المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌مقدِّمة جَامِعَة في أصول الفقه والتَّفسِيْر

- ‌القولُ في الأسماءِ المُفْرَدَةِ

- ‌القولُ في البَيِّنِ والمُشْكِلِ

- ‌فصل (المُشْكِلُ)

- ‌وأَمَّا المركَّباتُ، فيأتي على وُجوهٍ -أيضاً

- ‌منها: الاشتراكُ بين الأمرِ والخَبَر:

- ‌ومنها: الاشتراك بين السؤال والتَّنْبيهِ:

- ‌ومنها: الاشتراك بينَ السؤالِ والدُّعاء

- ‌ومنها: الاشتراك في المَفْعولِ إذا تنازعَه فِعلان يَقْتضيانِ مُقْتَضًى واحداً:

- ‌ومنها: الاشتراك في الإبهام:

- ‌واختلفَ علماؤنا في مسائلَ:

- ‌القَولُ في العَامِّ والخَاصِّ

- ‌الفصل الأول في الألفاظ

- ‌الفصل الثاني في كيفيةِ استعمالِ العرب للعامِّ واتِّساعها فيه

- ‌الفصلُ الثالِثُ في الخَاصِّ

- ‌الفصلُ الرابُع في ترتيبِ العامِّ على الخاص

- ‌القولُ في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ

- ‌القول في الحقيقة والمجاز

- ‌ الأول: الاستعارةُ:

- ‌الثاني: التّشبيهُ:

- ‌الثالثُ: الزيادَةُ:

- ‌الرابع: النّقصان:

- ‌الخامس: التقديمُ والتأخيرُ:

- ‌السادس: المحاذاةُ والمُقابَلَةُ للشيءِ بمثلِ لَفْظِهِ معَ اختِلاف المعنى:

- ‌الثامنُ: أَنْ يُسَمَّى الشيءُ بما كانَ عليهِ:

- ‌التاسع: تسميتُهم الشيءَ بما يَستحيلُ وُجودُه:

- ‌القول في الأمر والنهي

- ‌الفصلُ الأولُ وفيه أربعُ مسائلَ:

- ‌ الأولى: الأمر هَلْ يقْتَضي الوُجوبَ

- ‌ الثانية: إذا وردَ لفظُ الأمرِ، وفي الصيغةِ ما يدلُّ على التكْرارِ

- ‌ الثالثةُ: الأَمْرُ هَلْ تقتَضي الفِعْلَ على الفَوْرِ، أوْ لا

- ‌ الرابعةُ: إذا وَرَدَ الأمْرُ بعدَ الحَظْرِ والمنعِ، فهل يقْتَضي الوُجوبَ؟ فيه مذهبان:

- ‌الفصل الثاني في تَصَرُّفِ العَرَبِ بِصيغَةِ الأمرِ

- ‌ الأولُ: أن يكون أمرًا ومعناهُ الوجوبُ

- ‌الثاني: أمرٌ ومعناه الاسْتِحْبابُ

- ‌الثالث: أمرٌ ومعناه الإرشاد

- ‌الرابع: أمرٌ ومعناهُ التأديبُ

- ‌الخامس: أمرٌ ومعناهُ التخييرُ

- ‌السادس: أمر ومعناهُ الإباحَةُ

- ‌السابع: أمرٌ ومعناهُ التَّسخيرُ، وبعضُهم يقولُ:

- ‌الثامنُ: أمر ومعناهُ التَّحْقيرُ

- ‌التاسع: أمر ومعناهُ التَّعْجيزُ

- ‌العاشرُ: أمرٌ ومعناهُ التَّكوينُ

- ‌الحادي عَشَرَ: أمر ومعناهُ الوَعيدُ والتَّهديدُ

- ‌الثاني عَشَرَ: أمر ومعناهُ التَّفَكرُ والاعْتِبارُ

- ‌الثالثَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الصَّيْرورَةُ

- ‌الرابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الدُّعاء

- ‌الخامسَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّفْويضُ والتَّسليمُ

