المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - الصعاليك - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ١

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد

- ‌1 - كلمة أدب

- ‌2 - تاريخ الأدب

- ‌3 - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره

- ‌الفصل الأولالجزيرة العربية وتاريخها القديم

- ‌1 - صفة الجزيرة العربية

- ‌2 - الساميون

- ‌3 - العرب الجنوبيون

- ‌4 - العرب الشماليون

- ‌5 - النقوش ونشأة الكتابة العربية

- ‌الفصل الثانىالعصر الجاهلى

- ‌1 - تحديد العصر

- ‌2 - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)

- ‌3 - مكة وغيرها من مدن الحجاز

- ‌4 - القبائل البدوية

- ‌5 - حروب وأيام مستمرة

- ‌الفصل الثالثالحياة الجاهلية

- ‌1 - الأحوال الاجتماعية

- ‌2 - المعيشة

- ‌3 - المعارف

- ‌4 - الدين

- ‌5 - اليهودية والنصرانية

- ‌الفصل الرابعاللغة العربية

- ‌1 - عناصر سامية مغرقة فى القدم

- ‌2 - لهجات عربية قديمة

- ‌3 - نشوء الفصحى

- ‌4 - لهجات جاهلية

- ‌5 - سيادة اللهجة القرشية

- ‌الفصل الخامسرواية الشعر الجاهلى وتدوينه

- ‌1 - رواية العرب للشعر الجاهلى

- ‌2 - رواة محترفون

- ‌3 - التدوين

- ‌4 - قضية الانتحال

- ‌5 - أهم مصادر الشعر الجاهلى

- ‌الفصل السادسخصائص الشعر الجاهلى

- ‌1 - نشأة الشعر الجاهلى وتفاوته فى القبائل

- ‌2 - الشعر الجاهلى شعر غنائى

- ‌3 - الموضوعات

- ‌4 - الخصائص المعنوية

- ‌5 - الخصائص اللفظية

- ‌الفصل السابعامرؤ القيس

- ‌1 - قبيلته وأسرته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الثامنالنابغة الذبيانى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل التاسعزهير بن أبى سلمى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل العاشرالأعشى

- ‌1 - قبيلته

- ‌2 - حياته

- ‌3 - ديوانه

- ‌4 - شعره

- ‌الفصل الحادى عشرطوائف من الشعراء

- ‌1 - الفرسان

- ‌2 - الصعاليك

- ‌3 - شعراء آخرون

- ‌الفصل الثانى عشرالنثر الجاهلى

- ‌1 - صور النثر الجاهلى

- ‌2 - الأمثال

- ‌3 - الخطابة

- ‌4 - سجع الكهان

- ‌خاتمة

- ‌1 - خلاصة

- ‌2 - تعليق

الفصل: ‌2 - الصعاليك

‌2 - الصعاليك

(1)

الصعلوك فى اللغة الفقير الذى لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة، ولم تقف هذه اللفظة فى الجاهلية عند دلالتها اللغوية الخالصة، فقد أخذت تدل على من يتجردون للغارات وقطع الطرق. ويمكن أن نميز فيهم ثلاث مجموعات:

مجموعة من الخلعاء الشذاذ الذين خلعتهم قبائلهم لكثرة جرائرهم مثل حاجز الأزدى وقيس بن الحدّادية وأبى الطمحان القينى. ومجموعة من أبناء الحبشيات السود، ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بهم لعار ولادتهم مثل السّليك بن السّلكة وتأبّط شرّا والشّنفرى، وكانوا يشركون أمهاتهم فى سوادهم فسموا هم وأضرابهم باسم أغربة العرب. ومجموعة ثالثة لم تكن من الخلعاء ولا أبناء الإماء الحبشيات، غير أنها احترفت الصعلكة احترافا، وحينئذ قد تكون أفرادا مثل عروة بن الورد العبسى، وقد تكون قبيلة برمتها مثل قبيلتى هذيل وفهم اللتين كانتا تنزلان بالقرب من مكة والطائف على التوالى.

وتتردد فى أشعارهم جميعا صيحات الفقر والجوع، كما تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، ويمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس وشدة المراس والمضاء وسرعة العدو حتى ليسمون بالعدّائين، وحتى لتضرب الأمثال بهم فى شدة العدو، فيقال:«أعدى من السّليك» و «أعدى من الشّنفرى» وتروى عنهم أقاصيص كثيرة فى هذا الجانب، من ذلك ما يقال عن تأبط شرا من أنه «كان أعدى ذى رجلين وذى ساقين وذى عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء، فينتقى على نظره أسمنها، ثم يجرى خلفه، فلا يفوته، حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله (2)» . وكما كانوا يحسنون العدو كان كثير منهم يحسن ركوب الخيل والإغارة عليها، ويقال إنه كان للسليك فرس يسمى النّحّام (3)،

(1) راجع بحثا فى الشعراء الصعاليك ليوسف خليف (طبع دار المعارف).

(2)

الأغانى 18/ 210.

(3)

ذيل الأمالى للقالى ص 188.

