المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - المعارف - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌3 - المعارف

وتلك كانت معيشتهم بين صيد للوحش وصيد للإنسان ورعى للأنعام والأغنام، فتلك موارد رزقهم، وليس معنى ذلك أنهم كانوا متساوين فى هذا الرزق، فقد كان فى كل قبيلة السادة الذين يملكون مئات الإبل والفقراء الذين لا يملكون شيئا. وتحول كثير من هؤلاء الفقراء إلى قطاع للطرق يسلبون وينهبون ويقتلون على نحو ما هو معروف عن تأبط شرا والشنفرى وأضرابهما. وما كان يقوم به هؤلاء الذؤبان أو الصعاليك كانت تقوم به القبائل برمتها أحيانا حين تكفّ السماء عنهم غيثها وتجدب ديارهم وتمحل، فلا يكون أمامهم سوى الغزو وشن الغارات، ولعل ذلك هو الذى دفعهم دفعا إلى الإشادة بالكرم والكرماء، وقد أشادوا طويلا بهذه الفضيلة كما أسلفنا، وهى إشادة طبيعية فى هذه الصحراء المقفرة المهلكة، التى يحفّ بها المحل والجدب من كل جانب.

‌3 - المعارف

ليس بين أيدينا ما يدل على أن العرب الجنوبيين أورثوا عرب الشمال حضارة واضحة، ويظهر أنهم لم يختطوا فى طريق الحضارة خطى واسعة، فقد كان عندهم علم بالزراعة وهندسة إرواء الأرض وإقامة المدن، ولم يكن عندهم ثقافة ذات معالم بينة، وحتى من وجهة التنظيم السياسى كان يعمهم النظام الإقطاعى، ولذلك حينما ضعفت دولتهم الأخيرة دولة سبأ وذى ريدان وحضرموت ويمنات أو الدولة الحميرية تحولوا سريعا إلى قبائل بدوية.

ومما لا ريب فيه أن العرب الشماليين كانوا على صلة بالحضارات المجاورة، فقد كان تجّار مكة يدخلون فى مصر والشام وبلاد فارس، وكان الحيريون يتصلون مباشرة بالفرس، كما كان الغساسنة يتصلون بالروم، وقد تنصروا، وشاعت النصرانية فى قبائل الشام والعراق، ونزل بينهم كثير من اليهود فى الحجاز واليمن. وكل ذلك معناه اتصال العرب الشماليين الأمم المجاورة وحضاراتها، ولكن يبدو أن ذلك كان يجرى فى حدود ضيقة وأنه وقف فى جمهوره عند تأثرات بسيطة كأن يأخذوا عن الفرس والروم بعض فنون الحرب أو يعرفوا بعض أخبارهم وأساطيرهم، ففى السيرة النبوية أن قريشا حين جمعت العرب-بعد موقعة أحد-لغزو المدينة أشار

ص: 81

سلمان الفارسى على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحفر الخندق، حتى لا يستطيعوا اقتحام المدينة عليه، وكأنه كان أعلم من حوله بأساليب الحرب (1). وفى السيرة أيضا أن النضر بن الحارث كان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو لا يزال فى مكة) مجلسا فذكر فيه الله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه فى مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلى فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس وأبطالهم الأسطوريين (2).

فالعرب الشماليون لم يكونوا منقطعين عن التأثيرات الحضارية الأجنبية، غير أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ما وصل إليهم من هذه التأثيرات، فقد كانوا لا يزالون فى طور السذاجة البدوية، وكل ما يمكن أن يقال إنهم كانوا فى نهاية هذا الطور.

