الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(«لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله»).
لا شك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، وأنه يعلم أنه أفضل الرسل؛ لأن مثل هذا من أول ما يجب الإيمان به، فلا يؤخر علمه، ولا يُدعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه بعد مضي سنين من بعثته، فإن ذلك تلفيق لا يقبل.
وقد ذكر القاضي أبو الفضل في الشفاء في فصل من فصول الباب الثالث من القسم الأول وجوهًا خمسة، بعضها جار في جميع الأخبار الواردة في النهي عن التفضيل، وبعضها خاص بالبعض وأحسنها هو الوجه الثالث، وغيره لا ينشرح له الصدر.
ووجه الجواب عندي: أنه نهى عن التخيير عند المجادلة مع أهل الكتاب؛ لأنه يفضي إلى الخصومات، وهذا من تسامح دين الإسلام على نحو قوله تعالى:{وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]. وقرينة ذلك أن القصة وقع فيها اعتداء على اليهودي الذي لم يلزمه الإسلام بتغيير اعتقاده، فذلك هو معنى قول علمائنا: إن أهل الكتاب لا يعزرون على ما يقولونه مما هو من أصل دينهم.
ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالخوض فيما لا قبل للناس بعلمه ولا بمقدار تفاضله. فالمقصود سد ذريعة التهافت والرجم بالغيب. فالنهي عن التخيير لا يقتضي نفي التخيير في نفس الأمر. ويدل لهذا الرواية الأخرى: «لا تفضلوا بين الأنبياء» ، أي فإن ذلك دخول في خوض لا يحسن داخله الخروج منه.
ويحتمل أن يكون النهي تعلق بالتفضيل المطلق في سائر الأمور. ويدل لهذا قوله: «فإن الناس يصعقون» إلخ، الدال على أن لموسى مزية اختص بها. والمزية تقتضي الأفضلية الجزئية ولا تقتضي الأفضلية الكلية.
* * *
باب قول الله تعالى:
{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)}
وقع فيه قول البخاري [4: 197، 11]:
(عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعتها الزبانية).
قال ابن حجر: مراد المصنف به أن قيل في عفريت: عفرية. وهي قراءة في الشواذ. أهـ. وهو بعيد؛ إذ لا وجه للاشتغال بميزان كلمة لم تجر في الحديث المتكلم عليه، وهبها جرت في قوله تعالى:{قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ} [النمل: 39] على قراءة شاذة فهي لم تجر هنا على أنه لا وجه للاشتغال بالقراءة الشاذة وترك المشهورة.
فالصواب أن البخاري أراد التنبيه على أن كلمة «عفريت» مخففة من كلمة (عفرية)؛ لأن معناهما واحد، فتعين أن الأخف منهما هو الفرع. وبين أن جمعهما جمع تكسير لا جمع سلامة؛ فلذلك تغيرت حركة فاء الكلمة فيه مثل: زبنية وزبانية. وأشار إلى أنها مشتقة من العفر، وهو التمرد في التراب، كما أن زبنية مشتق من الزبن، فجئ فيه بوزن فعليه للإلحاق بشرذمة.
* *
ووقع فيه قول أبي ذر رضي الله عنه[4: 197، 18]:
(أي مسجد وضع أول) إلى آخره.
ومطابقته للترجمة التنبيه على أن المسجد الأقصى كان مسجدًا من زمن إبراهيم قبل أن يبنيه سليمان ثم اندثر، وأن سليمان بنى في موضعه الهيكل المعروف بالمسجد الأقصى.
* *
ووقع فيه حديث أبي هريرة [4: 198، 2]: (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا» إلخ.
ووجه ذكره في هذا الباب، مع خبر الذئب الذي عوى على ابن إحدى المرأتين، يحتمل أن أبا هريرة سمع الخبرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت واحد فحدث بهما، أو أن الأعرج سمعهما من أبي هريرة جميعًا فحدث بهما جميعًا.
* *
وقع فيه قول أبي هريرة [4: 198، 7]:
«والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية» .