ص: 375

وللشنفرى فرس يسمى اليحموم (1)، أما اسم فرس عروة بن الورد فقرمل (2) وكانوا يغيرون أحيانا فرادى وأحيانا فى جماعات.

وكانت أكثر المناطق التى يغيرون عليها مناطق الخصب، وكانوا يرصدون طرق القوافل التجارية وقوافل الحجاج القاصدة إلى مكة، ومعنى ذلك أنهم كانوا ينتشرون حولها فى جبال السّراة كما كانوا ينتشرون بالقرب من الطائف والمدينة وأطراف اليمن الشمالية ففى كل هذه الجهات يكثر هؤلاء الذؤبان من قطاع الطرق وقراصنة الصحراء. وهم فى أشعارهم يتغنون بمغامراتهم ونراهم فى أثناء ذلك يتمدحون بالكرم كما نرى فيهم كثيرا من البر بالأقارب والأهل، وأيضا فإننا نحس عندهم غير قليل من الترفع والشعور بالكرامة فى الحياة، ويصور لنا ذلك أبو خراش الهذلىّ فيقول (3):

وإنى لأثوى الجوع حتى يملّنى

فيذهب لم يدنس ثيابى ولا جرمى (4)

وأغتبق الماء القراح فأنتهى

إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم (5)

أردّ شجاع البطن قد تعلمينه

وأوثر غيرى من عيالك بالطّعم

مخافة أن أحيا برغم وذلّة

وللموت خير من حياة على رغم

فهو يفتخر لزوجه بأنه يصبر على الجوع، حتى ينكشف عنه، دون أن يلحقه فيه ضيم، وإنه ليكفيه الماء القراح بينما يتخم من حوله أشحاء النفوس بالطعام، أما هو فحتى إن وجد الطعام آثر به عياله وأولاده. وكل ذلك يصنعه حتى لا يوصم بعار الذل. وسنرى عما قليل عروة بن الورد يعبّر عن مثالية خلقية رفيعة لا تقل جمالا عن مثالية عنترة. وكأنما تحولت الصعلكة فى أواخر العصر الجاهلى إلى نظام يشبه نظام الفروسية، وهى حقا تقوم على السلب والنهب، ولكنهم كانوا لا يسلبون ولا ينهبون سيدا كريما، واقرأ فى صعاليك هذيل من مثل أبى كبير والأعلم وفى السليك وتأبط شرا وغيرهم فستجد للصعلوك مثاليته فى الحياة أو على

(1) ديوانه المطبوع فى لجنة التأليف والترجمة والنشر ص 40.

(2)

ديوانه (طبع الجزائر) ص 120.

(3)

ديوان الهذليين (طبعة دار الكتب المصرية) 2/ 127 والأغانى 21/ 42.

(4)

أثوى: أطيل حبسه.

(5)

أغتبق: أشرب عشاء. القراح: الصافى. المزلج: البخيل.

ص: 376

الأقل ستجد من بينهم من يصورون مستوى خلقيّا رفيعا من البرّ، وإن كان ذلك لا يمنع من أن فريقا منهم عاش سفاحا لا يرعى عهدا ولا ذمة. ونقف قليلا عند أكثرهم دورانا على الألسنة، وهم تأبّط شرا والشّنفرى وعروة بن الورد.

أما تأبّط شرّا فمن قبيلة فهم واسمه ثابت (1) بن جابر بن سفيان ويعد فى أغربة العرب، إذ كان ابن أمة حبشية سوداء، فورث عنها سوادها، وقيل بل أمه حرة من فهم تسمى أميمة. واختلف القدماء فى تعليل لقبه «تأبط شرا» فقيل لقبته به أمه إذ تأبط سيفا وخرج، فلما سئلت عنه قالت: تأبط شرا ومضى لوجهه، وقيل بل سمته أو لقبته بذلك لأنها رأته يتأبط جرابا مليئا بالأفاعى.

وربما كانت قبيلته هى التى لقبته بهذا اللقب لكثرة ما كان يرتكب من جنايات وجرائر، أى أنه يحمل دائما فى أطوائه شرّا يريد أن ينفذه. ويظهر أن أباه مات وهو صغير، فتزوجت أمه بأبى كبير الهذلى، وكان صعلوكا كبيرا، فخرّجه على شاكلته، وربما كان لسواده وتعيير عشيرته له به وبأنه ابن أمة أثر فى تصعلكه. وكان يرافق الشّنفرى فى كثير من غاراته كما كان يرافقهما صعلوك آخر يسمى عمرو بن برّاق. وليس له ديوان شعر مطبوع، غير أن له أشعارا كثيرة منثورة فى كتب الأدب، وتروى له مغامرات كثيرة، غير أنها مطبوعة بطابع القصص الشعبى، مما أتاح للانتحال أن يلعب دورا واسعا فيما نسب إليه من أشعار، فمن ذلك لاميته التى أنشدها أبو تمام فى حماسته يرثى بها خاله والتى تستهل بقوله «إن بالشّعب الذى دون سلع» فقد ذكر بعض الرواة أنها مما نحله إياه خلف الأحمر (2).

