المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - شعراء آخرون - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌3 - شعراء آخرون

‌3 - شعراء آخرون

مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن جماعات من اليهود نزلت فى أواخر القرن الأول للميلاد وأوائل الثانى بالمدينة والواحات المنثورة فى شماليها بالحجاز مثل فدك وخيبر ووادى القرى وتيماء. واضطرتهم مواطنهم الجديدة إلى تعلم العربية، وإن ظلوا على دينهم. ومما يلفت النظر أنهم لم يتركوا أى أثر مكتوب. وقد عنى هؤلاء اليهود بالزراعة والصناعات اليدوية. وأخبارهم فى الجاهلية توحى بأن العرب لم يأمنوهم، إذ كانوا يعدونهم من أعدائهم، وكانوا يزدرونهم ازدراء شديدا.

ومن يتابع موقفهم من الإسلام وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطر -لكيدهم له ونقضهم لما بينهم وبينه من عهود موثقة مرارا وتكرارا-إلى إجلائهم عن المدينة، وأتم عمر من بعده هذا الإجلاء عن الجزيرة، من يتابع ذلك يعرف أن العرب كانوا فى الجاهلية يجفونهم وينفرون منهم ومن دينهم، فلم يؤثروا فيهم شيئا، وعلى العكس نجد اليهود يتعلمون العربية، وينفذ بعضهم إلى النّظم بها.

على أنه ينبغى أن نحتاط إزاء ما يحدثنا الرواة عن شعرائهم وأشعارهم، فلا نثق بكل ما رووه فى هذا الصدد، فقد يكون بعض أبنائهم ممن أسلموا هم الذين زيفوا هذه الأشعار ووضعوها على ألسنتهم. ويظهر أن هذا الوضع قديم فنحن نجد ابن سلام يفتح لشعرائهم فصلا (1) فى كتابه «طبقات فحول الشعراء» يسوق فيه ذكر ثمانية من شعرائهم وينشد لكل شاعر بعض ما اشتهر له، وهم على التوالى السموأل بن الغريض بن عادياء والربيع بن أبى الحقيق وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران وشعية بن الغريض أخو السموأل وأبو قيس بن رفاعة وأبو الذيّال ودرهم بن يزيد. ويضيف أبو الفرج فى الأغانى (2) وابن هشام فى السيرة النبوية أسماء أخرى مثل أوس بن دنىّ وسمّاك والغريض بن السموأل.

(1) ابن سلام ص 235.

(2)

الأغانى (طبعة الساسى) 19/ 94 وما بعدها.

ص: 388

وأشهرهم جميعا السموأل (1) صاحب حصن الأبلق بتيماء، وكان معاصرا لامرئ القيس، ومرت بنا أسطورته معه وما قالوا من أن امرأ القيس استودعه سلاحه، فسار إليه الحارث بن أبى شمر الغسانى أو الحارث بن ظالم المرى على اختلاف الروايات، فطلب منه سلاح امرئ القيس، فأغلق حصنه من دونه، وتصادف أن كان له ابن خارج الحصن، فأخذه الحارث، وهدده إن لم يعطه السلاح قتل ابنه، فقال له: اقتله، فلن أعطيه لك. وبذلك وفى على غير عادة قومه! . وسبق أن قلنا إن هذا من باب الأساطير، كما سبق أن اتهمنا قصيدة الأعشى التى عرضت لهذه القصة فى إسهاب. ومما نسب إلى السموأل خطأ القصيدة المشهورة:

إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه

فكلّ رداء يرتديه جميل

وهى لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى (2)، وهو شاعر إسلامى. وقد نشر لويس شيخو ديوانا له برواية نفطويه فى مجلة المشرق ببيروت سنة 1909 وهى رواية ضعيفة، إذ تشتمل على مقطوعات كثيرة يتضح فيها أنها منحولة. وروى الأصمعى تائية (3) له، لا نكاد نقرأ فيها حتى نحس أثر الصنعة والانتحال، وهى تستهل بالحديث عن نشأة الإنسان وحياته وبعثه بعد موته على هذا النمط:

