريّا «12» ، فقال شرف الدين:«بلى، مع السلطان جماعة من جنسه» ؛ فقال: «لا والله، كان عندكم واحد نفيتموه إلى القدس
بطّالا «1» ، يعنى بذلك «2» الأمير قرامراد خجا الشّعبانى، أمير جاندار، وأحد مقدمى الألوف. ثم قام قرايلك وقلع الخلعة من عليه وألبسها بعض حواشيه؛ ثم فعل بالكامليّة أيضا كذلك؛ وانفض المجلس، وبات شرف الدين تلك الليلة عنده، ولم يجتمع به غير المرة الأولى.
وعند السفر دخل إليه من الغد وسلم عليه، فأنعم عليه قرايلك بأربعة أكاديش يساوى ثمنها «3» أربعة آلاف درهم فلوسا عند صاحب [10] الغرض، وعاد القاضى شرف الدين إلى السلطان، فاجتمعت به قبل السلطان «4» ، وعرّفنى جميع ما حكيته؛ فانفقنا على جواب نمقناه يحسن ببال السلطان، من جنس كلام قرابلك، لا يخفى على الذوق السليم معناه. فلما دخل إلى السلطان وأعاد عليه الجواب المذكور سرّ السلطان قليلا بذلك، وعظم سرور من حضر من القوم، ومعظم سرورهم بعودهم إلى بلادهم وأوطانهم سالمين مما هالهم مما «5» كانوا فيه من المشقة، وقد اعتادوا بالترف والأمن وقلة «6» القتال.
وفى الحال أخذ السلطان فى أسباب الرحيل، ورحل فى ليلة الخميس ثالث عشر ذى القعدة فى النصف الثانى من الليل من غير ترتيب ولا تطليب «7» ، ولا تعبىء، ورحلت العساكر من آمد كالمنهزمين لا يلوى أحد على أحد، بل صار كل واحد يسير على رأيه.
وعند رحيل القوم أطلق الغلمان النيران فى الزروع المحصودة برسم عليق خيول الأجناد،
فإنه كان كل واحد «1» من الأجناد صار أمام خيمته جرن كبير مما يحصده غلامه ويأتيه به من زروع «2» آمد، فلما انطلق النار «3» فى هذه الأجران، انطبق الوطاق بالدخان «4» إلى «5» الجو، حتى صار الرجل لا ينظر إلى الرجل الذي بجانبه.
ورحل الناس على هذه الهيئة مسرعين، مخافة أن يسير السلطان ويتركهم غنيمة لأهل آمد. وبالله لو نزلوا فى ذلك الوقت لأمسكوا من اختاروا مسكه «6» قبضا باليد، ولو أرادوا النهب لغنموا وسعدوا إلى الأبد، لأن السلطان سار قبل رحيل نصف عسكره. وسار القوم من آمد إلى جهات متفرقة، إلى أن طلع النهار، وقد تمزقت العساكر فى طرقات متعددة، لا تعرف طائفة خبر طائفة أخرى، لبعد ما بينهم من المسافة. فتوجه أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن، وهو مريض ملازم ركوب المحفة، من طريق ماردين السالكة إلى مدينة الرّها، ومعه طائفة كبيرة ممن تبعه من العسكر السلطانى، وتوجهت طائفة أخرى من العسكر من الطريق التى «7» سلكناها فى الذهاب إلى آمد من جهة قلعة أرقنين التى «8» بها قرايلك، وتبعهم خلائق وعدة أطلاب.
فافترق الأمراء من مماليكهم وأطلابهم، وتشتت شملهم، وسار السلطان من الطريق الوسطى من على الجبل المعروف قراضاغ «9» ، وهذا الطريق أقرب الطرق كالمفازة، غير أنه عسر المسلك إلى الغاية من الطلوع والنزول وضيق الطرقات.