ويمكن أن ندخل فى هذا الباب من الانتحال ما يروى له من أشعار يقص علينا فيها لقاءه للجنّ أو للغول. وقد روى له صاحب المفضليات قصيدة طويلة جعلها فاتحة كتابه، وهو يستهلها بالحديث عن الطيف، ولا يلبث أن يحدثنا عن إحدى غاراته أو مغامراته الفاشلة مع صديقيه الشنفرى وعمرو بن براق على بجيلة فى الطائف، إذا أرصدوا لهم كمينا على ماء أوثقهم غير أنه وصاحبيه دبروا حيلة بارعة، نجوا بها عدوا على الأقدام، ويصور لنا عدوه وشدّه السريع حينئذ فيقول:

(1) انظر ترجمته فى الأغانى 18/ 209 والشعر الشعراء 1/ 271 وشرح شواهد المغنى للسيوطى ص 19، 43 والخزانة 1/ 66

(2)

انظر تعليق التبريزى على القصيدة فى شرحه لديوان الحماسة.

ص: 377

ليلة صاحوا وأغروا بى سراعهم

بالعيكتين لدى معدى ابن برّاق (1)

كأنما حثحثوا حصّا قوادمه

أو أمّ خشف بذى شثّ وطبّاق (2)

لا شئ أسرع منى ليس ذا عذر

وذا جناح بجنب الرّيد خفّاق (3)

حتى نجوت ولما ينزعوا سلبى

بواله من قبيض الشّدّ غيداق (4)

وواضح أنه يذكر كيف فات عدّائى بجيلة ليلة صاحوا به وأسرعوا من خلفه هو وصاحبه ابن براق، ويقول إنهم أثاروه حتى غدا أسرع من الظليم والظبية، وحتى أصبحت الخيل الجياد لا تلحق شأوه، بل حتى الطير أصبحت تقصر عن عدوه، وكأنما جنّ جنونه. ويمضى فيرسم لنا صورة الصعلوك من أمثاله الذى يقدره ويجلّه، قائلا:

لكنما عولى إن كنت ذا عول

على بعير بكسب الحمد سبّاق (5)

سبّاق غايات مجد فى عشيرته

مرجّع الصّوت هدّا بين أرفاق (6)

عارى الظّنابيب ممتدّ نواشره

مدلاج أدهم واهى الماء غسّاق (7)

حمّال ألوية شهّاد أندية

قوّال محكمة جوّاب آفاق (8)

فذاك همّى وغزوى أستغيث به

إذا استغثت بضافى الرأس نعّاق (9)

(1) العيكتان: موضع. معدى: عدو.

(2)

حثحثوا: حركوا وأثاروا. القوادم: ما يلى الرأس من ريش الجناحين. الحص: جمع أحص وهو ما تناثر ريشه وتكسر لسرعته. يريد بذلك الظليم. الخشف: ولد الظبية. الشث والطباق: من نباتات الصحراء.

(3)

ذا العذر: الفرس. والعذر: ما أقبل من شعر الناصية على الوجه. وذا جناح: يريد الطير. الريد: حرف الجبل.

(4)

السلب: ما يسلب فى الحرب. الواله: ذاهب العقل. القبيض: السريع. الشد: العدو. غيداق: واسع.

(5)

العول: الاستغاثة وأصله رفع الصوت كالعويل.

(6)

مرجع الصوت: يصيح آمرا ناهيا. أرفاق: رفاق. الهد: الصوت الغليظ.

(7)

عارى الظنابيب: خفيف اللحم. وأصل الظنبوب عظم الساق. النواشر: عروق ظاهر الذراع. ممتد النواشر كناية عن طول الذراع واكتمال الخلق: الأدهم: الليل. واهى الماء: مطره شديد. غساق: شديد الظلمة.

(8)

المحكمة: الكلمة الفاصلة.

(9)

غزوى هنا: مقعدى. ضافى الرأس: كثير الشعر لا يتعاهده لكثرة غزوه. نعاق: يكثر من الصياح.

ص: 378

فهو إنما يعوّل على هذا الصعلوك المثالى الذى يشركه فى غزواته والذى يتصف بسبقه إلى المحامد فى عشيرته، كما يتصف بجهارة صوته وزعامته بين الرفاق وبضمور جسمه وقوته وصلابته وجرأته فى اقتحام الليالى المظلمة الممطرة حتى إذا كانت الحرب كان المقدم فيها الذى يحمل لواءها، وإذا كانت السلم كان ذا رأى صائب يتردد فى مجالس العشيرة وأنديتها. ولا ينسى أن يضيف إلى هذه الخصال خصلة الكرم، ويجعلها حوارا بينه وبين شخص يعذله على كثرة كرمه وإفراطه فيه، حتى إنه لا يبقى على شئ لغده، ويزجره زجرا شديدا، يقول:

بل من لعذّالة خذّالة أشب

حرّق باللوم جلدى أىّ تحراق (1)

يقول أهلكت مالا لو قنعت به

من ثوب صدق ومن بزّ وأعلاق (2)

