المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة) - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

ليس بين أيدينا وثائق توضح فى دقة نشأة هذه الإمارات، التى ظهرت على صفحة التاريخ إثر قضاء الرومان على تدمر، فتاريخها قبل العصر الجاهلى أو قبل أواخر القرن الخامس الميلادى يحيط به الغموض، ويظهر أن الرومان وخلفاءهم البيزنطيين اتخذوا من الغساسنة فى الشام إمارة تحجز بينهم وبين البدو وغاراتهم وتساعدهم فى حروبهم ضد الفرس ومن كان يؤيدهم من عرب المناذرة أو الحيرة فى العراق. وبالمثل اتخذ الساسانيون ملوك الفرس من دولة المناذرة درعا تحميهم من غارات البدو وجنودا تقف فى صفوفهم فى أثناء حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين والغساسنة. وبين الطرفين قامت إمارة كندة فى شمالى نجد، وكانت تدين بالولاء فيما يبدو لملوك اليمن الحميريين: ملوك سبأ وذى ريدان ويمنات.

والغساسنة (1) يعودون فى رأى نسّابى العرب إلى أصل يمنى، فهم من عرب الجنوب الذين نزحوا إلى الشمال مع قبائل أخرى كثيرة أهمها جذام وعاملة وكلب وقضاعة.

وقد أقاموا إمارتهم فى شرقى الأردن، ولم يتخذوا لها حاضرة بعينها فتارة تكون حاضرتهم الجولان أو الجابية، وتارة تكون جلولاء أو جلّق بالقرب من دمشق. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أنهم ظلوا بدوا يرحلون بخيامهم وإبلهم وأنعامهم من مكان إلى مكان فى تلك الأنحاء. ويقال إنهم أول نزولهم بالشام اصطدموا بعرب يسمون الضجاعمة، تغلبوا عليهم، وأصبحوا سادة تلك المنطقة التى حلوا فيها، وقرّبهم الرومان منهم والبيزنطيون ومنحوهم ألقابا رسمية من ألقابهم.

ويزعم مؤرخو العرب أن مؤسس سلالتهم جفنة بن عمرو مزيقياء، ولذلك

(1) انظر فى الغساسنة تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء لحمزة الأصفهانى، وكتاب «أمراء غسان» لنولدكه ترجمة قسطنطين زريق وبندلى جوزى، وتاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على 4/ 118 وما بعدها ومحاضرات فى تاريخ العرب لصالح أحمد العلى 1/ 44 وتاريخ سورية ولبنان وفلسطين لفيليب حتى (نشر دار الثقافة ببيروت) 1/ 446.

ص: 40

يسمون آل جفنة، وأول ملك من ملوكهم يمكن الاطمئنان إلى أخباره من الوجهة التاريخية هو جبلة الذى غزا فلسطين سنة 497 للميلاد، وخلفه ابنه الحارث (528 - 569) ويسمى أحيانا الحارث بن أبى شمر، وقد لعب دورا مهمّا فى حروب الإمبراطور جستنيان ضد الفرس وعرب العراق، فأنعم عليه بالإكليل، واعترف بسيادته المطلقة على جميع العرب فى الشام ومنحه لقب فيلارك ومعناه شيخ القبائل، ولقب البطريق، وهو أعظم الألقاب فى الدولة البيزنطية بعد لقب الملك. وقد اشتبك مع المنذر بن ماء السماء أمير الحيرة فى حروب طاحنة، وقع فى أثنائها أحد أبنائه فى قبضته سنة 544 فقدمه المنذر ضحية للعزّى. وثأر الحارث لنفسه فى يوم حليمة بالقرب من قنسرين سنة 554 إذ أوقع بالمنذر موقعة فاصلة قتل فيها، وفى أمثال العرب:«ما يوم حليمة بسرّ» .

