الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بخميص أَنه جائعٌ من فِيهِ فالصفة للزمن وَالْمعْنَى لأَهله.
يَقُول لَهُم: اقتصروا على بعض مَا يشبعكم وَلَا تملؤوا بطونكم من الطَّعَام فينفد طَعَامكُمْ فَإِذا نفد احتجتم إِلَى أَن تسألوا النَّاس أَن يطعموكم شَيْئا. وَإِن قدرتم لأنفسكم جُزْءا من الطَّعَام عففتم عَن مَسْأَلَة النَّاس. انْتهى.
ويروى: تعيشوا. كَانُوا يتلصصون ويتغاورون لأَنهم فِي زمن قحط فَقَالَ لَهُم ذَلِك.
وَالْمعْنَى: كلوا قَلِيلا تَكُونُوا أعفاء لَا يصدر مِنْكُم فعل قَبِيح كالإغارة والتلصص. أَو تعيشوا)
وَلَا تَمُوتُوا فَإِن زمانكم زمن قحط أَهله جائعون. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يعلم قَائِلهَا. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
3 -
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
الطَّوِيل لنا إبلان فيهمَا مَا علمْتُم على أَنه يجوز تَثْنِيَة اسْم الْجمع على تَأْوِيل: فرْقَتَيْن وجماعتين.
قَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل: الْقيَاس يَأْبَى تَثْنِيَة الْجمع. وَذَلِكَ أَن الْغَرَض من الْجمع الدّلَالَة على الْكَثْرَة والتثنية تدل على الْقلَّة فهما مَعْنيانِ متدافعان وَلَا يجوز اجتماعها فِي كلمةٍ وَاحِدَة.
وَقد جَاءَ شَيْء من ذَلِك عَنْهُم على تَأْوِيل الْإِفْرَاد قَالُوا: إبلان وغنمان وجمالان. وَحكى
أَقُول: المُرَاد من تَثْنِيَة الْجمع تَضْعِيفه بجعله مثلين من نَوْعَيْنِ فَلَا تدافع بَين التَّثْنِيَة وَالْجمع إِلَّا إِذا توجها إِلَى مُفْرد.
وَقد تقدم مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وأنشده صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَالتقى الماءان من سُورَة الْقَمَر فِي قِرَاءَة التَّثْنِيَة على أَن المُرَاد نَوْعَانِ: مَاء السَّمَاء وَمَاء الأَرْض كَمَا يُقَال: تمران وإبلان.
وَهَذَا المصراع وَقع فِي شعرين: أَحدهمَا مَا أنْشدهُ أَبُو زيد فِي نوادره وَهُوَ الْمَشْهُور فِي كتب النَّحْو وَالتَّفْسِير وَتَمَامه: فَعَن أيةٍ مَا شِئْتُم فتنكبوا وَهُوَ بَيت مُفْرد لم يذكر غَيره وَلَا قَائِله.
وَنسبه الصَّاغَانِي فِي الْعباب لشعبة بن قمير وَهُوَ شَاعِر
مخضرم أسلم فِي زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وَلم يره.
ذكره ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي قسم المخضرمين وَقَالَ: الْإِبِل لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَهِي مُؤَنّثَة لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين فالتأنيث لَهَا لَازم وَالْجمع آبال. وَإِذا صغرتها أدخلتها الْهَاء فَقلت: أبيلة كَمَا تَقول: غنيمَة. وَإِذا قَالُوا: إبلان فَإِنَّمَا)
وَمثله مَا أنْشدهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة من شعرٍ للمساور بن هِنْد وَهُوَ: الطَّوِيل
(إِذا جارةٌ شلت لسعد بن مالكٍ
…
لَهَا إبلٌ شلت لَهَا إبلان)
أَرَادَ: إِذا جارةٌ لسعد بن مَالك شلت إبلٌ لَهَا شل من أجلهَا قطيعان من الْإِبِل. والشل: الطَّرْد.
قَالَ ابْن المستوفي: قَالُوا فِي نَحوه: إبلان وغنمان ولقاحان. وَنَحْوه أَنهم أَرَادوا بِهِ قطعتين: قِطْعَة فِي جِهَة وَقطعَة فِي أُخْرَى أَو قطعتين من الْإِبِل وَالْغنم أَو إبِلا مَوْصُوفَة بِصفة غير الْإِبِل الْأُخْرَى لتفيد التَّثْنِيَة معنى مَا.