عاذلتى إن بعض اللّوم معنفة

وهل متاع وإن أبقيته باق (3)

ولعل فى هذه الأبيات وما سبقها ما يدل فى وضوح على أن الصعلوك الذى كان يقطع الطريق فى الجاهلية كانت تنعكس عليه أحيانا صفات الفروسية وما بعثت لعصره من سمو فى الأخلاق. وما زال تأبط شرا يقوم بمغامراته حتى قتل فى إحدى غاراته بمنازل هذيل

أما الشّنفرى فكان من عشيرة الإواس (4) بن الحجر الأزدية اليمنية، فهو قحطانى النسب، ويدل اسمه، ومعناه الغليظ الشفاه (5)، أن دماء حبشية كانت تجرى فيه من قبل أمه، فهى أمة حبشية، وقد ورث عنها سوادها ولذلك عدّ فى أغربة العرب. ولا نراه ينشأ فى قبيلة الأزد، إنما ينشأ فى قبيلة فهم، ويضطرب الرواة فى سبب نزوله مع أمه وأخ له بها، وربما كان أقرب ما يروونه من ذلك أن قبيلته قتلت أباه، فتحولت أمه عنها إلى بنى فهم، ومما يرجح ذلك أننا نجده يخص بغزواته بنى سلامان الأزديين معلنا فى أشعاره أنه يقتصّ لنفسه منهم. ويقال

(1) العذالة: كثير العذل. الخذالة: كثير الخذلان لصاحبه. أشب: معترض. يريد من يعيننى على هذا العذالة.

(2)

ثوب صدق: ضد ثوب سوء. البز: الثياب والسلاح. الأعلاق: كرائم المال.

(3)

معنفة: عنف.

(4)

انظر فى ترجمة الشنفرى الأغانى (طبع الساسى) 21/ 87 وخزانة الأدب 2/ 14 وما بعدها وشرح المفضليات لابن الأنبارى 195 وما بعدها وذيل الأمالى ص 208 وما بعدها، والشعراء الصعاليك ص 328.

(5)

خزانة الأدب 2/ 16.

ص: 379

إن الذى روّضه على الصعلكة وقطع الطرق تأبط شرا، فكان يغير معه، حتى صار لا يقام لسبيله (1). وما زال يغير على الأزد، وينكل بها، حتى قتل، فيما يقص الرواة، تسعة وتسعين، انتقاما لأبيه، وأخيرا يرصدون له كمينا، فيقع فيه، ويمثلون به تمثيلا فظيعا، يقطعون فيه جسده تقطيعا، ويرمون به للسباع، ويقال إن رجلا عثر بجمجمته، فعقرته، فمات. وبذلك يبلغ قتلاه من الأزد مائة.

وخيوط الأسطورة واضحة فى مقتل الرجل المكمل للمائة، وتلعب هذه الخيوط فى أخباره جميعا كما تلعب فى أخبار تأبط شرا رفيقه.

وللشنفرى ديوان شعر صغير طبع فى لجنة التأليف والترجمة والنشر بمجموعة الطرائف الأدبية، ومما اشتهر له لامية العرب، وهى مما نحل عليه، فقد نصّ الرواة على أنها من صنع خلف الأحمر (2)، وقد أحكم صناعتها وساق فيها اسم موضع فى جنوبى اليمن هو إحاظة ليدل على أن قائلها كان يتجول فى هذه الأنحاء، وحتى يكون ذلك أدعى إلى تصديقها والثقة بها. وهى تصور تصويرا حيّا حياة الصعلوك الجاهلى وروحه البدوية الوحشية. وبجانب هذه القصيدة المنتحلة نجد له قصيدته التائية الطويلة التى رواها المفضل فى مفضلياته، «ثم مجموعة من المقطوعات. ويبدو فى أشعاره على شاكلة تأبط شرا هزيلا نحيلا يلبس ثيابا بالية ونعالا ممزقة. ولو لم يصلنا إلا تائيته لكان ذلك كافيا فى تصور حياته ومغامراته، وقد سبق أن تمثلنا بأبيات منها فى وصف زوجته أميمة نعتها فيها بأخلاقية مثالية ممتازة، ثم مضى يصف غارة أغارها على بنى سلامان فى جمع من رفاقه الصعاليك وعلى رأسهم تأبط شرا، ونراه فى مستهل وصفه يحدثنا أنه كان يقودهم ويعرفنا بالطريق الذى سلكوه، وأنهم كانوا راجلين، يقتحمون الصعاب، غير هيابين ولا وجلين، يقول:

وباضعة حمر القسىّ بعثتها

ومن يغز يغنم مرّة ويشمّت (3)

خرجنا من الوادى الذى بين مشعل

وبين الجبا، هيهات، أنشأت سربتى (4)

(1) شرح المفضليات ص 196 وما بعدها.

(2)

الأمالى تقالى (الطبعة الأولى) 1/ 157

(3)

باضعة: قاطعة. ويريد بها رفاقه الصعاليك بعثتها: غزوت بها. حمر القسى، يقال إنها تحمر لقدمها وطول تعرضها للشمس. يشمت: يخيب ويفشل.