وكنت أنا معه بهذا الطريق المذكور «10» ، وأكل السبع رجلا «11» من غلماننا، ووقع ذلك لجماعة أخر، واصطادت الناس السباع من الأوكار، وسرنا حتى نزلنا عن الجبل إلى
فضاء «1» غربى الجبل المذكور، ومسافة الموضع الذي نزل السلطان به عن أرقنين التى بها قرايلك مقدار نصف بريد «2» تخمينا.
وعند نزول السلطان بالمنزلة المذكورة، علم بمن فقده من عساكره، وتأمل من معه منهم، فإذا هم «3» على النصف من عسكره، وأيضا فيهم الذي تاه عن جماله، ومنهم من لا يعرف طلبه أين ذهب، وهو الأمير قرقماس الشّعبانى حاجب الحجاب، نزل بالمنزلة المذكورة وليس معه غير أصحابه وطائفة نحو خمسة أنفس وهجّان وغلام، فنصب السّيبة «4» واستظل تحتها من الشمس، وقد سار طلبه بجميع مماليكه ورخته «5» من جهة لا يعرف «6» متى تعود إليه، ومثله فكثير من الأجناد والأمراء.
فلما رأى الملك الأشرف نفسه فى قلة من عساكره، ولم يبق معه إلا شرذمة قليلة، ولم يعلم أين ذهب الباقون، شقّ عليه ذلك وتخوّف من كبس قرا يلك عليه فى الليل، ولم يجد بدّا من المبيت فى المكان المذكور، لتمزق عساكره. فلما أن دخل الليل، ندب السلطان الأمير جقمق العلائى الأمير آخور الكبير ومعه جماعة لحفظ العسكر فى الليل، فركب الأمير جقمق بمماليكه ومن انضاف إليه وضرب اليزك «7» على العسكر، وقام بحفظه أحسن قيام إلى الصباح.
قلت: ومن تلك الليلة [المذكورة]«8» علمت منها «9» حال قرايلك وهمّته،
فإنه لو كان فيه بقية ما ترك عساكرنا فى تلك الليلة بخير، [11] لأن الصلح الذي كان وقع بينه وبين السلطان [الملك] الأشرف كلا شىء «1» : كان فسخ مجلس لا غير، وقد بلغه ما وقع لعسكرنا من الشتات والتفرق، وعلم بجميع «2» ما نحن فيه، لقرب «3» المسافة بيننا، وما ترك الإيقاع بنا إلا عجزا وجبنا وضعفا. وأيضا من كان بمدينة آمد، لو كان فيهم منعة وقوة بعد ما عاينوا ما وقع لعسكرنا عند الرحيل من التمزق وعظم الاضطراب، لنزلوا واستولوا على جماعة كبيرة «4» من العسكر، وباقى العسكر لا يعرفون بذلك، من عظم الغوغاء، وشغل كل واحد بنفسه، مع شدة سواد الليل وظلمته- انتهى.
ولما أصبح السلطان بكرة يوم الجمعة بهذه المنزلة المذكورة، سار منها يريد مدينة الرّها، حتى وصلها بمن معه من العسكر، وأقام بها، حتى اجتمع به من كان ذهب من عساكره فى الطرقات. وأخذ السلطان فى إصلاح أمر مدينة الرها، وطلب الأمير إينال العلائى الناصرى نائب غزة، وأراد أن يخلع عليه بنيابة الرها، فامتنع من ذلك أشد امتناع وأفحش فى الرد وخاشن السلطان فى اللفظ، وصمم على عدم القبول لذلك؛ فغضب السلطان منه، واشتد حنقه وهم بالإيقاع به، فخشى عاقبة ذلك من عظم شوكة إينال المذكور، وأخذ يثنى «5» على نفسه من كونه يحكم «6» على أمرائه ومماليكه وأشياء من هذا المعنى، إلى أن قال:«أنا حكمى ما يسمعه إلا مماليكى» ، وطلب الأمير قراجا الأشرفى شادّ الشراب خاناه وخلع عليه باستقراره فى نيابة الرها، وخلع على القاضى شرف الدين نائب كاتب السر باستقراره كاتب سرّ الرّها، وخرجا من بين يدى السلطان [بالخلع]«7» على كره.