وقد وقف من قديم قوم يقارنون بينهم وبين الشعوب المتحضرة من حولهم كالفرس والروم، وكان على رأسهم الشعوبية، وهى مقارنات تقوم على التحكم. لأنها تقارن بين بدو ومتحضرين، وقد مر الفرس والروم بطور بداوة كما مر العرب، ولم يكن لهم فيه حضارة ولا نظر علمى دقيق. ومثل هذه المقارنات ما بعثه الغربيون منذ القرن الماضى من الموازنة بين الساميين جميعا عربا وغير عرب وبين الآريين، على نحو ما هو معروف عن رينان (3)، فقد ذهبوا يزعمون أن الآريين هم الجنس المفضل الذى أحدث الحضارة، وكأنهم يريدون أن يبرروا صنيع ساستهم واستعمارهم للشعوب السامية. . وهى نظرية لا تؤيدها الحقائق العلمية الخالصة، إذ لا يستطيع أحد أن يثبت نقاء سلالة جنسية بعينها، لها نسب صريح، وأيضا فإن هذه النظرية تتناسى أثر البيئة والظروف التى تلم بالشعوب، ومن المحقق أن الحضارة الإنسانية ليست من عمل جنس واحد، فقد تعاونت على تكوينها أجناس متباينة، ولكل جنس فيها نسبه المتعادلة. ويدخل فى هذه المقارنات المضللة ما نجده عند ابن خلدون من حكمه على العرب بأنهم ليسوا أصحاب صناعات ولا علوم (4) لأن ذلك

(1) السيرة النبوية (طبعة الحلبى) 3/ 235

(2)

السيرة النبوية 1/ 321.

(3)

انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على 1/ 168.

(4)

المقدمة (طبع المطبعة البهية) ص 252 وفى مواضع متفرقة.

ص: 82

إنما ينطبق عليهم فى الجاهلية، أما فى الإسلام فقد عرفوا الصناعات ونهضوا فى الميادين العلمية والفلسفية نهضة كانوا فيها أساتذة العالم فى عصوره الوسيطة.

ويقول أوليرى: إن العربى مادى، ضيق الخيال والعواطف (1)، وكأنه يتجاهل أدبهم وما يزخر به من أخيلة ومشاعر، وهو تعميم جنسى لا دليل عليه، وكأنما قادته إليه نظرية الأجناس البشرية وما يدعو إليه أصحابها من تفوق الجنس الآرى على ما سواه من أجناس.

وندع هذه المقارنات المضللة وما سقط منها من أحكام خاطئة إلى بيان ما كان لدى العرب فى الجاهلية من معارف، لعل أهمها علمهم بالأنساب والأيام وما ينطوى فى ذلك من المناقب والمثالب، مما سجله العباسيون فى مجلدات ضخمة. وكأنهم رأوا فى ذلك كله تاريخهم، فكانوا يروونه ويحفّظونه أبناءهم، واشتهر عندهم كثيرون فى هذا الباب من أبواب الرواية.

ويلى هذا النوع من المعارف معرفتهم بالنجوم ومطالعها وأنوائها أو أمطارها، يقول الجاحظ:«وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء لأن من كان بالصحاصح الأماليس (2) -حيث لا أمارة ولا هادى مع حاجته إلى بعد الشقة-مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه (3)، ولحاجته إلى الغيث وفراره من الجدب وضنه بالحياة اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث، ولأنه فى كل حال يرى السماء وما يجرى فيها من كوكب ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا (4)، وما يكون منها راجعا ومستقيما. وسئلت أعرابية فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما أعرف أشباحا وقوفا علىّ كل ليلة. ووصف أعرابى لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء ونجوم الاهتداء ونجوم ساعات الليل والسعود والنحوس، فقال قائل لشيخ عبادى كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابى يعرف من النجوم ما لا نعرف؟ قال: من لا يعرف أجذاع (5) بيته (6)؟ ! » .

(1) فجر الإسلام لأحمد أمين (الطبعة الأولى) ص 39 نقلا عن كتاب أو ليرى Arabia Before Muhammad:

(2)

الصحاصح: الأرض المستوية، الأماليس: التى ليس بها ماء ولا شجر.