(4)

مشعل والجبا: موضعان. السربة: الجماعة. أنشأت: أظهرت من مكان بعيد.

ص: 380

أمشّى على الأرض التى لن تضرّنى

لأنكى قوما أو أصادف حمّتى (1)

أمشّى على أين الغزاة وبعدها

يقرّبنى منها رواحى وغدوتى (2)

وهو يعترف فى البيت الأول بأنهم قد يرجعون خائبين أو مهزومين من غارتهم أو غزوتهم، ولكن ذلك لا يردهم عن الغزو، بل يدفعهم دفعا إليه، فهم لا يتهيبون الموت ولا وعثاء الطريق. ويصور لنا كيف كان تأبط شرا يحمل زادهم ويقتّر عليهم فى الطعام خيفة أن تطول الغزاة بهم فيموتوا جوعا، ويقص علينا ذلك فى مداعبة طريفة له، إذ يدعوه أمهم، وهو وأصحابه عيالها، يقول:

وأمّ عيال قد شهدت تقوتهم

إذا أطعمتهم أو تحت وأقلّت (3)

تخاف علينا العيل إن هى أكثرت

ونحن جياع، أىّ آل تألّت (4)

مصعلكة لا يقصر السّتر دونها

ولا ترتجى للبيت إن لم تبيّت (5)

لها وفضة فيها ثلاثون سيحفا

إذا آنست أولى العدىّ اقشعرّت (6)

وتأتى العدىّ بارزا نصف ساقها

تجول كعير العانة المتلّفت (7)

إذا فزعوا طارت بأبيض صارم

ورامت بما فى جفرها ثم سلّت (8)

حسام كلون الملح صاف حديده

جراز كأقطاع الغدير المنّعت (9)

تراها كأذناب الحسيل صوادرا

وقد نهلت من الدّماء وعلّت (10)

(1) لن تضرنى: لن يخيفنى بها شئ. أنكى العدو: أصيب منه. الحمة: المنية.

(2)

أمشى: إشارة إلى غزوه على رجليه. أين: تعب.

(3)

أم عيال هنا: تأبط شرا. تقوتهم: تطعمهم. أو تحت: أقلت وقترت.

(4)

العيل: الفقر وفقد الطعام. أى آل تألت: أى سياسة ساست من آله بمعنى ساسه.

(5)

مصعلكة بكسر اللام: صاحبة صعاليك، لا يقصر الستر دونها: لا تغطى أمرها.

(6)

وفضة: جعبة. سيحف: سهم عريض النصل. العدى: العدامون أو الرجالة. اقشعرت: تهيأت للقتال.

(7)

بارزا نصف ساقها: كناية عن الجد فى الأمر. العير: حمار الوحش. العانة: جماعة أتنه الوحشية.

(8)

فزعوا: دهمهم محاربون وتهيأوا لقتالهم. أبيض صارم: سيف قاطع. الجفر: الجعبة. رامت بما فيه أى بسهامه. سلت السيف: شهرته.

(9)

جراز: قاطع. أقطاع الغدير: قطع الماء فيه. شبه السيف بها فى اللمعان والبريق.

(10)

الحسيل: جمع حسيلة. وهى أولاد البقر. والنهل: الشرب الأول والعلل الشرب المكرر.

ص: 381

وواضح أنه ينتقل من تصوير شحّ هذه الأم بالطعام إلى بيان أنها ليست أمّا حقيقية، فهى صاحبة صعاليك، لا تتخذ الستر ولا تبيت فى الخيام، ولها جعبة سهام، تناضل بها عن أصحابها حين يفجؤهم بعض الأعداء. وما تزال ترعاهم رعاية حمار الوحش لأتنه، حتى إذا دهمهم غزاة أو مغيرون بادرت إلى سهامها، ثم نازلتهم هى ومن معها بسيوفهم القاطعة اللامعة التى تنهل من دمائهم وتعل، فتّرى وكأنها أذناب الحسيل، وهى أولاد البقر المستأنسة. ووقف لايل فى ترجمته للمفضليات عند هذا التشبيه واتخذ منه دليلا على أصل الشنفرى وأنه يمنى حقا، لأن البقر المستأنس كما يقول لم يعرف عند العرب قديما إلا فى بلاد اليمن (1).

ونمضى مع الشنفرى فى القصيدة فإذا هو يحدثنا عن أهداف غارته وأنه كان يقصد بها بنى سلامان، حتى يأخذ بثأره لأبيه ويشفى حقده وغليله، يقول:

جزينا سلامان بن مفرج قرضها

بما قدّمت أيديهم وأزلّت (2)

وهنّئ بى قوم وما إن هنأتهم

وأصبحت فى قوم وليسوا بمنبتى (3)

شفينا بعبد الله بعض غليلنا

وعوف لدى المعدى أوان استهلّت (4)

وإنى لحلو إن أريدت حلاوتى

ومرّ إذا نفس العزوف استمرّت (5)

وهو يصرح بأنه جزى بنى سلامان بما قدمت أيديهم، ويأسى أن يكونوا قومه ولا ينتفعوا به وببأسه، وأن يقعد لهم ويقعدوا له، لما بينه وبينهم من ثأر قديم، ويحدثنا أنه شفى بعض غليله بقتله لرجلين منهم هما عبد الله وعوف، ويقول إنه حلو لأصداقائه مر على أعدائه كأنه الحنظل. وهكذا كانت حياته غارات ومغامرات، حتى أصاب أعداؤه منه مقتلا فقتلوه.

