المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌مقدِّمة جَامِعَة في أصول الفقه والتَّفسِيْر

- ‌القولُ في الأسماءِ المُفْرَدَةِ

- ‌القولُ في البَيِّنِ والمُشْكِلِ

- ‌فصل (المُشْكِلُ)

- ‌وأَمَّا المركَّباتُ، فيأتي على وُجوهٍ -أيضاً

- ‌منها: الاشتراكُ بين الأمرِ والخَبَر:

- ‌ومنها: الاشتراك بين السؤال والتَّنْبيهِ:

- ‌ومنها: الاشتراك بينَ السؤالِ والدُّعاء

- ‌ومنها: الاشتراك في المَفْعولِ إذا تنازعَه فِعلان يَقْتضيانِ مُقْتَضًى واحداً:

- ‌ومنها: الاشتراك في الإبهام:

- ‌واختلفَ علماؤنا في مسائلَ:

- ‌القَولُ في العَامِّ والخَاصِّ

- ‌الفصل الأول في الألفاظ

- ‌الفصل الثاني في كيفيةِ استعمالِ العرب للعامِّ واتِّساعها فيه

- ‌الفصلُ الثالِثُ في الخَاصِّ

- ‌الفصلُ الرابُع في ترتيبِ العامِّ على الخاص

- ‌القولُ في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ

- ‌القول في الحقيقة والمجاز

- ‌ الأول: الاستعارةُ:

- ‌الثاني: التّشبيهُ:

- ‌الثالثُ: الزيادَةُ:

- ‌الرابع: النّقصان:

- ‌الخامس: التقديمُ والتأخيرُ:

- ‌السادس: المحاذاةُ والمُقابَلَةُ للشيءِ بمثلِ لَفْظِهِ معَ اختِلاف المعنى:

- ‌الثامنُ: أَنْ يُسَمَّى الشيءُ بما كانَ عليهِ:

- ‌التاسع: تسميتُهم الشيءَ بما يَستحيلُ وُجودُه:

- ‌القول في الأمر والنهي

- ‌الفصلُ الأولُ وفيه أربعُ مسائلَ:

- ‌ الأولى: الأمر هَلْ يقْتَضي الوُجوبَ

- ‌ الثانية: إذا وردَ لفظُ الأمرِ، وفي الصيغةِ ما يدلُّ على التكْرارِ

- ‌ الثالثةُ: الأَمْرُ هَلْ تقتَضي الفِعْلَ على الفَوْرِ، أوْ لا

- ‌ الرابعةُ: إذا وَرَدَ الأمْرُ بعدَ الحَظْرِ والمنعِ، فهل يقْتَضي الوُجوبَ؟ فيه مذهبان:

- ‌الفصل الثاني في تَصَرُّفِ العَرَبِ بِصيغَةِ الأمرِ

- ‌ الأولُ: أن يكون أمرًا ومعناهُ الوجوبُ

- ‌الثاني: أمرٌ ومعناه الاسْتِحْبابُ

- ‌الثالث: أمرٌ ومعناه الإرشاد

- ‌الرابع: أمرٌ ومعناهُ التأديبُ

- ‌الخامس: أمرٌ ومعناهُ التخييرُ

- ‌السادس: أمر ومعناهُ الإباحَةُ

- ‌السابع: أمرٌ ومعناهُ التَّسخيرُ، وبعضُهم يقولُ:

- ‌الثامنُ: أمر ومعناهُ التَّحْقيرُ

- ‌التاسع: أمر ومعناهُ التَّعْجيزُ

- ‌العاشرُ: أمرٌ ومعناهُ التَّكوينُ

- ‌الحادي عَشَرَ: أمر ومعناهُ الوَعيدُ والتَّهديدُ

- ‌الثاني عَشَرَ: أمر ومعناهُ التَّفَكرُ والاعْتِبارُ

- ‌الثالثَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الصَّيْرورَةُ

- ‌الرابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الدُّعاء

- ‌الخامسَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّفْويضُ والتَّسليمُ

- ‌السادِسَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناه التعجُّبُ

- ‌السابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الإِنْعامُ

- ‌الثامِنَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ التَّمَنِّي

- ‌التاسِعَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّلَهُّفُ

- ‌العِشرونَ: أمرٌ ومعناهُ الخَبَرُ

- ‌فصل

- ‌إحداهُما: النَّهْيُ يقْتَضي التَّحْريم

- ‌المسألة الثانية: النَّهْيُ هل تقْتَضي الفَساد؟ فيه أقوالٌ:

- ‌القول في الخبر

- ‌القول في القرائن

- ‌القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض

- ‌(القول في الناسخ والمنسوخ)

- ‌الفصل الأول في معنى النسخ وحقيقته

- ‌الفصل الثَّاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ

- ‌الفصلُ الثالث فيما يَجوزُ نسخُه وما لا يجوزُ

- ‌الفصلُ الرابعُ فيما يجوزُ أن يكونَ ناسخاً، وما لا يجوز

- ‌الأولُ: نسخُ القرآنِ بالقرآنِ:

- ‌الثَّاني: نسخ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ:

- ‌الثالث: نسخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ:

- ‌الرابع: نسخُ القرآنِ بالإجماعِ:

- ‌الخامس: نسخُ السُّنَّةِ بالقُرآنِ

- ‌السادس والسابع: نسخُ الإجماع بالقرآنِ، ونسخُ الإجماعِ بالسُّنَّةِ: مستحيلٌ وغيرُ جائزٍ اتّفاقاً

- ‌الفصل الخامس في الطَّريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌القول في السُّنَّة وأنواعها وترتيبها وتقديم بعضها على بعض

- ‌الفصلُ الأولُ في السُّنَّة

- ‌الفصل الثَّاني في بيانِ أنواعِ السُّنَّةِ

- ‌الفصلُ الثالثُ في ترتيبِ بعضِها على بعضٍ

- ‌الفصلُ الرابعُ تقديمُ بعضِها على بعضٍ

- ‌(القول في القياس)

- ‌(خاتمة المقدِّمة)

- ‌سُوْرَةُ البَقَرَةِ

- ‌(من أحكام الصَّلاة)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام الأطعمة)

- ‌(من أحكام القصاص)

- ‌(أحكام الوصايا)

- ‌(من أحكام الصِّيام)

- ‌(من أحكام القضاء)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام النفقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(تحريم شرب الخمر)

- ‌(معاملة اليتامي)

- ‌(حكم نكاح المشركات والكتابيات)

- ‌(من أحكام الحيض)

- ‌(من أحكام النكاح)

الفصل: ‌(من أحكام الصيام)

(من أحكام الصِّيام)

7 -

8 (7 - 8) قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 183 - 184].

أقول:

أما الأولى فبيِّنة في مكتوبية الصيام مُجْمَلةٌ، في أصل الصِّيام ووَضْعِه، ولكنه قد اتفقَ أهلُ العِلْمِ بالقرآنِ -واللهُ أعلمُ- على أن الآيتين نزلتا في فريضة صوم رمضان.

* واختلفوا في المَعْنيِّ بالذين مِنْ قبلِنا.

- فقال قوم (1): الإشارةُ إلى الأمم الخاليةِ، وذلكَ أَنَّ الله- سبحانه -

= (1/ 2/ 244)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (6/ 482)، و"الذخيرة" للقرافي (7/ 31)، و "مغني المحتاج" للشربيني (4/ 77)، و"المغني" لابن قدامة (8/ 404).

(1)

هو قول الحسن البصري، والسدي، ومجاهد، وقتادة. انظر:"تفسير الطبري"(1/ 129)، و"تفسير الرازي"(3/ 76)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 256)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 376).

ص: 224

ما أرسلَ نبياً إلا افترضَ عليهِ وعلى أُمَّتهِ صِيامَ شهرِ رَمضانَ، فكَفَرت بهِ الأممُ كُلُّها، وآمَنَتْ بهِ أُمَّةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

- وقال قوم: المعنيُّ بالذين مِن قبلنا: هُمُ النَّصارى، ويروى عن الشعبيِّ والحَسَنِ ومجاهدٍ أَنَّهُمْ قالوا: إنَّ اللهَ جل جلاله كانَ قدِ افترضَ على مَنْ كانَ قبلَنا مِنَ النَّصارى في صومِ رمضانَ، فحوَّلوه عن وقتِه، ثُمَّ زادَ كلُّ قرنٍ يوماً في أولهِ للاستبراء والاحتياطِ، ويوماً في آخره، حتى صار إلى الخمسين يوماً، ففرض الله علينا صومَهُ خاصَّةً، كما كان فرضاً عليهم بقولِه تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (1)[البقرة: 183].

* ثم قال آخرونَ (2): والمعنيُّ بقوله: "كما كتب": صفةُ الصوم، وذلك أن النصارى كانوا إذا أفطروا، أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يناموا، وكانَ المسلمونَ كذلكَ في التحريم ما لم يناموا، أو يصلُّوا العِشاءَ الآخرةَ. ثم نزلَ قولُه عز وجل:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} الآية [البقرة: 187].

* فهذه الآيةُ منسوخةٌ على هذا القول (3).

(1) انظر الروايات في: "الدر المنثور" للسيوطي (1/ 428) وما بعدها.

وانظر: "تفسير الطبري"(2/ 128)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 214)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 256).

(2)

هو قول ابن عباس، وأبي العالية، وابن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والسدي، والربيع بن أنس، وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 129)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 215)، و"تفسير الرازي"(3/ 76)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 257)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 376).

(3)

انظر: "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه"(ص: 18)، و"قلائد المرجان" (ص: 77).

ص: 225

روينا في "صحيح البخاري" عن أبي إسحاق قال: سمعتُ البراءَ يقولُ: لما نزلَ صومُ رمضانَ، كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كُلَّه، فكانَ رجالٌ يخونونَ أنفسَهُم، أنزل اللهُ عز وجل:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} (1) الآية [البقرة: 187]، وهي -أيضاً- مع ذلك ناسخة.

واختلفوا في المنسوخ بها.

فقيلَ: صومُ يومِ عاشوراء، روي في "صحيحِ البخاري"، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كانَ يومُ عاشوارءَ تصومُهُ قريشٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصومُهُ، فلما قدمَ المدينةَ صامَهُ، وأمرَ بصيامِهِ، فلما نزلَ رمضانُ، كان رمضانُ الفريضَةَ، وترك عاشوراء، فمنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ لم يَصُمْهُ (2).

وروينا نحوَهُ عنِ ابنِ عُمَرَ وابنِ مسعودٍ، رضيَ اللهُ تعَالى عنهم (3).

- وقيل: المنسوخُ بها صومُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ، كانَ أمرَ بهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أولِ قدومِهِ المدينةَ (4)، ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ ومُعاذٍ، رضيَ اللهُ تعالى عنهم (5).

(1) رواه البخاري (4238)، كتاب: التفسير، باب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ

}.

(2)

رواه البخاري (1898)، كتاب: الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء.

(3)

وانظر: "تفسير ابن كثير"(1/ 378).

(4)

رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 133)، عن عمرو بن مرة.

(5)

وكذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو قول عطاء، وقتادة، والضحاك.

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 130)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 215)، و"تفسير الرازي"(3/ 78)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 257)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 376).

ص: 226

روينا في "سُنَنِ البَيْهَقِيِّ" عن عمرِو بنِ مُرَّةَ يقولُ: سمعت ابنَ أبي ليلى يقول: أُحيلَتِ الصلاةُ ثلاثةَ أحوالٍ، والصَّوْمُ ثلاثةَ أحوال، فحدَّثَنَا أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: لمّا قدمَ عليهم أَمَرَهُمْ ليصوموا ثلاثةَ أيام من كل شهر تطوعاً غيرَ فريضةٍ، ثم نزل صيامُ رمضانَ، وكانوا قوماً لم يتعوَّدوا الصِّيامَ، فكان يشتدّ عليهم الصيامُ، فكان مَنْ لم يصمْ، أطعم مسكيناً، ثم نزلت:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، فكانت الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، قال: وكان الرجلُ إذا أفطرَ، فنامت امرأتهُ، لم يأتِها، فإذا نام ولم يَطْعَمْ، لم يَطْعَمْ إلى مثلِها من القابِلَةِ، حتى جاءَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يريدُ امرأتَهُ، فقالت: إني قد نمتُ، فقال: إنَّما تَعْتَلِّين، فوقع بها، وجاء رجلٌ من الأنصار فأراد أن يَطْعَمَ، فقالوا: حتى نُسَخِّنَ لك شيئاً، فنام، فنزلت هذه الآية (1).

* وأما الآيةُ الثانيةُ، فأولُها مُحْكَمٌ، وباقيها (2) منسوخٌ على المشهورِ عندَ أهلِ العلم (3).

