المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - ديوانه - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌3 - ديوانه

وإنى وربّ الساجدين عشيّة

وما صكّ ناقوس النصارى أبيلها (1)

وقد جعله فى قصيدة ثالثة يقسم براهب اللّج، بل بثوبه (2). وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن القصيدتين جميعا موضوعتان فقد كان الأعشى وثنيّا غاليا فى وثنيته، كما يدل على ذلك خلاله التى وصفناها فى شعره، وأيضا أقسامه الوثنية التى رواها نفس هذا الراوى المسيحى، إذ نراه يقسم بالكواكب والنجوم (3)، كما يقسم بالكعبة التى يحج إليها العرب وبما يهدون إليها من القرابين فى مثل قوله (4):

إنى لعمر الذى خطّت مناسمها

تخدى وسيق إليه الباقر الغيل (5)

والحق أنه لم يكن نصرانيّا، إنما كان وثنيّا على دين آبائه، وقد احتفظ فى وثنيته بكل ما كان فيها من إثم وفجور.

‌3 - ديوانه

للأعشى ديوان كبير نشره جاير فى لندن سنة 1928 وقد اعتمد فى نشره على مخطوطة فى الإسكوريال برواية ثعلب المتوفى سنة 291 للهجرة ثم مخطوطة دار الكتب المصرية ونسختين نقلتا عنها فى استراسبورج وزاخو، ومخطوطة فى باريس وأخرى فى ليدن. وأضاف إلى الديوان ملحقين بما وجده من شعر الأعشى فى كتب الأدب وما وجده من أشعار لمن لقّبوا بالأعشى وهم كثيرون.

وكان اعتماده الأساسى على مخطوطة الإسكوريال، لأنها برواية ثعلب، ورغم أنها تنقص أوراقا من نهايتها تحتفظ للأعشى بسبع وسبعين قصيدة ومقطوعة.

وقد أضاف إليها خمس قصائد من المخطوطات الخمس الأخرى، وجميعها تتفق فى رواية خمس عشرة قصيدة له، كما تتفق فى أنها مجهولة النسب. ولذلك لا يمكن الاعتماد

(1) صك: ضرب. الأبيل: الراهب.

(2)

القصيدة رقم 15 البيت 44.

(3)

القصيدة رقم 27 البيت 18.

(4)

القصيدة رقم 6 البيت 62.

(5)

خطت: شقت التراب. المناسم: جمع منسم وهو طرف الخف. تحذى: تسرع فى السير مع اضطراب. الباقر: اسم جمع للبقر. الغيل: جمع غيول وهو الكثير.

ص: 339

على هذه المخطوطات، وأغلب الظن أنها مختارات جمعت من نسخة ثعلب، وليست رواية مقابلة لها. وقد صورت دار الكتب المصرية أخيرا مخطوطة من المكتبة المتوكلية اليمنية بها ست وأربعون قصيدة ومقطوعة للأعشى، ويفجؤنا كاتبها فى فاتحتها بأن هذا كتاب فيه من شعر الأعشى، فهى لا تتضمن ديوانه إنما تتضمن مختارات منه، وهى مختارات تدل على أنها جمعت من نفس الرواية الكوفية، وإن كنا نجد فيها قصائد غير مثبتة فى رواية ثعلب، ولكن هذا لا يقوم دليلا على أنها لم تستق من روايته، فروايته التى نشرها جاير كما قدمنا غير كاملة، إذ تنقص بعض أوراق.

ومعنى ذلك أننا نفتقد فى شعر الأعشى الرواية البصرية، فيما عدا القصيدتين رقم 6، 11 فقد نصّ شارح الديوان على أن أبا عبيدة قرأ الأولى على أبى عمرو بن العلاء وأن الأصمعى سمع أبا عمرو ينشد الثانية حفظا، ونصّ الشارح أيضا على أن القصائد 28، 29، 30، 57، 65، 66 برواية أبى عمرو، وظن جاير-كما ذكر فى مقدمته-أنه أبو عمرو بن العلاء، وليس بصحيح إنما هو أبو عمرو الشيبانى، فهو الذى كانت تروى عنه الدواوين، وهو راوية كوفى ينقل عنه السكرى وثعلب وأضرابهما من الكوفيين. على أن الشارح نص فى القصائد 1، 29، 34، 55، 58، 59، 60 أنها من رواية أبى عبيدة البصرى، وإن كنا نلاحظ أن القدماء شكوا فى القصيدة رقم 60 وقالوا إنها لابن دأب (1). على كل حال ليس بين أيدينا رواية بصرية كاملة للديوان، إنما بين أيدينا راوية كوفية فيها إشارات إلى بعض ما تضمنته الرواية البصرية.