وثالث صعاليك الجاهلية المشهورين عروة بن الورد العبسى (6)، وكان أبوه

(1) راجع ترجمة المفضليات للايل 2/ 68

(2)

أزلت: قدمت.

(3)

معنى الشطر الأول أن الأزد يهنئون به وبشجاعته لأنه منهم وفى الوقت نفسه هو لا يهنؤهم لأنهم لا ينتفعون به. وهو يشير فى وضوح إلى أنه ينزل فى بنى فهم وليس منهم.

(4)

الغليل فى أصله حرارة العطش، وهو هنا العطش إلى القتل. المعدى: موضع العدو، والمراد ساحة المعركة. أوان استهلت: فى الوقت الذى ارتفعت فيه الأصوات للحرب.

(5)

العزوف: المنصرف عن الشئ. استمرت: من المرارة.

(6)

راجع فى ترجمة عروة الأغانى (طبعة دار الكتب) 3/ 73 والشعر والشعراء 2/ 657 والخزانة 4/ 194 والشعراء الصعاليك ص 320.

ص: 382

من شجعان قبيلته وأشرافهم (1)، ومن ثم كان له دور بارز فى حرب داحس والعبراء

أما أمه فكانت من نهد من قضاعة، وهى عشيرة وضيعة لم تعرف بشرف ولا خطر، فآذى ذلك نفسه، إذ أحسّ فى أعماقه من قبلها بعار لا يمحى، يقول (2)

وما بى من عار إخال علمته

سوى أن أخوالى-إذا نسبوا-نهد

فهى عاره، الذى حلّت البلية عليه منه، والذى دفعه دفعا إلى الثورة على الأغنياء، وهى ثورة كانت مهذبة، إذ لم يتحول إلى سافك دماء ولا إلى متشرد يرود مجاهل الصحراء، فقبيلته لم تخلعه، بل ظل ينزل فيها مرموق الجانب لسيرة كانت تروع معاصريه ومن جاءوا بعدهم، إذ اتخذ من صعلكته بابا من أبواب المروءة والتعاون الاجتماعى بينه وبين فقراء قبيلته وضعفائها، ومن أجل ذلك لقّب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا فى غزواتهم وضاقت بهم الدنيا. وفى الأغانى «كان عروة بن الورد، إذا أصابت الناس سنة (أزمة جدب) شديدة وتركوا فى دارهم المريض والكبير والضعيف، يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته فى الشدة، ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف (الحظائر) ويكسبهم. ومن قوى منهم-إما مريض يبرأ من مرضه أو ضعيف تثوب قوته- خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين فى ذلك نصيبا. حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كلّ إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمى عروة الصعاليك (3)» . وفى خبر آخر أن عبسا كانت إذا أجدبت أتى ناس منها ممن أصابهم جوع شديد وبؤس فجلسوا أمام بيت عروة، حتى إذا أبصروا به صرخوا، وقالوا أيا أبا الصعاليك أغثنا، فكان يرق لهم ويخرج بهم فيصيب معاشهم (4).

وعروة بذلك كله يعبر عن نفس كبيرة، فهو لا يغزو للغزو والنهب وكالشّنفرى وتأبط شرا، وإنما يغزو ليعين الهلاّك والفقراء والمرضى والمستضعفين من قبيلته، والطريف أنه لم يكن يغير على كريم يبذل ماله للناس، بل كان يتخير

(1) أغانى 3/ 88.

(2)

ديوانه ص 157

(3)

أغانى 3/ 78 وما بعدها والشعر والشعراء 2/ 657.

(4)

أغانى 3/ 81.

ص: 383

لغارته من عرفوا بالشح والبخل ومن لا يمدون يد العون للمحتاج فى قبائلهم، فلا يرعون ضعفا ولا قرابة ولا حقّا من حقوق أقوامهم (1). وبذلك كله تصبح الصعلكة عنده ضربا من ضروب النبل الخلقى، وكأنها أصبحت صنوا للفروسية، بل لعلها تتقدمها فى هذه الناحية من التضامن الاجتماعى بين الصعلوك والمعوزين فى قبيلته. وبلغ عروة من ذلك أنه كان لا يؤثر نفسه بشئ على من يرعاهم من صعاليكه، فلهم مثل حظه غزوا معه أو قعد بهم المرض والضعف. وهو يضرب بذلك مثلا رفيعا فى الرحمة والشفقة والبذل والإيثار.