نطفة ما منيت يوم منيت

أمرت أمرها وفيها وبيت (4)

كنّها الله فى مكان خفىّ

وخفىّ مكانها لو خفيت

أنا ميت إذ ذاك ثمّت حىّ

ثم بعد الحياة للبعث ميت

وصلة هذه الأبيات بما جاء فى القرآن الكريم عن نشأة الإنسان وأنه من نطفة يمنى وأنه يحيى ثم يموت ثم يبعث فهو ينتقل من موت إلى حياة، وما حياته الثانية فى الآخرة بمستغربة، إنها تلى موته وحياته الأولى التى تحوّل إليها من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والترائب، ويقول جلّ وعز:{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ}

(1) انظر ترجمته فى الأغانى 19/ 98.

(2)

شرح المرزوقى على ديوان الحماسة لأبى تمام (طبع لجنة التأليف) 1/ 110.

(3)

الأصمعيات (طبع دار المعارف) ص 84 وراجع ابن سلام ص 236.

(4)

ما منيت: ما زائدة. ومنيت: قدرت وخلقت. وبيت: هيئت.

ص: 389

{مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ»} . وتردّد هذا المعنى فى الذكر الحكيم هو الذى يجعلنا نشك فى هذه القصيدة، ونعتقد اعتقادا أنها نظمت فى العصور الإسلامية على هدى التنزيل العزيز، ويدل على ذلك دلالة قاطعة أننا نحس إزاء بعض أبياتها أنها نظم مباشر لبعض آى القرآن الكريم مثل:

ليت شعرى! وأشعرنّ إذا ما

قيل إقرأ عنوانها وقريت (1)

وأصل هذا البيت قوله تعالى فى سورة الإسراء: {وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»} وعلى هذه الشاكلة:

ميت دهر قد كنت ثم حييت

وحياتى رهن بأن سأموت

فإن البيت ترديد لمثل قوله سبحانه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»} .

والحق أن الشعر المضاف إلى يهود الجاهلية من أمثال السموأل ينبغى أن نحذر منه، وخاصة حين يعلى من أخلاقهم ويسمو بها، أو حين يندمج فى بعض ما يردده القرآن الكريم من أفكار ومعان لم تكن معروفة قبله، ولعله من أجل ذلك لم يرو المفضل الضبى فى مفضلياته شعرا ليهودى، وكأنه لم يثبت عنده شعر لهم.

وإذا كان العرب الشماليون فى الجاهلية استشعروا البغضاء لليهود فلم يتهود منهم أحد، فإنهم لم يحسوا نفس الإحساس إزاء النصرانية والنصارى، وإن ظلوا فى الجملة يحتفظون بدينهم الوثنى ويرون فيه رمز استقلالهم وسيادتهم، وأنه ينبغى أن لا تتخطفهم الديانات من حولهم. وقد كانت المسيحية أمامهم فى الشام دينا للدولة، ودخل فيها الغساسنة كما قدمنا فى غير هذا الموضع، وكانت منتشرة بين الآراميين فيما بين النهرين بالعراق، واعتبقها اللخميون فى أواخر القرن

(1) رواية هذا الشطر فى ابن سلام: «قربوها منشورة فقريت» . وقريت: لغة فى قرأت.

ص: 390

السادس للميلاد، وكانت منتشرة قبل اعتناقهم لها فى جمهور عربى من سكان الحيرة سمى بالعباديين، وتشير الكلمة التى سموا بها، إلى أنهم عباد الله، وكانوا أخلاطا من قبائل شتى. وقد انتشرت فى الجنوب بنجران فكانت مركزا مهمّا من مراكزها، كما انتشرت فى القبائل الشمالية والشرقية مثل قضاعة وكلب وطيئ وبكر وتغلب وتنوخ وتميم، ويزعم اليعقوبى أن نفرا من مكة تنصروا قبيل الإسلام (1). وكل ذلك معناه أن المسيحية كانت منبثة فى الجزيرة وأن كثيرين من العرب الجاهليين دخلوا فيها، ويتردد عند شعرائهم الوثنيين ذكر الراهب المسيحى، وكأنه كان شخصية شعبية معروفة للجميع.

