الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر حسن الاتباع:
ذكراه يطربهم والسيف ينهل من
…
أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم1
هذا النوع، أعني حسن الاتباع، هو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن اتّباعه فيه، بحيث يستحق بوجه من الوجوه الزائدة التي توجب للمتأخرين استحقاق معنى التقدم، إما باختصار لفظه، أو قصر وزن أو عذوبة لفظ، أو تمكين قافية، أو تتميم نقص، أو تحلية من البديع توجب الاستحقاق، كاتباع أبي نواس جريرًا
في قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم
…
حسبت الناس كلهم غضابا
فنقل أبو نواس المعنى من الفخر إلى المدح بقوله:
وليس على الله بمستنكر
…
أن يجمع العالم في واحد
فزاد على جرير زيادات، منها: قصر الوزن، وحسن السبك، وإخراج كلامه من الظن إلى اليقين، وأيضًا فإن ذكر العالم، أعم من ذكر الناس في بيت جرير.
وعدوا من الشواهد الحسنة في حسن الاتباع، قول منصور النميري، في زينب أخت الحجاج وأترابها، وهو:
وهي اللواتي إن برزن قتلنني
…
وإن غبن قطّعن الحشا حسرات
1 شان: عاب.
فأحسن اتباعه ابن الرومي بقوله:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت
…
وقع السهام ونزعهن أليم
قلت: وقع السهام ونزعهن، بعد ويلاه، في بيت ابن الرومي، تركت بيت النميري أطلالًا بالية:
وقال أبو عبادة البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسودت
…
ما بيننا تلك اليد البيضاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة
…
عجبًا وبرُّ راح وهو جفاء
وأحسن أبو العلاء وقال:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم
…
والعذب يهجر للإفراط في الخصر
لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر، مع الإيجاز والإيضاح وحسن البيان.
وقال عنترة:
إني امرؤ من خير عبس منصبًا
…
شطري وأحمي سائري بالمنصل1
فأحسن اتباعه منصور الفقير في شريف نسبه، وكان شرفه من جهة أبيه لا من جهة أمه، بقوله:
إن فاتني بأبيه
…
فلم يفتني بأمه2
ورام شتمي ظلمًا
…
سكت عن نصف شتمه
فإن هذا الفقيه أحسن غاية الإحسان، من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به في بيت تام من الكامل، في بيت من المجتث، وأتى بالمطابقة المعنوية، فأما قوله سكت عن نصف شتمه، ففيه من التأدب الديني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والاحتراس، ما يزيد على الوصف.
وقال ابن الرومي:
تخذتكم درعًا حصينًا لتدفعوا
…
نبال العدا عني فكنتم نصالها
1 المنصل: السيف.
2 لم يفتني: بالقرابة.
وكنت أرجي منكم خير ناصر
…
على حين خذلان اليمين شمالها
فإن كنتم لا تحفظون مودتي
…
ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا وقفة المعذور عني بمعزل
…
وخلوا نبالي للعدا ونبالها
فأحسن ابن سنان الخفاجي اتباعه بقوله:
أعددتكم لدفاع كل ملمة
…
عونًا فكنتم عون كل ملمة
وتخذتكم لي جنة فكأنما
…
نظر العدو ومقاتلي من جنتي1
فلأنفضن يدي يأسًا منكم
…
نفض الأنامل من تراب الميت
ويعجبني هنا قول القائل:
وأخوان حسبتهم دروعًا
…
فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائبات
…
فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب
…
لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقال ابن الرومي:
سد السداد فمي عما يريبكم
…
لكن فم الحال عني غير مسدود
وأحسن زكي الدين بن أبي الأصبع اتباعه فقال:
هبني سكت فما لسان ضرورتي
…
أهجى لكل مقصر عن منطقي
وقال سليك بن سلكة:
وتبسم عن ألمي اللثاة مفلج
…
خليق الثنايا بالعذوبة والبرد2
وما ذقته إلا بعيني تفرسًا
…
كما شيم برق في السحابة من بعد3
وقال نصيب:
كأن على أنيابها الخمر شجها
…
بما الندى في آخر الليل عابق4
وما ذقته إلا بعيني تفرسًا
…
كما شيم في أعلى السحابة بارق
1 أي منكم عرف العدو كيف يقتلني. والمقاتل: الأمكنة التي إذا أصيب فيها الإنسان قتل.
2 ألمى: أسمر. اللثاة: مفردها لثة وهي مكان انغراز الأسنان في الفم. مفلج: بين أسنانه فسحات متساوية.
3 التفرّس: التثبت بالنظر. شيم: انتظر.
4 شجها: الخمرة مزجها بالماء. العابق: اللبق الظريف.
وأحسن بشار بن برد اتباعهما بإيجازه، وقال:
يا أطيب الناس ريفًا غير مختبر
…
إلا شهادة أطراف المساويك1
وقال السموأل:
يقرب حب الموت آجالنا لنا
…
وتكرهه آجالهم فتطول
فأحسن بشار اتباعه بزيادة محاسن، فقال: أفناهم الصبر إذ أبقاهم الجزع.