(3)

يؤديه: يعينه.

(4)

فاردا: منفردا.

(5)

الأجذاع: سيقان النخل تجعل سقفا للخيمة.

(6)

الحيوان 6/ 30.

ص: 83

وهى معرفة أداهم إليها فرط الحاجة، ويقول صاعد بن أحمد المتوفى سنة 435 هـ:

«كان للعرب معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغايبها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك فى أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق ولا على سبيل التدرب فى العلوم (1)» .

وبهذا القياس نفسه كانت معارفهم الطبية، فقد عرفوها بالتجربة مثل الكنى بالنار وفوائد بعض العقارات النباتية، وكان ينتشر بينهم فى تضاعيف ذلك كثير من الخرافات كإيمانهم بأن دم السادة يشفى من الكلب وأن عظام الميت تشفى من الجنون وأن روحا شريرة تحلّ فى المريض، وكانوا يتداوون منها بالعزائم والرّقى.

فطبهم كان قاصرا ولم يكن مبنيا على قواعد عقلية، وحقا ما يقول ابن خلدون:

«للبادية. . طب يبنونه فى غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحى وعجائزه، وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعى ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره (2)» ، ومن أهم معارفهم الطبية معارفهم البيطرية، وخاصة فيما اتصل بالخيل والإبل، فقد عرفوا شياتها وما يزينها ويعيبها وما يتصل بذلك من علل وأمراض وأدواء كالجرب وما كانوا يداوونه به.

وقد تحدثوا طويلا عن حيواناتهم وخصائصها حديثا بل أحاديث أفاد منها الجاحظ فى حيوانه، وهو يعلق على ذلك بقوله: «وإنما أعتمد على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما أحتاج إليها منها من جهة العناية والفلاية (3) ولا من جهة التذاكر والتكسب، ولكن هذه الأجناس الكثيرة ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق فإنما هى مبثوثة فى بلاد الوحش من صحراء أو واد أو غائط أو غيضة أو رملة أو رأس جبل، وهى فى منازلهم ومناشئهم، فقد نزلوا كما ترى بينها وأقاموا معها. . وربما بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب وباللدغ واللسع والعض والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرف حال الجانى والجارح والقاتل وحال المجنى عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطلب والهرب، وكيف الداء والدواء

(1) طبقات الأمم لصاعد (طبع بيروت) ص 45.

(2)

المقدمة ص 346.

(3)

الفلاية: النظر العلمى.

ص: 84

لطول الحاجة ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالداء والدواء (1)».

وكانت لهم عناية خاصة بالفراسة، والقيافة وهى تتبع الأثر فى الأرض والرمل، ولهم فى ذلك أقاصيص طويلة، وطبيعى أن تنمو عندهم القيافة ليتعقبوا من يضل منهم فى الصحراء، أو ليتعقبوا الأعداء الذين يغيرون عليهم وينهبون أموالهم ونساءهم فى غيبتهم عن أحيائهم.

وهذه الضروب جميعها من المعرفة ضروب أولية، تقوم على التجربة الناقصة ولا تؤسّس على قاعدة ولا على نظرية، فهم فى جمهورهم بدو، ليسوا أصحاب علم ولا نظر عقلى مؤسس على أسلوب علمى. ولعله من أجل ذلك شاعت عندهم العيافة وهى التنبؤ بملاحظة حركات الطيور، وقد اشتهر بها بنو أسد وبنو لهب، وكانوا يتيامنون بها ويتفاءلون إن جرت يمنة ويتشاءمون إن جرت يسرة، ولهم فى الطّيرة أحاديث كثيرة، قال الجاحظ:«وأصل التطير من الطير إذا مرّ بارحا (ميامنا) وسانحا (مياسرا) أو رآه يتفلى وينتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم أو الأعضب أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا. . فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك فى كل شئ. . وللطيرة سمت العرب المنهوش بالسليم والبرية بالمفازة وكنوا الأعمى أبا بصير والأسود أبا البيضاء وسموا الغراب بحاتم. والغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به فى باب الشؤم (2)» .