وأشهر شعراء المسيحية فى الجاهلية عدىّ بن زيد (2) شاعر الحيرة المشهور، وهو من العباديين ومن بيت شريف من بيوتهم النصرانية، خدم أبوه فى دواوين الفرس وفى دواوين المناذرة بالحيرة، ولما أيفع ابنه عدى عنى بتربيته وتأديبه على الطريقة الفارسية، فكان يحسن لغة الفرس كما كان يحسن لغة العرب، وتعلّم الرمى بالنشّاب ولعب العجم على الخيل بالصّوالجة. ولم يلبث أن التحق بديوان كسرى أبرويز بن هرمز (590 - 628 م) وعهد إليه فيه بالشئون العربية، ويقال إن كسرى أرسله إلى ملك الروم فى بيزنطة بهدية، فلما أتاه بها أكرمه.

وفى أثناء عودته مر بدمشق وهناك انطلق لسانه بالشعر. وعاد إلى الحيرة فوجد أباه قد توفى. وظل مدة متنقلا بين الحيرة والمدائن، وما نلبث أن نرى الأمور تفسد بينه وبين النعمان أبى قابوس، مع أنهم يقولون إنه لعب دورا فى توليته على الحيرة بعد أبيه دون بقية إخوته. ويقال إن الذى أفسد ما بينهما بعض بنى مرينا، إذ زعموا للنعمان أنه يقول إنه عامله وإنه هو الذى ولاه ما ولاّه. فاضطغن عليه النعمان، وانتهز فرصة مجيئه من لدن كسرى ذات مرة، وأمر بحبسه، ولم يجده عنده استعطافه ولا ما نظمه فيه من أشعار. وعلم كسرى فكتب إلى النعمان يأمره

(1) تاريخ اليعقوبى (طبعة أوربا) 1/ 298 وراجع المحبر لابن حبيب ص 71. وابن هشام 1/ 239.

(2)

انظر فى عدى بن زيد الأغانى (طبعة دار الكتب) 2/ 97 وما بعدها، والشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 176 وخزانة الأدب 1/ 184 وما بعدها والموشح للمرزبانى ص 72 وكتاب لويس شيخو:«النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية» .

ص: 391

بإطلاقه، غير أن الرسول وجد عديّا قد مات فى سجنه مختنقا. وغضب كسرى حين علم بذلك على النعمان غضبا شديدا، وربما كان هذا الغضب أهم الأسباب فى قضائه عليه كما مر بنا فى غير هذا الموضع.

وأهم الموضوعات التى يدور فيها شعر عدىّ الخمر، وذكر الموت والفناء، وهو فى الموضوع الأول يعد أبا لشعراء الخمر فى الجاهلية من مثل الأعشى، ثم لمن ظهروا فى العصور الإسلامية بعد ذلك من مثل الوليد بن يزيد وأبى نواس. وفى أخبار الوليد أنه كان من ندمائه القاسم بن الطويل العبادى، وكان أديبا ظريفا شاعرا، وكان لا يصبر عنه. ونظن ظنا أنه هو الذى وصله بشعر عدى، إذ كان يرويه له ويغنّى فيه معبد وغيره من المغنين بمثل هذا الصوت (1):

بكر العاذلون فى وضح الصّب

ح يقولون لى ألا تستفيق

لست أدرى وقد جفانى خليلى

أعدوّ يلومنى أم صديق

ثم قالوا ألا اصبحونا فقامت

قينة فى يمينها إبريق (2)

قدّمته على عقار كعين ال

دّيك صفّى سلافها الرّاووق (3)

وواضح أن الأبيات من نفس الألحان والأنغام المعروفة للوليد ومن جاوا بعده من شعراء الخمريات، وكأن القاسم العبادى هو الذى وجه الوليد ليحتذى فى خمرياته على أسلوب عدى وليجرى فى طريقته.