(1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 420)، وفي "معرفة السنن والآثار"(2436)، من طريق أبي داود (506)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان. ورواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 246)، وابن خزيمة في "صحيحه"(383).

(2)

وهو قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} .

(3)

اختلف العلماء فيها، هل هي محكمة أم منسوخة، على قولين:

الأول: هي منسوخة، وهو قول أكثر العلماء.

الثاني: هي محكمة وليست منسوخة،، إنما هي خاصة بالشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والسدي، وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 136)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 215)، و"تفسير الرازي"(3/ 86)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 218)، و"الجامع =

ص: 227

* فأباحَ اللهُ -سبحانَهُ- بقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] الفطرَ للمريضِ والمسافِر، وأكَدَ حُكْمَهُ بالذكر، فأعاده في الآية التي تلي هذهِ الآيةَ، وأوجبَ عليهما العِدَّةَ منْ أيامٍ أُخَرَ، ولم يوجبْ عليهما فِدْيَةً.

وبين النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الحائِضَ في معناهُما، قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: كنا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصلاة (1).

وقِسْنا النُّفَساءَ على الحائِضِ؛ لكونها في معناها؛ لأن النّفاسَ حَيْضٌ مجتمعٌ.

* فإنْ قلتُم: فهل فِطرُ المسافر على سبيل الرُّخْصَةِ أو على سبيل العزيمةِ؛ فإنَّ (2) اللفظ يحتملُ ألَاّ يجعلَ لهم صومَ رمضانَ، ويجعلَ عليهم عدداً آخر، ويحتملُ أن يكونَ أَمَرَهُمْ بالفطر في هاتين الحالتين على الرخصة، إن شاؤوا؛ لئلاّ يحرجوا إن فعلوا، واللَّفْظُ في العَزْمِ أظْهَرُ؛ لترتُّبِ المَشْروطِ على الشَّرْطِ؟

قلتُ: الذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أَنَّهُ بطريقِ الرُّخْصَةِ، واحتجُّوا بقولهِ تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وبما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: كنا نسافرُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فمنّا الصائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعيبُ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِمِ (3).

= لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 268)، و "تفسير ابن كثير" (1/ 378).

(1)

رواه مسلم (335)، كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض.

(2)

في "أ": "إن".

(3)

رواه مسلم (1116)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.

ص: 228

ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعُروةَ بن الزُّبيرِ وعلي بنِ الحُسَينِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- أنهم قالوا: لا يجوزُ الصومُ في السَّفَرِ، ومنْ صامَ فعليهِ القضاءُ، وجعلوهُ كالعاصي بصومِه، وبه قال داودُ وأهلُ الظَّاهِرِ.

ولهم من الحجَّةِ: ظاهِرُ الآيةِ، وقولُه صلى الله عليه وسلم:"ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ"(1). وما روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرجَ إلى مكَّةَ عامَ الفتحِ في رَمَضانَ، فصامَ حتى بلغِ كُراعَ الغَميمِ (2)، فصامَ الناسُ، فقيلَ له: يا رسولَ الله! إنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ، فدَعا بقَدَحٍ من ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشربَ، والناسُ ينظرون، فأفطرَ بعضُ الناس، وصامَ بعضُهم، فبلغه أنَّ ناساً صاموا، فقال:"أولئكَ العُصاةُ"(3)، وما روى ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرجَ عامَ الفتح في رَمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَديدَ (4)، ثم أفطر فأفطر الناسُ

(1) رواه البخاري (1844)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصوم في السفر"، ومسلم (1115)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .. ، عن جابر بن عبد الله، بلفظ "الصوم" بدل "الصيام". وقد رواه أبو داود (2407)، كتاب: الصوم، باب: اختيار الفطر. وغيره عن جابر بن عبد الله -أيضاً- بهذا اللفظ.

(2)

كُراع الغَميم: بضم الكاف، والغَميم: بفتح الغين وكسر الميم، وهو واد بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، يضاف هذا الكراع إليه، وهو جبل أسود بطرف الحرة يمتد إليه.

انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 350)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (3/ 246).

(3)

رواه مسلم (1114)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.

(4)

الكَدِيد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة، موضع بين عسفان وقديد، على اثنين وأربعين ميلاً من مكة. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 351)، =

ص: 229

معه (1). وإنَّما كانوا يأخذون بالأحْدَثِ مِن أَمْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما روي: أنَّ عمرَ رضي الله عنه أمرَ رَجُلاً صامَ في السفرِ أن يقضيَ الصِّيامَ (2).

فإن قلتم: فما اختيارُك؟

قلت: ما عليه الأكثرُ من أهل العلم.

فإنْ قلتُم: فما الجوابُ عنْ هذه الأدلَّةِ القويَّةِ؟

قلت: أما الآيةُ، فإنها تحتمل الأمرين، فقوله:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] يحتملُ أن يكونَ للعزيمةِ، ويحتملُ أن يكونَ للرُّخْصَةِ، ودلَّ على أنه للرُّخْصَةِ تخييره لذوي الطاقة في الإفطار والصوم؛ فإن ذلك لمّا كانَ في آيةٍ واحدةٍ، دلَّنا على التَّخْييرِ والرُّخْصَةِ.

- وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ"، فالجوابُ عنهُ: أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ الله -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- روى هذا الحديث مفسّراً بسببهِ، وذكر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى زِحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه، فسأل عنهُ، فقيل له: صائم، فقال:"ليسَ من البرِّ الصيامُ في السَّفَر"(3)، ويحتمل أن مرادَهُ ليسَ من الِبرِّ المفروضِ الذي مَنْ خالفه أَثِمَ.

= وانظر: "معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري (4/ 1119).

(1)

رواه البخاري (1842)، كتاب: الصوم، باب: إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر، ومسلم (1113)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر

، وهذا لفظ مسلم.

(2)

انظر المسألة في: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 265)،، و"تفسير الرازي"(3/ 83)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 260).

(3)

رواه مسلم (1115)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .... وعنده: "أن تصوموا" بدل "الصيام".

ص: 230

- وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أولئك العصاة"؛ فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أفطرَ لَمّا قيلَ لَهُ: شَقَّ على الناسِ الصِّيامُ، وكانتِ المَشَقَّةُ أَفْضَتْ بهمْ إلى حَدِّ الضَّرَرِ، وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ، حَرُمَ الصوْمُ، وذمَّهُمْ لمَّا خالفوهُ ورَغبِوا عن سُنَّتِهِ وقَبول رُخْصَتِه، ولهذا لم يُنْقَلْ أنه عَيَّرهُم، أو أمرهم بالقضاءِ والتَّدارُكِ.

- وأمّا قولُ عمرَ رضي الله عنه، فقال الشافعيُّ: لا أعرفُه عنه، وإنْ عرفتهُ، فالحجَّةُ ثابتةٌ بما ثبتَ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1).

- وأما قولُ ابنِ عباسٍ: يؤخذ بالأحدثِ فالأَحدث، فالظاهرُ أَنَّهُ من قوله، ويحتمل أنْ يقولَهُ من روى عنهُ برأيهِ واجتهادِه، فقد يسمعُ الراوي الشيءَ، فيتأوَّلُه، ولا يسمعُ غيرَه، ولا يمتنعُ على من علم الأمرين أن يقول بهما.

* فإن قلتم: فما الأفضلُ عندَ من يقولُ بالرخصةِ؟

قلت: قالت طائفة: الفِطْرُ في السفرِ أفضلُ، رُوِيَ ذلكَ عنِ ابنِ عُمَرَ وابن عَباسٍ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ ومُجاهدٍ وقتادَةَ والشَّعْبِيِّ والأوزاعِيِّ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأحمدَ وإسحاقَ (2)، وإيَّاهُ أَختارُ؛ لما فيه من التأسّي والاقتداءِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي مَنْ خالفَهُ رَغْبَةً عنهُ، استَحقَّ أن يُسَمَّى عاصِياً، وللخروج من الخلاف.

- وذهبَ قومٌ إلى أن الصومَ أفضلُ، رويَ ذلك عنِ ابنِ عباسٍ (3) ومعاذٍ

(1) انظر: "اختلاف الحديث" للشافعي (ص: 493).

(2)

انظر: "تفسير الرازي"(3/ 84)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 407)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 261).

(3)

في "ب": "أنس" بدل "ابن عباس".

ص: 231

وعثمانَ بن أبي العاصِ الثقفيِّ، وبه قالَ إبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جبير، ومالكٌ في رواية، وإليه يؤولُ مذهبُ الشافعيِّ رضي الله عنه (1).

- والمشهورُ عندَ المالكيةِ التخييرُ (2)؛ لما روى أَنَسٌ رضي الله عنه قالَ: سافرْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رمضانَ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِم (3).

* فإن قلتُم: فبيِّنْ لنا حَدَّ السفرِ والمرضِ عندَ إمامِنا الشافعيِّ وغيرِه من أهل العلمِ، وبيِّنْ لنا مُسْتَنَدَ الشافِعيِّ في التحديد.

قلتُ: أما السفرُ، فذهبَ قومٌ إلى أنه مسيرةُ يومٍ واحدٍ (4)، وذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ ثلاثةُ أيامٍ، وهوَ قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ (5).

(1) وهو مذهب الحنفية، ومشهور مذهب المالكية. انظر:"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 267)، و "تفسير الرازي"(3/ 84)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 261)، و "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 361)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 310)، و"روضة الطالبين" للنووي (2/ 370).

(2)

قلت: لكن المشهور عند المالكية هو القول بأن الصوم في السفر أفضل.

انظر: "التفريع" لابن الجلاب (1/ 304)، و "الذخيرة" للقرافي (2/ 512)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 310).

(3)

رواه البخاري (1845)، كتاب: الصوم، باب: لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضاً في الصوم والإفطار، ومسلم (1118)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.

(4)

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول الأوزاعي وابن المنذر. انظر:"تفسير الرازي"(3/ 81)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 106)، و "المجموع في شرح المهذب" للنووي (4/ 212).

(5)

وهو قول ابن مسعود، وسويد بن غَفَلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح. انظر:"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 111)، و"تفسير الرازي"(3/ 81)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 259)، و"المغني" لابن =

ص: 232

وأما الشافعيُّ، فلمّا قامَ الدليلُ عندَهُ على الفرقِ بينَ قليلِ السفرِ وكثيرِهِ، طلبَ دليلاً في التحديدِ، فلم يجدْ إلاّ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-: أنهم قَصَروا وأفطروا في أربعةِ بُرُدٍ (1)، فقضى به (2)؛ إذْ لم يجدْ أقل منهُ في التحديد، ومثلُه تقوم به حجَّة في مثلِ هذا المقامِ.

- وأما المرضُ، فإنه لما قامَ الدليلُ -أيضاً- على أنه لا بدَّ من فرقٍ بين قليلهِ وكثيرِهِ؛ إذْ لا عبرَةَ بالمشقَّةِ اليسيرةِ؛ كالسفر القريب، طلبَ دليلاً على التحديد، فلم يجدْ، فنظرَ في المعنى المقصودِ بالرخصةِ، فوجدهُ المشقَّةَ، فجوز للمريض الفِطْرَ إذا جَهَدَهُ الصومُ جَهْداً غير مُحْتَمَلٍ، ومنعه إذا لم يَجْهَدْهُ؛ إذ هو كالصحيح، ولو جَوَّزَ له الإفطارَ بغير مَشَقَّةٍ، لوُجِدَ المعلولُ ولا عِلَّةَ معهُ، وبطلَ المعنى الذي لأجله رُخِّصَ في الفِطْر.

وذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى أنَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ المَرضِ يبيحُ الفِطْرَ، وهو قول ابن سيرينَ، ورويَ عن الحَسَنِ أيضاً، وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إنه المرضُ الذي تجوزُ معه الصلاةُ من قُعودٍ.

= قدامة (3/ 106)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (4/ 212)، و"رد المحتار" لابن عابدين (2/ 525).

(1)

ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقاً بصيغة الجزم (1/ 386)، وأسنده البيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 137) عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ.

(2)

وهو قول المالكية والحنابلة وغيرهم. وبه قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم.

انظر: "الذخيرة" للقرافي (2/ 358)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (4/ 212)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 106).

ص: 233

وذهبَ الأكثرون إلى أنه ما يُخافُ من الصوم معهُ زيادةُ عِلَّةٍ غيرِ محتمَلَةٍ (1).

* إذا تقررَ هذا، فقد اشتملتِ هذه الآية على أربعِ جُمَلٍ:

الجملة الأولى: قولُه عز وجل {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] قرأ أُبَيٌّ: (فعدةٌ من أيامٍ أُخَرَ مُتَتابعاتٍ)(2)، وروي عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أَنها قالت: نزلت: (من أيامٍ أخرَ متتابعاتٍ) سقطتْ مُتتابعاتٍ (3)، أَيْ: نُسخت (4).

