المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 - شعره - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌4 - شعره

ويقول إنها لقراد بن حنش من شعراء غطفان (1). ولا يبقى لزهير بعد ذلك من رواية الأصمعى سوى أربع عشرة قصيدة ومقطوعة، تضاف إليها القصيدة التى رواها المفضل واحتفظ بها الشنتمرى، وهى:(غشيت ديارا بالبقيع وثهمد).

على أنه ينبغى أن نسقط من قصيدته (لمن الديار بقنّة الحجر) الأبيات الثلاثة الأولى لأن حمادا زادها فيها كما مر بنا فى حديثنا عن الانتحال. وقد شك الأصمعى فى الحكم الملحقة بالمعلقة وقال إنها لصرمة بن أبى أنس (2) الأنصارى، ويمكن أن يكون لزهير طائفة منها اختلطت على الرواة بطائفة أخرى تماثلها نظمها صرمة، وسنرى أن زهيرا كان يكثر من الحكم فى شعره.

‌4 - شعره

لعل الشعر الجاهلى لم يعرف شاعرا عنى بتنقيحه عناية زهير، وقد ذهب القدماء يقولون إنه كان يروى شعر زوج أمه أوس بن حجر الشاعر التميمى المشهور، كما كان يروى شعر طفيل الغنوى (3) المعروف ببراعته فى وصف الخيل والصيد، وأيضا فإنه كان يروى شعر خاله بشامة بن الغدير (4). وهم لا يقفون بملاحظاتهم عند ذلك، إذ يقولون إنه خرّج ابنه كعبا فى الشعر كما خرج الخطيئة (5).

فنحن إذن بإزاء شاعر ممتاز، عاش للشعر يرويه ويعلّمه، أو بعبارة أخرى نحن بإزاء مدرسة يتضح فيها زهير وتلميذاه كعب والحطيئة، وإذا أردنا أن نبحث لزهير عن أستاذ حقيقى تأثره فى شعره من بين الثلاثة الذين ذكروهم وجدنا أقربهم إلى شعره أوس بن حجر زوج أمه، فإنه يتأثره فى جميع جوانب فنّه، يتأثره فى الموضوعات التى عالجها وفى طريقة معالجته لها، وفيما يصوغه من معان

(1) ابن سلام ص 568.

(2)

المعمرين السجستانى ص 66.

(3)

العمدة لابن رشيق (طبعة أمين هندية) 1/ 132 وانظر الشعر والشعراء 1/ 86.

(4)

أغانى 10/ 312.

(5)

أغانى (طبع دار الكتب) 2/ 165 8/ 91 والشعر والشعراء 1/ 93.

ص: 306

وصور، وسنشير إلى مواضع ذلك عما قليل.

وإذا أخذنا نستعرض شعر زهير وجدناه ينظم فى المديح والغزل ووصف الصيد والهجاء، وفى تضاعيف ذلك يجنح إلى الحكمة ووصف مكارم الأخلاق.

وإذا أبدلنا المديح بالتأبين كانت هذه الموضوعات هى نفسها التى يدور فيها شعر أوس، فإنه لم يؤثر عنه مديح إلا أبياتا متفرقة، وإذا كان مديحه فقد فإن تأبينه خلد على الزمن، وقد أنشدنا منه قطعة فى غير هذا الموضع، وهو يلتقى فيه بزهير حين يشيد بفضائل فضالة بن كلدة ومناقبه، التى يعود بها إلى المثل العربى الكريم للمروءة.

وتلمع بين مدائح زهير معلقته، وقد نظمها مشيدا بهرم بن سنان والحارث بن عوف حين سعيا بالصلح بين ذبيان وعبس فأعلنا أنهما يتحملان ديات القتلى حتى تضع الحرب أوزارها بين القبيلتين المتناحرتين، وتصادف فى أثناء ذلك أن قتل الحصين بن ضمضم عبسيّا ثأرا لأخيه هرم بن ضمضم، وكان قتله ورد بن حابس العبسى، فثارت عبس وشهرت سيوفها تريد أن تعيد الحرب جذعة، وسرعان ما تقدم الحارث لهم بمائة من الإبل وبابنه ليختاروا إما الدية وإما قتل فلذة كبده، فقبلوا الدية ودخلوا فى الصلح، وانتهت الحرب الدامية. وهنا نرى زهيرا يشيد بهذه المكرمة الجليلة ناعيا على حصين فعلته التى كادت تودى بفكرة الصلح، لاهجا بالثناء على السيدين وما قدما للقبيلتين من ديات حقنت الدماء، يقول:

يمينا لنعم السيدان وجدتما

على كل حال من سحيل ومبرم (1)

تداركتما عبسا وذبيان بعد ما

تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم (2)

وقد قلتما إن ندرك السّلم واسعا

بمال ومعروف من الأمر نسلم

فأصبحتما منها على خير موطن

بعيدين فيها من عقوق ومأثم (3)

عظيمين فى عليا معدّ وغيرها

ومن يستبح كنزا من المجد يعظم (4)

(1) السحيل: غير المبرم. يريد أنهما خير عشيرتهما فى كل أمر، أبرماه أو لم يبرماه.

(2)

منشم: امرأة عطارة كانت فى مكة، غمس قوم أيديهم فى عطرها وتعاهدوا على الحرب حتى فنوا عن آخرهم. يشبه قبيلتى عبس وذبيان بهم.

(3)

يريد أنهما لم يشتركا فى تلك الحروب، فهما يؤديان عن غيرهما الديات.

(4)

يريد بعليا معد رؤساءها وأشرافها، يعظم: يصبح عظيما.

ص: 307

وجعلته هذه المأثرة يشيد بالسلم والسلام، فكان بذلك شذوذا على ذوق الجاهليين وأشعارهم التى تدوّى بفكرة الأخذ بالثأر والترامى على الحرب ترامى الفراش على النار. وقد مضى يصور الحرب فى صورة بشعة، يقول:

وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم (1)

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضر إذا أضريتموها فتضرم (2)

فتعر ككم عرك الرّحى بثفالها

وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم (3)

فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم

كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (4)

فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها

قرى بالعراق من قفيز ودرهم (5)

وأنت تراه يصور الحرب فى صور مخيفة قبيحة، فهى تارة أسد ضار، وتارة ثانية نار مشتعلة، وتارة ثالثة رحى تطحن الناس، وتارة رابعة تلد، ولكنها لا تلد إلا ذرارى شؤم. ووسع التهكم، فقال إنهم يربحون منها ما لا يربحه أهل العراق من الغلال والدراهم. وهو بذلك يدعو إلى السلام وأن يتحول العرب من هذه الحروب والمعارك الطاحنة إلى حياة السلم الوادعة الآمنة التى تنتشر فيها الأخوة والمحبة والرحمة.

ونراه يصور ما هم فيه من بوار تصويرا بديعا، فيقول:

رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا

غمارا تسيل بالرّماح وبالدّم (6)

فقضّوا منايا بينهم ثم أصدروا

إلى كلأ مستوبل متوخّم (7)

فهم بحروبهم المستعرة كأنهم يرعون مراعى وخيمة وبيلة فى سلمهم. وسرعان

(1) المرجم: المظنون.

(2)

تبعثوها: تهيجوها، تضر: من ضرى الأسد إذا تهيأ الفريسة، وأضرى: درب وعود، وتضرم: تشتعل.

(3)

تعرككم: تطحنكم؛ الثفال: جلد يجعل تحت الرحى حين تطحن، ومن أجل ذلك ذكره، يريد أنها طاحنة. وتلقح كشافا: تحمل كل عام، وذلك أردأ النتاج. تتمّ: تلد توءما.

(4)

أشأم: مشئوم؛ وأحمر عاد: أراد أحمر ثمود وهو قدار عاقر الناقة، وكان شؤما لقومه.

(5)

القفيز: مكيال فى العراق.

(6)

الظمأ: ما بين الوردين أو الشربتين، والغمار: المياه الكثيرة.

(7)

أصدروا: رجعوا ضد أوردوا، مستوبل: مستثقل، ومثلها متوخم أى إنه كريه تعلفه الإبل.