وتعد أيام الحارث بن جبلة أزهى أيام مرت بالغساسنة، إذ امتد سلطانهم من بطرا إلى الرصافة شمالى تدمر. وكانوا قد دخلوا فى المسيحية منذ القرن الرابع الميلادى، وزار الحارث القسطنطينية، فاستقبل استقبالا حافلا، واستطاع أن يقنع أولى الأمر هناك بتعيين يعقوب البرادعى أسقفا على الكنيسة المونوفيستية السورية فنشر عقيدته فى سوريا وبين الغساسنة. وخلفه ابنه المنذر (569 - 581) فسار سيرته فى تأييد العقيدة المونوفيستية التى لم تكن تتفق مع عقيدة البيزنطيين الرسمية، كما سار سيرته فى حروبه مع المناذرة، فاشتبك مع قابوس ملك الحيرة منذ سنة 570 فى سلسلة معارك أهمها معركة عين أباغ وفيها انتصر عليه انتصارا حاسما تغنى به الشعراء طويلا. وتدل الدلائل على أن خلافا نشب بينه وبين البيزنطيين، لعل مرجعه إلى تأييده للعقيدة المونوفيستية، وربما خافوا منه أن يثور عليهم كما ثارت الزباء على الرومان من قبل، فحرموه من الإعانات التى كانوا يقدمونها إليه وإلى أبيه، وقلبوا له ظهر المجنّ، ولكنهم عادوا إلى مصالحته، حتى إذا حانت لهم فرصة منه قبضوا عليه ونفوه إلى صقلية، وثار أبناؤه بقيادة النعمان عليهم، غير أنه لقى نفس المصير حوالى سنة 584.

ومنذ هذا التاريخ تمزقت وحدة الغساسنة، إذ تجزأت إماراتهم أجزاء، على كل جزء أمير كبير أو صغير، ويلمع اسم الحارث الأصغر، ويظهر أن جيوشه كانت

ص: 41

تشتبك مع القبائل النجدية فى حروب دامية، وقد أسر فى إحداها شأسا أخا علقمة بن عبدة الشاعر التميمى المشهور، فرحل إليه يمدحه (1) رجاء أن يفك أخاه من أسره، ونراه يذكر فى مديحه معاركه وما كان ينزله بأعدائه من خسائر، يقول:

كأنهم صابت عليهم سحابة

صواعقها لطيرهنّ دبيب (2)

فلم تنج إلا شطبة بلجامها

وإلا طمرّ كالقناة نجيب (3)

وإلا كمىّ ذو حفاظ كأنّه

بما ابتلّ من حدّ الظّبات خضيب (4)

وأنت أزلت الخنزوانة عنهم

بضرب له فوق الشئون دبيب (5)

وأنت الذى آثاره فى عدوّه

من البؤس والنّعمى لهن ندوب (6)

وكان لابنيه النعمان وعمرو جيوش قوية، تجوب نجدا والصحراء الشمالية وتدين لها القبائل بالطاعة، ويظهر أن جيوش عمرو اشتبكت فى حروب مع بنى أسد وبنى فزارة، ووقع كثير من أسرى القبيلتين فى يد عمرو، فقصده النابغة الذبيانى يمدحه متوسلا إليه فى فكاكهم، فأكرمه، كما أكرمه أخوه النعمان، ودبّج فيهما مدائح كثيرة، لعل أروعها قصيدته البائية التى يقول فيها (7):

إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم

عصائب طير تهتدى بعصائب

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

(1) يذكر أكثر الرواة أن علقمة إنما قصد بقصيدته الحارث بن جبلة (انظر ديوان علقمة بشرح الشنتمرى طبع الجزائر سنة 1925) ص 25 وراجع القصيدة فى المفضليات وقد دحض نولدكه هذه الرواية ذاهبا إلى أن القصيدة فى مديح الحارث الأصغر. انظر جواد على 4/ 143.

(2)

صابت: مطرت يقول أصابتها الصواعق فلم تقدر على الطيران فدبت تطلب النجاة.

(3)

الشطبة: الفرس الطويلة، والطمر: الفرس المتحفزة للوثوب، شبهها بالقناة فى الضمور.

(4)

الكمى: الشجاع، والظباة: جمع ظبة وهى حد السيف، وخضيب: مصبوغ بالدماء.

(5)

الخنزوانة: الكبر، وشؤون الرأس: ملتقى عظامها.

(6)

ندوب: جروح.

(7)

مختار الشعر الجاهلى لمصطفى السقا (طبع الحلبى) ص 159.