* واختلفَ العلماءُ في هذهِ الأيامِ.

فقال أكثرُهم: هي على التخييرِ، إن شاءَ جاء بها متتابعةً، وإن شاءَ جاء بها متفرقةً، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأنسٍ ومعاذٍ وأبي حنيفةَ ومالك والأوزاعيِّ والشافعيِّ، ويروى عن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنهُ قالَ: إنّ اللهَ تَعالى لم يرخِّص لكم في فِطْرِهِ، وهو يريدُ أن يَشُقَّ عليكمْ في قَضائِهِ (5).

(1) انظر هذه المذاهب في: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 215)، و"تفسير الرازي"(3/ 80)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 258)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 360)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 496)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 261)، و "المغني" لابن قدامة (4/ 403).

(2)

قرأ بها أُبي بن كعب. انظر: "الكشاف" للزمخشري (1/ 113)، و"تفسير الرازي"(2/ 120)، و"البحر المحيط" (2/ 35). وانظر:"معجم القراءات القرآنية"(1/ 141).

(3)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(7657)، والدارقطني في "سننه"(2/ 192) والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 258).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (4/ 189).

(5)

رواه الدارقطني في "سننه"(2/ 192)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 258). =

ص: 234

- ويروى عن عليٍّ وعائشةَ وابن عمرَ والشعبيِّ ومالكٍ أَنَّه يقضي كما فات متتابعاً (1).

* وفي هذهِ الجُمْلَةِ دليلٌ على أَنه إذا أفطرَ في (2) الأيامِ الطِّوالِ كأيام الصيفِ، جاز له أن يقضيَ في أيام الشتاء (3)؛ فإنها عدَّةٌ من أيام أُخَرَ، ولا أعلمُ أحداً خالفَ في هذا.

* وفيها دليلٌ على أنه إذا أفطرَ بالمَرَضِ جميعَ شَهْرِ رمضانَ، وكانَ تسعةً وعشرين يوماً، أنه يقضي تسعةً وعشرين يوماً (4).

= وهو قول الحنابلة أيضاً. وعليه الجمهور من السلف والخلف. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 259)، و"تفسير الرازي"(3/ 85)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 263)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 523)، و"المجموع" للنووي (6/ 413)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 408).

(1)

وروي عن الحسن البصري، وعروة بن الزبير، والنخعي. وبه قال داود الظاهري. انظر:"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 259)، و"تفسير الرازي"(3/ 85)، و"الجامع الأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 262)، و"المجموع" للنووي (6/ 413)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 409).

قلت: ما نقله المؤلف رحمه الله عن الإمام مالك هنا من أنه يقول بلزوم التتابع في قضاء رمضان، فيه نظر، فقد نَقَلَتْ كتبُ المذهب أن التفريق له مجزئ، وإن كان يستحب التتابع. انظر:"الذخيرة" للقرافي (2/ 523)، و"حاشية الدسوقي"(1/ 805)، و"شرح مختصر خليل" للخرشي (1/ 2/ 242)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 263).

(2)

في "ب" زيادة "هذه".

(3)

انظر: "الموسوعة الفقهية"(28/ 76).

(4)

"يوماً" ليست في "أ".

انظر: "المدونة"(1/ 282)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 273)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 261)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 366)، =

ص: 235

وخالف في هذا الحسنُ بنُ صالحٍ، فأوجَبَ شهراً بالهِلال (1).

* وفيها دليلٌ على أنه لا يجبُ المُسارَعَةُ إلى قضاءِ رمضانَ بعدَ زوالِ العُذْرِ من المرضِ والسَّفر.

وإلى هذا ذهبَ عامَّةُ أهلِ العِلْم (2)، ويدل لهم ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- قالت: يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ، فما أستطيعُ أن أقضيَهُ إلا في شعبانَ؛ لشُغْلي برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (3).

وقال داودُ: يجب عليه القضاءُ من ثاني شَوَّالٍ (4).

* وفيها دليل على أنه إذا أخَّرَ القضاءَ إلى سنةٍ أخرى حتى أدرَكهُ رمضانُ الثاني لعذرٍ أنَّ عليهِ العِدَّةَ (5).

وقال قوم من أهل العلم: ليسَ عليهِ إلَّا الإطعامُ، وحُكيَ عنِ ابنِ عباسٍ

= و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 333)، و"جواهر الإكليل" للأزهري (1/ 153).

(1)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 273)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 261).

(2)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 113)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 260)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 263)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 523)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 400).

(3)

رواه البخاري (1849)، كتاب: الصوم، باب: متى يقضى قضاء رمضان؟ ومسلم (1146)، كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان في شعبان. وعندهما: "الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم " بدل: "لشغلي برسول الله صلى الله عليه وسلم ".

(4)

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 263). وبه قال ابن حزم، كما في "المحلى"(3/ 6/ 260).

(5)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 261)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 263)، و"التفريع" لابن الجلاب (1/ 310)، و"المجموع" للنووي (6/ 410)، و "المغني" لابن قدامة (4/ 400).

ص: 236

وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وقتادةَ وسعيدِ بن جبير (1).

والجمهورُ على خِلافهم.

وأما إذا أَخَّرَهُ بغيرِ عذرٍ، فإن العِدَّةَ تجب بالآية، إما نطقاً، أو قياساً، وتجب مع العِدَّةِ الكَفّارةُ، لكلَ يوم مدٌّ من طَعامٍ؛ لقضاءِ الصحابةِ بالكَفَّارِة، روي ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وابن مسعودٍ وجابرٍ والحسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهم، وبه قالَ مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ.

وقال أبو حنيفةَ: يقضي، ولا شيءَ عليه، ويروى عن الحسنِ وإبراهيمَ وداودَ، وأشارَ البخاريُّ إلى اختياره في "جامِعِه"(2).

الجملةُ الثانية: قولهُ عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].

* واختلفَ أهلُ العلمِ في هذهِ الجُملةِ، فالمشهورُ أنها منسوخةٌ (3)، وهو

(1) انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (4/ 253)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 262)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 264)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 177).

(2)

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الصوم، باب: متى يقضى قضاء رمضان؟ (1/ 639).

وانظر هذه المسألة في: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 261)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 264)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 524)، و"المجموع" للنووي (6/ 412)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 400)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 177)، و"الفقه الإسلامي وأدلته" للزحيلي (3/ 1735).

(3)

انظر: "الناسخ والمنسوخ"(ص: 37)، و"المصفى بأكف أهل الرسوخ" (ص: 18)، و"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" (ص: 25 - 26)، و"قلائد المرجان" (ص: 77 - 78).

ص: 237

قول ابنِ عمرَ وسلمةَ بن الأَكْوَع ومعاذِ بنِ جبلٍ وعكرمةَ والحَسَنِ وعَطاءٍ، وهي منسوخةٌ بقولهِ تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، رواه البخاريُّ عن سلمةَ بنِ الأكْوَعِ وابنِ عمرَ (1).

فإن قلتم: قد روى البخاريُّ عن ابنِ أبي ليلى: أنه قالَ: حدثنا أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلَ رمضانُ، فشق عليهم، فكانَ كل من أطعم كلَّ يومٍ مسكيناً، ترك الصومَ ممَّنْ يطيقُهُ، ورخصَ لهم في ذلك، فنسخَها:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]، وأمروا بالصوم (2)، وهذا نسخٌ لأول هذه الآية بآخِرِها، فهل في القرآنِ يجوزُ أن يُنْسَخَ أولُ الآيةِ بآخرها (3).

قلت: قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ رحمه الله: لم أعلم أحداً من أهلِ العلمِ بالقرآن يخالفُ في أن الآية كلامٌ واحد، وأنها لم تنزل [إلا] مجتمعةً [بل اتفقوا على أن الآية كلامٌ واحد، نزلت مجتمعةً](4) غير متفرقةٍ، وإن كان الآيتان قد تنزلان متفرقتين في سورة واحدة (5).

وعلى سياقِ كلامِه -رحمهُ اللهُ تعالى- يجب ألا ينسخ آخرُ الآيةِ أوَّلَها؛ لأن النسخ لا يكونُ مع تراخي الناسخِ عن المنسوخِ، فواجبٌ حينئذٍ أن يُؤَوَّلَ كلامُ ابن أبي ليلى على أن الناسخَ قولهُ:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، ولهذا قال في آخر كلامه: وأُمروا بالصومِ.

(1) رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم (2/ 687)، كتاب: الصوم، باب:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} .

(2)

رواه البخاري (1847)، كتاب: الصوم، باب:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} .

(3)

في "ب": "بآخره".

(4)

ما بين معكوفتين ليس في "أ".

(5)

لم أقف على كلام الإمام الشافعي رحمه الله الذي ذكره المؤلف هنا، بعد طول بحث، فالله أعلم.

ص: 238

ويدلُّ على هذا ما رويناهُ في "سننِ البيهقيِّ" عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلى، وقد تقدمَ ذكرُه قريباً [في صدر الكلامِ على أول الآيَة](1).

لكن ما ذكرَهُ الشافعي عن أهلِ العلمِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وإنما وَهِمَ أبو عبد الله، بلِ الآيةُ تنزلُ متفرقةً، وينزل بعضُها دون بعضٍ، وقد رويَ في "صحيح البخاري" عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: أنزلت: {كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، ولم ينزلْ {مِنَ الْفَجْر} ، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربطَ أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزالُ يأكلُ حتى يتبينَ له رؤيتُهما، فأنزل الله بعدُ:{مِنَ الْفَجْر} (2).

وروي أنه لما أُنزلَ قولُه تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ

وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (3)[النساء: 95] شقَّ على أُولي الضَّرَر، فأنزلَ اللهُ سبحانه:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95].

قال ابنُ عباسٍ: ليستْ منسوخةً، بل هو للشيخِ الكبيرِ والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكيناً (4)، وكان يقرأ:

(1) ما بين معكوفتين ليس في "أ".

(2)

رواه البخاري (1818)، كتاب: الصوم، باب: قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ

}، ومسلم (1091)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. وتمامه: "فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار".

(3)

رواه البخاري (4235)، كتاب: التفسير، باب: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ

}.

(4)

رواه البخاري (4235)، كتاب: التفسير، باب: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ

}.

ص: 239

(وعلى الذين يُطَيَّقونَهُ)(1) أي: يُكَلَّفونه. ويتأوَّلهُ على الشيخِ الكبير، والمرأةِ الكبيرة، وهو قولُ قَتادةَ، وقال: هي غيرُ منسوخة أبداً (2)، ومعناهُ: وعلى الذينَ كانوا يطيقونَهُ في حالِ الشبابِ، فعجزوا عنهُ بعد الكِبَر، فعليهم الفديةُ بدلَ الصومِ.

وذكر بعضُهم قولاً أغربَ من هذا، فقال: هي محكمةٌ، والمعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقون الإطعام، ويعجزون عن الصيام، فديةٌ طعامُ مساكين (3).

قال قائله: وهذا يُروى عن السلفِ، ورجَّعَ الضميرَ إلى (4) الفداء، وإن لم يتقدم ذكرُه؛ لأنه يَدُلُّ على صاحبِ الإضمار، وذلك جائزٌ في لسان العرب.

وحكى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ قال: قال لي مالك في الآية: إنما ذلك في الرجلِ يمرضُ، فيفطرُ، ثم يَبْرَأُ، فلا يَقْضي ما أفطرَ حتى يدركَهُ رمضانُ منْ قابِلٍ، فعليهِ أن يبدأَ برمضانَ الذي أَدْرَكَهُ، ثم يقضي الذي فاتَهُ بعدَ ذلك، ويُطْعِمُ عن كلِّ يومٍ مُدًّا منْ حِنْطَةٍ.

وهذا التأويلُ من مالكٍ يدلُّ على أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ عندهُ، ويكون المعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقونَ قضاءَ ما عليهم، فلا يقضون حتى يأتيَ رمضانُ الثاني.

وهو مناقضٌ لما سأحكيهِ عنهُ إن شاء الله تعالى.

(1) انظر: "المحتسب" لابن جني (1/ 118)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (2/ 35)، و "معجم القراءات القرآنية"(1/ 142).

(2)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(7584).

(3)

ذكره البيهقي في "القضاء والقدر"(ص: 236).

(4)

في "ب": "على".

ص: 240

ويروى هذا القولُ عن زيدِ بنِ أسلمَ وابنِ شهابٍ (1).

والقول بالنسخ هو الصحيحُ والمُعَوَّلُ عليه.