فإذا لاحظنا أن الرواية الكوفية للشعر الجاهلى غير دقيقة وأنها تتزيد فيه كما لاحظنا سابقا فى دواوين امرئ القيس والنابغة وزهير كان من الواجب ألا نقبل روايتها لديوان الأعشى دون احتياط واحتراس شديد، وقد تصادف أن راويته الذى حمله عنه وأذاعه فى الناس كان نصرانيا معمرا هو يحيى (2) أو يونس بن متى وأن هذا الراوى من الممكن أن يكون قد عبث بالديوان فأدخل فيه ما ليس منه، ليزيد بعض المعانى المسيحية، وقد روى عنه أنه كان يقول: «كان الأعشى قدريّا إذ يقول:

استأثر الله بالوفاء وبال

عدل وولّى الملامة الرّجلا

(1) الديوان ص 207.

(2)

الأغانى 9/ 112 ومصادر الشعر الجاهلى ص 238.

ص: 340

فسأله سائل: من أين أخذ الأعشى قوله ومذهبه فأجاب: «من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشترى منهم الخمر، فلقنوه ذلك (1)» .

ويبعد أن يكون الأعشى حقّا قد تغلغل نظره كل هذا التغلغل، فإذا هو يقول بالقدر وأن الإنسان حرّ فى تصرفاته، ولا يكتفى بذلك، بل يقول بالعدل على الله كما تقول المعتزلة، والمعقول أن يكون يحيى هو الذى وضع البيت، بل لقد شك ابن قتيبة فى القصيدة جميعها، وقال بعد أن روى طائفة من أبياتها هذا شعر منحول (2). وينبغى أن نشك كما شك ابن قتيبة فى قصائد الأعشى الأخرى التى تصور أفكارا مسيحية أو أفكارا إسلامية، أما الأفكار المسيحية فلأن راويه الذى نشره نصرانى، وأما الثانية فلأنها معان جديدة لم تعرفها الجاهلية لاهى ولا كل ما يتصل بها من ألفاظ القرآن وأساليبه. ويصور ذلك تصويرا واضحا قصيدته رقم 17 التى قالوا إنه مدح بها الرسول صلوات الله عليه، مع أنه-كما قدمنا-لم يلقه وصدّته قريش عن لقائه، وبمجرد أن نقرأ القصيدة وقوله فيها:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى

ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا

ندمت على أن لا تكون كمثله

وأنك لم ترصد لما كان أرصدا (3)

فإياك والميتات لا تأكلنّها

ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا (4)

وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه

ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (5)

وصلّ على حين العشيّات والضّحى

ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا

ولا السائل المحروم لا تتركنّه

لعاقبة ولا الأسير المقيّدا

ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة

ولا تحسبنّ المرء يوما مخلّدا (6)

ولا تقربنّ جارة إنّ سرّها

عليك حرام فانكحن أو تأبّدا (7)

(1) الأغانى 9/ 113 وما بعدها.

(2)

الشعر والشعراء (طبعة دار المعارف) ص 14

(3)

أرصد: أعد وهيأ.

(4)

يشير إلى أنه لا بد من الذبح كما تقضى تعاليم الإسلام.

(5)

النصب: حجارة كانوا ينصبونها حول الكعبة ويقدمونها أو هى الأوثان.

(6)

الضرارة: ذهاب البصر أو النقص فى الأنفس والأموال.

(7)

السر هنا: البضع. النكاح: الزواج. التأبد: البعد عن النساء والتعزب.

