الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادى عشر
طوائف من الشعراء
1 - الفرسان
رأينا القبائل فى الجاهلية تعيش معيشة حربية، فهى كتائب تنزل للرعى، وفى الوقت نفسه تجهّز بالأسلحة كى تدفع خصومها عن مراعيها، أو تغير عليهم وتسبى نساءهم وتنهب أموالهم من الإبل وغير الإبل. وكانوا يحاربون راجلين وركبانا على الإبل والخيل، وكانوا يرون فى الثانية مزية على الأولى لسرعتها فى الطّراد والإغارة، فأحبوها وعنوا بها وبتربيتها وصيانتها واستنتاج كرائمها وترويضها للحروب والسباق. وقد دارت أوصافهم لها فى شعرهم الجاهلى، فلم يكادوا يتركون عضوا من أعضائها إلا وصفوه، ولا خصلة ولا عيبا إلا ذكروه، وفى معلقة امرئ القيس صورة من وصفهم لخيلهم، وممن اشتهر بوصفها أبو دواد الإيادى وطفيل الغنوى وسلامة بن جندل التميمى.
واشتهر كذلك جماعة من الفرسان الذين أظهروا بطولة نادرة فى حربهم عليها لخصومهم وأقرانهم، وهم كثيرون، فقد كان لكل قبيلة فارسها أو فرسانها الذين يتدربون على ركوب الخيل طويلا وكيف يقفزون عليها ويشهرون سيوفهم ويلوحون برماحهم وكيف يسددون ضرباتهم إلى أعدائهم. وتلقانا دائما أسماؤهم وخاصة فى حروبهم الطويلة مثل حرب البسوس وفارسها المهلهل التغلبى، وهو الذى أشعل نيرانها ثأرا لأخيه كليب، ويقال إنه أول من هلهل الشعر وأرقّه (1). وشعره يدور فى رثاء أخيه وتوعّد قبيلة بكر بما سينزله بها من هزائم لا تقل شدة ولا فتكا عن هزائمها السابقة. وكانت الحرب كما قدمنا فى غير هذا الموضع بين بكر وقبيلته تغلب
(1) انظر أخباره فى الأغانى (طبعة دار الكتب) 5/ 34 والشعر والشعراء 1/ 256 وخزانة الأدب للبغدادى 1/ 302.
سجالا، تارة تنتصر هذه وتارة تنتصر تلك. وكان لا بنى يحمّس قومه ويدعوهم إلى مواصلة القتال، مفصحا فى أثناء ذلك عن رغبة حارة فى الانتقام، واسمعه يقول:(1)
وإنى قد تركت بواردات
…
بجيرا فى دم مثل العبير (2)
وهمّام بن مرة قد تركنا
…
عليه القشعمان من النّسور (3)
وصبّحنا الوخوم بيوم سوء
…
يدافعن الأسنّة بالنّحور (4)
كأنا غدوة وبنى أبينا
…
بجوف عنيزة رحيا مدير (5)
فلولا الريح أسمع أهل حجر
…
صليل البيض يقرع بالذكور (6)
وواضح أنه يفخر بانتصاراته على بكر فى موقعة واردات وموقعة عنيزة، وقد قتل فى الأولى بجير بن الحارث بن عباد أحد فرسان بكر كما قتل همام بن مرة أخا جساس، وكم قتلوا من عشيرة الوخوم، ولم يكن يوم عنيزة بأقل من يوم واردات فيما اصطلته بكر من حرّ اللقاء.
ومن فرسانهم المشهورين عامر بن الطّفيل (7) فارس بنى عامر بن صعصعة أقوى عشائر هوازن وأشدها بأسا، وكان بنو عامر ينتشرون فى أواسط نجد شرقى الحجاز، وجنوبى منازل عبس وذبيان، وغربى منازل بنى تميم، وكانت مراعيهم تمتد جنوبا حتى بنى حنيفة فى اليمامة وبنى الحارث بن كعب فى نجران ومذحج فى شمالى اليمن. ولما نشبت الحروب بين عبس وذبيان أخذوا صف عبس، فاصطدموا بذبيان وأحلافها، وقد جعلهم انتشارهم فى أواسط نجد يحاربون
(1) الأصمعيات (طبع دار المعارف) ص 174 والأغانى 5/ 53.