ص: 308

ما يردون موارد لا تشفى غليلهم، موارد تزخر بالرماح والدماء

نحن إذن بإزاء شخصية ممتازة من شخصيات الشعر الجاهلى شخصية فيها بر ورحمة وفيها نزعة قوية إلى الخير. وليس معنى ذلك أنه تخلص فى مديحه لهرم بن سنان وابن عمه الحارث بن عوف من الصورة الجاهلية التى تشيد بالشجاعة والكرم المتهور، فنحن نراه فى قصيدة ثانية يتحدث عنهما وعن عشيرتهما على هذه الشاكلة:

إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم

طوال الرّماح لا ضعاف ولا عزل (1)

بخيل عليها جنّة عبقريّة

جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا

وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم

وكانوا قديما من مناياهم القتل

عليها أسود ضاريات لبوسهم

سوابغ بيض لا تخرّقها النّبل (2)

إذا لقحت حرب عوان مضرّة

ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل (3)

قضاعيّة أو أختها مضريّة

يحرّق فى حافاتها الحطب الجزال (4)

هم خير حىّ من معدّ علمتهم

لهم نائل فى قومهم ولهم فضل (5)

وهو يصف سيدى بنى مرة وعشيرتيهما بالشجاعة ونجدة من يستغيث بهم، حتى ليكادون يطيرون إليه طيرانا بسوابقهم وخيلهم وكأنهم جنة. وانظر إليهم حين تدور المعارك فستراهم أسودا ضارية، لا يرهبون الموت، حين تشتد الحرب وتعض الناس بأنيابها وتحرقهم بنيرانها. وهم يحاربون فى كل مكان، لا يخشون أحدا، يحاربون قضاعة ومضرا. وهم يضيفون إلى هذه الشجاعة كرما مفرطا. وفى كل قبيل منهم ثأر، ومن ثم كانوا يشتفى بدمائهم، إنهم خير معد شجاعة وكرما فياضا. ولا يلبث زهير أن يقول:

(1) العزل: جمع أعزل وهو من لا سلاح معه.

(2)

لبوسهم سوابغ: لبسهم دروع تامة.

(3)

لقحت: حملت، يريد اشتدت. حرب عوان: مكررة قوتل فيها مرة بعد مرة. ضروس: شديدة. تهر الناس: تخيفهم. عصل: قوية تطحن طحنا.

(4)

الجزل: الغليظ ضد الرقيق.

(5)

النائل: العطاء.

ص: 309

إذا السّنة الشهباء بالناس أجحفت

ونال كرام المال فى الحجرة الأكل (1)

رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم

قطينا بها حتى إذا نبت البقل (2)

هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا

وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا (3)

وفيهم مقامات حسان وجوههم

وأندية ينتابها القول والفعل (4)

على مكثريهم رزق من يعتريهم

وعند المقلّين السّماحة والبذل (5)

وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم

مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل (6)

وإن قام فيهم حامل قال قاعد

رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل (7)

وما يك من خير أتوه فإنما

توارثه آباء آبائهم قبل

وهل ينبت الخطّىّ إلاّ وشيجه

وتغرس إلاّ فى منابتها النّخل (8)

وهو يستمر هنا فى مديحه لهم بالكرم فى السنين المجدبة، حتى إن الناس ليرحلون إليهم ويقطنون حول خيامهم، وكلما سألوهم شيئا وهبوه لهم. وهم فى أثناء ذلك يقامرون بخير إبلهم، حتى يطعموها السائلين والمحتاجين. ولما استتم هذه الصورة وصفهم بجمال الوجوه وجمال الكلام فى مجالسهم، ولم يخل مكثرا ولا مقلا منهم من سماحة وفضل وبر. وأشاد بمجالسهم، وأنهم عقلاء حلماء يشفون بآرائهم الصائبة جهل الجهلاء. وهم متعاونون، إن حمل منهم أحد حمالة لم يخذلوه، بل أعانوه. وذكر فضل آبائهم وأحسابهم، فقال إنهم ورثة مجد قديم توارثه الأبناء عن الآباء، وساق دليلا على ذكاء الفروع بذكاء الأصول من الرماح والنخيل، فلا يولد الكريم إلا فى البيت الكريم.

وقد ظل زهير على شاكلة هذه القصيدة وسابقتها يدبج مدائحه فى هرم بن سنان،

(1) السنة الشهباء: المجدبة. الحجرة: السنة شديدة البرد.

(2)

قطينا: ساكنين.

(3)

استخبال المال: أن يسألوهم شيئا فيعطوهم إياه. ييسروا: يتقامروا. يغلوا: يختاروا سمان الإبل.

(4)

المقامات والأندية: المجالس.

(5)

يعتريهم: ينزل بهم.

(6)

الجهل: الحمق.

(7)

الحامل: الذى يحمل الحمالة، وهى الدية، ويريد أى مغرم.

(8)

الخطى: الرماح، ووشيجه: أغصانه.

ص: 310

ومن أروعها داليته التى رواها المفضل الضبى والتى يقول فيها مصورا كرمه وشجاعته وفصاحته وسبقه إلى المآثر المحمودة:

سواء عليه أىّ حين أتيته

أساعة نحس تتّقى أم بأسعد (1)

ومدره حرب حميها يتّقى به

شديد الرّجام باللسان وباليد (2)

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية

من المجد من يسبق إليها يسودّ

سبقت إليها كل طلق مبرّز

سبوق إلى الغايات غير مجلّد (3)

فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت

ولكنّ حمد الناس ليس بمخلد

فهو يعطى فى السعة وفى القلة، ويدفع عن قومه بلسانه وبيده وسلاحه، وإذا تسابق الناس إلى غاية من غايات المجد كان السابق المجلى، ولو أن حمدا يخلد به مستحقه لكان هرم أول خالد لكثرة مناقبه ومكارمه.

وله فيه قصيدة رائية بديعة يقول فى تضاعيفها:

دع ذا وعدّ القول فى هرم

خير البداة وسيّد الحضر

ولنعم حشو الدّرع أنت إذا

دعيت نزال ولجّ فى الذّعر (4)

حدب على المولى الضّريك إذا

نابت عليه نوائب الدّهر (5)

ويقيك ما وقّى الأكارم من

حوب تسبّ به ومن غدر (6)

ولأنت تفرى ما خلقت وبع

ض القوم يخلق ثم لا يفرى (7)

والسّتر دون الفاحشات وما

يلقاك دون الخير من ستر

أثنى عليك بما علمت وما

سلّفت فى النّجدات والذّكر

(1) يريد بساعتى النحس والسعد أوقات القلة والكثرة فى المال.

(2)

المدره: المدافع عن قومه. وحمى الحرب: شدتها. والرجام: المراماة فى الحرب وفى الخطب والكلام.

(3)

الطلق هنا: المعطاء، وأصله الفرس السابق الذى لا يلوى على شئ، المجلد: الذى يضرب ويجلد. والتشبيه واضح.

(4)

الدعاء فى الحرب نزال: حين تشتد فيتداعى الفرسان بالنزول عن الخيل والتقارع بالسيوف. ولج فى الذعر: اشتد الخوف.

(5)

الضريك: الفقير المجهد.

(6)

الحوب: الإثم.

(7)

تفرى: تقطع. يخلق: يقدر. يريد أنه إذا عزم على أمر أنفذه.

ص: 311

وعلى هذا النحو يبدئ ويعيد فى هرم، وقد تراءى له فى الصورة المثالية للسيد البدوى الجاهلى، فهو شجاع فى معترك الحرب وهو كريم فى معترك المسغبة والجوع، وليس بفحّاش ولا غادر، وإذا صم اندفع يمضى ما صمم عليه، لا يستره عن الخير ستر، بينما تقوم الأستار بينه وبين كل فاحشة. وشاعرنا يثنى عليه بما عرف من فضله وبما قدم من مآثر النجدة وإغاثة الضعفاء واحتمال كل بلاء.

ودائما تلقانا فى مدائحه لهرم هذه المثالية الرائعة، بل هذه القطع المتوهجة، ومن رائع ما قاله فيه:

قد جعل المبتغون الخير فى هرم

والسائلون إلى أبوابه طرقا

إن تلق يوما على علاّته هرما

تلق السماحة منه والنّدى خلقا

ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا

ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا (1)

يطعنهنم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا

ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (2)

هذا وليس كمن يعيا بخطّته

وسط النّدىّ إذا ما ناطق نطقا

فهو لكرمه الفياض يسعى إليه الناس من كل حدب، ويسلكون إلى أبوابه كل طريق، حتى لقد أصبحت الطرق إليه مذللة ممهدة، وهو يجزل لهم فى العطاء حتى حين تضيق ذات يده. وهو يجمع إلى الكرم المفرط الشجاعة المفرطة، حتى ليتفوق على الليث فى جرأته وطلبه لفريسته، إنه يطعن الطعنات النجلاء، وما يزال على ذلك حتى تنحسر غمرة الحرب، فإذا كان السلم رأيته وسط الندىّ يبهرك بمقوله كما يبهرك بيده وسلاحه وطعانه ونزاله

وقد أضفى حللا من هذا المديح الرائع على سيد بنى فزارة حصن بن حذيفة، وكانت له مواقع مأثورة فى حروب قومه مع عبس وغيرها من القبائل، وفيه يقول:

(1) عثر: موضع. كذب الليث: نكل عن لقاء أقرانه.