ولعروة ديوان برواية ابن السكيت، طبع مرارا، فى جوتنجن والجزائر والقاهرة وبيروت، وتردّد أشعاره فيه هذه المعانى الكريمة التى قدمناها، وهى معان جعلت معاصريه ومن جاءوا بعدهم يعجبون به إعجابا شديدا، فقد كانت قبيلته تأتم به فى خلاله وخصاله، وكان معاوية يقول:«لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم (2)» أما عبد الملك بن مروان فكان يقول: «من زعم أن حاتما أسمع الناس فقد ظلم عروة بن الورد» (3) وكان يقول أيضا: «ما يسرّنى أن أحدا من العرب ولدنى ممن لم يلدنى إلا عروة بن الورد لقوله:

إنى امرؤ عافى إنائى شركة

وأنت امرؤ عافى إنائك واحد (4)

أتهزأ منى إن سمنت وأن ترى

بجسمى شحوب الحق، والحقّ جاهد

أفرّق جسمى فى جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء، والماء بارد (5)

وعروة يعبر عن معنى إنسانى رفيع، إذ تعرّض له بعض أصحابه يعيبه بأنه مضنئ هزيل شاحب اللون، فقال له: إننى يشركنى كثيرون من العفاة والسائلين ذوى الحاجة فى إنائى أو طعامى، أما أنت فلا يشركك أحد، ولذلك سمنت أما أنا فأصبحت ضامرا نحيلا، وما شحوب وجهى إلا أثر من آثار نهوضى بحقوق هؤلاء المحتاجين والمعوزين، فلست أنا الخليف بالهزؤ والسخرية، إنما الخليق بذلك السمين

(1) أغانى 3/ 81.

(2)

أغانى 3/ 73.

(3)

أغانى 3/ 74.

(4)

العافى: طالب المعروف. ويريد بقوله: عافى إنائك واحد أنه يأكل وحده.

(5)

حسا الماء: شربه شيئا بعد شئ. القراح: الخالص الذى لا يخالطه لبن ولا غيره.

ص: 384

البطين. وما لبث أن قال: إنه يقسم طعامه بينه وبين الفقراء أو بعبارة أدق يقسم جسمه فى جسومهم، بل كثيرا ما يؤثرهم على نفسه بكل طعامه مع جوعه ومسغبته مكتفيا بشرب الماء البارد، على حين يعصف الشتاء بزمهريره. والذى لا ريب فيه أنه طمح إلى مثل نبيل فى البرّ والإيثار ودفع غوائل البؤس والشقاء عن البؤساء والضعفاء. ونحن نقف عند قصيدة أنشدها له الأصمعى فى أصمعياته (1)، وهى بذلك من أوثق شعره وأصدقه. وهو يستهلها بتوجيه الخطاب إلى امرأته سلمى التى تلومه على كثرة مخاطراته ومغامراته فى الغزوات والغارات، وقد ردّ عليها بأنه يبغى حسن الأحدوثة وبقاءها، وأنه إنما يرمى بنفسه فى المهالك من أجلها، حتى يغنيها، وحتى لا تشعر بالحاجة من بعده أو بالذل والهوان، وهى تماريه شفقة عليه:

تقول: لك الويلات هل أنت تارك

ضبوءا برجل تارة وبمنسر (2)

فهى تقول له إنك لن تنتهى عن غاراتك بالصعاليك من الراجلين تارة ومن الفرسان تارة ثانية، وحرى بك أن تكف عن ذلك، حتى لا تلقى حتفك.

ويرد عليها:

أبى الخفض من يغشاك من ذى قرابة

ومن كلّ سوداء المعاصم تعترى (3)

ومستهنئ، زيد أبوه، فلا أرى

له مدفعا، فاقنى حياءك واصبرى (4)

فهو لا يستطيع القعود عن الغزو كما تريد زوجه، لما عليه من واجبات وحقوق لأقربائه المحتاجين من قبيلته، ونسائها المعوزات، والعفاة، طلاّب العطاء من الضعفاء، فهو إنما يغزو من أجل الوفاء بحقوق هؤلاء جميعا. ويعرض عليها صورتين للصعلوك، صورة رديئة، وصورة جيدة، أما الصورة الأولى ففيها يتراءى الصعلوك خاملا، حسبه أن ينال أكلة من فتات مائدة، لا يهمه أهله ولا عياله

(1) الأصمعيات (طبع دار المعارف) ص 35.

(2)

ضبوء: غزو. رجل: جمع راجل ضد راكب. المنسر كمجلس ومنبر: الجماعة من الخيل بين الثلاثين والأربعين.

(3)

الخفض: الدعة ولين العيش. ويريد بسوداء المعاصم التى أجهدها الجوع والهزال. تعترى: تغشى.

(4)

مستهنئ: طالب للهنء وهو العطاء، وزيد من أجداد عروة يريد أنه قريبه. اقنى حياءك: صونيه واحفظيه.