ويروى الرواة لعدى بجانب شعره فى الخمر أشعارا فى الفناء وزوال الحياة، وهى تأخذ عنده أسلوبين: أسلوبا يتحدث فيه عن الحياة والموت وأن الدنيا غير باقية، وأسلوبا قصصيّا يتخذ فيه من التاريخ وهلاك الملوك والأوائل وسيلة إلى العظة والعبرة. ومن الأسلوب الأول قوله على لسان المقابر (4):

من رآنا فليحدّث نفسه

أنه موف على قرن زوال (5)

وصروف الدّهر لا يبقى لها

ولما تأتى به صمّ الجبال

(1) الأغانى (طبعة دار الكتب) 7/ 65.

(2)

اصبحونا: اسقونا خمر الصباح.

(3)

الراووق: الدن.

(4)

الأغانى 2/ 134.

(5)

قرن: طرف.

ص: 392

ربّ ركب قد أناخوا عندنا

يشربون الخمر بالماء الزّلال (1)

عمّروا دهرا بعيش حسن

آمنى دهرهم غير عجال

ثم أضحوا عصف الدهر بهم

وكذاك الدهر يودى بالرجال

وكذاك الدهر يرمى بالفتى

فى طلاب العيش حالا بعد حال

فالدنيا إلى زوال وكلّ من عليها فان، حتى صمّ الجبال، ولا يغرنك ما يغرق فيه بعض الناس من ترف ونعيم، فعمّا قليل يعصف بهم الدهر كما عصف بمن قبلهم. ومن الأسلوب الثانى قوله (2):

أيّها الشامت المعيّر بالدّهر

أأنت المبرّأ الموفور

أم لديك العهد الوثيق من الأيّام

بل أنت جاهل مغرور

من رأيت المنون خلّدن أم من

ذا عليه من أن يضام خفير (3)

أين كسرى: كسرى الملوك أنوشر

وان أم أين قبله سابور

وبنو الأصفر الكرام ملوك ال

رّوم لم يبق منهم مذكور

ويستمر فى ذكر ملوك مختلفين شيدوا قصورا شامخة، وانتهى أمرهم إلى الفناء، وطوتهم الحفر والقبور كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، إلى أن يقول:

ثم بعد الفلاح والملك والإمّ

ة وارتهم هناك القبور (4)

ثم صاروا كأنهم ورق

جفّ فألوت به الصّبا والدّبور (5)

ويكثر البحترى فى حماسته من إنشاد مثل هذه الأبيات لعدى بن زيد التى يتحدث فيها عن الحياة والموت ومصير الملوك السابقين. ونحن لا نطمئن إلى كل هذه الأشعار، بل نقف منها موقفنا من نظيرها عند الأعشى، فإن القصّاص والوعاظ على ما يظهر أضافوا إليه أشعارا كثيرة. ولعل ذلك ما جعل اللغويين

(1) الزلال: الصافى العذب.

(2)

الأغانى 2/ 138.

(3)

المنون: الموت، وأعاد عليه الضمير مجموعا.

(4)

الإمة: النعمة.

(5)

ألوت: ذهبت. الصبا والدبور: ريحان.

ص: 393

يرفضون الاستشهاد بشعره، ولاحظ ابن سلام كثرة الوضع عليه فقال:«عدى بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه وسهل منطقه، فحمل عليه شئ كثير وتخليصه شديد (1)» . وأكبر الظن أن هذا هو السبب فى أن المفضل والأصمعى لم يثبتا له فى مجموعتيهما شيئا من شعره. وقد قلنا فى غير هذا الموضع إنه لا يفصح فى شعره عن فكرة التثليث المسيحية، وينبغى أن لا نغلو فى فهم مسيحية أمثال عدى فى الجاهلية، فإنها لم تكن تتعمق نفوسهم، وإن كان من المؤكد أنها أثرت فيهم، بل لقد سقط منها تأثيرات إلى الشعراء الوثنيين فرأيناهم يذكرون أحيانا الرهبان والنواقيس ومحاريب الكنائس أو قد يذكرون بعض الأنبياء مما جعل لويس شيخو يسلك أكثر شعراء الجاهلية فى النصرانية، وهو مخطئ فى ذلك خطأ بينا.