(2)

ارتمو: تراموا بالنبل، اطعنوا: تطاعنوا بالسيوف. اعتنق قرنه فى الحرب: أخذ بعنقه، كناية عن قتله. يقول إذا ترامى المتحاربون بالنبال أبى هرم إلا أن يطعن بسيفه، وإذا تطاعنوا ضرب بسيفه ضربات مميتة وإذا ما تضاربوا صرع خصومه. فهو سابق فى كل حال.

ص: 312

وأبيض فياض يداه غمامة

على معتفيه ما تغبّ فواضله (1)

بكرت عليه غدوة فرأيته

قعودا لديه بالصّريم عواذله (2)

فأقصرن منه عن كريم مرزّأ

عزوم على الأمر الذى هو فاعله (3)

أخى ثقة لا تتلف الخمر ماله

ولكنه قد يهلك المال نائله (4)

تراه إذا ما جئته متهلّلا

كأنك تعطيه الذى أنت سائله (5)

وهو يمدحه بنقائه من العيوب وأنه كريم مفرط فى كرمه حتى لتشبه يداه سحابة، فما تزالان تهطلان على قاصديه بالعطايا، وعبثا يهتف به العواذل أن يكف عن كثرة نواله. إنه مثال للرجل الفاضل الذى لا ينفق أمواله فى لهو إنما ينفقها فى الصنيع الجميل. وإنه ليقبل على معتفيه بالبشر والطلاقة، حتى ليكادون يظنون أنهم المسئولون لا السائلون. وظل بعد ذلك يمدحه بحسن جداله للخصوم ومنطقه الصائب وكياسته وحلمه، وأشار إلى وراثته الطيبة عن آبائه فهو شريف حسيب، كما أشار إلى بلائه فى حروبه مع الغساسنة.

وهذه القطع المختلفة التى أنشدناها من مديحه تدل على براعة واضحة، فقد كان يحسن التعبير عما فى نفسه، وكان يحرص على الاقتصاد فى القول فلا يسرف ولا يغلو، بل يمثل ممدوحه بخصاله التى كان يشغف بها الجاهليون ويرونها أمارة السيادة والشرف. ولا حظ ذلك قديما عمر بن الخطاب، فقال:«كان لا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه (6)» فهو يعتدل فى الثناء، وهو يمثل شخصية البدوى الحقيقى الذى يحيط كلامه بالصدق والبساطة. وكان إذا أحس إزاء صفة من الصفات أو معنى من المعانى بأنه يكاد يخرج عن حدّه أحاطه بما يجعل قوله مقبولا فيقدم لفظة «لو» ونحوها حتى لا يتجاوز القصد، كما نرى فى قوله يصف هرما وأمجاده:

(1) المعتفون: السائلون. الفواضل: العطايا. وأبيض كناية عن نقائه من المساوئ. وتغب: تنقطع.

(2)

الصريم: الصباح. عواذله: لائموه.

(3)

أقصرن: كففن. ومرزأ: مصاب فى ماله لكثرة ما يبذل منه.

(4)

النائل: العطاء.

(5)

متهللا: طلق الوجه.

(6)

أغانى 10/ 290.

ص: 313

لو نال حىّ من الدنيا بمكرمة

أفق السماء لنالت كفّه الأفقا

وقوله:

لو كنت من شئ سوى بشر

كنت المنوّر ليلة البدر

فهو لا يطلق القول فى مثل هذين المعنيين إطلاقا، بل يجعلهما فى حيز «لو» ، حتى يخرج من باب المبالغة الذى أو شك على الدخول فيه.

وكان يقدم لقصائده بالغزل والتشبيب، متبعا سنة الجاهليين فى الوقوف بالأطلال وذكر الديار، ونحس عنده إحساسا واضحا بأنه لم يكن ممن شغف الحبّ قلوبهم، فهو يتغزل، كى يرضى سامعيه، لا لكى يرضى نفسه، وبعبارة أخرى هو يتغزل أخذا بتقليد متبع، ولذلك نراه يختم غزله أحيانا بقوله:«فعد عما ترى» أو «دعّ ذا» كأنه يريد أن يكف قلبه عن مثل هذا الحب الذى لا يتلاءم مع وقاره. وقد يعلن فى أول قصيدته إعلانا أن قلبه قد انصرف عن صاحبته على شاكلة قوله:

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو

وأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل (1)

ولعل من الطريف أن أستاذه أوس بن حجر كان يشركه فى هذا الجانب، فهما جميعا لا يتغزلان للغزل، وإنما يتغزلان جريا على التقاليد. وقد يلم زهير بأثر الحب فى النفس فيبدع فى تصويره، وهو فى هذا التصوير لا يمثل عاطفة ولا مشاعر حقيقية، وإنما يمثل قدرته الفنية كقوله فى وصف دموعه:

كأنّ عينى وقد سال السّليل بهم

وجيرة ما هم لو أنهم أمم (2)

غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق

فى السّلك خان به ربّاته النّظم (3)

فهم قد ساروا سيرا سريعا، فأبعدوا ولو كانوا جيرة لقصدهم بالزيارة، وإن دموعه لتتساقط من عينه تساقط الماء من الغرب أو الدلو، أو تساقط اللؤلؤ من

(1) التعانيق والثقل: موضعان.

(2)

سال السليل بهم: السليل: واد. وسال بهم: ساروا سيرا سريعا. وما فى قوله ما هم زائده، وأمم: قريبون يزارون.

(3)

الغرب: الدلو. قلق: لا يستقر. لانقطاع الخيط. رباته: صواحبه. النظم: جمع نظام وهو الخيط أو السلك.

ص: 314

عقد انقطع سلكه. وبهاتين الصورتين البديعتين صور زهير الدموع، وهى ليست دموع حب، وإنما كل ما فى الأمر أنه شاعر يعرف كيف يصور دموع الحب.

وبهذا القياس نفسه تصويره لأسماء فى قوله:

قامت تراءى بذى ضال لتحزننى

ولا محالة أن يشتاق من عشقا (1)

بجيد مغزلة أدماء خاذلة

من الظباء تراعى شادنا خرقا (2)

كأن ريقتها بعد الكرمى اغتبقت

من طيّب الرّاح لما يعد أن عتقا (3)

شجّ السّقاة على ناجودها شبما

من ماء لينة لا طرقا ولا رنقا (4)

فهو يصور جيدها بجيد ظبية بيضاء، امتلأ قلبها بحب ابنها، فهى عاكفة عليه، كما يصور ريقها بخمر معتقة مزجت بالماء لشدتها وحدتها. وهما صورتان أريدتا لأنفسهما، أو بعبارة أخرى رسمهما زهير ليدل سامعيه على قدرته فى التصوير، أما بعد ذلك فلا عاطفة ولا حبّ حقيقىّ، ولذلك يكرر دائما أن قلبه صحا عن حبه، وأنه راجع نفسه فكفت عن الهوى وما يتبع الهوى، على شاكلة قوله:

لقد طالبتها ولكل شئ

وإن طالت لجاجته انتهاء

فهو ليس من العشاق ولا ممن يشغلون أنفسهم بالغزل وبيان لوعة الحب، وإنما هو يتحدث فى ذلك مترسما سننا موضوعة كى يظهر قدرته على التصوير الفنى.

ولعله من أجل ذلك ملأ مقدماته الغزلية بوصف الظعن، وكأنه يريد بها أن يتلافى ما يفوته من وصف الحب والصبابة على نحو ما رأينا عند امرئ القيس، وفى الوقت نفسه يريد أن يدل على براعته فى الوصف الدقيق، فهو يستقصى ويدقق، إذ ما يزال يتبع صاحبته وصواحبها وهن راحلات فى نجد مع عشيرتهن من واد إلى

(1) تراءى: تتبدى وتظهر. وذو ضال: موضع به الضال وهو السدر.

(2)

الحيد: العنق، مغزلة: الظبية التى معها غزال. أدماء: بيضاء. خاذلة: مقيمة على ولدها لا تتبع الظباء. الشادن: الذى شدن أى تحرك ولم يقو بعد. الحرق: الضعيف.

(3)

الكرى: النوم. اغتبقت: من الغبوق وهو شرب الليل، لما يعد أن عتفا. يريد أن الخمر معتقة ولم تفسد.

(4)

شج: صب. الناجود: أول ما يخرج من الخمر أو إناؤها. الشم: الماء البارد. لينة: اسم بئر. الطرق والرنق: الكدر.