(2)
واردات: موضع سميت به موقعة حدثت فيه بين بكر وتغلب فى حرب البسوس. العبير: الزعفران.
(3)
القشعم من النسور: الفسخم، وهمام: أخو جساس قاتل كليب.
(4)
الوخوم: عشيرة من بكر.
(5)
عنيزة: موضع سميت به إحدى وقائع حرب البسوس. والرحيان إذا أدارهما مدير أثرت كل منهما فى الأخرى، والصورة واضحة.
(6)
حجر: قرية باليمامة. البيض: خود الحرب. يقرع: يضرب. والذكور: أجود السيوف وأيبسها وأشدها.
(7)
انظر أخبار عامر فى الأغانى (طبعة الساسى) 15/ 50، وراجع ترجمته الشعر والشعراء 1/ 293 وانظر الخزانة 1/ 473، 3/ 492 والمعمرين ص 60 وشرح النقائض فى يوم فيف الريح ص 469 وشعب جبلة ص 654 وتاريخ ابن كثير 5/ 56 والسيرة النبوية 4/ 213.
قبائل كثيرة مضرية ويمنية.
ولعامر بن الطفيل ديوان نشره لايل مع ديوان عبيد بن الأبرص فى سلسلة جب التذكارية. وهو فيه دائم الحديث عن فروسيته وحسن بلائه فى حروب قومه مع ذبيان فى يوم الرقم ويوم ساحوق وغيرهما من الأيام. وقد أظهر بطولة نادرة فى يوم فيف الريح وكان لقومه على بنى الحارث بن كعب النجرانيين وعشائر مذحج، وتغنّى به طويلا فى شعره على شاكلة قوله (1):
لقد علمت عليا هوازن أننى
…
أنا الفارس الحامى حقيقة جعفر (2)
وقد علم المزنوق أنى أكرّه
…
على جمعهم كرّ المنيح المشهّر (3)
إذا ازورّ من وقع الرماح زجرته
…
وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر (4)
وأنبأته أن الفرار خزاية
…
على المرء ما لم يبل جهدا ويعذر (5)
ألست ترى أرماحهم فىّ شرّعا
…
وأنت حصان ماجد العرق فاصبر (6)
وقد علموا أنى أكرّ عليهم
…
عشية فيف الريح كرّ المدوّر (7)
وما رمت حتى بلّ نحرى وصدره
…
نجيع كهدّاب الدّمقس المسيّر (8)
وهو يصور فى هذه القطعة اقتحامه للحروب، وكيف أنه لا يتخلّى عن بسالته الحربية، حتى يحمى عشيرته وضعفاءها ونساءها. ويقول إنه لا يزال يرد إلى الحرب فرسه المزنوق كلما خرج منها، وإن ازورّ عنها أو انحرف دفعه فيها دفعا، أما الفرار وعاره فدونه الموت. ويدعو فرسه إلى التأسى به، فالرماح تنوشه من كل جانب وهو يهجم على أعدائه غير مبال، ويدعو فرسه إلى الصبر معه، حتى
(1) المفضليات ص 361.
(2)
عليا هوازن: مجموعة من قبائلها هى سعد وجشم ونصر وثقيف. وحقيقة: حمى. جعفر: عشيرة عامر، وهى جعفر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر.
(3)
المزنوق: اسم فرسه. المنيح: من قداح الميسر ويكثر جولانه فى القداح، فكلما خرج منها رد فيها.
(4)
ازور: مال وانحرف.
(5)
خزاية: خزى. يعذر: يأتى بعذر.
(6)
شرعا: مسددة.
(7)
المدور: الذى يطوف بالدوار وهو من أصنامهم.
