الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر التوهيم:
والبعض ماتوا من التوهيم واطرحوا
…
والسمر قد قبلتهم عند موتهم1
قلت: هذا النوع، أعني التوهيم، وتقدمه باب الترشيح، كان الأليق بهما أن ينتظما في سلك باب التورية ويذكر التوهيم مع إيهامها والترشيح مع المرشحة، وقد تقرر كل من النوعين وتقدم في بابه، والذي مشى عليه الشيخ صفي الدين هنا هو إيهام التورية وهو قوله:
حتى إذا صدروا والخيل صائمة
…
من بعد ما صلت الأسياف في القمم
فذكر صيام الخيل، هنا، يوهم السامع أن السيوف صلت من الصلاة، ومراده الصليل وهو صوت الحديد، وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} 2 بعد قوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} 3 فإن ذكر الشمس والقمر، هنا، يوهم السامع أن المراد بالنجم أحد النجوم، والمراد به النبت الذي لا ساق له.
قال ابن أبي الأصبع: وقد يأتي التوهيم للمطابقة، كقول أبي تمام، رحمه الله تعالى:
تردّى ثياب الموت حمرًا فما أتى
…
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فإنه أوهم بالمطابقة بين الأحمر والأخضر، وليس يطابق، إذ الأحمر لا يطابق
1 السمر: الرماح. التقبيل: الطعن في الثغر. ويحتمل أن يكون السمر النساء، والتقبيل: الاتجاه نحو القبلة.
2 الرحمن: 55/ 6.
3 الرحمن: 55/ 5.
الأخضر وفرع منه ضربًا آخر فقال: هو أن يأتي المتكلم بكلمة توهم، بما بعدها من الكلام، أن المتكلم أراد تصحيفها ومراده خلاف ذلك، كقول أبي الطيب:
وإن الفئام التي حوله
…
لتحسد أرجلها الأرؤس
فإن الأرجل أوهمت السامع أن لفظة الفئام بالقاف، ومراد الشاعر الفئام بالفاء، وهي الجماعات الكثيرة، هكذا روي هذا البيت، والمبالغة تقتضيه فإن القيام بالقاف يصدق عليه أقل الجمع. انتهى.
وبيت عز الدين الموصلي:
يا سائرًا مفردًا أعربت لحنك في
…
توهيم منع رضاع الشاء من حلم
قلت: هذا البيت المبارك عجزت عن حل معناه، إذ ليس له تعلق بما قبله، ولا بما بعده، ولا بمدح النبي صلى الله عليه وسلم ولم أزل في حيرة إلى أن وقفت على شرح المصنف، فوجدته قد قال: الحلم مشتق من الحلمة، وهي رأس الثدي، ويحصل في جلد الشاة دود، فتقول العرب: حلمت وحلم أديمها، أي وجد الدود في جلدها، ثم قال: ومعنى البيت، أني أخاطب سائرًا في الطريق منفردًا بنفسه عن الناس، لا يرغب في مرافقة أحد، فقلت: له وأنت تتوهم بترك اجتماعك بالناس معنى لا تظهره، كما يوهم الراعي بمنع رضاع الشاء، أن جلودها حلمت، وحلم بين حلم الشاة وحلم الأديب. قلت والله ما ازددت إلا حيرة في تفسير هذا الشرح، والذي أقوله: إن الشرح والنظم في العقادة، وعدم الفائدة، كفرسي رهان.
وبيت بديعيتي تقدم قبله وهو:
وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت
…
شكوى الجريح إلى العقبان والرخم
وقلت بعده في التوهيم:
والبعض ماتوا من التوهيم واطرحوا
…
والسمر قد قبلتهم عند موتهم
فذكر الموت في البيت يوهم السامع أن نساءهم السمر قد أدارتهم إلى جهة القبلة، كما هو المعهود. والتوهيم هنا في التقبيل وفي السمر، والمراد بالسمر الرماح، وبالتقبيل الطعن في الأفواه التي تنزل هنا منزلة التقبيل، واستعارة التقبيل للرماح في غاية الحسن، فإنهم شبهوا سنان الرماح باللسان، وشبهوا مواقع الطعن بالثغور. ويعجبني هنا قول ابن المزين في الرمح:
أنا أسمر والراية البيضاء لي
…
لا بالسيوف وسل من الشجعان
لم يحل بي عيش الغداة لأنني
…
نوديت يوم الجمع بالمران1
وإذا تفاخمت الكماة بجحفل
…
كلمتهم فيه بكل لسان2
1 المران: الرماح اللدنة الصلبة واحدتها مرانة.
2 تفاخمت: علت قدرًا. الكماة: الأبطال الشجعان. الجحفل: الجيش الجرار. كلم: جرح. اللسان من الرمح سهمه.