ص: 315

واد، محاولا أن يحفر الصورة فى أذهاننا حفرا على نحو ما نجد فى معلقته إذ يقول:

تبصّر خليلى هل ترى من ظعائن

تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم (1)

علون بأنماط عتاق وكلّة

وراد حواشيها مشاكهة الدّم (2)

وورّكن فى السّوبان يعلون متنه

عليهن دلّ الناعم المتنعّم (3)

وفيهن ملهى للصديق ومنظر

أنيق لعين الناظر المتوسّم (4)

بكرن بكورا واستحرن بسحرة

فهنّ لوادى الرّسّ كاليد للفم (5)

جعلن القنان عن يمين وحزنه

ومن بالقنان من محلّ ومحرم (6)

ظهرن من السّوبان ثم جزعنه

على كل قينىّ قشيب ومفأم (7)

كأن فتات العهن فى كل منزل

نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم (8)

فلما وردن الماء زرقا جمامه

وضعن عصىّ الحاضر المتخيّم (9)

وواضح أنه يصور الرحلة التى سلكتها ظعن صاحبته، وهن يعلون الروابى ويهبطن الوديان، وعلى هوادجهن الكلل والستائر الحمراء وعلى وجوهن دلال النعمة، والأصدقاء من الشباب يطلبونهن ليملئوا النظر بحسنهن ويتمتعوا برؤيتهن، وهن يقطعن واديا إثر واد، ويمررن على منازل الأحلاف والأعداء، يأخذن فى طريق ويعدلن عن طريق، وفى أثناء ذلك ينزلن ثم يرحلن وقد خلفن وراءهن فتات

(1) الظعائن: النساء الراحلات فى الهوادج. العلياء: اسم موضع. جرثم: ماء لبنى أسد أحلاف ذبيان.

(2)

الأنماط: الستائر على الهوادج. وراد: حمراء. مشاكهة: مشابهة.

(3)

وركن: ثنين أرجلهن للراحة. السوبان: واد فى ديار بنى تميم. متنه: ظهره. دل الناعم: أثر النعمة.

(4)

المتوسم: المتفرس فى الوجه.

(5)

بكرن: رحلن صباحا. استحرن: رحلن صحرا. كاليد للفم أى إن ما يقصدنه لا يخطئنه كما لا تخطئ اليد الفم.

(6)

القنان: جبل لبنى أسد. حزنه: أرضه. الصعبة الغليظة. المحل: الحليف ضد المحرم.

(7)

جزعنه: قطعنه. القينى: الرحل. قشيب: جديد. مفأم: واسع رحب.

(8)

العهن: الصوف. حب الفنا: عنب الثعلب.

(9)

جمامه: سطحه ومجتمعه. ووضع العصى كناية عن الإقامة.

ص: 316

الصوف المتساقط من هوادجهن ورحالهن كأنه حبّ الفنا، حتى إذا انتهين إلى الماء الذى يطلبنه والمرعى الذى يلتمسنه ألقين مع عشائرهن عصا الترحال. وكان زهير يبدع فى مثل هذا التصوير الذى يعرض به عرضا حيّا مليئا بالحركة ظعن صواحبه، وهى ترحل فى الصحراء تلك الرحلة الدائبة، ومعها العشائر، طلبا للآبار ومساقط الغيث والكلأ. وهو تصوير للتصوير فحسب، فليس فيه وصف حب، إلا ما قد يأتى عفوا أو عرضا كالبيت الرابع من هذه القطعة، وكان حريّا به أن يقف ليصور جمال هؤلاء النساء وأثره فى نفسه وفى الشباب من حوله غير أن ذلك لم يكن يعنيه، إنما كان يعنيه الوصف للوصف، فهو يصور قدرته الفنية لا عواطفه ولا مشاعره. ومن غير شك كان يحسن الوصف والتصوير لا بما يسوقه من صور بيانية فحسب، بل بما يعمد إليه من رسم دقائق المنظر الذى يصفه وبما يبث فيه من حياة وحركة

ولزهير هجاء فى بعض القبائل التى كانت تغير على عشيرته، وخاصة فى الحارث بن ورقاء أحد بنى أسد الذى أغار على قبيلته ونهب غلامه يسارا وبعض أمواله، وهو فيما صح من هذا الهجاء لا يوغل فى الاقذاع وهتك الأعراض إيغال أستاذه أوس والجاهليين من حوله، بل يبقى على مهجوه وعلى نفسه، عامدا إلى السخرية كقوله فى عشيرة حصن من بنى عليم الكلبيين:

وما أدرى وسوف إخال أدرى

أقوم آل حصن أم نساء

فإن قالوا: النساء مخبّآت

فحقّ لكل محصنة هداء (1)

فهن نساء خبّئن فى الخدور، وينبغى أن يزوّجن. وهى سخرية مرة، تحمل كل ما يريد من وصفهم بالجبن. وكان يجد فى مثلها ما يكفيه عن الإقذاع المفحش. وكأنما كان الإقذاع لا يتفق ووقاره، فتحاشاه، بينما كان أستاذه أوس من جهة وتلميذه الحطيئة من جهة ثانية يقذعان فيه، وقد استعار منه تلميذه هذه الأداة أداة السخرية فأشاعها فى أهاجيه على شاكلة قوله المشهور فى الزبرقان ابن بدر:

(1) الهداء: الزفاف.

ص: 317

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقد فإنك أنت الطاعم الكاسى

فجعل مروءته لا تبلغ به إلا أن يأكل ويلبس. وليس بين أيدينا رثاء مأثور صحيح لزهير.

ولم نتحدث حتى الآن عن أهم الموضوعات التى تتجلّى فيها براعة زهير ودقة فنه فى التصوير، ونقصد وصف الوحش والصيد، وقد أشاد القدماء كثيرا ببراعة أستاذه أوس فى هذا الباب (1)، ووقفوا عند معان وصور اقتبسها منه زهير، ولكن من الحق أنه نمّى هذا الموضوع، بحيث يعد فى الطليعة من شعراء الجاهلية فى وصف الوحش والصيد. وكأنى به كان يخبر اللغة خبرة أوسع من خبرة أستاذه، وكان له خيال دقيق ساعده على تجسيم الصور وتمثيل الحيوان بكل ما يتصل به من منظر وهيئة وحركة، وهو يعرض علينا ذلك تارة فى بيت أو أبيات قليلة، وتارة فى قطع كبيرة، وكأننا إزاء شريط يعرض فى دار من دور الخيالة، واقرأ له هذا البيت فى معلقته يصف رسوم دار صاحبته، وقد ألم بها بعد عشرين عاما، فلم يجد بها إلا بقر الوحش والظباء، يقول:

بها العين والآرام يمشين خلفة

وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم (2)

وهو بيت واحد، ولكنه عرف كيف يعرض علينا منظر البقر والظباء فى بعض مواضع البادية عرضا كاملا إذ نتمثلها وهى تمشى فى جهات متضادة، وأطلاؤها أو أولادها تنتثر هنا وهناك، ناهضة من كل موضع. وانظر إليه يصور ناقته بظليم فى بيتين، يودعهما وصفا دقيقا له إذ يعرض هيئته وسرعة حركته وذعره الدائم وانطلاقه المستمر فى الصحراء كأنه مجنون لا يلوى على شئ، يقول:

كأن الرّحل منها فوق صعل

من الظّلمان جؤجؤه هواء (3)

أصكّ مصلّم الأذنين أجنى

له بالسّىّ تنوّم وآء (4)

(1) خزانة الأدب البغدادى 2/ 235.

(2)

العين: بقر الوحش، والآرام: الظباء البيض. خلفة: من جهات متضادة. الأطلاء: أولاد الوحش. مجثم: مربض.

(3)

الصعل: صغير الرأس. الظلمان: جمع ظليم. الجؤجؤ: الصدر. هواء: فارغ.

(4)

أصك: مقارب العرقوبين. مصلم: مقطوع. أجنى من الجنا، وهو إدراك الثمار ونضجها. السى: موضع. التنوم والآء من أشجار البادية.

ص: 318

وتلك صورة كاملة للظليم أو ذكر النعام فهو صغير الرأس متقارب العرقوبين ليس لأذنيه حجم، وهو ليس ظليما صغيرا فقد أدرك، وهو هناك يرعى فى السّىّ بعض أشجار البادية. وماذا بقى من هيئة الظليم؟ إنه لم يبق شئ إلا سرعته وحركته الدائبة، وهو يصورهما تصويرا دقيقا فى قوله «جؤجؤه هواء» فصدره فارغ كأنما لا قلب أو لا عقل له، فهو يعتسف الصحراء اعتساف مجنون يسرع فى العدو هربا من كل شبح، فلا يكاد يقف. ولما تمت له هذه الصورة بتفاصيلها الدقيقة الجسمية والنفسية انتقل يصور ناقته فى سرعتها بحمار وحش يسوق أتنه سوقا عنيفا ليرد بها ماء، وهو لا يغفل عنها، وهى خاضعة لمشيئته، يدعوها فى كل فجر فتجيب، وصوّر هذا الدعاء تصويرا بديعا، فقال:

كأنّ سحيله فى كلّ فجر

على أحساء يمئود دعاء (1)

فهو ينادى أتنه كل صباح كى يرد بها الحياض والمناهل، وهى تلبيه. وكأنه يرسم بذلك صورة عشيرة تتبع شيخها حين يدعوها. واقرأ له هذه القطعة الطويلة فى وصف النبات والمطر والفرس والصيد فستلقاك خصائصه فى التصوير مجتمعة:

وغيث من الوسمىّ حوّ تلاعه

أجابت روابيه النّجاء هواطله (2)

هبطت بممسود النواشر سابح

ممرّ أسيل الخدّ نهد مرا كله (3)

تميم فلوناه فأكمل صنعه

فتمّ وعزّته يداه وكاهله (4)

أمين شظاه لم يخرّق صفاقه

بمنقبة ولم تقطّع أباجله (5)

إذا ما غدونا نبتغى الصيد مرّة

متى نره فإننا لا نخاتله (6)

(1) السحيل: نهيق الحمار. يمئود: موضع. الأحساء: جمع حسى، وهو الموضع كثير المياء.