- ‌السادِسَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناه التعجُّبُ

- ‌السابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الإِنْعامُ

- ‌الثامِنَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ التَّمَنِّي

- ‌التاسِعَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّلَهُّفُ

- ‌العِشرونَ: أمرٌ ومعناهُ الخَبَرُ

- ‌فصل

- ‌إحداهُما: النَّهْيُ يقْتَضي التَّحْريم

- ‌المسألة الثانية: النَّهْيُ هل تقْتَضي الفَساد؟ فيه أقوالٌ:

- ‌القول في الخبر

- ‌القول في القرائن

- ‌القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض

- ‌(القول في الناسخ والمنسوخ)

- ‌الفصل الأول في معنى النسخ وحقيقته

- ‌الفصل الثَّاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ

- ‌الفصلُ الثالث فيما يَجوزُ نسخُه وما لا يجوزُ

- ‌الفصلُ الرابعُ فيما يجوزُ أن يكونَ ناسخاً، وما لا يجوز

- ‌الأولُ: نسخُ القرآنِ بالقرآنِ:

- ‌الثَّاني: نسخ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ:

- ‌الثالث: نسخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ:

- ‌الرابع: نسخُ القرآنِ بالإجماعِ:

- ‌الخامس: نسخُ السُّنَّةِ بالقُرآنِ

- ‌السادس والسابع: نسخُ الإجماع بالقرآنِ، ونسخُ الإجماعِ بالسُّنَّةِ: مستحيلٌ وغيرُ جائزٍ اتّفاقاً

- ‌الفصل الخامس في الطَّريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌القول في السُّنَّة وأنواعها وترتيبها وتقديم بعضها على بعض

- ‌الفصلُ الأولُ في السُّنَّة

- ‌الفصل الثَّاني في بيانِ أنواعِ السُّنَّةِ

- ‌الفصلُ الثالثُ في ترتيبِ بعضِها على بعضٍ

- ‌الفصلُ الرابعُ تقديمُ بعضِها على بعضٍ

- ‌(القول في القياس)

- ‌(خاتمة المقدِّمة)

- ‌سُوْرَةُ البَقَرَةِ

- ‌(من أحكام الصَّلاة)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام الأطعمة)

- ‌(من أحكام القصاص)

- ‌(أحكام الوصايا)

- ‌(من أحكام الصِّيام)

- ‌(من أحكام القضاء)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام النفقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(تحريم شرب الخمر)

- ‌(معاملة اليتامي)

- ‌(حكم نكاح المشركات والكتابيات)

- ‌(من أحكام الحيض)

- ‌(من أحكام النكاح)

الفصل: ‌(القول في القياس)

(القول في القياس)

فصل: اعلموا (1) -رحمكمُ اللهُ الكريم وإياي-: أن اللهَ سبحانه أنعمَ على عِباده، ومَنَّ عليهم، فركَّبَ فيهم عقولاً دلَّهم بها على الفرقِ بين المُخْتَلِفِ، والجَمْعِ بين المُؤْتَلِفِ، ونصبَ لهم إلى دَرْكِ الصوابِ علاماتٍ يأتمُّون بها، بدلالاتٍ (2) يهتدون بها، فقال جل جلاله:{وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] ليبتليهم (3)، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجز واحدٌ، فما أعظمها (4) من نعمةٍ يثابُ العبد مع (5) الخطأ فيها! فلله الحمدُ والشكرُ عليها.

وقد كثرت أقوالُ العلماءِ في حدِّ القياس.

فقال الشافعيُّ: هو الاجتهادُ (6).

وقال غيره (7): هو فعلُ القياس (8)، وقيلَ غيرُ ذلك.

(1) في "ب": "ثم اعلموا".

(2)

في "ب": "ودلالات".

(3)

في "ب": "ليبتلينّهم".

(4)

في "ب": "فأعظم بها".

(5)

في "أ": "على".

(6)

انظر: "الرسالة" للإمام الشَّافعي (ص: 477).