وَقَوله: عَن أيةٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْأَصْل عَن أَيَّتهمَا فَلَمَّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنهُ التَّنْوِين.
وَالْمَشْهُور فِي الْكتب فَعَن أَيهَا بتأنيث الضَّمِير على أَنه رَاجع إِلَى فرقة وَقطعَة.
وروى: وَعَن أَيهمَا بضمير التَّثْنِيَة مَعَ تَخْفيف
أَي. وَهَذِه الرِّوَايَة وَاضِحَة. قَالَ صَاحب الْعباب: وانتكب الرجل كِنَانَته أَو قوسه إِذا أَلْقَاهَا على مَنْكِبَيْه وَكَذَلِكَ تنكبها. وتنكبه: تجنبه.
انْتهى.
قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: الإبلان: جماعتان من الْإِبِل. وَلَفظ الْإِبِل فِي عرفهم عبارةٌ عَن مائَة بعير وَإِن جَازَ اسْتِعْمَاله فِي أَكثر مِنْهُ.
وَقَوله: فيهمَا مَا علمْتُم قَالَ صَاحب الْكتاب يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيّ: أَي مَا علمْتُم من قرى الأضياف وَتحمل الغرامات والديات. والتنكب: التجنب. وتنكب الْقوس: أَلْقَاهَا على مَنْكِبه.
وَلَا يدْرِي مِمَّا أَخذ مَا فِي الْبَيْت. نَقله كُله عَن المقتبس.
قلت: أَخذه من الثَّانِي وَضَمنَهُ معنى الْأَخْذ. وَالْمعْنَى: لنا قطيعان من الْإِبِل فيهمَا مَا علمْتُم من قرى الأضياف وَتحمل الغرامات فَخُذُوا عَن أَيهمَا مَا شِئْتُم وأردتم فَإِنَّهَا مباحةٌ غير مَمْنُوعَة. وَلَا يبعد أَن يُرِيد: فتجنبوا عَن أَيهمَا مَا دَامَ لكم
مَشِيئَة أَي: أبدا. فتجنبوا فَإِنَّهَا مَحْفُوظَة بِنَا. وَفِي هَذَا الْوَجْه يكون الْبَيْت مُشْتَمِلًا على السماحة والحماسة وَالْقَصْد إِلَى وصف أَرْبَابهَا بِالْعِزَّةِ وَالْقُوَّة وَأَن أحدا لَا يقدر على التَّعَرُّض لإبلهم. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ خضر الْموصِلِي فِي شرح شَوَاهِد التفسيرين: تنكبوا: اجعلوه فِي منكبكم. وعَن للمجاوزة لِأَن الْقطعَة المتنكبة قد انفصلت عَن الْبَاقِي من تنكب الْقوس: أَلْقَاهَا على مَنْكِبه أَو من نكب عَن الطَّرِيق:
عدل عَنهُ أَي: اعدلوا عَن أَيهَا شِئْتُم.)
وَالظَّاهِر أَن الْمَعْنى هُوَ هَذَا الْأَخير. وَيمْنَع الْمَعْنى الأول شَيْئَانِ: والثَّانِي: معنوي وَهُوَ أَن الْإِبِل لَا يُمكن حملهَا على الْمنْكب عَادَة. وَالله أعلم.
ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أَبْيَات إِيضَاح الْفَارِسِي لِابْنِ بري المصراع الثَّانِي: فَعَن أَيهَا بإفراد الضَّمِير وتأنيثه. وَقَالَ: قبله:
(غَدَاة دَعَا الدَّاعِي فَكَانَ صريخه
…
نجيحاً إِذا كرّ الدُّعَاء المثوب)
(بِكُل وآةٍ ذَات جدٍّ وباطلٍ
…
وطرفٍ عَلَيْهِ فارسٌ متلبب)
(وجمعٍ كرامٍ لم تمزر سراتهم
…
حسى الذل لَا دردٌ وَلَا متأشب)
الصَّرِيخ: الْإِجَابَة وَهُوَ فِي معنى مصرخٍ الَّذِي هُوَ مصدر كالإصراخ. يُقَال: أصرخته إِذا أغثته. ونجيحاً: منجحاً. والمثوب: الْمُنَادِي. والوآة بِفَتْح الْوَاو وهمزة ممدودة فهاءٍ: الْفرس السريعة المقتدرة الْخلق كَأَنَّهَا تضمن لحاق الْمَطْلُوب وتعديه لسرعتها وقوتها. والطّرف: الحصان الْكَرِيم.
