الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ما وقع من الحوادث سنة 851]
السنة العاشرة من سلطنة الملك الظاهر جقمق على مصر وهى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
فيها توفى الأمير أيتمش بن عبد الله من أزوباى الناصرى [فرج]«1» ثم المؤيّدى، أستادّار الصّحبة وأحد أمراء العشرات، فى يوم الأربعاء ثالث صفر، وتولى أستادّارية الصّحبة [190] بعده الأمير سنقر الظاهرى. وكان أيتمش المذكور من جملة من تأمّر بعد موت الملك الأشرف برسباى، ثم ولّاه الملك الظاهر جقمق أستادّارية الصّحبة، بعد مغلباى الجقمقى بحكم خروجه إلى دمشق أميرا، فدام أيتمش المذكور على وظيفته، إلى أن مات، وكان مسيكا مسرفا على نفسه، لم يشهر بشجاعة ولا كرم ولا تدين.
وتوفى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله الأبوبكريّ الناصرى، المعروف بالبهلوان، نائب حلب بها، فى شهر ربيع الأول؛ وتولى عوضه نيابة حلب الأمير برسباى الناصرى نائب طرابلس. وكان أصل قانى باى المذكور من مماليك الملك الناصر فرج، ثم حطّه الدهر بعد موت أستاذه، وخدم عند جماعة من الأمراء، مثل الوزير أرغون شاه النّوروزى، ومثل بردبك الجكمى العجمى، ثم اتصل بخدمة ططر، فلما تسلطن، أنعم عليه بإمرة عشرة، ثم صار أمير طبلخاناة فى أوائل دولة الملك الأشرف برسباى، وثانى رأس نوبة، بعد قطج من تمراز، بحكم انتقال قطج إلى تقدمة ألف، فدام على ذلك سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم ولاه نيابة ملطية مضافا على تقدمته، فباشر ذلك مدة، ثم أخرج السلطان تقدمته عنه، واستمر فى نيابة ملطية فقط؛ ثم عزله
وولاه أتابكية حلب، فدام على ذلك سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى أتابكية دمشق، بعد موت تغرى بردى المحمودى بآمد فى سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
والعجب أنه لما صار أتابك حلب، كان يوم ذاك، حاجب حجابها أستاذه بردبك العجمى؛ ثم لما صار أتابك دمشق، كان يوم ذاك أستادّار السلطان بدمشق، أستاذه أرغون شاه النّوروزى الأعور، فانظر إلى حركات هذا الدهر وتقلباته!
واستمر قانى باى فى أتابكية دمشق، إلى أن خرج الأتابك إينال الجكمى نائب الشام عن طاعة الملك الظاهر جقمق، فوافقه قانى باى هذا، بل وحرّضه على «1» الخروج عن الطاعة ليصل بذلك لأغراضه، فلم تكن موافقته إلا مدة يسيرة، وأرسل إليه الملك الظاهر جقمق من مصر، يعده بأشياء إن ترك موافقة الجكمى وعاد إلى طاعته، ففى الحال عاد إلى طاعة السلطان وخذل إينال الجكمى، بعد أن كان هو أكبر الأسباب فى خروجه، فنقله السلطان إلى نيابة صفد، بعد عزل إينال العلائى الناصرى عنها، وقدومه إلى مصر أمير مائة [و]«2» مقدم ألف بها، ثم نقله إلى نيابة حماة، بعد عزل أستاذه بردبك العجمى عنها، ثم نقل إلى نيابة حلب بعد عزل الأمير قانى باى الحمزاوى عنها، وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف بها، على إقطاع شاد بك الجكمى «3» ، بحكم استقرار شاد بك فى نيابة حماة، عوضا عن قانى باى المذكور. واستقر قانى باى فى نيابة حلب، إلى أن مات، وهو فى عشر الستين. وكان مليح الشكل متوسط السيرة، مسرفا على نفسه، لم يشهر بشجاعة ولا معرفة بفن من الفنون، وكان يلقب بالبهلوان «4» على سبيل المجاز لا على الحقيقة، رحمه الله تعالى «5» .