ص: 42

وعمرو هو ممدوح حسان بن ثابت، فقد كان ينزل به وبغيره من أمراء الغساسنة، وله فيه مطولة مشهورة يقول فى تضاعيفها (1)؛

أولاد جفنة حول قبر أبيهم

قبر ابن مارية الكريم المفضل

بيض الوجوه كريمة أحسابهم

شمّ الأنوف من الطّراز الأول

وعلى نحو ما كان ينزل به كان ينزل بجبلة بن الأيهم الذى لحق الفتوح الإسلامية، وحارب فى صفوف الروم، ثم أسلم وعاد فتنصر فى عهد عمر بن الخطاب، ورحل إلى بيزنطة. ويقال إنه حين أسلم دخل المدينة فى موكب حافل من حاشيته وكان يضع على رأسه تاج أجداده تزينه لؤلؤلتان كانتا فيما مضى قرطين لأم الحارث بن جبلة.

وفى أخبار الغساسنة المتأخرين ما يدل على أنهم كانوا يصيبون حظوظا من الترف والنعيم، فقد وصف حسان بن ثابت مجلسا من مجالس جبلة بن الأيهم، فقال:

«لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة. . . وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها، وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك فى صحاف الفضة والذهب، وأتى بالمسك الصحيح فى صحاف الفضة، وأوقد له العود المندى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا بطّن بالثلج وأتى هو وأصحابه بكساء صيفية، يتفضل هو وأصحابه بها فى الصيف، وفى الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه. ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا خلع علىّ ثيابه التى عليه فى ذلك اليوم (2)» .

ويقابل الغساسنة فى الشام المناذرة (3) فى العراق، وهم من لخم، ويعود بها النسابون إلى أصل يمنى، هى وبعض قبائل عربية نزلت هناك مثل تنوخ. وقد

(1) ديوان حسان (طبعة ليذن) ص 16.

(2)

أغانى (ساسى) 16/ 14.

(3)

انظر فى المناذرة تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على 4/ 5 - 117، وتاريخ العرب (مطول) لفيليب حتى (الترجمة العربية) 1/ 107 ومحاضرات فى تاريخ العرب لصالح أحمد العلى 1/ 15 وما بعدها.

ص: 43

احتذى الفرس الساسانيون معهم سياسة الرومان والبيزنطيين أعدائهم التقليديين مع عرب الشام. وربما كان جذيمة الأبرش أهم ملك أسطورى ظهر فى هذه الأنحاء قبل اللخميين، ويقال إنه كان يعاصر الزباء، وخلفه ابن أخته عمرو بن عدى اللخمى وهو رأس المناذرة. وتاريخهم أكثر وضوحا من تاريخ الغساسنة، وربما كان ذلك يرجع إلى أن ملوك الفرس دونوا تاريخهم، فأخذه عنهم العرب، على أن ابن الكلبى يزعم أنه استخرج تاريخهم من بيع الحيرة وأديرتها.

وكان هؤلاء العرب العراقيون ينزلون فى الخيام أولا، ثم تحولوا إلى قرية فى الجنوب الشرقى من النجف الحالية، كانت تقع فى منطقة خصبة يرويها نهر الفرات، وهى الحيرة (تحريف لكلمة حرتا فى السريانية ومعناها المخيم أو المعسكر) وسرعان ما نصب عليها الساسانيون المناذرة ليحموهم من غارات البدو وليساعدوهم فى حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين وأحلافهم من الغساسنة عرب الشام. ويقال إن سابور (241 - 272) هو الذى نصب عمرو بن عدى، وتتابع من بعده خلفاؤه من بيته، وربما كان ابنه امرؤ القيس الذى عثر على نقشه فى النمارة كما أسلفنا يدين بالولاء للفرس والروم جميعا. أما من خلفوه فكانوا يدينون بهذا الولاء للفرس وحدهم. ومن أهمهم النعمان الأعور أو السائح، وكان له جيش قوى يتألف من كتيبتين هما الشهباء والدوسر، واشتهر ببنائه قصرى الخورنق والسّدير، ونرى الملك الساسانى الذى كان يعاصره وهو يزدجرد الأول (399 - 420) يرسل أكثر أبنائه إليه، لينشأ فى قومه، وليتعلم الفروسية والصيد، وهو بهرام جور.