والمتلبب: المتحزم المشمر.
وَقَوله: فَعَن أَيهَا أعَاد الضَّمِير على مَجْمُوع الإبلين لِأَنَّهَا جمَاعَة. وَأَرَادَ بقوله: مَا علمْتُم الْمنية وَيجوز أَن تكون الْهَاء تَنْبِيها وَالتَّقْدِير: فَعَن أَيهَا شِئْتُم فتنكبوا. وعدى تنكبوا بعن لِأَنَّهُ بِمَعْنى اعدلوا وَمَعْنَاهُ التحذير والإرشاد أَي: تنكبوا مَا شِئْتُم مُنْذُ لَك فَهُوَ خيرٌ لكم. انْتهى كَلَامه.
وَقَالَ شارحٌ آخر لأبيات الْإِيضَاح: الْهَاء من أَيهَا رَاجِعَة إِلَى الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرهَا قبل وَهِي رَاكب كل وآة وراكب كل طرف وَالْجمع الْكِرَام. وَمرَاده الإيعاد والتهديد لَا صَرِيح الِاسْتِفْهَام كَأَنَّهُ قَالَ: فَعَن أَيهَا مَا شِئْتُم فتنكبوا هَذِه الْإِبِل إِن اسْتَطَعْتُم أَي: إِنَّكُم لَا تقدرون على ذَلِك. هَذَا كَلَامه.
وَالشعر الثَّانِي هُوَ شعر عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع التَّيْمِيّ.
والمصراع أول قصيدةٍ عدتهَا سَبْعَة عشر بَيْتا. وَهَذِه أَرْبَعَة أبياتٍ من أَولهَا: الطَّوِيل
(هما إبلان فيهمَا مَا علمْتُم
…
فأدوهما إِن شِئْتُم أَن نسالما)
(وَإِن شِئْتُم ألقحتم ونتجتم
…
وَإِن شِئْتُم عينا بعينٍ كَمَا هما))
(وَإِن كَانَ عقلا فاعقلوا لأخيكما
…
بَنَات الْمَخَاض والبكار المقاحما)
(جزيت بني الْأَعْشَى مَكَان لبونهم
…
كرام الْمَخَاض واللقاح الروائما)
قَالَ أَبُو سعيد الْحسن بن الْحُسَيْن السكرِي فِي شرح ديوانه: أقبل أهل بيتٍ من ربيعَة ب مَالك بن زيد مَنَاة وهم بَنو الْأَعْشَى حَتَّى نزلُوا وسط الربَاب فَأَغَارَ عَلَيْهِم بَنو عبد مَنَاة بن بكر بُد سعد بن ضبة
فَأخذُوا إبلهم فَقَالَ بَنو الْأَعْشَى: انْظُرُوا رجلا من الربَاب لَهُ منعةٌ وعزٌّ فَادعوا عَلَيْهِ جواركم لَعَلَّه يمنعكم وتلبسوا بَين الْقَوْم شرا فَأتوا عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع فَقَالُوا: يَا عَوْف أَنْت وَالله جارنا وَقد أخبرنَا قَومنَا أَنا نريدك. فَانْطَلق عوفٌ إِلَى عبد مَنَاة فَقَالَ: أَدّوا إِلَى هَؤُلَاءِ إبلهم فَأخذُوا يَضْحَكُونَ بِهِ وَقَالُوا: إِن شِئْت جَمعنَا لَك إبِلا وَإِن شِئْت عقلنا لَك. قَالَ: أما عنْدكُمْ غير هَذَا قَالُوا: لَا.
فَانْصَرف عَنْهُم فَقَالَ لبني الْأَعْشَى: اتبعُوا مصَادر النعم. حَتَّى إِذا أوردوا قَالَ: يَا بني الْأَعْشَى لَا تقصرُوا خُذُوا مثل إبلكم. فَأخذُوا ثمَّ انْطَلقُوا حَتَّى نزلُوا مَعَه على أَهله فَجَاءَهُ بَنو عبد مَنَاة فَقَالُوا: يَا عَوْف مَا حملك على مَا صنعت قَالَ: الَّذِي صَنَعْتُم حَملَنِي.
فَأخذ يلْعَب بهم وَقَالَ: إِن شِئْتُم جَمعنَا لكم وَإِن شِئْتُم عقلنا لكم. فَقَالَ عَوْف فِي ذَلِك هَذِه القصيدة.