* فإن قلتُم: فما حكم الَّذينَ لا يُطيقون الصومَ قبلَ النسخِ، وما حكمُهم بعدَ النسخِ؟

قلت: أوجبَ اللهُ الصيامَ على الجميع من المؤمنين، قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وهم من جُملةِ المؤمنين، ثم خَصّ المريضَ والمسافرَ بحُكْمٍ، وهو وجوبُ العِدَّةِ من أيامٍ أُخَرَ، وخصَّ الذين يُطيقونَ الصومَ بالذِّكرِ -أيضاً- لأجْلِ الرخصةِ لهم بالإفطار، وتركَ الذينَ لا يطيقونا على أصلِ الوُجوب، ولم يذكر الفديةَ في حَقِّهم؛ لأنها معلومةٌ بينةٌ من طريق الأَوْلى والأَحرى، إما نُطْقاً، أو قياساً فيها؛ لأنها إذا قُبلَتْ من الذي يطيقُ الصومَ، فالذي لا يطيقُهُ أولى بالقبولِ. ثم نسخَ اللهُ سبحَانَهُ حكمَ التَّخْيير عن الذين يطيقونَ الصومَ بقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وبين الله في الآية الثانية أن المريضَ والمسافرَ باقيان على حكمهما لمَّا كان يتطرَّقُ الظنُّ إلى نسخِ حكمِهما عندَ نسخِ حُكْمِ قرينتِهما، وتَرَكَ ذكرَ الذين لا يُطيقون الصومَ؛ لعدمِ تطرُّقِ الظنِّ إلى نسخِ حكمهم؛ فإنه معلوم أنّ اللهَ -سبحانَهُ- لم يحتِّمْ عليهمُ الصيامَ؛ لأنهم لا يطيقونه، وقد قال في آخر الآية:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وتبيينُ آخرِ الكلام لأولهِ كثيرٌ في القرآن الكريم.

ويعضدُ هذا ما رُوي عن معاذٍ رضي الله عنه قال: لما قال الله عز وجل ذكرُه: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، كان

(1) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (1/ 252)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 289).

ص: 241

من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ مسكيناً، عن كلِّ يومٍ مُدًّا. قال: ثم أوجبَ اللهُ الصيامَ على الصحيح المقيمِ بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وثبتَ الإطعام على من لا يُطيق الصومَ إذا أفطرَ مِنْ كِبَرٍ.

وإن قلتم: فما الدليلُ على أن الصومَ كان واجباً على من لا يطيقُ الصومَ قبل النسخِ حتى تكونَ الفديةُ بدلاً عنه؟

قلت: قولُ الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183].

فإن قلتم: فالذي كُتِبَ على الذين مِنْ قبلنا مُجْمَلٌ، والناسُ يختلفون فيه؟

قلت: قد ذكرتُ الاتفاقَ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بذلكَ فريضةُ شهرِ رمضانَ، والشيخُ الكبيرُ داخلٌ في جُمْلَةِ المؤمنين، صالحٌ لقبول الخطاب. وروينا في "صحيح البخاري": أن أَنَساً أطعم بعد ما كَبِرَ، عاماً أو عامين، كلّ يومٍ مسكيناً خُبْزاً ولَحْماً، وأفطر (1).

وما قدمْتُه عن ابنِ عباسٍ ومعاذٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهم.

وقال مالكٌ في غيرِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ: الآيةُ منسوخةٌ، ولا إطعامَ على الكبيرِ إذا أفطر ولم يُطِق الصومَ (2).

(1) رواه البخاري في "صحيحه"(4/ 1638) معلقاً بصيغة الجزم، وقد رواه موصولاً: أبو يعلى الموصلي في "مسنده"(4194)، والدارقطني في "سننه"(2/ 207).

(2)

اختلف العلماء في الشيخ الهرم إذا أفطر، ما يجب عليه؟

فقال الشافعية: يلزمه الفدية، وهو مذهب طاوس، وابن جبير، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد، على اختلاف بينهم في تقديرها.=

ص: 242

ولا يخلو مالكٌ من أحدِ أمرين:

- إما أنه اعتقدَ أن الشيخَ غير داخلٍ في الخطابِ المنسوخِ؛ لعدمِ استطاعتِه على الصّومِ، وخَصَّ أولَ الآيةِ بآخرها، وجعلَ المُرادَ بالمؤمنينَ المريضَ والمسافرَ والذي يطيقُ الصومَ، وهذا ضعيفٌ جِداً؛ لِما قَدَّمْتُه من أنه داخلٌ في حُكمِ الخطابِ؛ لكونِه من المؤمنينَ، وشهدَ لذلكَ اللغةُ والآثار التي قدمتُها، وشهادةُ الأصولِ في العاجزِ عن المُبْدَلِ إذا قدرَ على البَدَلِ وجبَ عليهِ الإِتيانُ به؛ كالرَّمْي في الحجِّ (1)، والعادمِ للماء، والعاجز عن القيام في الصلاة.

- وإما أن يكونَ اعتقدَ أن حكمُ الشيخِ قد نُسِخَ كما نُسِخَ حكم الذين يطيقونَ الصومَ من التَّخْييرِ إلى الحَتْم كما نُسِخَتِ الفِدْيةُ في حقهم، فكذلك نسخ (2) الفديةُ عن هذا؛ إذ هو غيرُ مكلَّف بالحتمِ، فهذا غير مكلف بالصوم؛ لتعذره منه عند شهود الشهر، وغيرُ مكلفٍ بالفديةِ لكونها منسوخةً.

ولهذا وجهٌ في القياسِ؛ لأن الفدية تجب عوضاً عن الصومِ الواجبِ في الذمَّة، وهو لم يجبْ عليه؛ لعدم تكليفه الصومَ، فإذا أُبطلَ المُبْدَلُ، بطلَ البَدَلُ (3).

= وقال المالكية: لا فدية عليه، وهو قول أبي ثور، وربيعة، ومكحول، واختاره ابن المنذر.

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 22)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 269/2)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 379)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 365)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 516)، و"المجموع" للنووي (6/ 263)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 395).

(1)

بتوكيل العاجز من يرمي عنه.

(2)

في "أ": "تنسخ".

(3)

قال القرطبي: الدليل لقول مالك: أن هذا مفطر، لعذر موجود فيه، وهو =

ص: 243

ويشهدُ لهُ الأصولُ أيضاً؛ فإنه مفطرٌ بعذرٍ، فلا يجبُ عليه الفِدْيَةُ؛ كالمسافرِ والمريضِ. وهذا هو الظاهرُ عنهُ في مُرادِه، رحمه اللهُ تعالى.

وخلاصةُ الأمرِ عندَ من يقولُ بالنسخِ: هل النسخُ وردَ على التخييرِ وحدَهُ، وانتسخَ حكمُ الفدية تبعاً، أو وردَ النسخُ على التخييرِ والفدية؟

فمنْ قالَ بالأولِ قال: لا تخييرَ في حقِّ الشيخ، فهوَ غيرُ داخلٍ في النسخ.

ومن قال بالثاني، قال: نُسِخا جميعاً، ووجبَ الصومُ على المطيقِ، وارتفعَ الوجوبُ عَمَّنْ لم يطق الصوم.

* فإن قلتم: فما قَدْرُ طعامِ المسكين؟

قلت: مُدٌّ عندَ أهلِ الحجاز، ونصفُ صاعٍ (1) عندَ أهلِ العِراقِ (2).

ومستندُ فقهاءِ الحجازِ أنهم وَجَدوا (3) أقلّ شيءٍ أُخْرِجَ وأُطْعِمَ، فجعلوه

= الشيخوخة والكبر، فلم يلزمه إطعام؛ كالمسافر والمريض. انظر:"الجامع لأحكام القرآن"(1/ 2/ 269).

(1)

الصاع: الذي يُكال به، وتدور عليه أحكام المسلمين، وهو: أربعة أمداد كلُّ مد رطل وثلث.

قال الداودي: معيارُه الذي لا يختلف: أربع حفنات بكفَّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما. انظر: "القاموس"(مادة: صوع)(ص: 666).

(2)

انظر الاختلاف في تقدير الفدية في المصادر التالية:

"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 221)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 269)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 526)، و"المجموع" للنووي (6/ 263)، و "المغني" لابن قدامة (4/ 382)، و"الفقه الإسلامي وأدلته" للزحيلي (3/ 1743).

(3)

في "ب": "وجدوه".

ص: 244

حَدًّا ومِقداراً، ويستأنسون بما ورد في بعضِ طرقِ حديثِ الكَفَّارةِ على المُجامِع في نَهارِ رمضانَ: أَنَّ العَرَقَ (1) الذي أُتِيَ بهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كانَ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعاً، فقالَ له:"خذهُ وتصدقْ بهِ" بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكيناً (2).

ومستندُ أهلِ العراقِ: فدية الأذى (3)، رأوها أقرب الأشياء شَبَهاً به، من حيثُ إنه يحرمُ فِعْلُهما من غير عذر (4)، ويجوزُ فِعْلُهما مع العذر، فدل على أنه مثله.

الجملة الثالثة: قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184]، أي: زاد على مسكين واحد، قاله مجاهدٌ وعطاءٌ (5)، وقيلَ: زاد عَلى القدرِ الواجبِ عليهِ، فأعطى صاعاً أو مدَّين (6).

(1) العَرَق: هو زبيل منسوج من نسائج الخوص، ويقال: إنه يسع خمسة عشر صاعاً. انظر: "اللسان"(مادة: عرق)(10/ 246).

(2)

رواه أبو داود (2392، 2393)، كتاب: الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في رمضان، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 516)، وابن خزيمة في "صحيحه"(3/ 221)، وابن الجارود في "المنتقى"(745)، وابن حبان في "صحيحه"(3526)، والدارقطني في "سننه"(2/ 190)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 223)، وابن عبد البر في "التمهيد"(7/ 173)، عن أبي هريرة.

(3)

في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ

} الآية، وقال صلى الله عليه وسلم:"أطعم فرقاً بين ستة"، والفرق ستة آصع. وحينئذ يكون عندهم: لكل مسكين نصف صاع.

(4)

فهي لا تفعل إلا إذا كان بالإنسان أذى، فيحلق، ثم يفدي.

(5)

رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 142 - 143).

(6)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 142)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 216)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 114)، و"تفسير الرازي"(3/ 89)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 270)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 378).

ص: 245

* وفي هذا دليلٌ على أن الرجلَ إذا أخرجَ أكثرَ من الواجبِ عليهِ أنَّ الزائدَ يكونُ تطوُّعاً.

وفي ذلك خلافٌ بين العلماء، والصحيحُ أنه تطوُّعٌ (1).

الجملة الرابعة: قولُه تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].

فيه دليلٌ لمن يقولُ بنسخ الآيةِ؛ لأنه لا يندبُ إلى الصيام وأنه خيرٌ له، إلاّ من يطيقهُ، لا من يُطَوَّقُهُ وهو غيرُ مطيق له (2).

* * *

9 -

(9) قوله جَلَّ ثناؤه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

وفيها خمس جملٍ:

الأولى: قوله تعالى: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185].

استنبطَ أهلُ العلم من هذا، مع قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]: أن ليلة القدر في شهرِ رمضان.

واتفقَ (3) أهلُ العلمِ بالقرآنِ على أن اللهَ -سبحانَهُ- أنزلَ القرآنَ من اللوحِ

(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 222).

(2)

انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 216)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 223)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 170)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 270).

(3)

في "ب": "وقد اتفق".

ص: 246

المحفوظِ إلى سماءِ الدنيا جملةً واحدةً، ثم أنزلهَ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا نُجوماً (1).

الجملة الثانية: قولهُ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

أوجب بها علينا صوم شهر رمضان، وحَتَّمَهُ على من شَهِدَ الشهرَ، والشهودُ هنا هو العلمُ والحُضور، وذلك يحصل إما برؤيةِ الصائمِ وحدَه، وإما برؤيةِ غيرِه.

* أما رؤيتهُ وحدَهُ، فموجبةٌ للصيام في حقِّهِ؛ خلافاً لعطاءِ بنِ أبي رباح وإسحاق؛ فإنه حُكِيَ عنهما أنهما قالا: لا يصومُ إلا برؤيةِ غيرِهِ معه (2)، وهما محجوجان بنصِّ القرآن.

- ثم اختلفوا، هل يفطر وحده إذا رأى هِلال شَوّال؟ فقال الشافعيُّ: يُفْطِرُ، ولْيُخْفِ فِطْرَهُ، ولا يُعَرِّضْ نفسَهُ لعقوبة السلطان (3).

وقال مالك: لا يفطر، سداً للذَّريعةِ؛ لئلاً يقول له (4) مَنْ لا أمانةَ له (5): رأيتُ الهلالَ.

(1) انظر: "تفسير الطبري"(2/ 144)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 216)، و"تفسير الرازي"(3/ 92)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 170)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 277)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 380)، و"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (1/ 116).