ولإيمانهم بباب الطيرة كانوا يستقسمون بالأزلام والقداح، وهى سهام، كانوا يكتبون عليها عبارات يصدرون عنها مثل الآمر والناهى والمتربص، وهى غير أزلام القمار وقداحه.

وكل هذا يدل على أن التسبيب العقلى عندهم كان ضعيفا، وأنهم كانوا لا يحسنون ربط المسببات بأسبابها ربطا محكما، وهذا طبيعى فقد كانوا فى طور البداوة، فلم يكونوا يفهمون الارتباط بين العلة والمعلول وكانوا لا يتعمقون فى بحث الأشياء، إنما كانوا ينظرون إليها نظرا عارضا أو خاطفا. يقفون عند الجزئيات، ولا يتعلقون بمدركات كلية أو نظرات شاملة فكل ذلك لا يطوف بالدائرة التى يحيونها دائرة الحياة الفطرية الساذجة. وحقا شاعت عندهم الحكمة، ولكن لا بمعناها

(1) الحيوان 6/ 29.

(2)

الحيوان 3/ 438 وما بعدها.

ص: 85

الذى عرفت به فى العصور الإسلامية وهو الفلسفة، وإنما بمعنى الخبرة المحدودة التى تصورها عبارة من العبارات القصيرة. ومن أمثالهم «فى بيته يؤتى الحكم» وهو من يحكم بين الناس فى منافراتهم ومفاخراتهم وخصوماتهم. وربما اشتقت الكلمة من هذا المعنى، فالحكم هو العاقل المجرب الذى يحقق بحكمه العدل ويمنع الخصام. وكذلك كانت الحكمة، فهى تنبئ عن معرفة الشخص بالحياة، ووقوفه على طرقها المستقيمة التى تهدى إلى سبيل الرشاد.

وكثرت الحكم والأمثال عندهم، وألفت فيها كتب ضخمة فى العصر العباسى، من أشهرها كتاب «جمهرة الأمثال» للعسكرى و «مجمع الأمثال» للميدانى.

واشتهر عندهم حكماء كثيرون كانوا يفصلون بينهم ويتناقلون ما يجرى على ألسنتهم من وصايا وتعاليم يفيدون منها فى حياتهم، يقول الجاحظ: «ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنّكراء (الفطنة) لقمان بن عاد ولقيم بن لقمان ومجاشع بن دارم وسليط بن كعب بن يربوع. .

ولؤى بن غالب وقس بن ساعدة وقصى بن كلاب. ومن الخطباء البلغاء والحكام والرؤساء أكثم بن صيفى وربيعة بن حذار وهرم بن قطبة وعامر بن الظّرب ولبيد ابن ربيعة (1)». وللقمان سورة فى القرآن الكريم، ويقال إنه كانت له حكم معروفة عند الجاهليين جمعوها فى صحيفة تدعى مجلة لقمان، ففى أخبار سويد بن الصامت أنه «قدم مكة حاجا أو معتمرا، فتصدّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، فقال له سويد: لعل الذى معك مثل الذى معى، فقال له رسول الله: وما الذى معك؟ قال: مجلة لقمان، يعنى حكمة لقمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها على، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن، والذى معى أفضل منه: قرآن أنزله الله علىّ، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد، وقال إن هذا القول حسن، ثم انصرف، وقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه مات مسلما، وكان قتله يوم بعاث (2).» .

(1) البيان والتبيين (طبعة عبد السلام هرون) 1/ 365

(2)

أسد الغابة 2/ 378.