(7)

هو الصَّيْرفيُّ، انظر:"البحر المحيط" للزركشي (5/ 6).

(8)

كذا في "أ" و "ب"، والصَّواب: هو فعل القائس. كما في "اللمع" للشيرازي =

ص: 154

وفي الحقيقة: ردُّ الحادثةِ إلى حكمٍ بمعنًى فيه هو فيها، أو إلى أشبهِ الأمورِ بها (1).

* ثم اعلموا -رحمكمُ اللهُ- أن الألفاظ كما هي متفاوتةٌ في البيان، كذلك القياسُ متفاوتٌ أيضاً.

فأَبْيَنُهُ وأوضحُهُ أن يُحرّم الله سبحانَه، أو رسولُه صلى الله عليه وسلم القليلَ من الشيء، فيُعْلَمَ أن كثيرَهُ مثلُ قليلِه في التحريمِ، وأولى منه؛ لفضلِ الكَثْرَةِ.

وكذا إذا حَمِد على اليسيرِ من الطاعةِ، أو ذمَّ على القليلِ من المَعْصِيَةِ. وذلك كما حرّم اللهُ سبحانه التأفيفَ للوالدَيْنِ، فالضربُ مثلُه، أو أولى منه.

وقد يمتنعُ (2) بعضُ أهل العلم من تسميةِ هذا قياساً (3)، ويقول: هذا

= (ص: 198)، و "البحر المحيط" للزركشي (5/ 6)، و "الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 959).

(1)

انظر في تعريف القياس: "اللمع" للشيرازي (ص: 198)، و "البرهان" للجويني (2/ 745)، و "المحصول" للرازي (5/ 5)، و"الإحكام" للآمدي (2/ 3/ 201)، و "شرح مختصر الروضة" للطوفي (3/ 218)، و "البحر المحيط" للزركشي (5/ 6)، و "الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 959).

(2)

في "أ": "منع".

(3)

أكثر العلماء على أن هذا النوع من إلحاق المسكوت بالمنطوق يسمى عندهم قياساً، وذهب الحنفية وبعض الشَّافعية وأكثر المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة: إلى أن حكم المسكوت عنه لا يستفاد من القياس، وإنَّما من النطق واللفظ، فكل من يعلم اللغة يدرك حكم المسكوت عنه بمجرد اللفظ ولا حاجة إلى القياس، وهو عندهم نوع من مفهوم الموافقة، وهو فحوى الخطاب، ومنهم من يسميه دلالة النص.

انظر: "اللمع" للشيرازي (ص: 104)، و "المحصول" للرازي (5/ 121)، و "شرح مختصر الروضة" للطوفي (2/ 714)، و "نهاية السول" للإسنوي (2/ 819)، و "البحر المحيط" للزركشي (4/ 7)، و "الاستعداد لرتبة الاجتهاد" =

ص: 155

معنى ما أحلَّ الله وما حَرَّمَ، وما حَمِدَ وما ذَمَّ؛ لأنَّه داخل معه (1) في جملته، فهو هو بعينِه، لا قياسَ عليه.

ويليه في ذلك (2) الوضوح ما صُرِّحَ بهِ بلفظِ التعليلِ؛ كقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7]، وكقوله تعالى:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} [المائدة: 32] الآية، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"إنَّما نهيتكم من أجل الدافَّةِ"(3).

ويليهِ في الوضوحِ ما كان ذكرُه لا يفيدُ غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91] الآية، وهذا المعنى المذكورُ موجودٌ في النبيذ، فيكونُ حراماً.

ويليه في الوضوحِ كونُ الفرعِ مساويًا للأصلِ في المعنى، وذلك كإيجاب نفقةِ الوالدِ عندَ العجزِ عن الاستقلالِ؛ قياساً على نفقةِ الولدِ عندَ العجزِ عن استقلاله بنفسه.

ويليهِ في الوُضوح ألَّا يكونَ فيه شبَهٌ (4) منهُ، وإنَّما فيه خَصيصةٌ من خصائِصِه، وذلك كسجودِ التلاوةِ يجوزُ فعلُهُ على الراحِلَةِ، وذلكَ من

= للمؤلف (2/ 977)، و "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص 1780).