وَقَوله: هما إبلان إِلَخ أَي: إبل بني الْأَعْشَى وإبلكم. وَأدّى الْأَمَانَة إِلَى أَهلهَا إِذا أوصلها.
وَالِاسْم الْأَدَاء والتأدية.
وَقَوله: وَإِن شِئْتُم ألقحتم إِلَخ قَالَ السكرِي: يَقُول: إِن شِئْتُم فردوها أَو تلقحونها وتنتجونها وتردونها بِأَوْلَادِهَا. وعين بِعَين أَي: ردوهَا بِأَعْيَانِهَا حَتَّى نردها بِأَعْيَانِهَا. وَيُقَال: قد نتجت الْفرس والناقة فَهِيَ منتوجة. وَفرس نتوجٌ: فِي بَطنهَا ولد. انْتهى.
وَيُقَال: ألقح الْفَحْل النَّاقة إلقاحاً: أحبلها. والنتاج: اسمٌ يَشْمَل
وضع الْبَهَائِم من الْغنم وَغَيرهَا.
وَإِذا ولي الْإِنْسَان نَاقَة أَو شَاة ماخضاً حَتَّى تضع قيل: نتجها
نتجاً من بَاب ضرب. فالإنسان كالقابلة لِأَن يتلَقَّى الْوَلَد وَيصْلح من شَأْنه فَهُوَ ناتج والبهيمة منتوجة وَالْولد نتيجة.
وَقَوله: وَإِن كَانَ عقلا فاعقلوا إِلَخ يُقَال: عقلت عَنهُ: غرمت عَنهُ مَا لزمَه من دِيَة وَجِنَايَة. وابْن مَخَاض: ولد النَّاقة يَأْخُذ فِي السّنة الثَّانِيَة وَالْأُنْثَى بنت مَخَاض وَالْجمع فيهمَا بَنَات مَخَاض.)
قَالَ السكرِي: يَقُول: إِن صَار الْأَمر إِلَى عقل أخيكم الَّذِي أخذت إبِله فاعقلوا بَنَات الْمَخَاض والبكار المقاحم أَي: اجْمَعُوا لَهُ الرذالة فأدوها إِلَيْهِ. وَهَذَا هزءٌ بهم.
وَقَوله: جزيت بني الْأَعْشَى إِلَخ يُرِيد: أَنه عوضهم إبِلا خيرا من إبلهم. قَالَ اسكري: والمخاض: الْحَوَامِل واحدتها خلفة. واللقَاح: ذَوَات الألبان واحدتها لقحة بِكَسْر فَسُكُون. وَيُقَال أَيْضا: لقوح وَالْجمع لقح بِضَمَّتَيْنِ. والروائم: جمع رائم وَهِي الَّتِي أحبت وَلَدهَا وعطفت عَلَيْهِ. يُقَال: قد رئمته أمه رئماناً.
ورأمها: مَا عطفت عَلَيْهِ من ولد غَيرهَا أَو بوٍّ. انْتهى.
وعَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسبْعين بعد الأربعمائة.
تَتِمَّة من أَمْثِلَة تَثْنِيَة اسْم الْجمع: قومان. قَالَ الفرزدق: الطَّوِيل وكل رفيقي كل رحلٍ وَإِن هما تعاطى القنا قوماهما أَخَوان وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن عُصْفُور فِي شرح الْجمل الْكَبِير على تَثْنِيَة قوم. وَكَذَا ابْن مَالك فِي شرح التسهيل. ف قوماهما: فَاعل تعاطى وَحذف نون التَّثْنِيَة للإضافة إِلَى هما.
وَفِيه شاهدٌ أَيْضا على تَثْنِيَة الْمُضَاف إِلَى اثْنَيْنِ المرجوحة فَيكون من قبيل: الرجز ظهراهما مثل ظُهُور الترسين وَمعنى الْبَيْت أَن كل رَفِيقَيْنِ فِي السّفر أَخَوان وَإِن تعادى قوماهما وتعاطوا المطاعنة بالقنا.
ورحل الشَّخْص: مَأْوَاه فِي الْحَضَر ثمَّ أطلق على أَمْتعَة الْمُسَافِر لِأَنَّهَا هُنَاكَ مَأْوَاه.