(2)

الغيث: المطر. الوسمى: أول الغيث. حو: سوداء. تلاعه: مسايله، وهى سوداء لسواد أطراف النبات. النجاء: المرتفعة.

(3)

النواشر: عصب الذراع. ممسود: مفتول. ممر: محكم الخلق. أسيل: ناعم. نهد: شهد. المراكل: موضع ركل الفارس من الفرس يريد أنه ضخم الجوف.

(4)

تميم: تام الخلقة. فلوناه: فطمناه. عزته: قوته.

(5)

أمين: قوى. شظاه: عظامه اللاصقة بالذراع. الصفاق: الجلدة الباطنة وراء البشرة، لم يخرق بمنقبة: لم يداو بآلة بيطار. الأباجل: عروق فى اليد.

(6)

لا نخاتله: لا نأخذه بالخديعة.

ص: 319

فبينا نبغّى الصّيد جاء غلامنا

يدبّ ويخفى شخصه ويضائله (1)

فقال: شياه راتعات بقفرة

بمستأسد القريان حوّ مسايله (2)

ثلاث كأقواس السّراء ومسحل

قد اخضرّ من لسّ الغمير جحافله (3)

وقد خرّم الطّرّاد عنه جحاشه

فلم تبق إلاّ نفسه وحلائله (4)

فقال: أميرى ما ترى رأى ما نرى

أنختله عن نفسه أم نصاوله (5)

فبتنا عراة عند رأس جوادنا

يزاولنا عن نفسه ونزاوله (6)

ونضربه حتى اطمأنّ قذاله

ولم يطمئنّ قلبه وخصائله (7)

وملجمنا ما إن ينال قذاله

ولا قدماه الأرض إلاّ أنامله

فلا يا بلأى ما حملنا وليدنا

على ظهر محبوك ظماء مفاصله (8)

فقلت له: سدّد وأبصر طريقه

وما هو فيه عن وصاتى شاغله

وقلت: تعلّم أن للصيد غرّة

وإلاّ تضيّعها فإنك قاتله (9)

فتّبع آثار الشياه وليدنا

كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله (10)

نظرت إليه نظرة فرأيته

على كل حال مرة هو حامله (11)

يثرن الحصا فى وجهه وهو لا حق

سراع تواليه صياب أوائله (12)

(1) نبغى: نبتغى ونطلب. يدب: يمشى راجلا ببطء. يضائل: يصغر.

(2)

الشياه هنا: الأتن. القريان: مجارى الماء. مستأسد النبت: ما طال منه. حو: سوداء.

(3)

السراء: شجر تصنع منه القسى. المسحل: حمار الوحش. جحافله: شفاهه. الغمير: نبت. لسه: أكله.

(4)

خرم: نفر وأيعد. حلائله: زوجاته من الأتن.

(5)

نختله: نخادعه. نصاوله: نجاهره

(6)

عراة: فى أرض عارية من الشجر. وقيل عراة من العروراء: وهى الرعدة عند الحرص. يزاولنا: يدفعنا لشدة نشاطه.

(7)

القذال: مؤخر الرأس. خصائله: لحم العصب.

(8)

محبوك: متين. ظماء مفاصله: قليلة اللحم لا تترهل.

(9)

الغرة: الغفلة.

(10)

الشؤبوب: الدفعة من المطر. يحفش يملأ.

(11)

يقول إن الفرس كان يحمل فى كل حال الغلام، يحمله على الطمع وعلى اليأس.

(12)

التوالى: الأواخر يريد الرجلين والعجز. ويقصد بأوائله يديه وصدره. وصياب: سراع.

ص: 320

فردّ علينا العير من دون إلفه

على رغمه يدمى نساه وفائله (1)

وهو فى مستهل هذه الأبيات يصف مطرا يتساقط على بعض المرتفعات والوهاد، وقد انتشر فيها النبات الضارب إلى السواد، وهو يقبل مع بعض رفاقه على فرس محكم الخلق، فطم منذ عهد قريب، فهو أشد ما يكون قوة، لم يصبه مرض ولا علة. ويعرض علينا هيئته وخلقته كاملة. وسنراه بعد قليل يصور أحاسيسه وهواجسه، فتكتمل صورتيه الجسدية والنفسية. ويستطرد إلى وصف الصيد فيذكر أن غلامه الذى ذهب يستطلع الحيوانات الوحشية فى الصحراء جاء يدبّ ويخفى شخصه ويضائله. وبهذه العبارة الموجزة رسمه لنا رسما دقيقا، رسم حركته وسيره وأنه كان يحاول أن يخفى شخصه حتى لا تفزع الوحوش. وأخبرهم أنه رأى غير بعيد ثلاث أتن وحشية، وهى ضامرة كأقواس السّراء، ومعها حمارها وقد أقبل على الطعام من النبات حتى اخضرت مشافره. واخضرار المشافر لمسة من لمسات زهير الذى كان يبتغى الدقة فى التصوير بما يعطى من ألوان الأشياء وما يذكر من تفاصيلها. وينتقل فيحدثنا أنهم باتوا يروضون الجواد، حتى كان الصباح، فألجمه الغلام، وهو لا يكاد يطوله لضخامته. وزهير يوصيه كيف يتبع فريسته.

ويبدع زهير فى هذا الجزء من وصفه، فهم منذ أخبرهم الغلام بخبر الصيد مفزّعون لشدة ما هم فيه من حرص على طلب الصيد والحصول عليه، وقد أحسّ الجواد ما هم فيه وما ينتظره فى الصباح الباكر، فأخذه الخوف من جميع أطرافه، فهو يجاهدهم وهم يجاهدونه ويضربونه، حتى اطمأن وأمكنهم منه، غير أن قلبه وأعصابه لم تطمئن، فلا يزال يستحوذ عليه الفزع والخوف الشديد. ولم يكن الغلام من هذه الحالة النفسية غير بعيد، فقد كان زهير يوصيه كيف يطارد الصيد وهو فى شغل عنه بمخاوفه وما ينتظره فى تلك المعركة. وزهير بهذا كله يعد مصوّرا بارعا، إذ يصور الهيئات الجسدية والأحوال النفسية فيما يصفه، وكأنما كانت له عين كبيرة تعرف كيف تلتقط قسمات الجسد وسرائر النفس، لا نفس الإنسان وحده بل أيضا نفس الحيوان وما يلم بهما جميعا من وساوس وهواجس. وقد مضى يصور مطاردة الغلام-ولعله غلامه يسار-للأتن وحمارها وكيف انصبّ عليها كأنه شؤبوب

(1) العير: حمار الوحش. والنسا والفائل: عرقان.

ص: 321

أو صاعقة من السماء، وهى تثير الحصى فى وجه فرسه، والفرس لا ينثنى عنها حتى أفرد الحمار من دون صواحبه وصاده الغلام، وجاء به جريحا تنزف دماؤه.

وواضح أن زهيرا استتم فى هذا الوصف الدقيق كل براعته سواء من حيث توشيته بالتشبيهات، أو من حيث ملؤه بالحياة والحركة الجسدية والنفسية. وله قطعة لا تقل عن هذه القطعة جمالا وروعة فى قصيدته الدالية التى رواها المفضل الضبى، وفيها يصف بقرة وحشية شبه بها ناقته فى سرعتها، ومضى يستكمل وصفها مستطردا إلى مطارة الصائد لها بينما تفترس السباع أحد أفلاذ كبدها، يقول:

كخنساء سفعاء الملاطم حرّة

مسافرة مزءودة أمّ فرقد (1)

غدت بسلاح مثله يتّقى به

ويؤمن جأش الخائف المتوحّد (2)

وسامعتين تعرف العتق فيهما

إلى جذر مدلوك الكعوب محدّد (3)

وناظرتين تطحران قذاهما

كأنهما مكحولتان بإثمد (4)

طباها ضحاء أو خلاء فخالفت

إليه السّباع فى كناس ومرقد (5)

أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها

فلاقت بيانا عند آخر معهد (6)

دما عند شلو تحجل الطير حوله

وبضع لحام فى إهاب مقدّد (7)

(1) الخنساء: بقرة الوحش سميت بذلك لتأخر أنفها ومثلها الظباء لأنها جميعا فطس خنس. سفعاء الملاطم: السفع سواد فى حمرة. والملاطم: الخدان. مزءودة: مذعورة، مسافرة: ترحل من موضع إلى موضع. الفرقد: ولد البقرة.