(1)

"معه" ليس في "ب".

(2)

"ذلك" ليس في "ب".

(3)

رواه مسلم (1971)، كتاب: الأضاحي، باب: بيان ما كان من النَّهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، عن عائشة، وتمامه:" .. التي دفَّت، فكلوا وادّخروا وتصدَّقوا".

والدافّة: قال ابن دريد: هي الجماعة من النَّاس تقبل من بلد إلى بلد، وقال أبو عمرو: الدافة: القوم يسيرون جماعةً، ليس بالشديد. انظر:"اللسان"(مادة: دف ف)(9/ 105).

(4)

في "ب": "شبيهاً".

ص: 156

خَصائِصِ النَّوافلِ، فيكونُ غيرَ واجبٍ مثلَها.

ويليهِ في الوضوح كونُ الفرع فيه شَبَهٌ منْ معنَيينِ، وهو في أحدِهما (1) أكثُر شبهًا، فيردُّ إليه (2)، وذلك كالعبدِ يشبهُ الحرَّ في أنَّ عليهِ صومًا وصلاةً وحدًّا، ولهُ نكاحٌ وطلاقٌ، وقتلُهُ حَرامٌ، وفيهِ الكفارةُ، ويشبهُ البهيمةَ في أنُه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فجعلَ الحكم في قيمته عنَد قتلِهِ خطأً على عاقِلَةِ الجاني؛ قياسًا على الحُرِّ، وجعل جراحَهُ من قيمتِهِ كجراحِ الحُرِّ من دِيَتِه.

ويليه في الوضوح أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشتَقٍّ من صِفَةٍ، فيغلبُ على (3) الظَّنِّ أَنه عِلَّةُ الحُكْم، فيقاسُ علَيه، كقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تَبيعوا الطعامَ بالطعامِ إلا مِثْلًا بمِثْلٍ"(4)، وكقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ

(1) في "ب": "بأحدهما".

(2)

وهذا ما يسميه علماء الأصول: التعليل بالشبه، ويطلقون عليه: قياس الشبه، وقد اختلف في حجيته على مذاهب:

الأول: أنه حجة، وإليه ذهب الأكثرون.

الثاني: ليس حجة، وهو قول أكثر الحنفية.

الثالث: إن تمسك به المجتهد وحصل عنده غلبة الظن، كان حجة في حقه، وإلا فلا.

انظر: "اللمع" للشيرازي (ص: 209)، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي (3/ 431)، و"نهاية السول" للإسنوي (2/ 865)، و"البحر المحيط" للزركشي (5/ 234)، و"الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 973)، و"إرشاد الفحول" للشوكاني (ص: 219).

(3)

"على" ليس في "ب".

(4)

رواه مسلم (1592)، كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل، عن معمر بن عبد الله، بلفظ:"الطعام بالطعام مثلًا بمثل".

قلت: لفظة "الطعام" في الحديث ليست مشتقة، وإنما هي اسم جامد، ورأيت عبارة الشيرازي في "اللمع" (ص: 226) - وأظن أن المؤلف أخذ أغلب هذا =

ص: 157

وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].

* وللقياس أمورٌ تفسدهُ، وأمورٌ أخرى تعارِضُه، كما في الألفاظِ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بِصَنْعَةِ القياسِ.

وعلى الجملة، فهو ميزانُ العقولِ، ومَيْدانُ الفُحولِ.

قال أبو عبدِ الله الشافعيُّ: ولا يقيسُ إلَّا من جمعَ الآلةَ التي لهُ القياسُ بها، وهي العلمُ بأحكامِ كتابِ الله تعالى: فرضِه، وآدابِه، وناسخِه، ومنسوخِه، وعامِّه، وخاصِّه، وإرشادِه.