ص: 341

نعرف توّا أنها موضوعة، لا لأنه فيها يدعو إلى تعاليم إسلامية فحسب، بل لأنه ينظم فيها آيات قرآنية من مثل قوله تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى»} وقد نظم فى البيتين الثالث والرابع قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ»} أما فى البيت الخامس فنظم قوله تبارك وتعالى: {وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ»} . ونظم فى البيت السادس قوله جلّ وعز: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»} . وفى البيت السابع نظم قوله جلّ ذكره:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ»} أما البيت الثامن فنظم فيه مثل قوله تعالى {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً»} وقوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ»} .

وواضح من هذا كله أن القصيدة منتحلة، وهى لا تتفق فى شئ ونفسية الأعشى، وما كان ليسمع القرآن ويؤمن بتعاليمه على هذا النحو، ثم ينصرف عن رسوله الكريم وهديه. ونحن لا نشك فقط فى هذه القصيدة، بل نشك كذلك فى القصائد الأخرى التى تردّد معانى الإسلام ومثاليته الخلقية أو تردد بعض المعانى المسيحية. وبهذا القياس نتهم قصيدته رقم 5 لقوله فيها يمدح قيس بن معد يكرب الكندى:

وما أيبلىّ على هيكل

بناه وصلّب فيه وصارا (1)

يراوح من صلوات الملي

ك طورا سجودا وطورا جؤارا (2)

بأعظم منه تقى فى الحساب

إذا النّسمات نفضن الغبارا

وواضح أنه يصفه بالتقوى وأنه يراقب ربه، ويقول إن الراهب الذى يصلّب له فى هيكله ويصلى له ساجدا ويتضرع ليس أعظم منه تقوى وخشية، حين تهب الريح اللينة نافضة للغبار. وقد نظم منتحلها قوله تعالى:{فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى»} فقال:

عطاء الإله فإن الإله

يسمع فى الغامضات السّرارا

(1) أيبلى: راهب. الهيكل: موضع فى صدر الكنيسة يوضع فيه القرابين. صلب: صور الصليب بيده. صار: سكن.

(2)

الجؤار: التضرع بالدعاء.

ص: 342

ومثلها القصيدة رقم 15 التى أنشد فيها منتحلها قسمه بثوبى راهب اللج فقال:

وإنى وثوبى راهب اللّجّ والتى

بناها قصىّ والمضاض بن جرهم (1)

وحقا إنه أضاف إلى ثياب الراهب القسم بالكعبة، ولكن مما يزيد الشبهة فى القصيدة أننا نجد فيها هذا البيت، يهجو به خصمه:

وما جعل الرحمن بيتك فى العلا

بأجياد غربىّ الفناء المحرّم (2)

ولم تشع كلمة الرحمن بين الشعراء إلا فى الإسلام أخذا من قوله تعالى {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ، وقد دارت فى القرآن الكريم. ونقف نفس الموقف من القصيدة رقم 23 للبيت الذى مر بنا والذى يقسم فيه بالمسيح وضرب الراهب للناقوس. ومما لا شك فيه أن قوله فى قصيدة النعمان رقم 28:

فلا تحسبنّى كافرا لك نعمة

علىّ شهيد شاهد الله فاشهد

مما يضعفها، لأنه يلخص فكرة الملائكة الشاهدين المعروفة فى الإسلام.

وقد شك ابن قتيبة فى القصيدة رقم 35 وبها بيت القدر الذى أنشده يحيى بن متى فيما أسلفنا. وتكاد تكون القصيدة رقم 66 فى كثير من أبياتها نظما لمواد قرآنية على هذه الشاكلة:

وربّك لا تشرك به إن شركه

يحطّ من الخيرات تلك البواقيا

بل الله فاعبد لا شريك لوجهه

يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا

وقد مضى واضعها يدعو إلى تقوى الله وصلة الرحم وردّ الأمانات إلى أهلها والتعفف عن الجارة، ويقول محذرا من معصية الله:«فإنك لا تخفى على الله خافيا» ويقول أيضا «كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا» . فلا شك فى أن هذه القصيدة إسلامية. على أنها تلفتنا إلى شئ مهم، وهو أن الأعشى أضيفت إليه أشعار تذهب مذهب العظة والاعتبار، ولا نرتاب فى أن يحيى بن متى لعب فى ذلك

(1) اللج: غدير عند دير هند. ويريد بثوبيه أعماله الصالحة. ومعروف أن أمر الكعبة كان إلى جرهم ثم صار إلى قصى.