(2)

يريد زهير بالسلاح قرنى البقرة. الجأش: الصدر. المتوحد: الوحيد المنفرد.

(3)

سامعتين: أذنين. العتق: الأصالة. ومعرفة العتق كناية عن أنهما محددتان منتصبتان. إلى جذر: إلى هنا بمعنى مع، والجذر: الأصل. ومدلوك: أملس. والكعوب: جمع كعب وهو ما بين المقدتين فى القرن. وزهير يريد بالشطر الثانى وصف قرنيها بأنهما أملسان محدد الرأس.

(4)

ناظرتين: عينين. تطحران قذاهما: ترميان به وتنفيانه. الإثمد: كحل أسود.

(5)

طباها: دعاها. ضحاء: رعى الضحى. خلاء: خلو المكان. فخالفت إليه السباع: أى اختلفت إلى ولد البقرة. الكناس: بيت فى الشجر تستتر فيه البقر أو تستر أولادها من الحر والبرد.

(6)

أضاعت: تركت ولدها وغفلت عنه. البيان: ما استبانته عند ما رجعت ووجدت بقايا ولدها من بعض الجلود واللحم والدماء. آخر معهد: آخر موضع تركته فيه.

(7)

الشلو: بقية الجسد. البضع: جمع بضعة وهى القطعة. اللحام: جمع لحم. الإهاب: الجلد. المقدد: المشقق المخرق.

ص: 322

وتنفض عنها غيب كلّ خميلة

وتخشى رماة الغوث من كل مرصد (1)

فجالت على وحشيّها وكأنها

مسربلة فى رازقىّ معضّد (2)

ولم تدر وشك البين حتى رأتهم

وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد (3)

وثاروا بها من جانبيها كليهما

وجالت وإن يجشمنها الشّدّ تجهد (4)

تبذّ الألى يأتينها من ورائها

وإن تتقدّمها السّوابق تصطد (5)

فأنقذها من غمرة الموت أنها

رأت أنها إن تنظر النّبل تقصد (6)

نجاء مجدّ ليس فيه وتيرة

وتذبيبها عنها بأسحم مذود (7)

وجدّت فألقت بينهنّ وبينها

غبارا كما فارت دواخن غرقد (8)

بملتئمات كالخذاريف قوبلت

إلى جوشن خاظى الطريقة مسند (9)

وزهير يستهل حديثه عن البقرة بوصفها الجسدى والنفسى فهى خنساء فى خدودها حمرة مشربة بسواد، وهى طليقة فى الصحراء ترحل من موضع إلى موضع مذعورة فقد خلفت ولدا لها فى كناس، وهى تخشى عليه من السبع والإنسان. وإنها لشاكية السلاح، كأنها معدّة خلقة لكفاح أعدائها ونزالهم، فقد برزلها قرنان وإنهما حريان بأن يقياها الخطر ويؤمنّا وحدتها وخوفها، إذ هما محددان أملسان كأنهما السيوف القاطعة، ومن ورائهما أذنان ترهف بهما السمع خشية العدو المفاجئ وباصرتان

(1) تنفض: تنظر هل ترى ما تكره. الخميلة: الرملة بها شجر. الغوث: قبيلة من طيئ تشتهر برماتها وقناصها.

(2)

جالت: ذهبت وجاءت. الوحشى: الجانب الذى لا يركب منه وهو الأيمن يريد أنها مالت على عطفها الأيمن. مسربلة: لابسة سربالا وهو القميص. الرازقى: ثوب أبيض. معضد: مخطط.

(3)

وشك البين: سرعته، والبين هنا: فقدها لولدها. الأنفاق: الطرق والمسالك.

(4)

يجشمنها الشد: يكلفنها العدو ويحملنها عليه. تجهد: تسرع وتجتهد.

(5)

تبذ: تسبق. تصطد: تضرب بقرنيها ما يتقدمها من الكلاب.

(6)

تنظر النبل: يريد زهير تنتظر أصحابه وهم الرماة. تقصد: تقتل.

(7)

النجاء: سرعة العدو. الوتيرة: التلبث والانتظار. تذبيبها: دفاعها. الأسحم: الأسود. المذود: قرنها الذى تذود به عن نفسها.

(8)

جدت: أسرعت فى العدو. الدواخن: جمع دخان. الغرقد: شجر.

(9)

الملتئمات هنا: القوائم شبهها بالخذاريف. إلى جوشن: مع صدر، خاظى الطريقة: مكتنز اللحم فى أعلى الصدر. مسند: مرتفع.

ص: 323

سوداوان كأنهما مكحولتان تحدّ بهما النظر إلى ما حولها.

وعلى هذا النحو يعرض علينا زهير تلك البقرة بهيئة جسدها وهيئة نفسها، لنستعد إلى ما سيفجؤها من كوارث. وهو يثبت هيئتها فى نفوسنا بما يصوره من تفاصيل جسدها ولون خديها وعينيها. ولا يلبث أن يصور لنا فاجعتها فى ولدها، وقد أعدنا لذلك منذ البيت الأول، فهى مسافرة، مسرعة فى العودة، وقد أخذها الذعر. لقد خرجت تطلب الرى والرعى، وعاودها الحنين إلى ولدها، بل عاودها الخوف الشديد، وكانها تعرف أنها تركته وراءها للسباع. وعادت ويا لهول ما رأت، لقد رأت بقايا ابنها من أشلاء وجلود ودماء، والطير تحجل حوله، فأخذها الحزن الشديد. إن أملها فى الحياة فقدته. وقد عادت تجرى فى الصحراء مذعورة تتلفت يمينا وشمالا تنظر هل هناك ما تخشاه، وإنها لتخشى رماة عشيرة الغوث الذين تعودوا أن يطاردوها بسهامهم وكلابهم من كل مرصد. ومرت على جانبها الأيمن، كأنها تظنه أكثر أمنا، وهى تتراءى فى لونها الأبيض وقوائمها المخططة كأنها الثوب الناصع الجميل، ولم تكن تدرى أن الموت يرصدها، حتى رأت رأى العين رماة الغوث، وقد أخذوا عليها جميع الطرق والمسالك، وأرسلوا عليها كلاب الصيد، فولت مسرعة، والكلاب تلاحقها وهى تارة تسبق أوائلها، وتارة تلحقها الكلاب فتنوشها بقرنيها. وما زالت تعدو حتى أفلتت من غمرة الموت يسعفها قرنها الأسود وما أثارته بينها وبين الكلاب من غبار كأنه الدخان. ويصور زهير سرعة قوائمها وخفة حركتها بخذاريف الصبيان التى يديرونها دورانا سريعا بخيوط يشدونها إلى أيديهم، وقد سبقه امرء القيس إلى هذه الصورة فى وصف سرعة فرسه، إذ قال فيه كما مر فى غير هذا الموضع:

درير كخذروف الوليد أمرّه

تقلّب كفّيه بخيط موصّل

وقد حاول زهير أن يضيف زيادة جديدة فجعل القوائم ملتئمات أى متناسقات كما جعلها متقابلات، فهى كخذاريف لا كخذروف واحد، يقابل بعضها بعضا.

والحق أننا نحس إزاء زهير أنه استوفى كل ما كان ينتظر الشاعر الجاهلى من براعة فى التصوير. وقد كان يحف هذه البراعة بضروب من الوقار تتضح فى مدائحه وأهاجيه وغزلياته جميعا، فهو يحتفظ بكرامته دائما، ولعل ذلك ما جعله ينفر من

ص: 324

الخمر والميسر كما قدمنا فى غير هذا الموضع. واقرأ مدائحه وأنعم النظر فيها فستراه يمثل لك فى هرم والحارث بن أبى عوف وحصن بن حذيفة صورة السيد الفاضل، لا من حيث الشجاءة والكرم فحسب، بل أيضا من حيث الحلم والعفو عن المسئ فى العشيرة والدفع بالمعروف من القول والحدب على الفقراء وتجنب الفواحش والآثام.