ويستدلُّ على ما احتملَ التأويلَ منه بسننِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإن (1) لم يجدْ سنَّةً، فبإجماعِ المسلمينَ، فإن لم يمكنْ إجماع، فبالقياسِ.

ولا يكونُ لأحدٍ أن يقيسَ حتى يكونَ عالِمًا بما مضى قبلَهُ من السُّنَنِ، وأقاويلِ السَّلَفِ، وإجماعِ الناسِ واختلافِهم، ولسانِ العرب.

ولا يكونُ له أن يقيسَ حتى يكونَ صحيحَ العقلِ، وحتى يفرِّق بينَ المُشْتَبهِ، ولا يَعْجَل بالقولِ به دونَ التثبُّتِ، ولا يمتنعَ من الاستماعِ ممَّن خالفَه؛ لأنه قد يلقنه بالاستماع لترك الغفلةِ، ويزدادَ به (2) تثَبُّتًا فيما اعتقدَ منَ الصواب. وعليهِ في ذلك بلوغُ جهدهِ، والإنصافُ من نفسِه حتى يعرفَ مِنْ أينَ قالَ ما يقول، وتركَ ما يترك. ولا يكونَ بما قالَ أعنى منه بما خالفَهُ حتى يعرفَ فضلَ ما يصيرُ إليه على ما يُتركُ إنْ شاءَ الله تعالى.

قال: فأمَّا مَنْ تَمَّ عقلُهُ، ولم يكنْ عالِمًا بما وَصَفْنا، فلا يَحِلُّ له أن يقولَ

= المبحث منه-: "ويليه في البيان: أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة، فالظاهر أن تلك الصفة علة" ثم جاء بالحديث نفسه الذي ساقه المؤلف هنا.

(1)

في "ب": "فإذا".

(2)

"به" زيادة من "ب".

ص: 158

بقياسٍ، وذلك أنه لا يعرفُ ما يقيسُ عليه، كما لا يحلُّ لفقيهٍ عاقلٍ أن يقولَ في ثمنِ درهم ولا خبرةَ لهُ بسوقهِ. ومنْ كانَ عالِمًا بما وصَفْنا بالحفظِ، لا بحقيقةِ المعرفةِ، فليس لهُ أن يقولَ أيضًا بقياسٍ؛ لأنه قد يذهبُ عليه عَقْلُ المَعاني.

وكذلك لو كان حافظٌ مقصرَ العقل، أو مقصرًا عن (1) لسانِ العربِ، لم يكنْ له أن يقيسَ؛ من قِبَلِ نقصِ عقله عن الآلةِ التي يجوزُ بها القياس، ولا نقول: يسع هذا، -والله أعلم- أن يقول أبدًا إلا اتّبَاعًا لا قياسًا (2).

فإنْ قلتُمْ: فبيّنْ لنا كيفَ صِفَةُ القياسِ، ولقد كَبُرَ علينا أَمْرُهُ وعَظُمَ لدينا خَطْبُهُ.

قلتُ: هو كما ذكرتُمْ، وهو سَهْلٌ على من أعطاه اللهُ عقلاً وفَهْمًا، فكل عِلْم عَطاءٌ من الله الكريمِ، فنسأله عطاءً مؤدِّيًا لحقِّه، موجبًا لمزيدِه.

وها أنا أذكُر لكم صفَتَه، وأبينُ لكم طريقَهُ بأسهلِ بيانٍ وأوضَحِهِ إنْ شاءَ الله تعالى.

فاعلموا -رحمكمُ اللهُ تعالى- أَنَّ الله سبحانه وتعالى، وكذا رسولُه صلى الله عليه وسلم إذا خاطَبَ الِعبادَ بحُكْمٍ، فالغالبُ أن يكونَ هناك مَعْنىً وعلَامةٌ للحُكْمِ تدلُّ على أنَّ ما لم يذكر، و (3) فيه ذلكَ المَعْنى أنه في مَعْناهُ، وقد لا يكون للحُكْمِ المَذْكورِ مَعْنًى، وذلك في القليل النادرِ، فتعرّفوا أولًا معنى الحكمِ وعلَّتَهُ، ثم قيسوا عليه الحوادث التي لم تذكر إذا وجدتُم ذلكَ المعنى فيها، فإنْ بيَّن الله سبحانَهُ، ورسولهُ صلى الله عليه وسلم علَّةَ الحُكْمِ ومعناهُ في ذلك

(1)"علم" زيادة من "ب".