(2)

أجياد: موضع فى بطحاء مكة، والفناء المحرم: حرم مكة.

ص: 343

دورا كبيرا، وقد تبعه القصّاص والوعاظ المسلمون يزيدون فى النسيج خيوطا فإذا الأعشى كأنه واعظ من وعاظ الكوفة، يتحدث إلى الناس حديث عظة عن الدهر وتقلباته والموت وما طوى من الملوك وأسباب ترفهم ونعيمهم، وكيف يأتى على الناس، فالكل إلى فناء، ولا يبقى سوى وجه ربك ذى الجلال والإكرام ولا يبدو ذلك فى قصيدة من ديوانه أو قصيدتين، بل إنه يجرى فى قصائد كثيرة واقرأ قصيدته ذات الرقم 2 فإنك ستراه يستهلها بالحديث عن حياة الإنسان وما يلقى فيها من العناء والشقاء بالموت وما ينزل به من الأمراض والأحزان، وكيف أن أحدا لا يستطيع الفرار من المنية، ويسترسل فى الحديث عمن مات من الملوك الأولين.

وفجأة يخرج إلى الحديث عن لذاته. ولعل من الطريف أن القدماء أنكروا القصيدة (1). ومثلها القصيدة رقم 4 وفيها يتحدث عن طوافه فى البلاد، وقد أنشدنا منها فيما مر البيتين اللذين يذكر فيهما أنه زار أوريشليم والنجاشى فى أرضه، ولكن ليس هذا هو الذى نقف عنده فحسب، فقد مضى يتحدث عن قصة حصن الحضر وتخريب سابور له بجنوده، وينهى قصته تلك بقوله:

وفى ذاك للمؤتسى أسوة

ومأرب قفّى عليها العرم (2)

ويمضى فى هذه القصة قصة سد مأرب وخرابه وتشتت حمير فى البلاد، متخذا من ذلك عظة جديدة. وعلى هذا المثال قصيدته رقم 13 وفيها يحدثنا عن زرقاء اليمامة وكيف عصاها أهلها ولم يأتمروا بأمرها حين خوفتهم جيوشا قادمة، هى جيوش حسان تبّع، وقدمت الجيوش فجعلت عاليها سافلها وحطمتهم حطما، وقد شك القدماء فى القصيدة وأنكروها (3). وليس فى القصيدة رقم 14 ذكر للملوك الأولين، ولكنها تحمل وصية خلقية بها كثير من الخيوط الإسلامية تجعلها أشبه بموعظة، إذ لا يعد القريب قريب النسب، وإنما هو قريب الود والبر، ويقول إنه ليس عاقا ولا ذا نميمة، وإنه لا ينتظر من الناس جزاءه وإنما ينتظره من ربه. ومثل هذه المعانى تجعلنا نشك فيها كما نشك فى القصيدة رقم 33 وفيها حديث طويل عن فناء الحياة وأن كل شئ فيها إلى زوال، فالكل هالك كما هلك ساسان

(1) انظر الموشح للمرزبانى ص 49.

(2)

العرم: سيل مشهور.

(3)

الموشح ص 49.

ص: 344

ملك الفرس ومورق ملك الروم وكسرى شاهنشاه، وهذا عادياء لم يغنه حصنه بتيماء الذى بناه سليمان، ويسهب فى وصف الحصن، وكذلك كان أمر النعمان إذ لم تنفعه أمواله ولا ما كان يجبى إليه، فلم ينج من القضاء. ومن هذا النمط نفسه قصيدته رقم 36 التى يقول فيها:

إنما نحن كشئ فاسد

فإذا أصلحه الله صلح

ويحدثنا عن هلاك الملوك الأولين مثل عمرو بن هند حديثا كله عظة واعتبار، فإن الناس هالكون لا محالة، وكذلك يصنع فى قصيدته رقم 39، ومثلها رقم 53 أما القصيدة رقم 54 فإنه يتحدث فيها عن قصر ريمان قصر الحميريين الذى تداوله الحبش والفرس وما أصابه من البلى والخراب. وقد أنكر القدماء نسبة المقطوعة رقم 56 (1) كما أنكروا أختها رقم 60 وأشرنا إلى ذلك فيما أسلفنا. وأبيات الأخيرة تختلط بأبيات القصيدة رقم 72 ولذلك كنا نتهمها هى الأخرى، وأنكر القدماء القصيدة رقم 62 وقالوا إنها تختلط بشعر لنابغة بنى شيبان (2). ونراه فى القصيدة رقم 79 يدعو لإياس بن قبيصة أن يجزيه الله جزاء نوح إذ أوحى إليه أن يصنع الفلك ليعصمه من الطوفان. ونلتقى فى نهاية الديوان بالقصيدة رقم 82 وهى تلتقى فى بعض أبياتها بقصيدة رواها المفضل الضبى فى المفضليات لعوف بن الأحوص وهى فيها ذات الرقم 36 ونسب الجاحظ بعض أبياتها فى الحيوان إلى مضرّس (3) بن زرارة لقيط.

وليست هذه القصائد وحدها فى الديوان هى التى ينبغى أن لا نطمئن إليها، لما يداخلها من الوعظ والمعانى الإسلامية والمسيحية، فقد أضاف إليه الرواة الوضاعون غير قليل من القصائد والأشعار، ويمكننا معرفة وضعها من عرضها على تقاليد الشعر الجاهلى وأسلوب الأعشى نفسه فى مطولاته التى لا يعتورها الشك. وقد تأخذ القصيدة شكلا قصصيّا غير مألوف لدى الشعراء الجاهليين. وإذا أخذنا نقرأ فى الديوان على هذه الأسس وجدنا غير قليل من القصائد يستوقفنا، من ذلك القصيدة رقم 12 لما يصور فيها من قصة عماه وقائده، وتدل رحلاته الكثيرة أنه كان ضعيف

(1) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 66 وانظر الديوان ص 204.

(2)

الديوان ص 208.

(3)

الحيوان 5/ 78.

ص: 345

البصر ولم يكن مكفوفا، ومثلها القصيدة رقم 20 للين أسلوبها وضعفه، وهو أشبه بأساليب العباسيين. ونراه فى القصيدة رقم 25 يسوق فى تفصيل قصة السموأل وما كان من إبداع امرئ القيس عنده مائة درع قبل رحيله إلى قيصر وحصار الحارث بن ظالم أو الحارث الغسانى له حتى يأخذها وتحصّنه منه بحصنه، ومفاجأته له بأحد أبنائه، وكان يصطاد، وقوله له إما أن تسلم الأدراع إلىّ وإما أن أقتل ابنك، وأبى السموأل أن يسلم الأمانة وفاء، وقتل الحارث ابنه تحت عينه. وهى قصة مشكوك فى أصلها، ويزيدها شكّا فى قصيدة الأعشى أنه رواها مفصلة بصورة تدل على أنها موضوعة، وربما وضعها أحد أولاد السموأل فى الإسلام، ومن أجل ذلك نشك فى القطعة رقم 24 التى تقدم لها. وإذا تقدمنا فى الديوان وأعدنا النظر فى القصيدة رقم 39 التى اتهمناها لما فيها من حديث عن هلاك القرى والأمم لاحظنا أنها تتضمن فى نحو عشرين بيتا قصة غزلية، يصور لنا فيها كيف بعث لصاحبته رسولا شيطانا لا يخشى الرقباء، وكيف تخلص إليها هذا الرسول فنازعها الحديث مخافتا، حتى إذا أنكرته ظل يغويها حتى أسلس له قيادها، فشاورها متى يأتيها الأعشى وكيف يدخل إليها. ويحدثنا أنه ألم بها وقد غفل الرقباء، وبات إلى جنبها لا يفصلهما حجاب، ويمضى فيصف مبيته عندها وصفا صريحا. وليس من ريب فى أن هذه القصة تعلن بدورها عن انتحال القصيدة وأنها موضوعة، ولكن ليس هذا ما نريده، إنما نريد أن نقول إنه ينبغى أن نشك فيما يجرى مجرى هذه القصيدة المنتحلة وقصتها الغزلية. ومن أجل ذلك كنا نشك فى القصيدة رقم 52 وخاصة أنها غزل ووصف خالص، وليس لها موضوع من مديح أو فخر أو هجاء كما تعودنا عنده، ومما يزيدنا شكا فيها استرساله فى الخيال مع كل ما يشبه صاحبته به، وخاصة حين شبه مذاق ريقها بطعم الزنجبيل والتفاح ممزوجين بعسل النحل، فقد أخذ فى وصف من يشتار العسل ويجنيه، ولم يكن العسل واشتياره مما تعرف به قيس بن ثعلبة فى الجاهلية، إنما كانت تعرف به هذيل.

