الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القولُ في البَيِّنِ والمُشْكِلِ
* واعلموا -رحمكمُ اللهُ الكريمُ- أَنَّ الكلام الَبيِّنَ في لغةِ العربِ: ما استَقَلَّ بنفسهِ في الكشفِ عنِ المرادِ به.
وهو اسمٌ جامعٌ لأشياءَ مُتَّفِقَةِ الأصول، مُتَّسِعَةِ (1) الفُروع، وبعضُها أَجْلى من بَعْض، وهيَ مُتَقارِبَةُ الاستواءِ عندَ العربِ، وإنْ كانَ بعضُها أَجْلى من بعضٍ؛ لأنَّ أقلَّ البيانِ عندَهم كافٍ، وهي متفاوتة عندَ من يجهلُ لِسانَ العربِ.
* والبيانُ واقعٌ في جميعِ أنواعِ الكلامِ منَ الأَمْرِ والنَّهْيِ، والحَقيقَةِ والمَجاز، والعُمومِ والخُصوصِ، والإطْلاقِ والتَّقييدِ، وسائرِ صُنوفِ لُغاتِ العربِ.
ولولا خوفُ الإطالَةِ لَمَثَّلْتُ لكمْ جميعَ ذلكَ منَ الكتابِ العَزيز، ولكنِّي أذكرُ لكمْ آيةً واحدةً من الكِتابِ العزيزِ، وما انتهى إليه فَهْمي لِيُستَدلَّ بها على أمثالها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
قال اللهُ تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196].
(1) في "ب":"متشعبة".
فأقول: جمعتْ هذهِ الآيةُ أنواعاً من البَيانِ، وبعضُ هذهِ الأنواعِ أَجْلى من بعضٍ:
فأجْلاها: بَيانُ العِدَّةِ التي أوجبَها اللهُ منَ الثَّلاثِ والسَّبْع، وكانَ الأمرُ بَيِّناً مفهوماً أنَّ السَّبْعَ إذا ضُمَّتْ إلى الثلاثِ، كانَتْ عَشْراً، فزادَ اللهُ -سَبُحْانَهُ- في البيانِ تأكيداً ثانياً لدَفْعِ تَوَهُّمِ إيجابِ أحدِ العِدَّتَيْنِ، وأَنَّ الأُخْرى تَطَوُّعٌ، فَقَصَدَ التأكيدَ في البَيانِ، ولم يَقْصِدْ تعليمَ العربِ العَدَّ؛ إذْ لم يزالوا يعرفونَ أنَّ الثلاثَ إذا ضُمَّتْ إلى السَّبْعِ كانتْ عَشْراً.
ويليهِ في البَيانِ: ترتيبُ الهَدْي على التَّمَتُّعِ، والصِّيامِ على فقْدانِ الهَدْي؛ فإنَّ ترتيبَ الجَزاءِ على الشرطِ بَيِّنٌ في لسانِ العربِ (1)، وإنْ تخلَّف (2) في بعضِ الأحوالِ؛ كما في قوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230] وتراجُعُهُما جائزٌ وإنْ ظَنَّا أَلَّا يُقيما حدودَ اللهِ، ولكنَّ الشرطَ خرجَ على غالبِ الوُجودِ؛ فإنَّ المتفارِقَيْنِ لِعِلَّةٍ لا يَجْتمعان معَ وُجودها غالباً.
ويليهِ في البيَان: تخصيصُ هذا الحُكْمِ المذكور لغيرِ الحاضري المسجد الحرام؛ فإنه بيِّنٌ في لسانِ العربِ أن الأَلِفَ واللامَ يَقْتَضيان التَّخصيصَ، وبَيِّنٌ عندهم أنَّ ذلك إشارةٌ إلى الحكم المرتَّب على قوله:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] من وجوب الهَدْيِ، والصِّيامِ عندَ العَجْزِ.
ويليهِ في البيانِ: التَّعْميمُ في كُلِّ مَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرة؛ فإنهَ بَيِّنٌ في لِسانِ العربِ أَنَّ "مَنْ" تَصْلُحُ للعُمومِ والاسْتِغراقِ، ولولا صَلاحِيَةُ استغراقه، لَما
(1) في "ب": "العربية".
(2)
في "ب": "تختلف".