وربما كان أهم شاعر جاهلى وثنى ظهر عنده واضحا التأثر بأهل الكتاب أمية (2) ابن أبى الصلت الثّقفى، وهو من الطائف ويقال إنه اتصل بالأحبار وتحنّف ولبس المسوح وتنسّك. وكان يزور مكة قبل البعثة، وله مدائح فى سيد من سادتها المشهورين هو عبد الله بن جدعان، الذى يقول له فى بعض مديحه (3):

أأذكر حاجتى أم قد كفانى

حياؤك إن شيمتك الحياء

كريم لا يغيّره صباح

عن الخلق الكريم ولا مساء

وأرضك كلّ مكرمة بنتها

بنو تيم وأنت لهم سماء (4)

ويقول أيضا (5):

عطاؤك زين لامرئ قد حبوته

بخير، وما كلّ العطاء يزين

وليس بشين لامرئ بذل وجهه

إليك، كما بعض السؤال يشين

ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه أضلّه الله فعاداه، وزيّن له الشيطان سوء عمله وأغواه، فلم يسلم، بل أخذ فى معاندة الرسول ومحادّته بلسانه،

(1) ابن سلام ص 117 وانظر الحيوان 7/ 149 والشعر والشعراء 1/ 176

(2)

انظر فى أمية الأغانى (طبعة الساسى) 16/ 69 وطبعة دار الكتب 8/ 327 وما بعدها وابن سلام ص 220 وما بعدها وخزانة الأدب 1/ 130 وحياة الحيوان للدميرى 2/ 154 والشعر والشعراء لابن قتيبة 1/ 429.

(3)

ابن سلام ص 222 والأغانى 8/ 328

(4)

بنو تيم: عشيرة عبد الله بن جدعان.

(5)

ابن سلام ص 222 والأغانى 8/ 328

ص: 394

ولما هزمت قريش فى موقعة بدر هزيمتها المشهورة، فقتل كثير من رجالها وسادتها حزّ ذلك فى نفسه، فناح على قتلاها بقصيدة طويلة يقول فيها (1):

ماذا ببدر فالعقن

قل من مرازبة جحاجح (2)

هلاّ بكيت على الكرا

م بنى الكرام أولى الممادح

وجمع له شولتهس Schulthess مجموعة من أبياته ترجمها إلى الألمانية ونشرها فى ليبزج سنة 1911 وفى سنة 1936 نشر له بشير يموت فى بيروت صائفة من أشعاره باسم ديوان أمية. وتدور هذه الأشعار فى موضوعين أساسيين أما الموضوع الأول فيتحدث فيه عن خلق السموات والأرض ونشأة الكون مستدلا بذلك على وجود الله، ومتحدثا عن الموت والفناء والبعث والنشور والعذاب والثواب على شاكلة قوله (3):

إله العالمين وكل أرض

وربّ الراسيات من الجبال

بناها وابتنى سبعا شدادا

بلا عمد يرين ولا رحال (4)

وسوّاها وزيّنها بنور

من الشمس المضيئة والهلال

ومن شهب تلألأ فى دجاها

مراميها أشدّ من النّصال (5)

وشقّ الأرض فانبجست عيونا

وأنهارا من العذب الزّلال (6)

وكلّ معمّر لا بدّ يوما

وذى دنيا يصير إلى زرال

ويفنى بعد جدّته ويبلى

سوى الباقى المقدّس ذى الجلال

وسيق المجرمون وهم عراة

إلى ذات المقامع والنّكال (7)

فنادوا ويلنا ويلا طويلا

وعجّوا فى سلاسلها الطّوال (8)

(1) ابن سلام ص 221.

(2)

العقنقل: كثيب رمل ببدر. . المرازبة: جمع مرزبان وهو رئيس القوم المغرر عليهم. الجحاجح: جمع جحجاح وهو السيد الكريم.

(3)

ديوان أمية (طبعة شولتهس) ص 30

(4)

السبع الشداد: السموات السبع.

(5)

النصال: جمع نصل وهو حد السيف.

(6)

انبجست: انفجرت.

(7)

المقامع: محاجن من حديد يضرب بها الحيوان الشكس.

(8)

عجوا: صاحوا ورفعوا أصواتهم.