(2)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 208) وفيه: أن هذا هو قول عطاء بن أبي رباح وحده. وانظر المسألة في: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 119)، و"تفسير الرازي"(3/ 97)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 274)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 313)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 488)، و"المجموع" للنووي (6/ 290)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 416).

(3)

انظر: "المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 290).

(4)

في "أ": "لئلا بعد ليلٍ يقول".

(5)

في "ب" زيادة "لقد".

ص: 247

وهذا منْ أصولِه، وهو من عملِه بالمَصالحِ المُرْسَلَةِ، وقولهِ بِسَدِّ الذرائع.

وإلى مثلِ هذا ذَهَبَ أحمدُ والليثُ (1).

- وهل توجبُ رؤيةُ الواحدِ الصيامَ على غيره؟

اختلف أهلُ العلم، فقال الشافعي في رواية المزني (2): يجبُ الصيام برؤيته (3).

وبه قال أبو حنيفةَ (4)؛ لما روى ابنُ عباسٍ رضي الله عنه أنه جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أبصرتُ الهلالَ الليلة، فقال:"أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؟ " قال: نعم، قال:"يا بلال أذِّنْ في الناس فليصوموا غداً"(5).

(1) وهو قول الحنفية أيضاً. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 275)، و "المغني" لابن قدامة (4/ 420)، و "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 292).

(2)

"المزني" ليس في "أ".

(3)

انظر مذهب الشافعية في: "الأم"(2/ 4/ 340)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 285)، وهذا هو الصحيح المعتمد.

(4)

لكن أبا حنيفة وأصحابه اشترطوا لقبول شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان أن تكون السماء مغيمة، وإلا فلا يقبل إلا شهادة جماعة كثيرة يقع العلم بخبرها. انظر:"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 251).

(5)

رواه النسائي (2113)، كتاب: الصيام، باب: قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان، وابن ماجه (1652)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، وابن خزيمة في "صحيحه"(1943، 1924)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"(2529)، وابن حبان في "صحيحه"(3446)، والحاكم في "المستدرك"(1104).

ص: 248

وقالَ في روايةِ البويطي: لا يجبُ إلا بشاهدين (1)، وبه قال مالك (2)؛ لما رويَ عن عبدِ الرحمنِ بِن زيدِ بنِ الخَطَّابِ: أنه خاطبَ الناس في اليومِ الذي يُشَكُّ فيه، فقال: إني جالستُ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فأتموا ثلاثين، فإن شهدَ شاهدانِ فصوموا وأفطروا"(3).

والعملُ بحديثِ ابنِ عباسٍ أَحْرى وأَولى؛ لأن دلالته نَصٌّ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ودلالةَ حديثِ عبدِ الرحمن مفهومٌ، ودلالةُ المفهومِ من أضعفِ الظواهر (4)، فلا يُعارضُ بدلالةِ النصِّ؛ وللإجماع على العمل بخبرِ العدلِ في الأمور العامَّةِ والخاصَّةِ.

- ثم اختلفوا في آخره، هل هو كأوله، أو لا؟

فذهب عامَّتُهم إلى التفريقِ بينَ أولهِ وآخرِه، وأنهُ لا يُقْبَل في آخِره إلاّ عَدْلان.

وذهبَ أبو ثورٍ إلى أنه يُقبل فيه عدلٌ كأوَّله.

واختارهُ أبو بكرِ بنُ المنذرِ (5)؛ وبه أقولُ؛ لما فيه من العملِ بقولِ الثقةِ،

(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (2/ 4/ 340)، و"المجموع" للنووي (6/ 285).

(2)

انظر مذهب الإمام مالك في "المدونة"(1/ 267)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 279).

(3)

رواه النسائي (2116)، كتاب: الصيام، باب: قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان، ورواه النسائي -أيضاً- في "السنن الكبرى"(2426)، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 321)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(34/ 365)، وانظر:"البدر المنير" لابن الملقن (5/ 643)، و"التلخيص الحبير" لابن حجر (2/ 186).

(4)

في "أ":"ودلالة المفهوم أضعف من الظواهر".

(5)

انظر هذه المسألة في: "المدونة"(1/ 267)، و"أحكام القرآن" لابن العربي =

ص: 249

فقد عمل أهل قُباءٍ بخبرِ العدلِ، وتحوَّلوا من قبلةٍ إلى قبلةٍ، ولصحته في القياس؛ فإنه إذا قُبِل قولُ العدلِ في دخول (1) العَلَامةِ الفاصلةِ بينَ زمنِ الفِطرِ والصومِ، قُبِلَ قولُه في خُروجِه أيضاً؛ إذْ لا فرقَ.

فإن قيل: هذا طريقة الشهادة، فلا بد فيه من شاهدين.

قلت: هذا يبطل بقبول الواحد في أوله، فدلّ على أن طريقه الإخبار، وإن سُلِّمَ، فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الواحد كما قضى في هلال رمضان، وكما قضى باليمين مع الشاهد، واليمينُ في الحقيقةِ إنما هي تحقيق للدعوى، وقولِ الشاهد، وَليستْ بقولِ رجلٍ أجنبيٍّ، فوجودُ اليمينِ دليلٌ على صِدْقِ الشاهد الواحد، وعدمُها دليلٌ على وَهْمِ الشاهدِ أو كَذِبه، وليس يوجد هنا دليل يدلُّ على وَهْمِهِ أو كَذِبه، فيكون قادحاً في خبره وشهادته.

* واختلفوا -أيضاً- هل يتعدَّى حكم الرؤية من بلد إلى أخرى، أو لا؟

- فذهبَ قومٌ إلى أنه يلزمُ أهلَ البلدِ الأخرى الصومُ؛ لاستواءِ الأفق في حقهم (2).

- وذهب آخرون إلى أنه لا يلزم (3)، حتى اعتبر بعضُ الشافعية مسافةَ

= (1/ 119)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 251)، و "المغني" لابن قدامة (4/ 419)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 290)، و "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 252)، و "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 280).

(1)

"دخول" ليست في "أ".

(2)

وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة. انظر:"الذخيرة" للقرافي (2/ 290)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 328)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 324).

(3)

وهو مذهب الشافعية. انظر: "المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 280).

ص: 250

القَصْر (1)، واستدلوا بما أخرجه مسلمٌ عن كُرَيْبٍ: أنَّ أمَّ الفَضْل بنتَ الحارث بعثته إلى مُعاويةَ بالشامِ. قال: فقدمتُ الشامَ، وقضيتُ حاجتَها، واستهلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشامِ، فرأيتُ الهِلالَ ليلةَ الجمعة، ثم قدمتُ المدينةَ في آخِر الشهرِ، فسألني عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، ثم ذكرَ الهلالَ فقال: متى رأيتم الهلالَ؟ فقلتُ، رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنتَ رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناسُ، وصاموا، وصامَ معاويةُ، قال: لكنْ رأيناه ليلةَ السبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نكملَ ثلاثينَ يوماً، أو نراه، فقلتُ له: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (2).

والقولُ الأول أولى.

فلقائلٍ أن يقول: حديثُ كريبٍ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فقد نقلَ ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما تباعدَ من البلدان (3). والشامُ والحجازُ في غايةٍ من التباعدِ. وقولُ ابنِ عباسٍ: هكذا أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحتملُ أن تكونَ الإشارةُ إلى الحُكْمِ المعيَّن في القصة المذكورةِ، ويكون الأمرُ صريحاً منه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكونَ الإشارةُ إلى قوله: فلا نزال نصومُ حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه؛ أي: في مثل هذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون أمراً ظاهراً، لا نصًّا، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم.

* ولما أمرنا الله -سبحانه- بالصيام عند شهادةِ الشهرِ، كانَ علينا واجباً امتثالُ أمرِه، ولا نمتثله إلا بالقصد إليه، فكان بَيِّنًا ظاهراً أنه لا يصحُّ الصومُ

(1) به قال إمام الحرمين، والغزالي، والبغوي. انظر:"المجموع"(6/ 280 - 281).

(2)

رواه مسلم (1087)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم.

(3)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 283).

ص: 251

إلا بالنية، وبهذا قال جمهور أهل العلم (1)، إلا زُفَرَ (2)؛ فإنه قالَ: لا يحتاج في رمضان إلى نية، إلَّا أن يكونَ مُسافراً أو مَريضاً ويريدُ الصومَ.

* ثم اختلف الجمهور في صفة النية.

- فقالَ أبو حنيفةَ: يجبُ تعيين جنس العبادة، فإنْ نوى الصومَ مطلقاً، أو نوى صيامَ غيرِ رمضان، أجزأه، وانقلبَ إلى صيامِ رمضان (3).

- وقال مالكٌ والشافعيُّ: يجبُ تعيينُ العِبادَة، ولا بدَّ من تعيينِ صومِ رمضانَ (4).

* ولما كانت هذه العبادةُ متعلقةً بزمنٍ مخصوصٍ، وجبَ علينا استيفاؤه، ولا يمكن استيفاؤه إلا باستيفاء جزءٍ من غيره، وجبَ أن يكونَ محلُّ النيةِ قبلَ الفجر.

وبهذا قال مالكٌ، سواءٌ كانت العبادةُ فرضاً أو نفلاً (5)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا صِيامَ لمَنْ لا يبيِّتُ الصيامَ منَ اللَّيل"(6)، ولاستواء الفرض والنفل في شروطِ العبادة.

(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 243). وانظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 307)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 498)، و"المجموع" للنووي (6/ 302)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 333).

(2)

انظر قول زفر في: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 244)، "وفتح القدير" لابن الهمام (2/ 238)، و "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 307).

(3)

انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 239)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 305).

(4)

وهو مذهب الحنابلة. انظر: "الذخيرة" للقرافي (2/ 498)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 338)، و "المجموع في شرح المهذب" للنووي (1/ 315).

(5)

انظر: "التفريع" لابن الجلاب (1/ 303)، و "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 336).

(6)

رواه النسائي (2330)، كتاب: الصيام، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، ورواه النسائي أيضاً في "السنن الكبرى"(2643)، والبيهقي في =

ص: 252

وفرق الشافعيُّ بينهما، فأوجَبَ التَّبييتَ في الفرض دونَ النَّفْل (1)، واستدلَّ بما أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ: "يا عائشةُ هل عندكم شيءٌ؟ "، قالت: قلت: يارسول الله! ما عندنا شيء، قال:"فإني إذاً صائمٌ"(2).

وفي هذا جمع بين الأحاديث، وتنزيلها على اختلاف الأحوال؛ ولأنَّ الأصول تشهد بالتفرقة بين الفرضِ والنَّفْلِ، وأنّ النفلَ (3) أخفُّ من الفرض، فيجوز فعلُه من قعود، وفعلُه على الراحلِة، وإلى غير القبلةِ.

وخصَّ أبو حنيفةَ وجُوبَ التبييتِ بالصوم الواجب في الذمة دون النافلة، والصوم (4) الواجبِ المعيَّنِ في وَقْتٍ مَخْصوص (5). وقولُ غيرِه أولى، وقولُ الشافعيِّ أرجح.

= "السنن الكبرى"(4/ 202)، وفي "فضائل الأوقات"(134)، وابن حزم في "المحلى"(6/ 162)، عن حفصة.

(1)

وهو مذهب الحنابلة أيضاً. انظر: "روضة الطالبين" للنووي (2/ 351)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 333).

(2)

رواه مسلم (1154)، كتاب: الصيام، باب: جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.

(3)

"وأن النفل" ليس في "أ".

(4)

"والصوم" ليس في "أ".

(5)

يعني: إذا كان الصوم ثابتاً في الذمة؛ كقضاء رمضان، والنذر المطلق، فإنه لا بد من تبييت النية؛ لأنه غير معين، فلا بد من التبييت، أما إذا كان أداء لفرض رمضان أو نذراً مَعيناً، فيجوز أن ينوي بعد الفجر، بشرط أن تكون قبل الزوال.

قلت: وبهذا يتبين وهم المصنف رحمه الله في نسبته اشتراط تبييت النية في الصوم المعين إلى الحنفية.

انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 233)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 304)، و"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (ص: 426).

ص: 253

* وبقي مسائلُ تتعلق بشهادة الشهر اختلفَ فيها أهلُ العلم:

المسألة الأولى: من أدركه الشهرُ، وهو مقيم، ثم سافرَ:

- روي عن علي وعائشة وابن عباس وسُويد بن غَفَلة -رضي الله تعالى عنهم-: أنهم قالوا: لا يجوزُ له الفطرُ في بقية الأيام، وبه قال عَبِيدة (1) السَّلْمَانيُّ (2)؛ لقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] أي: كله (3).