واقترنت هذه الصورة المثالية للسيد الفاضل فى شعره بكثير من الحكم والدعوة إلى مكارم الأخلاق. وقد ذيّل المعلقة بطائفة من الأبيات التى تذهب هذا المذهب، وقدمنا أن الأصمعى كان يشك فيها ويقول إنها لشاعر أنصارى يسمى صرمة، ويظهر أن حكما له اختلطت بحكم لهذا الشاعر، ونستطيع أن نفرد منها له مثل قوله:

ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه

يطيع العوالى ركّبت كلّ لهذم (1)

فإن هذا البيت يتفق وما لاحظناه عنده من ميله إلى إخراج أفكاره ومعانيه فى صور متلاحقة. فقد أراد أن يقول من أبى الصلح لم يكن له بد من الحرب، فلم يقل ذلك مباشرة، بل ذهب يبحث عن صورة تمثل الصلح عندهم، وسرعان ما لمعت فى خياله عادة كانت معروفة لديهم، وهى أن يستقبلوا أعداءهم إذا أرادوا الصلح بأزجة الرماح، ومن ثم قال «ومن يعص أطراف الزجاج» يريد «ومن لا يطع الدعوة إلى الصلح والسلام» ومضى يمثّل الدخول فى الحرب بإطاعة أسنة الرماح والسيوف. وفكرة البيت متصلة بالمعلقة وما تدعو إليه من السلام والاستجابة إلى الصلح. وقد تكون الأبيات التى تتصل بفكرة الحياة والموت صحيحة النسبة إلى زهير لأنها تتصل كالبيت السابق بموضوع القصيدة، كقوله:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم

وفى البيت أيضا صورة بديعة، إذ يشبه الموت بناقة عشواء لا تبصر طريقها، فهى تخبط الطريق خبطا أعمى ليس له نظام ولا قياس. والتفكير فى الحياة والموت يكثر عند زهير كقوله فى إحدى قصائده لهرم:

(1) الزجاج: جمع زج وهو الحديدة فى أسفل الرمح. والعوالى: سنان السيرف والرماح. اللهذم: السنان القاطع. وواضح أنه جعل رفع كعوب الرماح كناية عن الصلح والمسالمة إذ كانت تلك عادتهم فى الجاهلية.

ص: 325

تزوّد إلى يوم الممات فإنّه

ولو كرهته النفس آخر موعد

وإذا أخذنا نقرأ فى أشعاره لقيتنا فيها حكم كثيرة، وهو ينثرها نثرا خلال الموضوعات المختلفة التى يلم بها، فمن ذلك قوله:

وكنت إذا ما جئت يوما لحاجة

مضت وأجمّت، حاجة الغد ما تخلو (1)

وقوله الذى أنشدناه:

وهل ينبت الخطّىّ إلا وشيجه

وتغرس إلا فى منابتها النّخل

وقوله:

كذلك خيمهم، ولكلّ قوم

إذا مسّتهم الضّرّاء خيم (2)

وقوله الذى أنشدناه:

فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت

ولكنّ حمد الناس ليس بمخلد

وقوله:

فإن الحقّ مقطعه ثلاث

يمين أو نفار أو جلاء (3)

وكان عمر بن الخطاب يعجب بهذا البيت ويتعجب من صحة القسمة فيه، ويقول: لو أدركته لوليته القضاء لحسن معرفته ودقة حكمه (4)

ولعل فى كل ما قدمنا ما يوضح مكانة زهير فى الشعر الجاهلى، فقد كان شاعرا من طراز ممتاز، شاعرا له نظراته فى الحياة والأخلاق، وهو إلى ذلك شاعر مصور يحسن أدوات صناعته من جميع وجوهها، فقد تمرس بنماذج أوس وغيره من فحول الجاهلية، ولم يكد ينظم أشعاره حتى ذاع اسمه فى القبائل، فالتمسه بعض الشبان يتعلمون عليه هذه الصناعة الدقيقة التى يحسنها إلى أبعد حد، ونبغ

(1) مضت وأجمت: مضت حاجة الأمس ودنت حاجة الغد. ما تخلو: يريد: لا يخلو المرء من حاجة فحاجة من عاش لا تنقضى.

(2)

الخيم: الشيمة والخلق.

(3)

النفار: المنافرة إلى شيوخ القبائل الحكم. الجلاء: انكشاف الأمر.

(4)

الصناعتين للعسكرى (طبعة عيسى الحلبى) ص 342.

ص: 326

منهم الحطيئة، ولقّن الشعر ولديه بجيرا وكعبا، وطار صيت الأخير فى العصر التالى عصر المخضرمين.

نحن إذن بإزاء شاعر ممتاز خبر صناعة الشعر الجاهلى وعرف أساليبها، واستطاع أن يؤدّى أجمل صورة لها فى لفظه وقوالبه وصيغه، وقد لاحظ القدماء ذلك وعبروا عنه عبارات مختلفة، فقالوا إنه كان يصنع قصائده الطويلة فى حول كامل وإنه صنع سبع حوليّات (1)، وينسب الجاحظ هذا القول إلى زهير نفسه، فيقول:

«كان زهير بن أبى سلمى يسمى كبار قصائده الحوليات، ولذلك قال الحطيئة:

خير الشعر الحولىّ المحكك (يقصد شعر أستاذه وشعره) وقال الأصمعى: زهير بن أبى سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من جوّد فى شعره ووقف عند كل بيت قاله وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية فى الجودة (2)». ويعلق الجاحظ على صنعة زهير وشعره فى موضع آخر، فيقول:

«من شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا (كاملا) وزمنا طويلا يردّد فيها نظره ويجيل فيها عقله ويقلّب فيها رأيه، اتهاما لعقله وتتبعا على نفسه، فيجعل عقله زماما على رأيه، ورأيه عيارا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازا لما خوّله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلا خنذيذا (تامّا) وشاعرا مفلقا (3)» .

وسواء سمّى زهير قصائده الطويلة بالحوليات أو سماها الرواة بهذا الاسم فإن هذه التسمية تدل على مدى ما أحس به القدماء تلقاء مطولاته، فقد أحسوا فيها بجهد شديد، وتصوروا أن هذا الجهد يستنفد آمادا بعيدة من الزمن، وتخيلوها حولا كاملا، ومضوا يسمون زهيرا والحطيئة وأضرابهما عبيد الشعر لما شعروا عندهم من طول الثّقاف والتنقيح والتجويد والتحبير، وكأنهم يلغون حريتهم وإرادتهم، فهم عبيد فن الشعر، يخضعون لإرادته الفنية وما يطوى فى هذه الإرادة من تنسيق محكم للألفاظ والصيغ. ويظهر أن زهيرا كان يعرف بذلك من قديم، فهم يروون عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: «زهير شاعر الشعراء لأنه كان لا يعاظل فى

(1) الخصائص لابن جى (طبع دار الكتب المصرية) 1/ 324.

(2)

البيان والتبيين (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر) 2/ 13.

(3)

المصدر نفسه 2/ 9.

ص: 327

الكلام وكان يتجنب وحشىّ الشعر ولم يمدح أحدا إلا بما فيه (1)». والمعاظلة بين الكلام المداخلة فيه بحيث لا ينضّد نضدا مستويا. والحق أن صياغة زهير تستوفى حظوظا بديعة من صفاء التعبير ونقائه وخلوصه من الأدران التى قد تؤذيه، وارجع إلى القطع التى أنشدناها له فى المديح، فإنك ستجدها متوهجة، وما ذلك إلا من دقة التعبير وصقله إلى أبعد غاية وصل إليها شاعر جاهلى. والذى لا ريب فيه أنه كان يستولى على لغته ويسيطر عليها ويجمع منها خير ما فيها من ألفاظ وكلمات، وما يزال ينسّقها حتى تتراءى كأنها عقود من الجواهر. وعلى نحو ما كان يستوفى حظوظا مختلفة من الجمال فى عباراته وصيغه كان يستوفى ضروبا من الإتقان والكمال فى موسيقاه، فليس فيها نشاز من إقواء وليس فيها اجنلاب قافية وإكراهها على إحلالها فى أماكنها، فقوافيه تتمكن فى مواضعها، ومهما ضاق عليه هذا الموضع نفذ منه على أجمل صورة، وانظر إلى قوله فى معلقته:

وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله

ولكننى عن علم ما فى غد عمى

فقد وصل إلى القافية، فوجد نفسه مضيّقا عليه، ولم يلبث أن نفذ إلى كلمة «عمى» فتمم البيت فى غير عسر ولا مشقة. ومن ذلك قوله:

هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا

لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا (2)

فقد نفذ من الدرب الضيق فى القافية، بما جاء به من كلمة «حموا» ولم ينفذ فحسب، فقد استخدم كلمة تتناسق فى حروفها مع الفعل السابق لها، فهى كلمة من نفس أسرتها، وهو ما يعبر عنه علماء البيان العربى باسم الجناس، وله أمثلة مختلفة فى شعره كقوله الذى أنشدناه:

كأن عينى وقد سال السّليل بهم

وجيرة ما هم لو أنهم أمم

فقد جانس بين سال والسليل، وتعلق بحرف الميم فى ألفاظ الشطر الثانى، فأحدث بينها تلاؤما واضحا. ومن أمثلة الجناس عنده:

وقد قلتما إن ندرك السّلم واسعا

بمال ومعروف من القول نسلم

(1) أغانى 10/ 289.

(2)

حبيك البيض: طرائقه. البيض: خوذهم فى الحرب. استلحموا: من التلاحم والمخالطة فى القتال. حموا: اشتد غضبهم.

