الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال: إني والله ما سألتها لألبسها إنما سألته لتكون كفني: قال سهل: فكانت كفنه).
قالوا: إن السائل هو عبد الرحمن بن عوف، وقد كان عبد الرحمن معروفاً بالسعة في المال، فما كان سؤاله البردة إلا لقصد التبرك بها. وإنما اختص تلك البردة من الثياب النبوية؛ لأنه كان مضمرًا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبًا من ثيابه، وكان يخشى أن يرزأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ثيابه المحتاج إليها وقد علم أنه لا يرد سائلً سأله.
فلما حضر إهداءَ المرأة إليه هذه البردة من غير ترقب ولا وصاية ولا شراء مما يدل على الاحتياج إليها علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير محتاج إليها، فرأى أن الفرصة أمكنته فيما أراد، فسأل تلك البُردة لقصده النبيل رضي الله عنه.
* * *
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم
-:
«يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» [2: 100، 4]
أثبت البخاري صدور هذه المقالة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رواه عنه عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة.
وروم الجمع بين هذا وبين قول عائشة [2، 101: 14]: (ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولكنه قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله») وأنه قال ذلك إذ مرَّ على يهودية يبكي عليها أهلها، ولم ير البخاري ترجيح رواية عائشة ولكنه سلك طريق الجمع بين ما رواه عمر وابنه والمغيرة وما قالته عائشة بأن مورد ما رواه الثلاثة فيمن كان ذلك من سنته، وهو جمع مشكل؛ لأنه إن أراد بكونه من سنته أنه هو الذي سنة للناس، كما ينبئ عن ذلك ذكره حديث [9: 3، 15]:«ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» فهو غير مناسب لعموم الخبرين اللذين رواهما عمر والمغيرة؛ وإن أراد إذا كان ذلك من سنة قوم الميت فهو أشد إشكالًا؛ لأنه لا يؤاخذ أحد بغير عمله وإن كان من سنة قومه إذا لم يعمله هو، وفي الحديث «ثم يحشرون على نياتهم» ، فلا محيص من وجوب حمل الحديثين على ما تأولته عائشة وجعلت غيرها مغترًا لظاهر اللفظ مع عدم الإحاطة بالسبب.
* * *
ودليل التأويل قائم، وهو نصوص القرآن المقتضية أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
ومن الناس من زعم أن معنى الخبر: أن من كان النوح من سنة قومه ولم يوصهم بتركه كان معاقبًا بما صنع أهله. وهذا قد يومئ إليه قول البخاري لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]. ومال إليه القرافي في كتاب «الفروق» . وهو تأويل بعيد؛ إذ لا يجب على أحد أن يوصي قومه بأن لا يفعلوا منكرًا بعد موته؛ لأن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ففضيلة وتنبيه وليس ذلك بالواجب؛ فإن أحكام الشريعة تقررت في تكليف الناس فلم يلزم التذكير بها.
وإن ما رواه عمر بن الخطاب أقرب إلى التأويل؛ لأن فيه أن الميت يُعذب ببعض بكاء أهله، وهو البكاء الذي تصاحبه نياحة، ويكون في حال تنبه للمحتضر له واستحسانه إياه، كما قال طرفة في الجاهلية:
إذا متُّ فانْعيني بما أنا أهله
…
وشُقَّي عليَّ الجيب يَابنة معْبَد
أو أدركه المحتضر، وكان قادرًا على النهي عنه ولم ينه عنه، وإذ قد تعين التأويل فقد خرج العمل في هذا عن الجمع إلى الترجيح، ليكون ترجيح خبر عائشة مسندًا للتأويل.
قوله في حديث أسامة بن زيد [2: 100، 12]:
(أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه: إن أبنًا لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى
…
») إلخ.
أي فلم يذهب إليها النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة حين دعته، إذ لم ير فائدة في الإجابة، ليعلم الناس ترك الجزع عند المصيبة، فإن الإسراع بالذهاب إذا لم يكن معنياً عن الميت ولا اعن أهله ضرب من الجزع؛ ولذلك أجابها في المرة الثانية إذ قد حصل المقصد من نفي مظاهر الجزع.
وقوله في الحديث: «ففاضت عيناه» هو بكاء للرحمة بالصبي حين شاهده في تلك الحالة المؤلمة، مع أنه لم يبك عندما أخبر بموته حين بعثت إليه في المرة الأولى.
وذلك يدل على أن الحيَّ المكروب أحق بالرحمة من الميت بعد موته.
* * *