(8)
ما رمت: ما برحت. النجيع: الدم. الدمقس: الحرير. المسير: برود من اليمن بها خطوط.
ينالا شرف النصر جميعا. ويلمع أمام عينيه يوم فيف الريح وما أظهر فيه من بسالة، ويقول إنه لم يبرح موضعه فى ميدان القتال، حتى غرق نحره وصدر فرسه بالدماء.
واشتهر عامر كما مر بنا بمنافرته لعلقمة بن علاثة ابن عمه، بسبب منافستهما على سيادة عشيرتهما، وقد احتكما إلى هرم بن قطبة الفزارى، فسوّى بينهما-كما مر بنا- فى عبارته المأثورة إذ قال لهما:«أنتما كركبتى البعير الأدرم (الفحل) تقعان إلى الأرض معا» . وقد تقدم أن الأعشى كان ممن وقفوا فى صف عامر ضد علقمة.
وقد وفد عامر على الرسول صلى الله عليه وسلم سنة تسع للهجرة، غير أن الله لم يوفقه للإسلام، فمضى على وجهه، والرسول غضبان عليه، ولم يلبث أن مات بالطاعون عن اثنتين وستين سنة.
ولا نغلو إذا قلنا إن أهم فارس احتفظت به ذاكرة العرب فى أجيالهم التالية إلى يومنا الحاضر هو عنترة بن شداد (1)(وقيل ابن عمرو بن شداد) العبسىّ، وكان أبوه من أشراف عبس، أما أمه فكانت حبشية يقال لها زبيبة، وقد ورث عنها سواده، ولذلك كان يعد من أغربة العرب، كما ورث عنها تشقق شفتيه، ولذلك كان يقال له عنترة الفلحاء. وكان من عادة العرب فى الجاهلية إذا استولدوا الإماء أن يسترقوا أبناءهم ولا يلحقوهم بأنسابهم إلا إذا أظهروا نجابة وشجاعة.
ومن ثم لم يعترف شداد بعنترة ابنا له إلا بعد ما أبداه من بسالة فى حروب داحس والغبراء وغيرها. وقد ظل يذكر هذا الجرح الذى أصابه فى الصميم، وفى ذلك يقول (2):
إنى امرؤ من خير عبس منصبا
…
شطرى، وأحمى سائرى بالمنصل (3)
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت
…
ألفيت خيرا من معمّ مخول (4)
وواضح أنه يشير إلى كرم أصله الأبوى فى شطره الأول، أما شطره الثانى من جهة أمه فتنوب عنه شجاعته واقتحامه للحروب حتى غدا فى قومه خيرا ممن
(1) انظر فى عنترة الأغانى (طبعة دار الكتب) 8/ 237 والشعر والشعراء 1/ 204 وما بعدها والخزانة 1/ 59 وراجع ديوانه برواية الأصمعى، فى مخطوطة الشنتمرى «شرح الدواوين الستة» بدار الكتب المصرية. وقد طبع مصطفى السقا نص المخطوطة بشرح مختصر فى مجموعة «مختار الشعر الجاهلى» . وطبع الديوان طبعات أخرى فى بيروت والقاهرة وليدن.
(2)
مختار الشعر الجاهلى ص 388.
(3)
منصبا: أصلا. المنصل: السيف.
(4)
تلاحظت: نظرت من يقدم على العدو.