(2)

انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: 509 - 511).

(3)

الواو ليست في "ب".

ص: 159

الخِطابِ، أو في خطاب آخَرَ، أو وُجدَ إجماعٌ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أنَّ عِلَّةَ الحُكْمِ كَذا، أَلْحَقْتُمْ بذلكَ الحُكمِ الحادثةَ التي لم يُنَصَّ على حُكْمِها، وإن لم تجدوا شيئاً من ذلك، فاستدلُوا على إدراكِ المعنى الذي حكمَ الله سُبحانَه ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم لأجله.

والدلالةُ عليهِ من وجوهٍ:

منها: أن يذكرَ اللهُ سبحَانهُ عندَ ذكر الحُكْمٍ صفةً لا يفيدُ ذكرُها غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91]، وكقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة:"إنَّها من الطَوّافين عليكم (1) والطَّوّافات"(2).

ومنها: أن يكونَ الحكمُ في عَيْنٍ، ويذكرَ من صفتِها ما يميزُها عن سائر صِفاتها، فيغلبُ على الظن أن تلكَ الصفةَ علَّةُ الحُكْم ومعناه. فقدْ تكونُ نفسُ الصفةِ علَّةَ الحكمِ، كقوله تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6].

وقد تكونُ الصفةُ (3) مشتملةً على العِلَّةِ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "من باعَ نَخْلاً بعدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فثمرتُها للبائعِ، إلَّا أنْ يشترطَها المُبْتاع"(4)، فالتأبيرُ الذي هو يشتمل

(1) في "ب": "أو"، وهو خطأ.

(2)

رواه أبو داود (75)، كتاب: الطهارة، باب: سؤر الهرة، والنسائي (68)، كتاب: الطهارة، باب: سؤر الهرة، والترمذي (92)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الهرة، وابن ماجه (367)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بسؤر الهرة، والرخصة في ذلك، من حديث أبي قتادة، وتمامه: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين

".

(3)

"الصفة" ليس في "ب".

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 160

على الظهور علَّةُ الدخول والخروج، فيلحقُ بهِ ما في معناه، كما إذا بيعتِ الدابَّةُ، فإنْ ظَهَرَ ولدُها، فهو للبائع، إلا أن يشترطَ المُبتاعُ.

وكذا قولُه صلى الله عليه وسلم: "لا يَقْضي القاضي وهُوَ غَضْبانُ"(1)، فالغضبُ مشتملٌ على معنى شغلِ القلبِ وتَشَوُّشِهِ، وفي معناهُ الجوعُ والعطشُ والخوفُ، وما أشبهه.

ومنها: أن يكونَ في العينِ التي يُحْكَم فيها مَعْنًى يقارِنُ الحكمَ، لا يُوجَدُ الحكم إلا وجد (2) معه، ولا يزولُ الحكمُ إلا يزولُ معه (3)، وذلك كالشِّدَّةِ

(1) رواه ابن ماجه (2316)، كتاب: الأحكام، باب: لا يحكم الحاكم وهو غضبان، والنسائي في "السنن الكبرى"(5962)، والإمام الشافعي في "مسنده"(1/ 378)، وابن الجارود في "المنتقى"(997)، وابن حبان في "صحيحه"(5063)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 105)، عن أبي بكرة بهذا اللفظ. وقد رواه أيضًا عن أبي بكرة بلفظ آخر: البخاري (6739)، كتاب: الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟، ومسلم (1717)، كتاب: الأقضية، باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان.

(2)

في "ب": "ويوجد".

(3)

وهذا مسلك من مسالك العلة، يسميه علماء الأصول: الدوران، وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويرتفع بارتفاعه.

