الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَصْلِ، يَلْزَمُ ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ عِلَّتِهِ ; لِأَنَّ عِلَّتَهُ لِكَوْنِهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الْفَرْعِ، فَيَلْزَمُ تَأَخُّرُ عِلَّةِ الْفَرْعِ عَنْ حُكْمِهِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
نَعَمْ، يَصِحُّ أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ إِلْزَامًا لِلْخَصْمِ.
قِيلَ: وَمِنَ الشَّرَائِطِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ قَاسُوا (أَنْتِ حَرَامٌ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ) ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْفَرْعُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا.
[مَسَالِكُ الْعِلَّةِ]
[المسلك الأول والثاني الإجماع والنص]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ وَشَرَائِطِهَا، شَرَعَ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ.
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى كَوْنِ
مَسَالِكُ الْعِلَّةِ
ص - مَسَالِكُ الْعِلَّةِ، الْإِجْمَاعُ، النَّصُّ.
الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ.
الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ مَرَاتِبُ:
صَرِيحٌ، مِثْلُ: لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ، أَوْ لِأَجَلِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ، أَوْ كَيْ، أَوْ إِذًا.
وَمِثْلُ: لِكَذَا، أَوْ إِنْ كَانَ كَذَا، أَوْ بِكَذَا.
أَوْ مِثْلُ: فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ، فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا.
وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّاوِي: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ، سَوَاءٌ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَقُلْهُ.
ص - وَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ، وَهُوَ الِاقْتِرَانُ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، أَوْ نَظِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، كَانَ بَعِيدًا، مِثْلُ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً.
كَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ.
فَإِنْ حَذَفَ بَعْضَ الْأَوْصَافِ، فَتَنْقِيحٌ.
ص - وَمِثْلُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذًا.»
وَمِثَالُ النَّظِيرِ: لَمَّا سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: «إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ.»
فَنَظِيرُهُ فِي الْمَسْئُولِ كَذَلِكَ.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ فَقَالَ: لَا» . مِنْ ذَلِكَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ - سَوَاءٌ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا - يُثْبِتُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى كَوْنِ الصِّغَرِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي قِيَاسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى وِلَايَةِ الْمَالِ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: النَّصُّ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ:
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الصَّرِيحُ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ بِالْوَضْعِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهَا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا.
وَالْأُولَى: وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِلَفْظٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلُ:" لِعِلَّةِ كَذَا "، " أَوْ لِسَبَبِ كَذَا "، " أَوْ لِأَجْلِ كَذَا "، مِثْلُ قَوْلِهِ عليه السلام:«إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَوْ " مِنْ أَجْلِ كَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32] .
أَوْ " كَيْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ} [الحشر: 7] . وَالدُّولَةُ فِي الْمَالِ، يُقَالُ: صَارَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَهُمْ يَتَدَاوَلُونَهُ مَرَّةً لِهَذَا، وَمَرَّةً لِهَذَا.
أَوْ " إِذًا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء: 74 - 75] ، أَيْ ضِعْفَ الْعَذَابِ حَيًّا وَمَيِّتًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ الْعِلَّةَ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، قَدْ يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ، مِثْلَ:" لِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
أَوْ " أَنْ "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ - أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: 13 - 14] .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْعُتُلُّ: الْغَلِيظُ الْجَافِي.
الزَّنِيمُ: الْمُسْتَلْحَقُ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ اللَّئِيمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِلُؤْمِهِ.
أَوْ " بِكَذَا "، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُ الْعِلِّيَّةِ.
أَمَّا اللَّامُ، فَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الأعراف: 179] ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَاتُ جَهَنَّمَ غَرَضًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لُدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.
فَإِنَّ اللَّامَ هَاهُنَا لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ.
وَأَمَّا " أَنْ " فَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ زَيْدًا لِلتَّأْدِيبِ، فَإِنَّ " أَنْ " هَاهُنَا لَا يَكُونُ لِلْغَرَضِ.