عمه وخاله من سادتهم، إذ لا يغنى القبيلة أحد غناءه ولا يذود عن حماها ذياده، ويصور لنا فى نفس القصيدة شجاعته وجرأته تصويرا باهرا إذ يقول:
بكرت تخوّفنى الحتوف كأننى
…
أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل (1)
فأجبتها إن المنيّة منهل
…
لا بد أن أسقى بكأس المنهل (2)
فاقنى حياءك لا أبالك واعلمى
…
أنى امرؤ سأموت إن لم أقتل (3)
إن المنيّة لو تمثّل مثّلت
…
مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل (4)
والخيل ساهمة الوجوه كأنما
…
تسقى فوارسها نقيع الحنظل (5)
فهو لا يستمع إلى تخويف صاحبته له مما قد يلقاه من المكاره والمتالف بسبب تهافته على الحروب، بل إنه ليصمّ أذنيه عن ندائها قائلا لها إن المنية مورد كل إنسان ولا بد أن أموت، فليكن موتى شريفا فى ميدان الحروب. ويدعوها أن تصون حياءها، فهو ميت على كل حال، وخير له أن يموت مناضلا عن قومه مدافعا عن نسائهم وأطفالهم وضعفائهم. ولا يلبث إحساسه ببطولته أن يتضخم فى نفسه، فإذا هو يتصور أن المنية لو خلقت فى مثال لكانت فى مثل صورته وخلقته وهو يقتحم الصفوف، والخيل ساهمة من هول الحرب، والفرسان كالحة وجوههم كأنما يشربون من نقيع الحنظل.
وقد طارت شهرة عنترة بالفروسية والشجاعة النادرة منذ الجاهلية، وما زالت ذاكره عالقة بأذهان العرب إلى اليوم، فهو مثلهم الأعلى فى البسالة والبطولة الحربية، وقد اتّخذت من أخباره نواة للملحمة المعروفة باسمه والتى يمكن أن تعد إلياذة العرب، وهو فيها يحارب فى الجزيرة العربية وخارجها فى الحبشة وإيران وبلاد الروم والفرنج وشمال إفريقية والأندلس، وينازل الصليبيين. وبذلك كانت هذه القصة أو السيرة تلخص تاريخ العرب وملحمة فروسيتهم فى الجاهلية وفى الفتوح الإسلامية وبعد الفتوح فى حروبهم مع الروم والصليبيين فى الشرق والغرب.
ونحن لا نعنى الآن بعنترة الأسطورة، إنما نعنى بعنترة الفارس الجاهلى الذى
(1) الحتوف: المتالف.
(2)
منهل: مورد.
(3)
اقنى: احفظى وصونى.
(4)
الضنك: الضيق.
(5)
ساهمة: متغيرة.
دوّخ الأقران والأبطال فى حروب داحس والغبراء، وبذلك غسل مذمة ولادته ولونه وفلح شفتيه، والذى لا شك فيه أنه كان على خلق عظيم وأنه كان يجمع إلى فروسيته المادية فروسية معنوية أو خلقية.
ولا بد أن نلاحظ بصفة عامة أن الفروسية الجاهلية بعثت فى نفوس أصحابها ضربا من التسامى والإحساس بالمروءة الكاملة فإذا هم يتغنون دائما بمجموعة من الفضائل والخصال الحميدة، واقرأ فيهم فستراهم يتحدثون عن كرمهم الفياض ووفائهم وحلمهم وأنفتهم وعزتهم وصبرهم على الشدائد وتحمل المشاق وحفاظهم على العهد وحماية الجار. وهو جانب واضح فى أشعار عنترة، ونظن ظنا أنه نماه عنده ما قصه الرواة من أنه طلب عبلة من عمه مالك فأباها عليه لسواده، ولأنه ابن أمة، وقد ظل يتغنى بها طوال حياته تغنى المحب المحروم، وهو تغن نستشف فيه غير قليل من الإحساس بالحزن واليأس. ومن ثم كان يمكن أن يعد أبا لشعر الحب العذرى عند العرب، كما يعد فعلا أبا للفروسية العربية بخصالها وخلالها النبيلة السامية التى استرعت أنظار الصليبيين، فاتخذوا منها مثالا لفروسيتهم وما انطوى فيها من حب عذرى (1).