ص: 395

فليسوا ميّتين فيستريحوا

وكلهم بحرّ النار صال

وحلّ المتقون بدار صدق

وعيش ناعم تحت الظلال

وهذه المعانى تستمد من القرآن الكريم بصورة واضحة، وأسلوبها ضعيف واهن، ولذلك كنا نظن ظنّا أنها وما يماثلها مما نحل على أمية. والموضوع الثانى الذى يدور فيه شعره ليس أقل من الموضوع الأول اتهاما، بل لعل الاتهام فيه أوضح، إذ نراه يقص علينا سير الأنبياء قصصا لا يكاد يفترق فى شئ عما جاء فى القرآن الكريم كقوله فى رؤية إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل وما كان من افتدائه بذبح عظيم (1):

ولإبراهيم الموفّى بالنّذ

ر احتسابا وحامل الأجزال (2)

بكره لم يكن ليصبر عنه

أو يراه فى معشر أقتال

يا بنىّ أنّنى نذرتك لله

شحيطا فاصبر فدى لك حالى (3)

فأجاب الغلام: أن قال فوه

كلّ شئ لله غير انتحال

فاقض ما قد نذرت لله واكفف

عن دمى أن يمسّه سربالى (4)

بينما يخلع السّرابيل عنه

فكّه ربّه بكبش جلال (5)

قال: خذه وأرسل ابنك إنّى

للذى إن فعلتما غير قال

وواضح أن هذا شعر ركيك ساقط الأسلوب نظمه بعض القصاص والوعاظ فى عصور متأخرة عن الجاهلية. وقد ذهب هيار يزعم حين اطلع على هذا القسم من شعر أمية أنه اكتشف فيه مصدرا من مصادر القرآن الكريم (6)، ولو كان له علم بالعربية وأساليب الجاهليين لعرف أنه وقع على أشعار منتحلة بينة الانتحال، ولما تورط فى هذا الخطأ البيّن، وقد رد عليه غير واحد من المستشرقين (7). ويظهر

(1) ديوان أمية ص 33.

(2)

الأجزال: العظائم.

(3)

شحيطا: ذبيحا.

(4)

سربالى: ثوبى.

(5)

جلال: عظيم.

(6)

انظر الجزء العاشر من المجلة الآسيوية قسم 4 (1904) ص 125.

(7)

انظر تاريخ الآداب العربية لبروكلمان 1/ 113 ودائرة المعارف الإسلامية فى «أمية» .

ص: 396

أن الانتحال على أمية قديم، ففى ابن سلام أن الحسن بن على بن أبى طالب استنشد النابغة الجعدىّ بعض شعره، فأنشده قصيدته:

الحمد لله لا شريك له

من لم يقلها فنفسه ظلما

فقال له: «يا أبا ليلى ما كنا نروى هذه الأبيات إلا لأمية بن أبى الصلت، قال: يا بن رسول الله! والله إنى لأول الناس قالها (1)» وكأن اختلاطا حدث بين شعر النابغة الجعدى وأمية. ومما نحلوا أمية من قديم أيضا أشعار مختلفة فى قصص الحيوان والطير وبعض الزواحف كالحيات، ويشركه عدى فى بعض هذه الجوانب، وكأن القصاص والوعاظ أجروا على لسانهما كثيرا من الشعر الذى أرادوا به إلى العظة والاعتبار، وإنما نقول إنهم نحلوهما ذلك من قديم، لأننا نجد الجاحظ ينشد لهما أشعارا كثيرة فى هذا الاتجاه (2).

وواضح مما قدمناه أن ما روى من أشعار على ألسنة اليهود ومن تنصّر من العرب فى الجاهلية وكذلك من تحنّف كأمية دخله وضع كثير، ولذلك ينبغى أن نحترس منه وأن لا نتسع فى الحكم عن طريقه على ديانات القوم ومعتقداتهم، إذ يجرى فيه الانتحال، وقد دخله كثير من الغثاء والإسفاف فى اللفظ والتعبير.

(1) ابن سلام ص 106 وما بعدها.

(2)

انظر مثلا الحيوان 2/ 320 وما بعدها، 3/ 511، 4/ 196 وما بعدها.

ص: 397