وَأَمَّا الْبَاءُ ; فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِمَّا أَنْ تُذْكَرَ الْعِلِّيَّةُ بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُدْخِلَ الْفَاءَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا، كَقَوْلِهِ عليه السلام فِي قَتْلَى أُحُدٍ:«زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» .
وَالْكُلُومُ: جَمْعُ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجِرَاحَةُ.
وَالْوَدَجُ: عِرْقٌ فِي الْعُنُقِ، وَالْجَمْعُ أَوْدَاجٌ.
وَقَوْلُهُ: " تَشْخُبُ "، أَيْ تَتَفَجَّرُ.
الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ فِي الْحُكْمِ، وَتَكُونُ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي، كَقَوْلِ الرَّاوِي:«سَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَجَدَ» . وَ «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي الْعَدْلُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً، لَمْ يَقُلْهُ.
ش - الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ النَّصِّ: أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ لَا بِالْوَضْعِ، بَلْ بِالتَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَصْفُ، أَوْ نَظِيرُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، كَانَ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنَ الشَّارِعِ.
وَالْإِيمَاءُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الرَّسُولِ وَاقِعَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَصْفٍ ; لِيُبَيِّنَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الرَّسُولُ عليه السلام حُكْمَهَا، فَيَذْكُرُ الرَّسُولُ عليه السلام حُكْمَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عُقَيْبَ الرَّفْعِ.
مِثْلُ وَاقِعَةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا رَفَعَ الْوَاقِعَةَ إِلَى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ الرَّسُولُ عليه السلام: أَعْتِقْ رَقَبَةً.
فَإِنَّ اقْتِرَانَ إِيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِوَصْفِ الْوَدَاعِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ بَعِيدًا مِنَ الرَّسُولِ ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ يَسْبِقُ فَهْمُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِأَجْلِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَاقَعْتَ، فَكَفِّرْ.
فَإِنْ حُذِفَ مِنَ الْوَصْفِ الْمُقْتَرِنِ بِالْحُكْمِ بَعْضُ الْأَوْصَافِ الَّذِي لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ، كَوُرُودِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَكَكَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ يُسَمِّي الْإِيمَاءَ: تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ، أَيْ تَنْقِيحَ مَا نَاطَ بِهِ حُكْمُ الشَّارِعِ عَنِ الزَّوَائِدِ.
ش - الثَّانِي مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَدِّرَ الشَّارِعُ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ مِنَ الشَّارِعِ بَعِيدًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّقْدِيرُ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ، أَوْ فِي نَظِيرِهِ.
مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عليه السلام عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ عليه السلام:«أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: فَلَا إِذًا» .
فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ نُقْصَانِ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا ; إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّ الْجَوَابَ يَتِمُّ بِدُونِهِ.
مِثَالُ التَّقْدِيرِ فِي نَظِيرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ: مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَتْهُ عليه السلام الْخَثْعَمِيَّةُ، وَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ؟ فَقَالَ عليه السلام: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ فَقَالَتْ:
وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ رضي الله عنه مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَخَيَّلُ مَانِعًا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يَفْسُدَ.
ص - وَمِثْلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، مِثْلُ:«لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
نَعَمْ.
» فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ قَضَاءِ الدِّينِ عَنِ الْمَيِّتِ لِأَجْلِ تَعْلِيلِ النَّفْعِ بِهِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا.
وَلَمَّا كَانَ الْوَصْفُ الْمُقَدَّرُ فِي غَيْرِ الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمَسْئُولِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، فَإِنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ عليه السلام تَنْبِيهًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرٌ لِدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَعَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ.
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي قَوْلِهِ عليه السلام لَمَّا سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ ذَلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مُفْسِدًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا.
» فَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: هُوَ مِنْ مِثَالِ النَّظِيرِ، فَإِنَّهُ عليه السلام قَدَّرَ الْوَصْفَ فِي نَظِيرِ الْمَسْئُولِ، وَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ الْإِفْسَادِ، أَيْ تَوَهَّمَ عُمَرُ أَنَّ الْقُبْلَةَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةُ الْوِقَاعِ الْمُفْسِدِ مُفْسِدٌ، فَنَقَضَ الرَّسُولُ عليه السلام ذَلِكَ بِالْمَضْمَضَةِ ; فَإِنَّهَا مُقَدِّمَةُ الشُّرْبِ الْمُفْسِدِ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُفْسِدَةٍ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الْإِفْسَادِ، أَيْ لَمْ يُقَدِّرِ الرَّسُولُ عليه السلام تَمَضْمُضَ الْمَاءِ لِتَعْلِيلِ مَنْعِ الْإِفْسَادِ ; إِذْ لَيْسَ فِي تَمَضْمُضِ الْمَاءِ مَا يُتَخَيَّلُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِفْسَادِ، فَإِنَّ مُقَدِّمَةَ الْمُفْسِدِ لَا يُتَخَيَّلُ مِنْهَا مَنْعُ الْإِفْسَادِ، بَلْ غَايَةُ التَّمَضْمُضِ أَنْ لَا يُفْسِدَ ; لِأَنَّ غَايَةَ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ لَا تُقَامَ مَقَامَ مَا تَكُونُ مُقَدِّمَةً لَهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً مِمَّا يَقْتَضِيهِ.
ش - الثَّالِثُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُفَرِّقَ الشَّارِعُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، إِمَّا بِصِفَةٍ، وَذَلِكَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا، كَقَوْلِهِ عليه السلام:«لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» .
أَوْ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، مِثْلُ:" الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ "، أَوْ بِغَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، مِثْلُ:(حَتَّى يَطْهُرْنَ) وَ (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) .
ص - وَمِثْلُ ذِكْرِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ مَعَ الْحُكْمِ، مِثْلُ:«لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» .
ص - فَإِنْ ذَكَرَ الْوَصْفَ صَرِيحًا وَالْحُكْمَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلُ:" {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] "، أَوْ بِالْعَكْسِ.
فَثَالِثُهَا: الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي.
فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا.
وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا، وَالثَّالِثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ كَذِكْرِهِ، وَالْحِلُّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ عِلَلِ الْإِيمَاءِ، ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ: إِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ اشْتَرَطَتْ.
ص - الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا بِدَلِيلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي.
وَيَكْفِي: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ عليه السلام:" الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ ".
وَإِمَّا بِغَايَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، وَإِمَّا بِاسْتِثْنَاءٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] .
فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا دَلَّ الْإِيمَاءُ عَلَى عِلِّيَّةِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ.
ش - الرَّابِعُ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءِ: أَنْ يُقَيِّدَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلْحُكْمِ، مِثْلَ قَوْلِهِ عليه السلام: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ".
»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
فَإِنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ عَنِ الْقَضَاءِ بِالْغَضَبِ الْمُشَوِّشِ لِلْفِكْرِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِهِ بَعِيدًا.
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْإِيمَاءِ، شَرَعَ فِي صُورَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِلْإِيمَاءِ وَلِغَيْرِهِ.
فَإِنْ ذَكَرَ الشَّارِعُ الْوَصْفَ صَرِيحًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى:" {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] "، فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ حِلُّ الْبَيْعِ مَذْكُورٌ صَرِيحًا، وَالْحُكْمُ - وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ - مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الْحِلِّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَوْ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ يَذْكُرَ الْحُكْمَ صَرِيحًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَصْفَ، بَلْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِثْلَ: لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ. فَإِنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ الرِّبَا صَرِيحٌ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلُهَا: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي إِيمَاءٌ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِإِيمَاءٍ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَوَّلَ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي.
فَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِيمَاءَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ، وَالِاقْتِرَانُ حَاصِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ صَرِيحًا، أَوْ أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا صَرِيحًا، وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ صَرِيحًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزَمِ لِلشَّيْءِ كَذِكْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَوَّلُ إِيمَاءً لَا الثَّانِي ; لِأَنَّ الْحِلَّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. فَذِكْرُ الْحِلِّ كَذِكْرِ الصِّحَّةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مَذْكُورَيْنِ، فَيَكُونُ إِيمَاءً، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِتَعْلِيلِهِ بِالْوَصْفِ