ولما توفى يزدجرد أراد الفرس إقصاءه عن العرش فتدخل النعمان، وأيده بجيش مكنه من استرداد عرشه، فأعلى ذلك من شأن المناذرة والحيرة. وهيأ لها موقعها فى طرق القوافل أن كانت مركزا مهمّا للتجارة، فعاش المناذرة معيشة يسودها غير قليل من الترف، بسبب التجارة التى كانوا يشاركون فيها وبسبب ما كان عندهم من حياة زراعية. ومن غير شك يسبق المناذرة الغساسنة فى الرخاء، ولعل ذلك ما جعل حياتهم أكثر استقرارا بالقياس إلى غساسنة الشام، كما جعلهم أكثر حضارة ورقيّا.

وأرهى عصورهم عصر المنذر بن ماء السماء (حوالى 514 - 554 م) وقد

ص: 44

ساءت العلاقات بينه وبين قباذ ملك الفرس فى أوائل حكمه، ولعل ذلك يرجع إلى أن قباذا اعتنق المزدكية واتخذها دينا رسميا للدولة وحاول أن يفرضها على المناذرة فأبى المنذر، فعزله وولى مكانه الحارث بن عمرو أمير كندة، ولكن الأمور سرعان ما تطورت فتوفّى قباذ وخلفه كسرى أنو شروان وكان يكره المزدكية والمزدكيين، فأعاد المنذر إلى حكم الحيرة، ونشبت بينه وبين الحارث الكندى وأبنائه سلسلة حروب قضت عليهم جميعا. وربما كان من أسباب القضاء عليهم استيلاء الحبش على اليمن وانحلال ملك الحميريين هناك منذ سنة 525. ومهما يكن فقد تحولت قبائل نجد وشرقى الجزيرة إلى الحيرة، فدان معظمها للمنذر بالولاء، ويظهر أنه مدّ سلطانه إلى عمان كما تحدثنا بذلك الأخبار. وقاد منذ عاد إلى عاصمته سنة 529 حروبا طاحنة ضد الغساسنة والبيزنطيين كتب له النصر فى كثير منها، ونستطيع أن نقف على مدى انتصاراته فى هذه الحروب من معاهدة عقدت بين البيزنطيين والفرس سنة 532 أدّوا له فيها ما أدوه للفرس من أموال. واشتهر بين العرب بأن كان له يومان: يوم نعيم ويوم بؤس، فكان أول من يطلع عليه فى اليوم الأول يعطيه مائة من الإبل، وأول من يطلع عليه فى اليوم الثانى يقتله، وممن قتله فى هذا اليوم المشئوم عبيد بن الأبرص، ويقولون إنه راجع نفسه، فأقلع عن هذه العادة السيئة. ويقال أيضا إنه قتل-وهو ثمل-نديمين له، فلما صحا من سكره وعرف ما قدمت يداه ندم وأمر ببناء صومعتين عليهما، وهما الغريّان اللذان يذكران فى أشعار العرب. وقد يكون هذا كله من باب الأسطورة، وربما كان الغريان نصبين من الأنصاب التى كان العرب الوثنيون يهرقون دماء الأضحيات والذبائح عندها. وما زال المنذر يشن الحرب على الغساسنة حتى قتل فى يوم حليمة كما أسلفنا

وخلفه ابنه عمرو بن هند (554 - 569 م) وينسب إلى أمه دير فى الحيرة، وربما كانت نصرانية، أما هو فكان وثنيّا على دين آبائه، وكان طاغية مستبدا، وفيه يقول أحد الشعراء (1):

أبى القلب أن يهوى الدّير وأهله

وإن قيل عيش بالدّير غرير

(1) أغانى (طبعة الساسى) 21/ 126.