وقد اختلف في إفادته العِلِّيَّة على أقوال:

الأول: يفيد العلية ظنًا، وهو قول الجمهور.

الثاني: يفيدها قطعًا، وهو قول بعض المعتزلة.

الثالث: لا يدل على العلية لا قطعًا ولا ظنًا، واختاره جماعة من الأصوليين.

انظر: "اللمع" للشيرازي (ص: 229)، و"المحصول" للرازي (5/ 207)، و"الإحكام" للآمدي (2/ 3/ 330)، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي (3/ 412)، و"البحر المحيط" للزركشي (5/ 243)، و"الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 1037)، و"إرشاد الفحول" للشوكاني (ص: 221).

ص: 161

المُطْرِبَةِ في الخَمْر، فيلحقُ بها سائرُ الأَنْبِذَةِ.

ومنها: أن تكونَ العينُ التي وقع الحكم فيها تحتملُ معانيَ، فيدلُّ الدليلُ على بُطْلانِ تلكَ المعاني، إلا واحدًا (1)، فيغلبُ على الظَّنِّ أنه عِلَّةُ الحُكْم، وذلكَ كما يقولُ الشافعيُّ للحنفيِّ: الخُبْزُ يحرم فيه الربا، فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للوزنِ أو للطُّعْمِ، وباطلٌ أن يكونَ للكيلِ؛ لأنه غيرُ مَكيلٍ، وباطلٌ أن يكونَ للوزنِ؛ لأنه لو كان للوزن لما جاز إسلام الدراهمِ في الموزونات (2)، فعلمنا أنه للطُّعم.

(1) وهذا -أيضًا- مسلك من مسالك العلة، ويسميه علماء الأصول: السَّبْر والتقسيم، وهو حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، ثم إبطال ما لا يصلح منها، وإبقاء ما يصلح منها للتعليل.

فإن كان السبر والإبطال قطعيًا، فالتعليل بالوصف الباقي قطعي، والحكم المعلق به قطعي، وإن كان ذلك ظنيًا، فقد اختلف العلماء فيه على أقوال:

الأول: ليس حجة مطلقًا، لا في القطعيات ولا في الظنيات، وهو قول بعض الأصوليين.

الثاني: حجة في العمليات فقط؛ لأنه يفيد الظن لا القطع، وهو قول الأكثرين.

الثالث: أنه حجة للمجتهد دون غيره، وهو اختيار الآمدي.

انظر: "اللمع" للشيرازي (ص: 230)، و"البرهان" للجويني (2/ 816)، و"المحصول" للرازي (5/ 217)، و"الإحكام" للآمدي (2/ 3/ 289)، و"البحر المحيط" للزركشي (5/ 222)، و"الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 1038)، و"إرشاد الفحول" للشوكاني (ص: 213).

(2)

المراد بالإسلام هنا: هو عقد السَّلَم؛ وهو بيع موصوف في الذمة ببدل عاجل، يدفع في مجلس العقد.

والمراد من قول المصنف: أنه لو كانت العلة هي الوزن، لما جاز السلم في الدراهم -مثلاً- مع الحديد والنحاس مما يوزن؛ لأنه يشترط حينئذٍ التقابض في المجلس، والسلم فيه تأجيل أحد البدلين، وهذا لا يصح؛ لوجود الربا بالتأخير.

ص: 162

فإن لم تجدوا شيئاً من المعاني، فردُّوا الحادثةَ إلى أشبهِ الأَحْكامِ فيها (1)، وذلكَ قد يكون بالشبهِ لبعضِ الأصولِ، وقد يكونُ بوجودِ خصيصة من خصائصِ بعضِ الأصولِ كما قَدَّمْتُ، واللهُ أعلم.

وبهذهِ الطرقِ استنبطَ الفقهاءُ الأحكامَ، وإنَّما اختلفوا في تعيينِ المعاني التي قاسُوا، فرحِمَهُمُ الله، ورضيَ عنهم.

(1) في "ب": "بها".

ص: 163