ثم لما توجه الأمير إينال العلائى نائب غزة إلى مخيمه، كلمه الناس من أصحابه
فيما وقع منه من تمنّعه ومخاشنته فى الكلام مع السلطان، أو كأنه خشى عواقب ما وقع منه، فاعتذر من خراب مدينة الرّها، وأنه ليس بها ما يقوم بأوده، وبلغ السلطان ذلك فضمن له ما طلبه، وخلع عليه من يومه المذكور باستقراره فى نيابة الرّها؛ ثم استعفى شرف الدين من كتابة سر الرها، فأعفى بعد أن حمل خمسمائة دينار للخزانة الشريفة، ثم أمر السلطان المماليك السلطانية بدفع ما معهم من الشعير «1» [للأمير]«2» إينال المذكور ليكون له حاصل بالرها، فبعث كل واحد منهم بشىء من عليق خيوله، فاجتمع من ذلك شونة كبيرة. ثم أنعم السلطان على الأمير إينال المذكور بأشياء كثيرة، وأصلح أمره، وسار بعساكره عن الرها، إلى أن نزل البيرة. قلت: وإينال هذا هو الملك الأشرف، سلطان زماننا.
ولما نزل السلطان بالبيرة أقام بها إلى أن عدّت عساكره الجسر الذي نصب على بحر الفرات «3» إلى البر الغربى، ثم عدى السلطان إلى البر الغربى [المذكور]«4» وأقام به يومه، ورحل من آخر النهار المذكور بعساكره، حتى وصل إلى حلب فى خامس عشر ذى القعدة، ونزل بظاهرها بالمنزلة التى «5» نزل بها فى ذهابه إلى آمد، ونزل «6» حوله جميع عساكره، بعد أن أجهدهم التعب، وماتت خيولهم، وتلفت أموالهم من غير فائدة ولا قيام حرمة، غير أن لسان الحال ينشد قول القائل:[الوافر]«7»
مشيناها خطّى كتبت علينا
…
ومن كتبت عليه خطى مشاها
وأقام السلطان بحلب نحو العشرة أيام، وأمر النواب بالبلاد الشامية بالمسير إلى محل كفالتهم؛ وخلع على الأمير جانبك الحمزاوى، أحد مقدمى الألوف باستقراره فى نيابة غزة، عوضا عن إينال العلائى، المنتقل إلى نيابة الرّها، فامتنع جانبك الحمزاوى من ذلك امتناعا كليّا؛ فألبسه الخلعة كرها. قيل: إن جانبك المذكور، لما لبس الخلعة وخرج «1» هز رأسه وأمسك لحية [نفسه]«2» كالمتوعّد؛ وبلغ الأشرف ذلك، فقال:«حتى يصل «3» إلى غزة» ، فمات بالقرب من بعلبك.
وكان جانبك ممن اتهم بالممالأة مع الأمراء فى آمد، وتكلم الناس فى موت جانبك المذكور: أنه اغتيل بالسم لقول [12][الملك]«4» الأشرف فى حقه: «حتى يصل إلى غزة» ، فقلت لبعض الإخوان:«يمكن أن يكون [ذلك] «5» من طريق الكشف والولاية «6» والكرامة» ، فضحك الحاضرون، وانفض المجلس. ثم خلع السلطان على الأمير قانى باى الأبوبكرى الناصرى، المعروف بالبهلوان، أتابك حلب، بانتقاله إلى أتابكية دمشق، بعد موت الأمير تغرى «7» بردى المحمودى بآمد، من جرح أصابه فى حصار آمد، وكان المحمودى أيضا ممن اتهم بالوثوب على [الملك]«8» الأشرف. وخلع على الأمير قطج «9» من تمراز، أحد مقدمى ألوف حلب، باستقراره أتابك حلب، عوضا عن قانى باى المذكور «10» ؛ وخلع السلطان على الأمير كمشبغا «11» الأحمدى الظاهرى، أحد أمراء
(النجوم الزاهرة ج 15)