ص: 45

به البقّ والحمّى وأسد خفيّة

وعمرو بن هند يعتدى ويجور

ولقّبه العرب بالمحرّق لأنه نذر أن يقتل مائة رجل من تميم حرقا وبرّ بنذره فى يوم أوارة باليمامة. واشتبك مع تغلب وطيئ فى بعض معاركه، ويظهر أن سلطانه امتد على قبائل كثيرة فى شرقى نجد وشماليها وغربيها، وكان بحكم استبداده يتعرض له كثير من الشعراء بالهجاء، وقصته مع طرفة والمتلمس مشهورة. وينسب إليه شعر كان ينظمه، وقد أصبحت الحيرة فى عهده مركزا أدبيّا مزدهرا، إذ كان يجزل العطاء للشعراء، فوفد عليه كثيرون منهم عمرو بن قميئة والمسيّب بن علس والحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم التغلبى الذى يقال عنه إن ابن هند لقى مصرعه على يده ثأرا لكرامة أمه ليلى حين أهينت فى بيته.

وولى أمر الحيرة بعد عمرو قابوس ثم المنذر الرابع، ولم تطل مدتهما، وبذلك نصل إلى النعمان الثالث ابن المنذر الرابع المكنى بأبى قابوس (580 - 602) وقد نشأ فى حجر أسرة مسيحية هى أسرة عدى بن زيد العبادى، ولعل ذلك سبب تنصره فهو أول من تنصّر من ملوك الحيرة الوثنيين. وكان سلطانه يمتد إلى البحرين وعمان، وكانت له قوافل تجارية أو لطائم تجوب الجزيرة. وسار سيرة عمرو بن هند فى رعايته للشعراء، فوفد على بابه منهم كثيرون مثل أوس بن حجر والمنخل اليشكرى ولبيد والمثقّب العبدى وحجر بن خالد الذى يقول فيه (1):

سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد

كمثل أبى قابوس حزما ونائلا

وهو ممدوح النابغة الذبيانى، وله فيه غير قصيدة، وحدثت جفوة بينهما، بسبب وفود النابغة على الغساسنة، وأرسل له بمجموعة طريفة من قصائده يعتذر إليه وهى من أجود ما خلّف الجاهليون، وفى إحداها يقول:

نبّئت أن أبا قابوس أوعدنى

ولا قرار على زأر من الأسد

وكان الشعراء يتعرضون له بالهجاء أحيانا وينالون منه، على نحو ما نرى عند يزيد بن الحذّاق الشنّى من بنى عبد القيس (2) وعبد قيس بن خفاف البرجمىّ

(1) الحيوان 3/ 58 والمرزوقى على ديوان الحماسة (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 1640.

(2)

انظر المفضليات (طبع دار المعارف) رقم 78، 79.

ص: 46

التميمى (1). ويظهر أن النعمان لم يكن سهل القياد، ويقال إنه قتل عدى بن زيد فضاق به كسرى الثانى ملك الفرس واستدرجه إلى حاضرته بالمدائن، وألقاه فى غيابة السجن، ثم قتله، ويقال إنه رمى به تحت أرجل الفيلة فمزقته إربا. ولم يول الفرس بعده أحدا من هذا البيت فقد نصبوا على الحيرة إياس بن قبيصة الطائى، وثارت قبيلة بكر حمية للنعمان على إياس والفرس وهزمتهما شر هزيمة فى يوم ذى قار. وبقيت الأمور مضطربة حتى استولى على الحيرة خالد بن الوليد سنة 633 م.

واحتلت الحيرة وأمراؤها حيزا كبيرا فى أقاصيص العرب وأخبارهم وأشعارهم فطالما تحدثوا عن الغريّين وقصرى الخورنق والسّدير، وطالما قصوا عن أمرائهم الحقيقيين والأسطوريين مثل جذيمة الأبرش. ويظهر أن المناذرة عرفوا من تقاليد الملك أكثر مما عرف الغساسنة، وكانوا أوسع منهم سلطانا إذ دانت لهم بالطاعة اليمامة والبحرين وعمان وقبائل العراق وعلى رأسها بكر وتغلب وكذلك كثير من قبائل نجد وخاصة بعد انحلال مملكة كندة. وعلى نحو ما أكثر الشعراء فى مديح النعمان بن المنذر وأسلافه أكثروا من استعطافهم حتى لا تغزوهم جيوشهم (2) وقد يشكون من ثقل الضرائب ومما كانوا يدفعون ويؤدون من الإتاوات فى أسواق العراق وفى غير أسواق العراق (3).