- وذهب أكثرُ الصحابةِ إلى أنه يجوز له أن يُفطر (4)، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهرَ كلَّه، فليصمْهُ كُلَّه. أو فمنْ شهدَ منكمُ الشهرَ، فليصمْ ما شهدَ منه، فلا تقييد في الآية، والدليلُ على ذلكَ من السنَّةِ: ما روى ابنُ عبّاسٍ -رضيَ اللهُ تَعَالى عَنْهما-: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرجَ إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَدِيدَ، ثم أفطرَ، وأفطرَ الناسُ معه، وكانوا يأخذُون بالأَحْدَثِ فالأَحْدَثِ من فِعْلِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم (5).

الثانية: من أصبح صائماً، ثم سافر:

- قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا يجوزُ له أن يفطرَ في هذا اليوم؛ لأنه اجتمع ما يوجب الرُّخْصَةَ وما يوجبُ العزيمةَ، فغلبتِ العزيمةُ، ولأنَّ الأصولَ

(1) في "ب": "أبو عبيدة"، وهو خطأ.

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 146)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 217)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 118)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 279)، و"البيان" للعمراني (3/ 470)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 345).

(3)

انظر أثر علي، وعائشة، وابن عباس، وعَبيدة السَّلْماني في "تفسير الطبري"(2/ 146 - 147).

(4)

وهو قول عامة أهل العلم. انظر المصادر السابقة.

(5)

تقدم تخريجه.

ص: 254

تشهدُ بأنَّ مَنْ تَلَبّس بعبادةٍ، لزمه إتمامُها؛ كالحَجِّ والصَّوْمِ (1)؛ ولقولهِ (2) تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].

- وقالت طائفةٌ: له أن يفطر، وهو قول الشَّعْبِيِّ، وإليه (3) ذهب أحمدُ وإسحاقُ وداودُ والمُزَنِيُّ وابنُ المنذرِ، ولفظُ الكتابِ العزيزِ يحتملُ الأمرين، ويترجَّحُ الآخرُ منهما بما خَرَّجه أبو داودَ عن أبي بصْرَةَ الغِفاري: أنه لما تجاوزَ البيوت دعا بالسُّفرةِ، فقال راوي الحديث: فقلت: نرى البيوتَ، فقال: أترغبُ عن سنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال جعفرٌ: فأكلَ (4).

الثالثة: -وهي عكسُ الثانيةِ-: منْ أصبحَ مُسافراً ثُمَّ أقام:

- ذهب الشافعيُّ ومالك إلى جواز تماديه على فِطرِه؛ لوجودِ السببِ (5) المُبيح للفطر (6).

- وذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجُوبِ الإمساك؛ تغليباً للحَظْر على الإباحة، والعزيمةِ على الرخصة (7).

(1) في "ب": "والصلاة" بدل "والصوم".

(2)

في "أ": "لقوله".

(3)

في "ب": "وإلى هذا".

(4)

رواه أبو داود (2412)، كتاب: الصوم، باب: متى يفطر المسافر إذا خرج، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 246) عن جعفر بن جبر.

انظر هذه المسالة في: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 119)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 268)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 370)، و"التفريع" لابن الجلاب (1/ 304)، و"البيان" للعمراني (3/ 471)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 346).

(5)

في "ب": "المسبب".

(6)

انظر: "التفريع" لابن الجلاب (1/ 305)، و"البيان" للعمراني (3/ 472).

(7)

وهو قول الحنابلة. انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 289)، و"المحرر في =

ص: 255

* إذا تمَّ هذا فقد بيَّنَ لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّا إذا لم نر الهِلالَ، أكملْنا عدةَ شعبانَ ثلاثين يوماً، ثم نصومُ رمضانَ، وحَرَّمَ علينا أن نتقدَّمه بيوم أو يومين (1)، وقال:"إذا انتصفَ شعبانُ، فلا صيامَ حتى يكونَ رمضان"(2)، وحرَّمَ علينا صومَ يومِ الشَّكِّ، وقال:"من صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، فقدْ عَصى أبا القاسِم"(3).

الجملة الثالثة: قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وقد مضى الكلام عليها قريباً.

الجملة الرابعة: قولهُ عز وجل: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} لتكملوا عدد أيام الشهرِ بقضاءِ

= الفقه" للمجد بن تيمية (1/ 227)، و"منار السبيل" لابن ضويان (1/ 288).

(1)

روى البخاري (1815)، كتاب: الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (1082)، كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه"، وهذا لفظ مسلم.

(2)

رواه أبو داود (2337)، كتاب: الصوم، باب: في كراهية ذلك، والترمذي (738)، كتاب: الصوم، باب: كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان، وابن ماجه (1651)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم، والطبراني في "المعجم الأوسط"(6863)، وفي "مسند الشاميين"(1827)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 209)، عن أبي هريرة.

(3)

رواه أبو داود (2334)، كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، والنسائي (2190)، كتاب: الصوم، باب: صيام يوم الشك، والترمذي (686)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، وابن ماجه (1645)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، عن عمار بن ياسر، وهذا لفظ الترمذي.

ص: 256

ما أفطرتم في صومِكم وسفركم (1).

قال الشافعيُّ: سمعتُ من أرضاهُ من أهلِ العلم يقولُ في قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} : عدة رمضان، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} عند إكماله (2)، وقال عطاء:{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} ، أي: عددَ أيام الشهر (3)، وهو كالتأويل الذي رواه الشافعيُّ، ويستأنسُ له بما روى ابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسعٌ وعشرون يومًا، فلا تَصوموا حَتَى تَرَوُا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تَروهُ، فإنْ غُمَّ عليكم، فأكملوا العدَّةَ ثلاثين"(4).

الجملة الخامسة: قولهُ عز وجل: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} .

قال ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: هي تكبيراتُ ليلةِ الفِطْر (5).

(1) وهو قول ابن عباس والضحاك وابن زيد. انظر: "تفسير الطبري"(2/ 156)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 171).

(2)

في "أ": "كماله".

وقد ذكره الكيا الهراسي في "أحكام القرآن"(97)، وقد رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 314) عن الربيع بن أنس في قوله:{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} قال: عدة رمضان.

(3)

انظر قول عطاء في: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 220).

(4)

رواه البخاري (1808)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، ومسلم (1080)، كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.

(5)

رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 157) عن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله يقول: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} .

ص: 257

* وقد اختلفَ أهلُ العلم فيها.

- فذهبَ داودُ إلى وُجوبها (1).

- وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: هو مستحبٌّ، وليس بواجب (2).

- وعن ابنِ عباسٍ: يكبرُ مع الإمامِ ولا يكبِّر (3) المنفردُ (4).

- وعن أبي حنيفةَ: يكبِّرُ في الأضحى، ولا يكبِّر في الفطر (5)، وهو محجوجٌ بالآية.

* واختلفَ القائلونَ بالتكبير في ابتدائهِ.

- فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: لا يكبرُ ليلةَ الفطرِ، وإنما يكبرُ عندَ ذهابه إلى المُصَلَّى (6)؛ لما روى ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما-: أنَّ

(1) وهو قول ابن حزم؛ حيث قال: والتكبير ليلة عيد الفطر فرض. انظر: "المحلى"(3/ 5/ 89).

وانظر قول داود في: "تفسير ابن كثير"(1/ 384).

(2)

انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 171)، و"التفريع" لابن الجلاب (1/ 234)، و "المجموع" للنووي (5/ 48)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 255).

(3)

في "ب" زيادة "مع".

(4)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(5673)، و"المجموع" للنووي (5/ 48)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 263).

(5)

انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 48)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 57).

وقد صحح بعض الحنفية أن تكبير التشريق واجب. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 57).

(6)

انظر: "التفريع" لابن الجلاب (1/ 234)، و"مواهب الجليل" للحطاب (2/ 577)، وهو قول علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وآخرين من الصحابة، وقال به ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأبو الزناد، وعمر بن =

ص: 258

النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يخرجُ يومَ الفِطر، والأضحى رافعًا صوتَهُ بالتهليل والتكبيرِ، فيأخذُ طريقَ الحدّادينَ حتى يأتيَ المُصلَّى (1).

وفي لفظٍ آخرَ عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يكبرُ يومَ الفطرِ منْ حينِ يخرجُ من بيتهِ حتى يأتيَ المُصَلَّى (2).

وفي لفظٍ آخرَ: أنه كان إذا غَدا إلى المُصَلَّى يومَ العيدِ، كَبَّرَ فرفَعَ صوتَه بالتكبير (3).

- وقال الشافعي: يكبرُ بعدَ غروبِ الشمسِ ليلةَ الفطرِ (4)، ورواهُ عن ابنِ المسيِّبِ وعروةَ وأبي سَلَمَةَ، و (5) أنهم كانوا يكبرون ليلةَ الفطرِ، يجهرون بهِ (6)، وبه قال سائرُ فقهاءِ المدينةِ. وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- رأى

= عبد العزيز، وبه قال جمهور أهل العلم. انظر:"المجموع"(5/ 48).

قلت: ما نقله المؤلف رحمه الله عن الإمام أحمد أنه لا يكبر ليلة الفطر، هو خلاف ما ذكره أئمة المذهب، ولم يذكروا فيه خلافًا، قال في "الإنصاف" (2/ 434): أما ليلة عيد الفطر، فيسن التكبير فيها بلا نزاع أعلمه، ونص عليه. وقد قال قبله الخرقي: ويظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفطر آكد. انظر:"المغني" لابن قدامة (3/ 255)، و"الفروع" لابن مفلح (2/ 146).

(1)

رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(1431)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 279)، وفي "شعب الإيمان"(3714)، وفي "فضائل الأوقات"(153).

(2)

رواه الدارقطني في "سننه"(2/ 44)، والحاكم في "المستدرك"(1105)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 279)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(38/ 100)، عن عبد الله بن عمر.

(3)

رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(1/ 73)، وفي "الأم"(1/ 231)، عن عبد الله بن عمر.

(4)

انظر: "المجموع" للنووي (5/ 38).

(5)

الواو ليست في "ب".

(6)

انظر: "الأم" للإمام الشافعي (1/ 231)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (3/ 279).

ص: 259

النبيَّ صلى الله عليه وسلم يكبرُ عندَ خروجهِ، فأخبر بذلك، وذلك لا ينفي أنه كان لم يُكَبِّرْ قبلَ ذلك.

* وأما انتهاءُ وقتِ التكبير، ففيه اختلافٌ أيضًا (1).

* * *

10 -

(10) قوله جَلَّ ثنَاؤه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]

(1) أما تكبيرات عيد الفطر؛ فاختلف فيها العلماء على أقوال:

الأول: قول الشافعية، وهو أن يكبر حتى يحرم الإمام بصلاة العيد في الأصح.

الثاني: قول المالكية؛ وهو أن يستمر التكبير حتى يأتي المصلى.

الثالث: قول الحنابلة؛ يكبر حتى تفرغ الخطبة، على الصحيح من المذهب.

انظر: "التفريع" لابن الجلاب (1/ 234)، و"المجموع" للنووي (5/ 38)، و"الإنصاف" للمرداوي (2/ 434).

* وقد اختلف العلماء في التكبير عقب الصلوات أيام التشريق متى ينتهي، على أقوال:

1 -

قول الشافعية: أنه ينتهي في عصر آخر أيام التشريق، وهو مذهب الحنابلة أيضًا.

2 -

قول المالكية: أنه ينتهي في صبح آخر أيام التشريق.

3 -

قول الحنفية: ينتهي عقب صلاة العصر من يوم النحر.

انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 48)، و"التفريع" لابن الجلاب (1/ 235)، و"المجموع" للنووي (5/ 41)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 288).

ص: 260

وفي هذه الآية، ثلاثُ جمل:

الجملة الأولى: أن الرفثَ في هذه الآية هو الجِماع بالاتِّفاق (1)، أحَلَّه اللهُ تَعالى باللَّيْل، وقد كانَ حرامًا في صَدْرِ الإسلام بعدَ النومِ، وحَرَّمه بالنهار (2)، وبيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ منْ جامعَ في نَهارِ رمضانَ أنَّ عليه الكفّارةَ، وصفتُها في حديث الأعرابي المخرج في "الصحيحين"(3).

* والمباشرةُ التي أباحها الله بالليل، وحَرَّمها بالنهار، هي الجماع بالاتِّفاق (4).

* واختلفوا فيما ما دونه؛ كالقُبلة:

- فذهب الشافعي إلى جوازه (5)، واستدل برواية عائشةَ -رضي اللهُ

(1) انظر: "تفسير الطبري"(2/ 161)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 228)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 281)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 294)، و"تفسير ابن كثير"(1/ 388).

(2)

في "ب": "في النهار".