وتوفى الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الششمانى الناصرى [فرج]«1» أتابك دمشق بها، فى جمادى الأولى، وهو فى عشر الستين، وكان أيضا من مماليك الملك الناصر «2» فرج، وتأمّر عشرة فى أيام أستاذه، ثم نكب وتعطل مدة سنين، إلى أن أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة عشرة، وصار من جملة رؤوس النّوب، ثم ولاه الملك الأشرف حسبة القاهرة سنين، ثم عزله، ثم نقله بعد مدة إلى إمرة طبلخاناة، ثم صار ثانى رأس نوبة، وسافر أمير حاجّ المحمل، وكان سافر أمير الركب الأول قبل ذلك بسنين، ثم ولاه الأشرف نيابة صفد بعد موت الأمير مقبل الحسامى الدّوادار، فلم ينتج أمره فى صفد لرخو كان فيه، وعدم شجاعة، وعزله السلطان عن نيابة صفد. ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، فدام على [191] ذلك سنين إلى أن أقرّه الملك الظاهر جقمق أتابكا بدمشق. بعد توجّه قانى باى البهلوان إلى نيابة صفد، فدام على ذلك إلى أن مات. وكان ديّنا عفيفا عن الفواحش [مع جبن وشح]«3» إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم.
وتوفى الأمير سيف الدين برسباى بن عبد الله من حمزة الناصرى، نائب حلب، بها أو بظاهرها، بعد أن استعفى عن نيابة حلب، لطول مرضه، وكان أيضا من مماليك الملك الناصر فرج ومن خاصكيّته، ثم صار من جملة أمراء دمشق، ثم أمسكه الملك المؤيّد شيخ وحبسه سنين، ثم أطلقه، فدام بطّالا، إلى أن أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة بدمشق، ثم ولاه الملك الأشرف حجوبية الحجاب بدمشق، فدام على الحجوبية سنين طويلة، ونالته السعادة، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى نيابة طرابلس، بعد
قانى باى الحمزاوى، بحكم انتقال الحمزاوى إلى نيابة حلب، بعد تولية جلبان على نيابة دمشق، بحكم موت آقبغا التمرازى؛ فدام برسباى فى نيابة طرابلس سنين، إلى أن نقل إلى نيابة حلب، بعد موت قانى باى البهلوان، فدام على نيابة حلب مدة، ومرض وطال مرضه، إلى أن استعفى، فأعفى، وخرج من حلب إلى جهة دمشق، فمات فى أثناء طريقه. وكان جليلا حشما دينا عفيفا عن المنكرات والفروج، وكان شديدا على المسرفين، فإنه كان يدخل إليه بالسارق أو قاطع الطريق فيقول:«خذوه إلى الشرع» ، ويدخل إليه بالسكران، فيضربه حدودا كبيرة. وفى الجملة أنه كان دينا خيرا، رحمه الله تعالى.
وتوفى قاضى قضاة دمشق وعالمها ومفتيها وفقيهها، تقىّ الدين أبو بكر [بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذوبب بن مشرق]«1» ، الدمشقى الشافعى، المعروف بابن قاضى شهبة «2» ، فى ذى القعدة بدمشق فجاءة بطالا، بعد أن انتهت إليه الرئاسة فى فقه مذهبه وفروعه، وكان ولى قضاء دمشق، وخطب فى واقعة الجكمى للملك العزيز يوسف، فحقد عليه الملك الظاهر جقمق ذلك، وعزله، إنى أن مات، بعد أن تصدى للإفتاء والتدريس سنين كثيرة، وانتفع به غالب طلبة دمشق «3» ، وصنف التصانيف المفيدة، رحمه الله تعالى «4» .
وتوفى الأمير الطّواشى صفى الدين جوهر المنجكى نائب مقدم المماليك السلطانية، معزولا، فى أول ذى الحجة. وكان أولا من جماعة طواشيّة الأطباق،
أعنى أنه كان مقدم طبقة المقدم، حتى ولّاه الملك الظاهر جقمق، نائب مقدم المماليك، بعد عزل فيروز الرّكنى الرومى عنها، فدام على ذلك سنين، ثم عزل بجوهر السيفى نوروز، إلى أن مات. وهو صاحب المدرسة التى أنشأها برأس سويقة منعم «1» ، تجاه مصلاة المؤمنى، وأوقف عليها وقفا بحسب حاله.
وتوفى الشيخ المسند المعمر، القاضى عز الدين عبد الرحيم [بن محمد بن عبد الرحيم بن على بن الحسين بن محمد بن عبد العزيز]«2» ، بن الفرات الحنفى، أحد نواب الحكم، فى يوم السبت سادس عشرين «3» ذى الحجة. وكان له رواية وسند عال فى أشياء كثيرة سماعا وإجازة، وحدّث سنين كثيرة، وصار رحلة زمانه، ولنا منه إجازة بجميع سماعه ومروياته، وقد استوعبنا ترجمته فى غير هذا الكتاب، «4» [رحمه الله]«5» .
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم أحد عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة: تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.