وكل الدلائل تدل على أن الحياة كانت مزدهرة فى الحيرة قبيل الإسلام، وكان أكثر سكانها من القبائل العربية، وكان يجاورهم العباديون من النصارى، ويظهر أنهم كانوا أخلاطا من العرب وغير العرب، كما كان يجاورهم الأحلاف من بعض العرب من النبط، سكان العراق من بقايا الأكديين والآراميين، وكانوا يحترفون الزراعة. وكانت هناك جالية فارسية، تمتهن بعض المهن والحرف، ويظن أنه كان هناك بعض اليهود. وكانت الحيرة كما قدمنا سوقا تجاريا كبيرا، وكل ذلك أعد لأن تتحضر، وأن تتأثر بالثقافة الهيلينية الفارسية التى كانت تعم فى تلك الأنحاء.

(1) الحيوان 4/ 379.

(2)

الأصمعيات (طبعة دار المعارف) رقم 58.

(3)

المفضليات رقم 42 البيت 16، 17 وقارن مع رقم 41 البيت 17.

ص: 47

وبين إمارة الحيرة وإمارة الغساسنة قامت إمارة ثالثة فى شمالى نجد كان أمراؤها يدينون-فيما يظهر-بالولاء لليمن، وهى إمارة كندة (1)، ويرجع النسابون بها-كما رجعوا بالغساسنة والمناذرة-إلى عرب الجنوب، وقد ظلت شعبة كبيرة منها تقيم فى مواطنها الأصلية بحضرموت إلى أن جاء الإسلام. وعثر على نقوش تؤكد قيام هذه الإمارة الكندية فى القرن الرابع الميلادى.

وأشهر ملوكها فى القرن الخامس حجر الملقب بآكل المرار، وقد استطاع أن يفرض سيادته على القبائل الشمالية فى نجد وأن يمد نفوذه إلى اليمامة وتخوم إمارة المناذرة، ويقال إن بكرا وتغلب دانتا له بالطاعة. وخلفه ابنه عمرو المقصور، وقد يكون فى هذا اللقب ما يدل على أن سلطانه كان محدودا، وفى عهده نقضت بكر وتغلب ولاءهما له، ولم تلبث الحرب أن استعرت بين القبيلتين أربعين عاما، وهى حرب البسوس المشهورة.

وأعقبه ابنه الحارث، وفى عهده بلغت كندة ذروة مجدها، فقد خضعت له قبائل نجد، ولجأت إليه بكر وتغلب فأصلح بينهما، وأقام على بكر ابنه شرحبيل وعلى تغلب ابنه معديكرب كما أقام على أسد ابنه حجرا وعلى قيس عيلان ابنه سلمة، وعقد محالفة بينه وبين إمبراطور بيزنطة، ووجه همه إلى الإغارة على المناذرة وزوج أخته المنذر بن ماء السماء، وانتصر فى غير موقعة. ولم يلبث قباذ ملك الفرس أن خلع المنذر وعينه واليا على الحيرة كما مر بنا فى غير هذا الموضع، غير أن قباذ لم يلبث أن توفى، فعاد ابن ماء السماء إلى الحيرة، ويقال إنه أوقع بالحارث هزيمة نكراء، قتل فيها وقتل معه أكثر من أربعين أميرا من بيته. ودس المنذر بين أبنائه، فتحاربوا وسقط شرحبيل وسلمة فى ميادين الحرب وجنّ معد يكرب، وانتقضت قبيلة أسد على حجر أبى امرئ القيس وقد حاول أن يسترد ملك أبيه ولكن المنذر كان له بالمرصاد، ففشلت محاولاته وباءت بالخذلان، ويقال إنه رحل إلى إمبراطور بيزنطة يستعين به فى محاربة المنذر خصمه، غير أنه لم يعد

(1) انظر فى كندة وأمرائها of Kinds Olinder،The Kings وتاريخ العرب قبل الإسلام لحواد على 3/ 215 - 273 ومحاضرات فى تاريخ العرب لصالح أحمد العلى 1/ 68 وتاريخ العرب (مطول) لفيليب حتى 1/ 114 وما بعدها.

ص: 48