(3)

رواه البخاري (1834)، كتاب: الصوم، باب: إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء، فتُصدق عليه، فليكفر، ومسلم (1111)، كتاب: الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه:"هل تجد رقبة تعتقها" قال: لا، قال:"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " فقال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ "، الحديث.

(4)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 168)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 229)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 282)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 296).

(5)

اختلف العلماء في القُبلة على مذاهب:

فقال المالكية: إن علم السلامة من نزول المذي، كرهت له القبلة، وإلا حرمت.

وقال الشافعية والحنابلة: تكره له القبلة، وإن حركت شهوته.

وأقال الحنفية: تكره له إن لم يأمن المُفْسِدَ من إنزالٍ أو غيره، فإن أمن، فلا بأس. =

ص: 261

تعالى عنها- ذلك من فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالت: ولكنْ كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (1).

- ومنهم من حَرَّمها مطلقًا، وروي عن الشافعيِّ -أيضًا (2)، وحملَ الحديثَ على خصوصيته صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: ولكنَّه كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ.

- ومنهم من فَرَّقَ بينَ الشيخِ والشّابِّ، [فأحلَّها للشيخ دونَ الشَّابِّ؛ لكونهِ أملكَ لإرْبِهِ، بخلافِ الشَّابِّ](3).

والصحيحُ هو الأولُ؛ لما روى مالكٌ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يسار: أنَّ رجلًا قَبَّلَ امرأتَهُ وهو صائِم، فوجد من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسلَ امرأتَهُ تسألُ عن ذلك، فدخلت على أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، فأخبرتْها، فقالتْ أمُّ سلمةَ رضي الله عنها: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلُ وهو

= انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 353)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 332)، و "المجموع" للنووي (6/ 397)، و "الإنصاف" للمرداوي (3/ 328).

(1)

رواه البخاري (1826)، كتاب: الصوم، باب: المباشرة للصائم، ومسلم (1106)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة.

والإرب: العضو، والحاجة، ومعنى "أملككم لإربه"؛ أي: لحاجته، تعني أنه صلى الله عليه وسلم كان أغلبكم لهواه وحاجته، أي كان يملك نفسه وهواه. انظر:"اللسان"(1/ 208)، و"القاموس" (ص: 56) (مادة: أرب).

(2)

وممن نهى عنها ابن مسعود، وابن عمر، وابن المسيب، وابن الحنفية، وابن شبرمة.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 302)، و"المجموع" للنووي (6/ 397).

(3)

ما بين معكوفتين ليس في "ب".

وقد نسب ذلك إلى مالك، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة. انظر:"السنن الكبرى" للبيهقي (4/ 232)، و"المجموع" للنووي (6/ 397).

ص: 262

صائِمٌ، فرجعتِ المرأةُ إلى زوجِها، فأخبرتهُ، فزاده ذلك شَرًّا، وقال: لَسْنا مثلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُحِلُّ الله لِرَسولهِ ما شاء، فرجعت المرأةُ إلى أم سلمةَ، فوجدت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عندها، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"ما بالُ هذهِ المرأة؟ "، فأخبرته أمُّ سلمةَ، فقال:"ألا أخبرتيها أَنِّي أفعلُ ذلكَ؟ "، فقالت (1) أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء، فغضبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"واللهِ إنِّي لأَتقاكُم لله، وأَعْلَمُكُم بحُدودِه"(2).

قال الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: وقد سمعتُ من يصلُ هذا الحديثَ، ولا يحضرُني ذكرُ من وَصَله (3).

الجملة الثانية: أحل الله -سبحانه- لنا الأكل والشربَ في ليلةِ الصيام بعد أن كانَ حَرامًا إلى أن يتبيَّنَ لنا طلوعُ الفجرِ الثاني، بل طلبهُ من فعلِنا ابتداءً من غير أن يتقدمَ الطلبَ تصريحٌ بقصدِ التحليلِ والإباحة كما فعل في تحليل الرفث. ئم بيَّنَ صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنّ أمرَهُ وطلبه على الندب، فَكَرِهَ الوِصالَ (4)، وحثَّ على تعجيل الإفطار، وحث على السَّحورِ، وعلى

(1) في "ب": "قالت".

(2)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 291)، ومن طريقه: الإمام الشافعي في "مسنده"(1/ 240)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 94).

(3)

انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: 405). قال ابن عبد البر في "التمهيد"(5/ 108): هذا الحديث مرسل عند جميع رواة الموطأ عن مالك. وهذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، صحيح من حديث عائشة، وحديث أم سلمة، وحديث حفصة، يروى عنهنَّ كلهن، وعن غيرهن عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة.

(4)

روى البخاري (1864)، كتاب: الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال، ومسلم (1103)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن الوصال في الصوم، من=

ص: 263

تأخيرهِ، فقال:"لا تزالُ أمتي بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ (1) وأخَّروا السّحورَ"(2).

* وفي هذه الآية دليل على جواز الصوم لمن أصبح جنبًا، ووجه الدلالة من طريق الإشارة والاستلزام، وذلك أن الله تبارك وتعالى أباحَ الجِماع إلى أن يتبين الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود، ومعلوم أن من جامعَ قبلَ الفجرِ بلحظةٍ أنه لا يُدرِكُ فيها الاغتسال، وإنما يقعُ غسلُه بعدَ الفجر.

وقد روى ذلكَ من فعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشةُ وأمُّ سلمةَ -رضي الله تعالى عنهما (3) - وبذلك قال أكثرُ العلماء، واتفق عليه الفقهاءُ حتى صار إجماعًا، أو كالإجماعِ (4).

= حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال:"لو تأخر الهلال لزدتكم"؛ كالمنكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا.

وفي الباب عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

(1)

في "ب": "بالفطر".

(2)

رواه البخاري (1856)، كتاب: الصوم، باب: تعجيل الإفطار، ومسلم (1098)، كتاب: الصيام، باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه

، عن سهل بن سعد بلفظ:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". وقد رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 147) عن أبي ذر، باللفظ الذي ذكره المؤلف.

(3)

رواه البخاري (1825)، كتاب: الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا، ومسلم (1109)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.

(4)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 134)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 203)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 391)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 222)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 184).

ص: 264

وقال الحسنُ وإبراهيمُ وسالمُ بنُ عبد الله وعروةُ وعطاءُ وطاوسٌ: يصومُ ويقضي (1).

وروي عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه كانَ يقولُ: من أصبحَ جُنُبًا في رَمضانَ، أفطرَ (2)، وقال: ما أنا قلتُه، قالَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَبِّ الكعبةِ! (3)

ويروى (4) عنه أنه قال: لا عِلْمَ لي بذلكَ، إِنَّما أخبرَني مُخْبِرٌ (5).

وخرَّجَ مسلم في "صحيحه": أن أبا هريرة رجعَ عَمَّا كان يقول في ذلك (6).

والعملُ بحديثِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ أَولى؛ لأنَّ روايةَ اثنين أرجحُ من رواية واحدٍ، ولتقدمِ عائشةَ في الحفظِ والفِقْه، ولكونِ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعرفَ بهذا من رجلٍ إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، وبشهادة الأصول لحديثهما في غسل الطِّيبِ للمُحْرِمِ بعد الإحرام؛ إذ لا يجب تقدُّمه قبل الإحرام، ولاتِّفاقِ روايتهِمِا واختلافِ روايتِه.

(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (7/ 222)، و"المجموع" له أيضًا (6/ 327)، وانظر:"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 303)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 392)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 184).

(2)

رواه مسلم (1109)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.

(3)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 176)، وابن عبد البر في "الاستذكار"(3/ 289)، وفي "التمهيد"(17/ 421).

(4)

في "ب": "وروي".

(5)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 214).

(6)

رواه مسلم (1159)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.

ص: 265

- ثم اختلف القائلون بقول أبي هريرة، فرويَ عن أبي هريرةَ أنه قالَ: إذا عَلِمَ بجنابته، ثم نام حتى يصبحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يعلمْ حتى يصبحَ (1)، فهو صائم (2).

ورويَ عن عطاءٍ وطاوس وعروةَ.

ومنهم من قال: إنه يقضي في الفرضِ دون النفل. ورويَ (3) عن الحَسَنِ وإبراهيمَ (4).

والجميع محجوجونَ بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدركُه الفجرُ في رمضانَ وهو جُنُبٌ من غير حُلُمٍ، فيغتسلُ ويصومُ (5).

* وفي الآية دليلٌ على أن الحكم معلقٌ بالفجرِ الثاني المُسْتَطِيرِ الأبيضِ لا الأحمرِ (6). وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين. ورويَ عن حذيفةَ: أنه لما طَلَعَ الفجرُ، تسحَّرَ ثم صَلَّى.

وروى النسائي: أنه قيل لحذيفة: أيَّ ساعةٍ تسحرتَ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهارُ، إلا أن الشمسَ لم تطلُع (7).

(1) في "ب":"أصبح".

(2)

ذكره عنه ابن عبد البر في "التمهيد"(17/ 424).

(3)

في "ب": "ويروى".

(4)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (7/ 222).

(5)

تقدم تخريجه.

(6)

في "ب": "الأحمر لا الأبيض"، وهو خطأ.

(7)

رواه النسائي (2152)، كتاب: الصيام، باب: تأخير السحور، وابن ماجه (1695)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في تأخير السحور، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 400)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 52)، والمحاملي في "أماليه"(320).=

ص: 266

وروي مثلُ قولهِ عن عثمانَ وابنِ عباس وطَلْقِ بِنِ عَلِيٍّ.

ورويَ معني ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ، وعنْ مسروقٍ أنه قالَ: لم يكونوا يَعُدُّون الفَجْرَ فجْرَكُمْ هذا، إنما كانوا يَعُدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ (1).

وحكيَ عنِ الأعمشِ وإسحاقَ: أنهما قالا بجواز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس (2).

= قلت: وقد ذكر الإمام ابن القيم في "حاشية السنن"(6/ 341) أنه حديث معلول، وعلته الوقف، وأن زرًّا -يعني: ابن حبيش- هو الذي تسحر مع حذيفة.

وكذا ذكر الذهبي في "معجمه المختص"(ص: 64): أن الصحيح وقفه، وذكر ابن كثير في "تفسيره"(1/ 223) أنه تفرد به عاصم بن أبي النجود.

(1)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(9075)، وابن جرير الطبري في "تفسيره"(2/ 173)، لكن من حديث الأعمش عن مسلم.

(2)

اختلف العلماء في المقصود من قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} على أقوال:

الأول: أن المراد به هو حصول ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وهو قول جماهير أهل العلم من الصحابة، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار، وهؤلاء قالوا: يمسك عن الطعام والشراب والجماع بمجرد طلوع الفجر.

الثاني: أن المراد به انتشار البياض واستفاضته في السماء، فيملأ بياضه الطرق، وهذا يكون بعد طلوع الفجر بمدة، وهو قول أبي مجلز، ومسروق، وابن عباس، وسمرة بن جندب، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.

الثالث: أن المراد بالخيط الأبيض هو ضوء الشمس، وهو قول حذيفة، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وإبراهيم النخعي، والأعمش.

وقد تتداخل أقوال من قال بالقول الثالث مع الثاني.

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 171)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 131)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 296)، و"بداية المجتهد" لابن رشد=

ص: 267

* وفيها دليلٌ على أن الحكمَ مُعَلَّقٌ (1) في المواقيتِ بالإدراكِ الحِسِّيِّ، لا الإدراك العقلي؛ فإنَّ وقتَ الفجرِ يدخُلُ قُبيلَ التبيُّنِ قَطْعًا ويقينًا، ولم يعلِّقِ اللهُ -سبحانَهُ- الحُكْمَ به، وإنما علَّقه بالتبيُّنِ؛ لُطْفًا بعباده (2).

وذهب بعضُ المالكية إلى أنه يجب الإمساكُ قبيلَ الطُلوع (3)، وهو محجوجٌ بالآية، وبما رويناه في "صحيح البخاري": أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا واشربوا حتى يُنادِيَ ابنُ أُمِّ مكتوم"(4)، وقد عُلم أنه لا يُنادي إلا حينَ يطلعُ الفَجْر.

= (2/ 564)، و"المجموع" للنووي (6/ 324)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 325)، و"حاشية السنن" لابن القيم (6/ 341)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 136)، و"عمدة القاري" للعيني (10/ 296).

(1)

"معلق" ليست في "أ".

(2)

قال ابن رشد في "بداية المجتهد"(2/ 656): وسبب الاختلاف في ذلك الاحتمال الذي في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} هل على الإمساك بالتبيين نفسه أو بالشيء المتبين؛ لأن العرب تتجوَّز، فتستعمل لاحق الشيء بدل الشيء على وجه الاستعارة؛ فكأنه قال: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ لأنه إذا تبيَّن في نفسه، تبين لنا. فإذًا إضافة التبيين لنا هي التي أوقعت الخلاف؛ لأنه قد يتبين في نفسه ويتميز ولا يتبين لنا. وظاهر اللفظ يوجب تعلق الإمساك بالعلم، والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه، انتهى. وانظر:"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 296).