ص: 385

ولا قوتهم، يقول:

لحى الله صعلوكا إذا جنّ ليله

مضى فى المشاش آلفا كلّ مجزر (1)

يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة

أصاب قراها من صديق ميسّر (2)

ينام عشاء ثم يصبح قاعدا

يحثّ الحصا عن جنبه المتعفّر (3)

يعين نساء الحىّ ما يستعنّه

فيضحى طليحا كالبعير المحسّر (4)

وواضح أنه ينعته بأنه ضعيف الهمة فحسبه لقمة تشبعه، مما يتساقط من فضلات الموسرين، وإنه لينام ملء جفونه فليس هناك ما يشغله، وحتى هو فى النهار ليس هناك ما يعمله سوى خدمة النساء، فهو ذليل مهين يعيش عالة على مجتمعه.

ومثل هذا الصعلوك جدير بكل ملامة، لأنه يحيا حياة وضيعة، أما الصعلوك الآخر الشريف فهو جدير بكل ثناء وتشجيع من الزوجة وغير الزوجة، يقول فى وصفه:

ولله صعلوك صحيفة وجهه

كضوء شهاب القابس المتنوّر (5)

مطلاّ على أعدائه يزجرونه

بساحتهم زجر المنيح المشهّر (6)

وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه

تشوّف أهل الغائب المتنظّر (7)

فذلك إن يلق المنيّة يلقها

حميدا، وإن يستغن يوما فأجدر

فهذا هو الصعلوك الذى يعجب به عروة، صعلوك وجهه مشرق بأعماله المجيدة، لا يزال يطل على أعدائه ويشرف عليهم، فيظفر منهم بكل ما يريد، رغم صياحهم به وزجرهم له. وهم مهما بعدوا لا يأمنون غزوه، بل إنهم لينتظرونه انتظار أهل

(1) لحى: قبح ولعن. المشاش: رءوس العظام اللينة. المجزر: موضع الجزر.

(2)

قراها: طعامها. ميسر: غنى كثرت إبله.

(3)

يحث: يحرك.

(4)

الطليح: المعيى ومثله المحسر.

(5)

صحيفة الوجه: بشرته. الشهاب: شعلة ساطعة من النار. القابس: الذى يقبس النار أو يأخذها. المتنور: المضئ.

(6)

مطلا: مشرفا. يزجرونه: يصيحون به كما يزجر القدح إذا ضرب. المنيح: قدح سريع الخروج والفوز. المشهر: المشهور.

(7)

تشوف: تطلع. المتنظر: المنتظر قدومه.

ص: 386

الغائب له، علما منهم بأنه لا بد راجع إليهم ومصيب منهم. ويقول إن مثل هذا الصعلوك المغامر الجرئ، إن يمت تظل ذكراه خالدة لمحامده ومناقبه. ويمضى فيحدثنا عن غزواته وغاياتها، يقول:

أيهلك معتمّ وزيد ولم أقم

على ندب يوما ولى نفس مخطر (1)

ستفزع بعد اليأس من لا يخافنا

كواسع فى أخرى السّوام المنفّر (2)

نطاعن عنها أول القوم بالقنا

وبيض خفاف وقعهنّ مشهّر (3)

ويوما على غارات نجد وأهله

ويوما بأرض ذات شثّ وعرعر (4)

يريح علىّ الليل أضياف ماجد

كريم ومالى سارحا مال مقتر (5)

وهو فى أول هذه الأبيات يستنكر أن تهلك عشيرتى معتم وزيد، وهو قاعد فى الحى، لا يخاطر بنفسه من أجلهما فذلك عار ما بعده عار. لقد خلق لرعاية الضعفاء والهلاّك من قبيلته، وهو لذلك لا بد مقتحم مع رفاقه من الصعاليك الفرسان حمى بعض القبائل ليسوقوا منها ما يشاءون من الإبل السائمة، وهم يهجمون تارة فى الحجاز وتارة فى نجد. وكل ذلك حتى يغنم ما يقدمه لضيفانه، وكم يغنم! إلا أنه لا يبقى على شئ فى يده، فماله مال مقتر أو فقير مقل.

والحق أن عروة كان صعلوكا شريفا، وأنه استطاع أن يرفع الصعلكة وأن يجعلها ضربا من ضروب السيادة والمروءة، إذ كان يستشعر فى قوة فكرة التضامن الاجتماعى وما يطوى فيها من إيثار وبر بالفقراء، فهو لا يسعى لنفسه فحسب، وإنما يسعى قبل كل شئ للمعوزين من عشيرته حتى يدفع عنهم كل ما يجدون من بؤس وشقاء.

(1) معتم وزيد: بطنان من عبس. ندب: خطر.

(2)

كواسع: خيل تطرد إبلا وتكسعها. السوام: الإبل السائمة أخرى: آخر. المنفر: المذعور.

(3)

بيض: سيوف. وفى البيت إقواء. ورواية الديوان: ذات لون مشهر ولو صحت لم يكن فى البيت إقواء.

(4)

الشث والعرعر: من أشجار البادية.

(5)

يريح: يرد. ويقصد بالماجد الكريم نفسه، كما يقصد بماله إبله. سارحا: سائما فى المرعى. مقتر: فقير مقل.

ص: 387