ص: 86

وتمتلئ كتب الأمثال والأدب بما دار على لسان لقمان وغيره من حكماء الجاهلية من حكم، مثل قول أكثم:«مقتل الرجل بين فكّيه» وقول عامر بن الظرب: «رب زارع لنفسه حاصد سواه» . وفى الشعر الجاهلى كثير من هذه الحكم، وهى تذكر فى ثنايا كلامهم من مثل قول طرفة فى معلقته:

أرى العيش كنزا ناقصا كلّ ليلة

وما تنقص الأيام والدّهر ينفد

وممن اشتهر بهذه الحكم الأفوه الأودى ولبيد وعبيد بن الأبرص، وفى خاتمة معلقة زهير طائفة كبيرة منها على شاكلة قوله:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله

ولكننى عن علم ما فى غد عم

ومن لا يصانع فى أمور كثيرة

يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم (1)

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه

يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم

ومن هاب أسباب المنية يلقها

ولو رام أسباب السماء بسلّم

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وكان أكثر حكمهم يستقى من مروءتهم وسننها التى وصفناها فيما مر من حدثنا، وهى تجرى مجرى التعاليم التى ينبغى أن يأخذوا بها فى حياتهم. وقد وقف شعراؤهم كثيرا عند فكرة الحياة والموت والدهر وما يرمى به الناس، وكانوا يرون أنه لا مفر من الموت ولا حيلة منه، فلا ينفع إزاءه صحة ولا شباب ولا قوة، وكثيرا ما يذكرون من سبقهم إليه متخذين من ذلك عظتهم، يقول قسّ بن ساعدة (2):

فى الذاهبين الأوّل

ين من الشعوب لنا بصائر

لما رأيت مواردا

للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومى نحوها

تسعى الأصاغر والأكابر

لا يرجعن قومى

إلىّ ولا من الباقين غابر

(1) المصانعة: الترفق والمداراة، يضرس: يعض، المنسم: خف البعير.

(2)

حماسة البحترى ص 99 وانظر البيان والتبيين 1/ 309.

ص: 87

أيقنت أنى لا محا

لة حيث صار القوم صائر

وكثيرا ما يتسعون بهذه النظرة، فيخرجون عن إفناء الزمان لعشائرهم وقبائلهم إلى إفنائه للدول والملوك من حولهم، فالليالى والدهر والأزمان فى كل وقت تهدم جدارا كبيرا إما من ملك أو دولة، وحتى الأنبياء وسليمان الذى سخّرت له الجن تلفت نفوسهم جميعا وهلكوا كما هلك من قبلهم، ويهلك من بعدهم (1).

ودائما يكررون أن الدهر بالمرصاد وأنه لا يؤمن فى صباحه ومسائه. ولهم فى عتابه على فجيعته لهم بالأهل محاورات طريفة، كقول زهير إن صح أنه له (2):

يا من لأقوام فجعت بهم

كانوا ملوك العرب والعجم

استأثر الدهر الغداة بهم

والدهر يرمينى ولا أرمى

لو كان لى قرنا أناضله

ما طاش عند حفيظة سهمى (3)

أو كان يعطى النّصف قلت له

أحرزت قسمك فاله عن قسمى (4)

يا دهر قد أكثرت فجعتنا

بسراتنا ووقرت فى العظم (5)

وسلبتنا ما لست معقبنا

يا دهر ما أنصفت فى الحكم

وعلى هذه الشاكلة كان لهم ضرب من التفكير فى حقائق الحياة والموت، كما كان لهم حكم كثيرة مقتبسة من حقائق مجتمعهم ومعاشهم. وليس فى ذلك كله فلسفة، ولكن فيه البساطة والفطرة وما يدل على حنكتهم وتجربتهم الحسية الواقعية.

(1) حماسة البحترى ص 83 وانظر المفضليات ص 217.

(2)

حماسة البحترى ص 105 وانظر الديوان (طبعة دار الكتب) ص 385.

(3)

الحفيظة: الغضب.

(4)

النصف: العدل.

(5)

السراة: السادة، وقرت: صدعت.

ص: 88