الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - العرب الشماليون
(1)
هم العرب العدنانيون الذين كانوا يسكنون فى الحجاز ونجد وتمتد عشائرهم وقبائلهم إلى باديتى الشام والعراق، وقد ظلوا يعيشون معيشة صحراوية بدوية تعتمد فى أكثر الأحيان على رعى الإبل والأغنام. ولم تهيئ لهم هذه الحياة الاستقرار فى سكنى دائمة، إلا حيث توجد بعض الواحات فى الحجاز. ويظهر أنهم أنشأوا فى بعض الأزمنة مملكة لهم بالجوف (دومة الجندل) فى أقصى الشمال بين العراق والشام، وقد خضعت لنفوذ الأشوريين إذ نرى ملوكهم يفخرون بالانتصار عليها كما نراهم يفخرون بالانتصار على الثموديين فى شمالى الحجاز حيث كانوا يقيمون فى العلا والحجر (مدائن صالح). وقد اتخذ نابونيد آخر ملوك دولة بابل الثانية أو الحديثة تيماء حاضرة له من سنة 550 إلى سنة 545 ق. م مما يدل على أنه كان بها حضارة زاهية.
وكل الدلائل تدل على أن العرب الشماليين لم يتجمعوا قبل الميلاد فى وحدة سياسية تجمع شملهم، فقد كانت طبيعة بلادهم تدفعهم إلى التشتت والتفرق والانقسام، ولم يهتدوا فى أثناء ذلك بهدى كهدى الإسلام يجمع كلمتهم ويؤلف بينهم، ويجعل منهم دولة واحدة، تلعب دورا واضحا فى التاريخ القديم. وقد كشفت نقوش آرامية فى تيماء الواقعة شمالى مدائن صالح تدل على أنه قامت فيها مستعمرة آرامية تجارية فى القرن الخامس ق. م. وكان للمعينيين مستعمرة فى ناحية «العلا» شمالى الحجاز، كشفت فيها نقوش معينية كثيرة، وكانت تسمى معين مصران، وكان سكانها من عرب الجنوب، وقد نقلوا إليها عباداتهم وهياكلهم المقدسة، وما زالوا ناشطين فى التجارة، حتى نشأت دولة النبط فى سلع «بطرا» ، فكانت هى التى تنقل تجارة الجنوبيين إلى الشام ومصر، حتى إذا دالت دولتهم فى مستهل القرن الثانى الميلادى حملها اللّحيانيون الذين كانوا ينزلون فى دادان (العلا الحالية).
(1) انظر فى تاريخ العرب الشماليين كتاب تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد على 1/ 220 - 374، 2/ 277 وما بعدها، 3/ 5 وما بعدها، 3/ 423 وما بعدها.
واللحيانيون عرب شماليون، كتبوا نقوشهم بالخط المعينى المسند مما يدل على أثر الجنوبيين فيهم، ولعلهم كانوا يختلطون بقوم منهم، وقد كتب الثموديون الذين كانوا يقيمون هم أيضا فى شمالى الحجاز وكانوا عربا مثلهم بهذا الخط الجنوبى، الذى انتشر إلى منازل العرب فى الصفا بحوران جنوبى دمشق، مما يؤكد علاقة وثيقة بين هذه الأجزاء وعرب الجنوب حين كانوا يسيطرون على طريق القوافل التجارية من القرن الثامن إلى القرن الثالث ق. م. وهو القرن الذى قامت فيه إمارة عربية فى شمالى الجزيرة هى إمارة النبط، فقد كان أهل هذه الإمارة يأخذون عن الجنوبيين تجارتهم ويحملونها بدورهم إلى الشام ومصر، واتخذوا «بطرا» حاضرة لهم، هكذا ورد اسمها عند اليونان ولعله ترجمة لاسمها الذى جاء فى التوراة وهو «سلع» وكانت الحجر (مدائن صالح) حاضرتهم فى الجنوب بينما كانت بصرى حاضرتهم فى الشمال. ويظهر أن قبائل من هؤلاء النبط كانت قد سبقت إلى الإغارة على بلاد الآراميين شمالا، فتحضرت بحضارتهم واستخدمت كتابتهم الآرامية فى نقوشها، بينما ظلت تتكلم العربية فى أحاديثها اليومية. وبذلك نلتقى عند هؤلاء النبط بنقوش عربية كتبت بالخط الآرامى على نحو ما التقينا عند اللحيانيين والثموديين بنقوش عربية كتبت بالخط المعينى المسند، غير أن الخط الآرامى هو الذى انتصر فقد تطورت نقوشه حتى انتهت إلى الخط العربى الذى أشاعه الإسلام.
والمظنون أن الأنباط لم ينزحوا من نجد إلى شمالى الحجاز، بل نزحوا من بادية الشام، واستطاعوا أن ينهضوا بحضارة راقية لا تزال تدل عليها آثارهم فى بطرا حاضرتهم الكبيرة. وقد ظلت دولتهم نحو أربعة قرون، من القرن الثالث ق. م.
إلى أوائل القرن الثانى الميلادى، وكانت العلاقة بينهم وبين البطالسة ثم بينهم وبين الرومان حسنة، إذ حالفاهم ولم يتعرضا لاستقلالهم حتى كانت الفتنة اليهودية على عهد طيطوس، فقضى الرومان على استقلالهم وضموا بلادهم إلى دولتهم الرومانية سنة 106 للميلاد.
وعاد العرب الشماليون إلى الظهور فى مملكة تدمر شمالى بادية الشام فى أثناء القرنين الثانى والثالث الميلاديين، وكانت السيادة فيها لهم، غير أن السكان كان