وردّد البصر فى أشعار عنترة فستجده يأسر لبك بمثله الخلقية الرفيعة، فهو مع فروسيته وبذله لنفسه فى سبيل قومه سمح السجايا سهل المخالطة والمعاشرة لا يبغى على غيره ولا يحتمل البغى ولا يظلم ولكنه لا يستكين للظلم، فإن ظلم تحوّل كالإعصار العاصف حتى يأتى على ظالمه. وقد يشرب الخمر ولكنها لا تفسد مروءته، وإذا دعاه داعى المكرمات لبىّ باذلا كل ما يملك عن طيب نفس، يقول-فى معلّقته- مخاطبا ابنة عمه عبلة التى شغف قلبه بها حبّا:
أثنى علىّ بما علمت فإننى
…
سمح مخالقتى إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمى باسل
…
مرّ مذاقته كطعم العلقم (2)
(1) انظر قصة الحضارة لول ديورانت الجزء الثالث من المجلد الرابع، الفصل الخامس الخاص بالفروسية ص 446 وما بعدها.
(2)
باسل: كريه.
وإذا شربت فإننى مستهلك
…
مالى، وعرضى وافر لم يكلم (1)
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى
…
وكما علمت شمائلى وتكرّمى
ويتحدث إليها عن فروسيته وبسالته فى الطعن والنزال وصراع الأقران وكيف ينصبّ عليهم كالقضاء النازل أو كشواظ من نار يحرق ويصمى. ولا يلبث أن يعود إلى الحديث عن كرم نفسه وشرف طباعه، فيقول:
يخبرك من شهد الوقائع أننى
…
أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم (2)
فهو يقدم فى أهوال الحروب وخطوبها، أما عند الأسلاب فيتردد ويحجم ويتعفف وكأنه ليس صاحبها. إنه لا يحارب من أجل الأسلاب والغنائم، وإنما يحارب ليكسب لقومه شرف الانتصار. وما يزال يحدثنا فى شعره عن كرامته، وشعوره القوى بعزته وأنه لا يقبل الضيم والهوان، يقول فى لاميته (3):
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه
…
حتى أنال به كريم المأكل
فالجوع حتى الموت خير من الطعام الخبيث الدنئ. وعلى هذه الشاكلة ما تزال تلقانا فى أشعاره معان نبيلة، وهى معان ارتفعت عنده إلى أروع صورة للنبل الخلقى، حتى لنراه يرقّ لأقرانه الذين يسفك دماءهم، يقول-فى معلقته- وقد أخذه التأثر والانفعال الشديد لبطشه بأحدهم:
فشككت بالرّمح الطويل ثيابه
…
ليس الكريم على القنا بمحرّم (4)
فهو يرفع من قدر خصمه، فيدعوه كريما، ويقول إنه مات ميتة الأبطال الشرفاء فى ساحة القتال. وكان يجيش بنفسه إحساس عميق نحو فرسه الذى يعايشه ويعاشره حين تنال منه سيوف أعدائه ورماحهم، يقول مصورا آلامه وجروحه الجسدية وقروحه النفسية:
(1) يكلم: يجرح.
(2)
الوغى: الحرب.
(3)
مختار الشعر الجاهلى للسقا ص 387، والطوى: ضمور البطن، ويريد به الجوع الشديد.
(4)
يريد بالثياب جسده وبدنه.