(3)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 566). وقد نقل الحافظ في "الفتح"(4/ 170) عن ابن بزيزة في "شرح الأحكام" قوله: واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا؛ بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب.

(4)

رواه البخاري (1819)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال"، عن عائشة، وعنده "يؤذن" بدل "ينادي".

ص: 268

* وفيها دليلٌ على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشكُّ في طُلوعِ الفَجْر، ولم يتبينْ لهُ الحالُ، بل استمرَّ على شَكِّه: أنّه لا يضرُّهُ الشَّكُّ، لأن اللهَ -تعالى- أباحَ الأكلَ والشربَ إلى أن يتبينَ لنا الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، وعلق الحكم على التبيُّنِ لنا، لا على التبيُّن في نفس الأمر (1).

وقال قومٌ: الحكمُ معلَّقٌ على التبيُّنِ نفسِهِ من غيرِ تعليقٍ بنا، فلا يجوز لهُ الأكلُ، وإنْ أكلَ لَزِمَهُ القضاءُ، وبه قال مالكٌ قياسًا على غُروبِ الشمسِ وعلى سائرِ الأوقاتِ الشرعيَّةِ (2)؛ كالزوالِ وغيرِه، وهو ضعيفٌ؛ لوضوحِ الفرق؛ فإن هذا مستديمٌ لحالِ (3) الإباحة والإذن؛ كالذي غُمَّ عليه هِلالُ رَمضان، والآخرُ مستديمٌ لحال النَّهْيِ والمنعِ.

* وفيها دلالةُ نَصٍّ على أن اللهَ سبحانه وتعالى أوجبَ علينا إتمامَ الصومِ إلى الليلِ، وهو إجماعٌ (4)، ويحصلُ بغروب الشمس (5).

(1) وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. انظر:"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 339)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 325)، و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 310).

(2)

انظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد (1/ 249)، و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 118).

(3)

في "ب": "بحال".

(4)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 564)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 323)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 325).

(5)

وذلك إذا غربت وتكامل غروبها، والاعتبار سقوط قرصها بكامله، وذلك ظاهر في الصحراء. قال الشيخ أبو حامد والأصحاب: ولا نظر بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه، وأما في العمران وقُلَل الجبال، فالاعتبار بألا يُرى شيء من شعاعها على الجدران وقُلَل الجبال، ويُقبل الظلام من المشرق. انظر:"المجموع في شرح المهذب" للنووي (3/ 33).

ص: 269

* وفيها دليل على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشُكُّ في غروبِ الشمس أنّهُ يبطُلُ صومُهُ؛ لأنه لم يَتيقَّن إتمامَ الصِّيامِ إلى الليل، وهو مستصحبٌ حالَ النهيِ عن الأكل والشربِ، وسواءٌ تبيَّنَ له الغروبُ أو (1) لم يتبين (2).

* وفيها دليلٌ على أنه إذا اعتقد دخولَ الليل، فأفطر، ثم ظهرتِ الشمسُ، أنَّه يبطل صومُه وعليهِ القضاءُ؛ لأنه لم يتمَّ الصِّيام إلى الليل. وبهذا قال أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفةَ.

ومنهم من ألحقهُ بالناسي، وبه قال الحسنُ وإسحاقُ وأهلُ الظاهر (3)، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه (4).

الجملة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وقد اشتملت هذه الآيةُ على ثلاث مسائل:

الأولى: نهانا الله تعالى عن المباشرةِ في حالِ الاعتكافِ، والمباشرةُ تقع على الوِقاع، وعلى ما دونهُ بشهوة وبغير شهوة، إما اشتراكًا، وإما حقيقة ومجازًا، وقد (5) بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ المباشرةَ بغيرِ شَهْوَةٍ غيرُ مُرادةٍ للهِ -تباركَ

(1) في "ب": "أم".

(2)

وهو مذهب الأئمة الأربعة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 339)، و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 118)، و"البيان" للعمراني (3/ 500)، و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 310).

(3)

وبه قال الحنابلة أيضًا. انظر: "الاستذكار"(10/ 174)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 306)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 330)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 389).

(4)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 303)، وانظر:"السنن الكبرى" للبيهقي (4/ 217).

(5)

في "ب": "فقد".

ص: 270

وتَعالى- فقدْ كانَ يُدني رأسَه إلى عائشةَ فَتُرَجِّلُه (1). ولاشكَّ أَنَّ الوِقاعَ مُرادُ اللهِ تبارك وتعالى.

* واختلف أهل العلم في المباشرة بشهوة (2).

- فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تفسد، إلا أن يُنْزِلَ (3)، وحمل اللفظ إما على أحد معانيه، وإما على حقيقته دون مجازه.

- وذهب مالكٌ إلى أنه يفسد الاعتكاف سدًا للذَّريعة (4)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه (5)؛ لجوازِ حمل اللفظِ المشترَكِ على جميع معانيه.

الثانية: وفيها دليلٌ على أنه لا يجوز الاعتكافُ إلا في المسجد؛ لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، ولبيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فلم يعتكف إلا في المسجد، وعلى هذا اتفق أهل العلم (6).

(1) رواه البخاري (292)، كتاب: الحيض، باب: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، ومسلم (297)، كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، عن عائشة.

(2)

في "أ": "لشهوة".

(3)

انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 393).

(4)

انظر: "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 399)، و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 123).

(5)

والقول الآخر له: أن اعتكافه لا يبطل إلا إذا أنزل، وهذا هو الأظهر من القولين في هذه المسألة. انظر:"البيان" للعمراني (3/ 595)، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (2/ 192).

وهذا القول الأظهر للشافعية هو المعتمد عند الحنابلة. انظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 475)، و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 382).

(6)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 273)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 610)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 302)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 310).

ص: 271

وقال بعضهم: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها (1).

وَشذ بعضهم، فروي عنه أنه يصح (2) في غير مسجدٍ (3)، والمخصوصُ بالمساجدِ إنَّما هو منعُ المباشرةِ المنافيةِ لحُرْمَةِ المسجد، وهو مَحجوجٌ بالسنَّةِ والإجماع.

* ثم اختلفوا في تعميم المساجد وتخصيصها، فحكي عن عليٍّ رضي الله عنه وحمَّاد: أنهما قالا: لا يصح إلّا في المسجد الحرام (4).

[وقال عطاء: لا يصحُّ إلا في المسجدِ الحرام](5) ومسجدِ المدينةِ (6).

وقال حذيفةُ وسعيدُ بن المسيِّب: لا يصحُّ إلا في مسجدِ بناه نبيٌّ من الأنبياء؛ كالمسجد الحرام، ومسجدِ المدينة والمسجدِ الأقصى (7).

(1) وهو مذهب الحنفية؛ انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 381).

(2)

"يصح" ليس في "أ".

(3)

وهو قول محمد بن عمر بن لُبابة المالكي. انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 610)، و "القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 122)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 342).

(4)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 147)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 273)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 311)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 507): أنهما قالا: لا اعتكاف إلا في مسجد يجمَّع فيه.

(5)

ما بين معكوفتين ليس في "ب".

(6)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(8018).

(7)

انظر أثر حذيفة رضي الله عنه في "مصنف عبد الرزاق"(8014). وأثر سعيد بن المسيب في "مصنف ابن أبي شيبة"(9760). وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 273)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (6/ 507)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 462)، و "فتح الباري" لابن حجر (4/ 342).

ص: 272

وقال ابن مسعود والزهري وعروة وابن عُتَيبة (1) وحمّاد لا يصحُّ إلَّا في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، وبه قال مالك في رواية ابن الحكم عنه، ويروى عن علي رضي الله عنه (2).

وقال أحمد: لا يصحُّ إلا في مسجدٍ تقام فيه الجماعة (3).

وقال قومٌ: يصحُّ في جميع المساجد، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومالكٌ (4) وداود، واختاره ابنُ المنذر، ويروى عن سعيدِ بن جبير وأبي قِلابة (5).

والخِطابُ يدل عليه؛ فإنه عمَّ المساجدَ، ولم يخصَّ مسجدًا بعينه.

ويحتملُ أن الخطابَ من العامِّ الذي أُريِد به الخاصُّ، وهو معهودٌ في الشرعِ (6)، بدليلِ قوله تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18]، وأراد المسجد الحرام.

الثالثة (7): ذكر الله -سبحانه- الاعتكافَ مقرونًا بذكر الصيام، وكان

(1) يعني: الحكم.

(2)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 273)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 311)، و"المجموع" للنووي (6/ 507)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 342).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 461)، و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 364).

(4)

وهو المعتمد عند المالكية. انظر: "الذخيرة" للقرافي (2/ 535)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 396)، و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 122).

(5)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(9748، 9756). وانظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 274)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 135)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 381).

(6)

في "ب": "بالشرع".

(7)

في "ب": "والثالثة".

ص: 273

النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في شهرِ رمضانَ العَشْرَ الوسطَى (1)، ثم اعتكفَ العشرَ الأخير (2).

- فمن أهلِ العلم من اشترطَ الصومَ في الاعتكاف، واسْتَأنسَ بكونهِ مقرونًا بذكر الصوم، وبأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اعتكفَ صائمًا، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ، والشافعيُّ في القولِ القديم، ويروى عن عائشة وابنِ عباس وابن عُمَرَ (3).

- ومنهم من لم يشترطِ الصِّيامَ، ورأى أن صومَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم جرى بحكم الاتِّفاقِ؛ فإن صومَ رمضانَ لا يصلح لغيره، واستدلَّ بما خرَّجه البخاريُّ في "صحيحه": أن عمرَ رضي الله عنه قال: يا رسول الله! إني نذرتُ أنْ أعتكفَ ليلةً في الجاهليَّةِ، فقال له:"أَوْفِ بِنَذْرِكَ"(4).

(1) في "أ": "الوسط".

(2)

في "ب": "الآخرة". والحديث رواه مسلم (1167)، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، عن أبي سعيد الخدري.

(3)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 290)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 311)، و"المجموع" للنووي (6/ 511)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 459)، "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 395)، و "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 384).

قلت: والصحيح المشهور عند الحنابلة: أن الصوم ليس شرطًا، وإنما يصح دون صيام. انظر:"المغني" لابن قدامة (4/ 459)، و"الإنصاف" للمرداوي (3/ 358).

والصحيح المعتمد عند الشافعية: أن الصوم مستحب وليس شرطًا. انظر: "المجموع" للنووي (6/ 508)، و"مغني المحتاج" للشربيني (2/ 193).

(4)

رواه البخاري (1938)، كتاب: الاعتكاف، باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، وعنده:"أن يعتكف في المسجد الحرام".

ص: 274

والليلُ ليسَ مَحَلًا لصيامٍ، وبهذا قالَ الشافعيُّ وأحمدُ في أحد قوليه (1)، وروي (2) عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما (3).

وأما الاقترانُ، فلا يوجب للقرين حكمَ قرينه (4)؛ كما قرره أهل النظر.

* ولأجلِ اختلافِهم في (5) اعتكافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم العشرَ الأواخرَ، هل جرى بحكم الاشتراط أو الاتفاق، اختلفوا في أقلِّ الاعتكافِ: فقال بعضُ المالكية: أقلُّهُ يوم. وقال بعضهم: أقلُّه عشرة أيام (6).

وعامةُ الفُقهاء على (7) أنه لا حَدَّ لهَ (8).

* * *

(1) وهو الصحيح عند الحنابلة والشافعية، كما تقدم. وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن عُلَيَّة، وإسحاق، وداود. انظر:"الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 292).

(2)

في "ب": "ويروى".

(3)

انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة (9711).

(4)

يعني: أنه لا يلزم من مجرد الاعتكاف في رمضان اشتراط الصوم.

(5)

في "ب" زيادة "مدة".

(6)

الخلاف في هذا هو عن الإمام مالك رحمه الله؛ فإنه روي عنه: أن أقله يوم وليلة، وروي عنه: أن أقله ثلاثة أيام، وروي عنه: أنه عشرة أيام. والمعتمد في المذهب: أن أقله يوم وليلة، وأعلاه في الاستحباب عشرة أيام.

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 313)، و"المقدمات الممهدات" لابن رشد (1/ 259)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 542)، و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص: 123).

(7)

"على" ليست في "ب".

(8)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (10/ 314)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 305)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 311)، و"المجموع" للنووي (6/ 515)، و"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 169)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 385).

ص: 275