وقال الأسود ابن يعفر:
يسعى بها ذو توأمين كأنما
…
قنأت أتأمله من الفرصاد2
وأحسن أبو نواس اتباعه، بزيادة من المحاسن، وقال:
تبكي فتذري الدمع من نرجس
…
وتلطم الورد بعناب
استوفى أبو نواس المعنى في نصف بيت، وأخذه الوأواء الدمشقي من أبي نواس، وزاد عليه زيادة عجيبة، بقوله:
وأمطرت لؤلؤًا من نرجس فسقت
…
وردًا وعضت على العناب بالبرد
وقال مسلم بن الوليد:
تجري محبتها في قلب عاشقها
…
مجرى المعافاة في أعضاء منتكس3
فأحسن أبو نواس اتباعه فقال:
فتمشت في مفاصلهم
…
كتمشي البرء في السقم
وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض الملوك باليمن:
منع البقاء تقلب الشمس
…
وطلوعها من حيث لا تمسي
تجري على كبد السماء كما
…
يجري حمام الموت في النفس
نقل أبو هلال العسكري في "الصناعتين" عن الصولي أنه قال: حدثني أبو بكر بن هارون بن عبد الله المهلبي، قال: كنا في حلقة دعبل الشاعر، فجرى ذكر أبي تمام،
1 المساويك: مفردها مسواك وهو غصن شجر يستاك به أي تنظف به الأسنان.
2 قنأ: احمر كثيرًا- الفرصاد: التوت أو صبع أحمر، أو نوى العنب.
3 المعافاة: البرء. المنتكس: الذي يعود إليه المرض بعد تماثله للشفاء.
فقال دعبل: كان يتبع معانِيَّ فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: مثل ماذا أعزك الله؟ فقال: قلت:
وإنّ امرأ أسدى إلَيَّ بشافع
…
إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
فأخذه أبو تمام، وقال:
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة
…
من جاهه فكأنها من ماله
فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت والله، قبحك الله. فقال الرجل: إن كان سبقك بهذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك فقد أجاد فصار أولى به منك على الحالين، فغضب دعبل وقام.
وقال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
…
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج1
فأحسن اتباعه سلم الخاسر، وقال:
من راقب الناس مات غمًا
…
وفاز باللذة الجسور
فلما سمع بشار هذا البيت قال: قد ذهب ابن الفاعلة ببيتي.
وممن زاد على المتقدمين بحسن سبكه وعذوبة لفظه، ابن المعتز رحمه الله بقوله:
ولا ضوء هلال كاد يفضحه
…
مثل القلامة قد قدت من الظفر2
وهو مأخوذ من قول الأول:
كأن ابن ليلته جانح
…
إلى مسقط الأفق من خنصر3
وقال أبو العتاهية:
كم نعمة لا تستقل بشكرها
…
لله في طي المكاره كامنه
فأحسن أبو تمام اتباعه فقال:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
…
ويبتلى الله أدنى القوم بالنعم
1 الفاتك: الشجاع. اللهج: المثابر.
2 القلامة: قصاصة الظفر. قُدّ: قُطِع.
3 ابن ليلته: الهلال مضت عليه ليلة واحدة بعد المحاق. الخنصر: الأصبع الأصغر.
فزاد عليه، إلا أنه أتى بعكس المعنى، وما يعرف للمتقدمين معنى شريف، إلا نازعهم إياه المتأخرون وطلبوا الشركة معهم فيه، إلا قول عنترة: وخلا الذباب بها فليس بنازح1. فإنه ما نوزع في هذا المعنى، على جودته، وقد رامه بعض المجتهدين فافتضح، وتقرر ذلك في بيت سلامة الاختراع.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، على حسن الاتباع قوله:
ينازع السمع فيها الطرف حين جرت
…
فيرجعان إلى الآثار في الأكم2
بيت الشيخ صفي الدين مأخوذ من قول القائل:
وطرف يفوت الطرف في جريانه
…
ولكن للأسماع فيه نصيب
والعميان ما نظوا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
والجزع حن إليه بعد فرقته
…
حسن اتباع لتلك الأربع الحرم
ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أنه اتبع الفرزدق في قوله، في مديح الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن عليّ رضي الله عنهما وهو هذا:
هذا ابن من تعرف البطحاء وطأته
…
والركن يعرفه والبيت والحرم
وبيت بديعيتي تقدمه قولي، في حق الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى
…
كم فسروا من بدور في دجى الظلم
ثم إني قلت بعده، في حسن الاتباع عن الصحابة:
ذكراه يطربهم والسيف ينهل من
…
أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم
هذا المعنى سبقني إليه الشيخ شرف الدين بن الفارض، وكنت في صغري أترنم به وهو قوله:
فلي ذكرها يحلو على كل صيغة
…
ولو مزجوه عذلي بخصام
الشيخ شرف الدين قرر: إن ذكر محبوبه يحلو، ولو كان في محل خصام من
1 نازح: مغادر.
2 الأكم: المكان الملتف الأشجار، المرتفع.
العذال، وقولي أبلغ في حق الصحابة رضي الله عنهم لأن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يطربهم والسيوف تنهل من أجسامهم، وأين الطرب في هذا المقام؟ من يحلو في ذلك المقام؟ وأين المخاصمة بالألسن من التكليم بألسنة السيوف؟ والزيادة التي ما على حسنها من مزيد، قولي: لم يشن حسن اتباعهم، فإن شدة الحرب وتكليم النفوس، ما شان حسن السيوف وذهاب الأنفس، ما شان حسن اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم يومًا من الأيام. والتورية، في حسن الاتباع الذي هو المراد من تسمية النوع، محاسنها لا تخفى على المنصفين من أهل الأدب، والله أعلم.