فازورّ من وقع القنا بلبانه
…
وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم (1)
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى
…
ولكان لو علم الكلام مكلّمى
وكأنما فرسه بضعة من نفسه. وبهذه الرقة والرحمة كان يعامل النساء سبيات وغير سبيات، فإذا سبى امرأة لم يقربها إلا بعد أداء صداقها إلى أهلها. وكما للسبية حرمتها كذلك لامرأة جاره، وخاصة إذا كانت زوجة صديق، فإنه يغض طرفه عنها ولا يتبعها قلبه وهواه، يقول (2):
ما استمت أنثى نفسها فى موطن
…
حتى أوفّى مهرها مولاها (3)
أغشى فتاة الحىّ عند حليلها
…
وإذا غزا فى الحرب لا أغشاها (4)
وأغضّ طرفى ما بدت لى جارتى
…
حتى يوارى جارتى مأواها
إنى امرؤ سمح الخليقة ماجد
…
لا أتبع النفس اللّجوج هواها
وعنترة بهذا كله يصور لنا المروءة الجاهلية الكاملة، وهى مروءة طرزها حب عذرى عفيف لابنة عمه عبلة. وحقا إن هذا الحب إنما شاع فى بوادى نجد فى أثناء العصر الأموى، بسبب المعانى الروحية التى بثّها الإسلام فى نفوس العرب، وهو لم يشع فى الجاهلية، إنما ظهر عند بعض الأفراد من الفرسان مثل عنترة، فقد كان يتسامى لا فى خلقه فحسب، بل أيضا فى حبه، وقد جعله ذلك يستشعر غير قليل من الأسى والحزن حين رفض عمه يده، فلم يزوجه من ابنته. ومضى يحبها حبا عنيفا، أو قل حبا يائسا محروما فيه طهارة النفس ونقاؤها وفيه الفؤاد الملذع الذى يكظم حزنه فتفضحه عبراته، يقول (5):
أفمن بكاء حمامة فى أيكة
…
ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل (6)
(1) ازور: مال وانحرف. اللبان: الصدر. التحمحم. صهيل فيه شبه الأنين.
(2)
مختار الشعر الجاهلى ص 409
(3)
استام المرأة: راودها عن نفسها. الموطن هنا: موطن القتال.
(4)
أغشى: أزور.
(5)
مختار الشعر الجاهلى ص 387.
(6)
أيكة: شجرة. ذرفت: سالت. المحمل: علاقة السيف.
فالحمام يهيجه كما يهيجه النسيم الذى يهب من صوبها، وكما تهيجه الرسوم والأطلال، إذ يعبث الحنين بعقله وبقلبه، يقول فى معلقته:
حيّيت من طلل تقادم عهده
…
أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم (1)
ولقد نزلت-فلا تظنّى غيره-
…
منى بمنزلة المحبّ المكرم
ودائما نراه يعبر عن ظمأ شديد إلى رؤيتها، لا لغاية حسية، ولكن ليمتع طرفه بجمالها. ومن أهم ما يلاحظ عنده أنه يقدم لها فى معلقته وغير معلقته مغامراته الحربية، فمن أجلها يحارب ويستبسل فى القتال، ومن أجلها يذود عن قومه ويحمى حماهم، ومن أجلها يسوق كل مناقبه ومحامده، وكان حين يشتد القتال يلمع خيالها أمام عينيه فيندفع كالثور الهائج، يقول:
ولقد ذكرتك والرّماح نواهل
…
منّى وبيض الهند تقطر من دمى
فوددت تقبيل السيوف لأنها
…
لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
فهو دائم الذكر لها فى وغى الحرب، حتى حين تعبث به سيوف أعدائه ورماحهم، إنه من أجلها يحارب ويخاطر ويغامر، فلا غرو أن يذكرها فى ساعات القتال الحرجة، فإذا هو يتحول إلى أسد ضار لا يعبس، بل يبتسم، لأنها تتراءى له من خلال بريق السيوف، فيؤمن بأنه منتصر.
وعلى هذا النحو تكاملت الفروسية عند عنترة، فلم تصبح فروسية حربية فحسب، بل أصبحت فروسية خلقية سامية، فيها الحب الطاهر العفيف الذى يجعل من المحبوبة مثلا أعلى والذى يرتفع صاحبه عن الغايات الجسدية الحسية إلى غايات روحية تنم عن صفاء النفس ونقاء القلب، وفيها التسامى عن الدنايا والنقائص الذى يملأ النفوس بالأنفة والإباء والعزة والكرامة والحس المرهف والشعور الدقيق. ويقال إنه قتل فى غارة له على بنى نبهان الطائيين بعد أن تقدمت به السن، إذ أصابه أحد رماتهم بسهم من سهامه، ويقال بل مات حتف أنفه (2).
(1) أقوى واقفر: خلا ممن كان يسكنه.
(2)
انظر الأغانى 8/ 245.