ص: 328

وقوله:

تقىّ نقىّ لم يكثّر غنيمة

بنهكة ذى القربى ولا بحقلّد (1)

وعلى نحو ما كان يستخدم الجناس كان يستخدم الطباق، وله أمثلة كثيرة عنده كقوله الذى أنشدناه فى وصفه للظّعن:

جعلن القنان عن يمين وحزنه

ومن بالقنان من محلّ ومحرم

وقوله:

يمينا لنعم السيدان وجدتما

على كل حال من سحيل ومبرم

وقوله:

وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا

على صير أمر ما يمرّ وما يحلو (2)

وقوله الذى أنشدناه:

ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا

ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا

على أن زهيرا إنما كان يستخدم الطباق والجناس من حين إلى حين فهما ليسا لونين فاقعين فى شعره، إنما اللون الفاقع فى شعره هو التصوير، إذ كان يودعه كل مهارته، وكان يأبى أن يخرج كثيرا من أبياته إلا ويوشيها به، بحيث لا نبعد إذا قلنا إنه شاعر التصوير فى الجاهلية، ومن ثم كثرت عنده التشبيهات والاستعارات كثرة مفرطة، وكان يسفعه بها خيال متوثب متهيئ ليخرج من جديد ما سمعه من أستاذه أوس وغيره، وليضيف إلى ذلك ثروة من عنده، ثروة خيالية تنعقد فيها مشابهات كثيرة بين الأشياء، وهى متشابهات من شأنها أن تجعلنا نحس بأننا ندخل معه فى عالم خيالى حالم، وخاصة حين تلقانا استعاراته وما يملؤها به من أشباح وأرواح، فإننا نستشف معه كثيرا من الأشياء وعلاقاتها بعضها ببعض، كما نستشف الجمال فى داخلها ونشعر بغير قليل من المتاع.

(1) النهكة: الإضرار. الحقلد: البخيل السيئ الخلق، يقول إنه لا يكثر ماله بظلم أقربائه، وليس ببخيل لئيم.

(2)

صير أمر: منتهاه وما يصير إليه.

ص: 329

وارجع إلى ما عرضناه من أشعاره فستجد التشبيهات تتراكم فيها، وستراه دائما حين يفكر فى شئ يلمع فى ذهنه نظيره، محاولا أن يربط بين الشبيه والشبيه بعلاقة لا تنفصم. وهى علاقات ننتقل بينها معجبين، بل هى مشاهد تجلب لنا البهجة والمسرة، إذ كان يعرف كيف يأتى منها بالنادر الطريف على شاكلة قوله الذى أنشدناه فى وصفه للظّعن وقصدها إلى غايتها:

بكرن بكورا واستحرن بسحرة

فهنّ لوادى الرّسّ كاليد للفم

وليس كل ما يلاحظ عنده كثرة التشبيهات ولا وقوعه على نوادرها، بل لعل أهم ما يلاحظ أنه يعنى بتفصيل التشبيه إذ لا يزال يلحّ على الصورة التى يعرضها، وكأنه يريد أن يستوفيها بجميع دقائقها وتفصيلها استيفاء، كقوله فى وصف بعض صواحبه:

تنازعها المها شبها ودرّ النّ

حور وشاكهت فيها الظّباء (1)

فأما ما فويق العقد منها

فمن أدماء، مرتعها الخلاء (2)

وأما المقلتان فمن مهاة

وللدّرّ الملاحة والصفاء

فهو لا يشبه صاحبته ببقر الوحش والدر والظباء تشبيها عامّا ويمضى، بل يعود إلى تفصيل تشبيهه، فهى تشبه الظباء فى جيدها الطويل الجميل وبقر الوحش فى سواد عينيها الفاتنتين والدر فى ملاحته وصفائه ولمعانه وبهائه.

وإذا كان زهير أتقن لون التشبيه من حيث كثرة الصور والتعمق فيها والإلحاح عليها بالتفاصيل فإنه أتقن لون الاستعارة إتقانا لعل شاعرا جاهليّا لم يبلغ مبلغه فيه، وارجع إلى معلقته وإلى صور الحرب التى أنشدناها فإنك تجد الاستعارات فيها تتلاحق، فالحرب أسد ضار، بل هى نار مشتعلة، بل هى رحى تطحن الناس، بل هى ناقة تنتج غلمان شؤم، بل هى أرض مغلة غلة قبيحة ليس فيها منافع للناس إنما فيها الموت الزؤام. وقد مثّل-كما مرّ بنا-حياة العرب فى حروبهم الدائرة وما يتخللها من فترات راحة بصورة قوم يرعون مراعى وخيمة، حتى

(1) المها: بقر الوحش. شاكهت: شابهت.

(2)

الأدماء: الظبية البيضاء. الخلاء: الموضع الخالى.

ص: 330

إذا أخذهم الظمأ الشديد وردوا على مياه وخيمة، بل على دماء مسفوحة. ونراه فى نفس المعلقة يصف شجاعا ويصوره فى صورة أسد فيقول:

لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف

له لبد أظفاره لم تقلّم (1)

وواضح أنه استتم فى استعارته صورة الأسد بشعره المسترسل على منكبيه وأظفاره المسنونة التى لم تقلم يوما والتى إن نشبت فى شئ أتت عليه.

ولم يكن زهير يكثر من الاستعارة فى شعره فحسب، بل كان أيضا يحاول أن يأتى فيها بالصور النادرة الغريبة كقوله فى أحد مطالعه:

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله

وعرّى أفراس الصّبا ورواحله (2)

وهو فى الشطر الأول يقول إن قلبه كفّ عن حب سلمى، وقد أراد على طريقته أن يعبر عن هذا المعنى بصورة، فذهب يتخيل، وبعد به خياله، فإذا هو يتصور أسباب حبه وصبوته التى كان دائما يلزمها أفراسا ورواحل يركبها إلى صاحبته، وكان طريقه إليها مشغولا دائما بهذه الرواحل والأفراس. وقد انتهى اليوم كل شئ، فقد انصرف عن سلمى وحبها، ولم تعد تشغله أسباب صبوته القديمة.

وهى صورة بعيدة لا تقع إلا فى ذهن يكثر من التخيل والإغراق فى التصور، ذهن يتعمق فى الأشياء والمعانى، حتى يتخيلها أحياء حقيقية.

وأكبر الظن أننا لا نغلو إذا قلنا إن زهيرا كان شاعرا مصورا، فالتصوير أساس فنه، وكأنما تحول عقله إلى آلة لاقطة، وهى ليست آلة فوتوغرانيه، بل هى آلة خالقة، آلة تفكر فى الأشياء من خلال أشياء أخرى فتعقد ما لا يحصى من مشابهات ومشاكلات، وما تلبث أن تتمثل فيما يقع تحت حسها أشباحا وأطيافا تتراءى لها واضحة تمام الوضوح.

ومهما تحدثنا فى هذا الجانب فلن نستطيع أن نوفى زهيرا حقه من بيان مقدرته التصويرية، وكأنى به كان الثمرة النهائية للجهود الفنية التى أودعها الجاهليون أشعارهم، فهو من جهة قد صقل أسلوبه إلى أبعد غاية «من الصقل» ومن جهة ثانية

(1) شاكى السلاح: تام السلاح. مقذف: غليظ اللحم. لبدة الأسد: ما تلبد على كتفيه من شعره.

(2)

أقصر: كف. الأفراس: جمع فرس. الرواحل: الإبل.

ص: 331

عنى بموسيقاه وألحانه عناية واسعة بحيث لا يبدو فيها أى شذوذ، ومن جهة ثالثة استتم فن التصوير بفرعيه من التشبيه والاستعارة.

وكل هذه ألوان جمال تعجب بها عند زهير، فهو شاعر الجمال، وهو شاعر الحقيقة بحكمه، وهو شاعر الخير بدعوته إلى السلام وبما رسمه للفضيلة من مثل فيمن مدحهم، حتى ليروى أن عمر بن الخطاب استمع إلى بعض قطعه المتألقة فى مديح هرم، فقال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)

والحق أنه يصور مثلا جيدا من أمثلة الشعر الجاهلى، فقد انتهى عنده هذا الشعر إلى صورة رفيعة للخير والحق والجمال، وكان ما يزال يجهد نفسه فى رسم خطوط هذه الصورة إجهادا عبر عنه القدماء بأنه حولىّ صاحب حوليات، وهل يمكن أن نتصوره محققا لهذه البراعة التى وصفناها بدون جهد عنيف كان يستنفد منه آمادا طويلة من الزمن؟ إن كل جانب فى شعره يدفعنا دفعا إلى الإيمان بأنه كان يعانى طويلا فى صنع قصائده وما يتخذه لها من هذا الإطار الفنى الدقيق.

(1) أغانى 10 - 304.

ص: 332