ونقف نفس الموقف من القصيدة رقم 55 لكثرة ما فيها من ألفاظ فارسية، وكذلك القصيدة رقم 63 لأنها تفتقد الغرض الواضح، وكأن من نحلوها الأعشى أرادوا بها أن يجروا على لسانه حديثه عن أسفاره البعيدة إلى الغساسنة فى الشام وبنى الجلنداء فى عمان وغيرهم. وليس فى القصيدتين رقمى 64 و 65 غرض واضح إنما فيهما غزل

ص: 346

وخمر أو غزل ووصف، ولذلك كنا نشك فيهما كما نشك فى القصيدة رقم 76 لأنها كما يقول رواتها فى مديح قيس بن معد يكرب، وليس له فيها سوى ثلاثة أبيات فى مطلعها ثم تمضى القصيدة فى الغزل والخمر، وهى صورة معكوسة للصورة الطبيعية عنده، إذ يبدأ بالغزل، ثم يطيل فى المدح. ونحن نشك أيضا فى القصيدة التى تليها برقم 77 لا لغزلها الماجن فحسب، بل لأن هذا الغزل يستنفد منها 24 بيتا، ويليه وصف للناقة فى 3 أبيات وفخر لا يتجاوز 5 أبيات. ومثلها القصيدة رقم 78 إذ نراه يصور فيها لهوه ومجونه فى 22 بيتا، ثم يترك لممدوحه 5 أبيات.

ومثلهما القصيدة رقم 80 وهى غزل خالص أودع فى أسلوب ركيك. أما القصيدة رقم 81 فاعتذار لعلقمة بن علاثة أجراه الوضاعون على لسانه حتى يمحوا هجاءه المقذع فيه، وما كان ليهجوه فى قصيدتين مطولتين ويدور هجاؤه له فى العرب ثم يعتذر له بستة أبيات.

وإذا أضفنا إلى هذه القصائد التى شككنا فيها مقطوعاته القصيرة التى لا تتجاوز أحيانا بيتا والتى لا نستطيع أن نقيم عليها مراصد نمتحنها بها لقصرها وهى ذوات الأرقام 31، 37، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 49، 50، 51، 57، 58، 59، 61، 67، 69، 71، 74، 75 استطعنا أن ندرس ما بقى له دراسة نطمئن إليها على الأقل بعض الاطمئنان. ولم يبق له قليل بعد هذا الفحص للديوان، بل إنه كثير، إذ يتضمن القصائد ذوات الأرقام: 1، 3، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 16، 18، 19، 21، 22، 26، 27، 29، 30، 32، 34، 38، 40، 68، 70، 73.

على أن أعلاها ثقة هى القصائد ذوات الأرقام 1، 6، 11، 29، 34 لأن الشارح أسند الأولى والاثنتين الأخيرتين إلى أبى عبيدة كما أسند الثانية والثالثة إلى أبى عمرو بن العلاء، فتلك القصائد إذن من رواية البصرة التى نرفعها على رواية الكوفة فى التوثيق. على أننا نضرب صفحا عما ألحقه جاير ناشر الديوان به من أبيات وأشعار وجدها تنسب للأعشى فى بعض الكتب، إذ بمجرد النظر فيها نعرف خطأ نسبتها إليه أو على الأقل خطأ نسبة الكثير الأكثر منها.

ص: 347