وَهَذَا الْبَيْت مَعَ وضوح مَعْنَاهُ قد حرفه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البغداديات بتنوين قوم وَزعم أَنه مُفْرد مَنْصُوب فاختل عَلَيْهِ معنى الْبَيْت وَإِعْرَابه فَاحْتَاجَ إِلَى أَن صَححهُ بتعسفات وتمحلات كَانَ غَنِيا عَنْهَا
ومقامه أَعلَى وَأجل من أَن ينْسب إِلَيْهِ مثل هَذَا التحريف وَلَكِن هُوَ كَمَا قيل: الطَّوِيل)
كفى الْمَرْء نبْلًا أَن تعد معايبه وَقد تبعه على هَذَا التحريف والتخريج ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب ولخص كَلَامه من غير أَن يعزوه إِلَيْهِ. وأنقل لَك كَلَامهمَا حَتَّى لَا تقضي الْعجب مِنْهُمَا.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات: ينشد بَيت الفرزدق وَهُوَ: وكل رفيقي كل رَحل
…
...
…
... . . الْبَيْت وَفِيه غير شَيْء من الْعَرَبيَّة. فَمِنْهُ: قَالَ: تعاطى وَقد تقدمه اثْنَان وَلم يقل: تعاطيا. فَإِن قلت: إِنَّه حذف لَام الْفِعْل من تعاطى لالتقاء الساكنين وَلم يردهُ إِلَى أَصله للضَّرُورَة فَيَقُول: تعاطيا فَهُوَ قولٌ.
وَهَذِه الضَّرُورَة عكس مَا فِي قَول امْرِئ الْقَيْس: المتقارب لَهَا متنتان خظاتا لِأَن هَذَا الْبَيْت اللَّام فِي موضعٍ وَجب حذفهَا مثل رمتا لِأَن الْحَرَكَة للتاء فِي رمتا غير لَازِمَة والفرزدق حذفه فِي مَوضِع وَجب إثْبَاته لِأَنَّك تَقول:
تعاطيا وتراميا.
وَإِن قلت: تعاطى تفَاعل وَالْألف لَام الْفِعْل لَيست بضميره وَفِي الْفِعْل ضمير واحدٍ لِأَن هما وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ مثنى فَهُوَ فِي الْمَعْنى كِنَايَة عَن كَثْرَة وَلَيْسَ المُرَاد بالتثنية هُنَا اثْنَيْنِ فَيحمل الْكَلَام عَلَيْهَا وَلكنه فِي الْمَعْنى يرجع إِلَى كل
فَحملت الضَّمِير على كل فَهُوَ قَول. وَيُقَوِّي هَذَا: وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا.
أَلا ترى أَن الطَّائِفَتَيْنِ لما كَانَتَا فِي الْمَعْنى جمعا لم يرجع الضَّمِير إِلَيْهِمَا مثنى لكنه جمع على الْمَعْنى.
وَكَذَلِكَ تعاطى أفرد على الْمَعْنى إِذْ كَانَ لكل ثمَّ حمل بعد الْكَلَام على الْمَعْنى فَقَالَ: هما أَخَوان. فَالْقَوْل فِي هما أَنه مُبْتَدأ فِي مَوضِع خبر الِابْتِدَاء الأول وَهُوَ كل وثناه وَإِن كَانَ فِي الْمَعْنى جمعا للدلالة الْمُتَقَدّمَة أَن المُرَاد بِهَذِهِ التَّثْنِيَة الْجمع.
أَلا ترى أَن قَوْله: كل رفيقي كل رَحل جمع وَنَظِيره قَوْله: بَينهمَا بعد: وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِن هما يرجع إِلَى رَفِيقَيْنِ على قِيَاس قَوْلهم فِي قَوْله تَعَالَى: وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ فَهُوَ عندنَا مخطئٌ لِأَن الِاسْم الأول يبْقى مُتَعَلقا بِغَيْر شَيْء.)
وَهَذَا القَوْل ينْتَقض فِي قَول من يَقُول بِهِ لِأَنَّهُ عِنْدهم يرْتَفع بِالثَّانِي أَو بالراجع إِلَيْهِ فَإِذا لم يكن لَهُ وَالْجُمْلَة الَّتِي هِيَ هما أَخَوان رفعٌ خبر لكل. وَلَا أستحسن أَن يكون هما فصلا
لَو كَانَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين لِأَنِّي وجدت عَلامَة ضمير الِاثْنَيْنِ يعْنى بِهِ الْجمع فِي الْبَيْت وَالْآيَة وَفِي قَول الآخر: الْكَامِل
(إِن الْمنية والحتوف كِلَاهُمَا
…
يُوفي المخارم يرقبان سوَادِي)
وَقَوله تَعَالَى: أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقاً ففتقناهما وَنَحْو هَذَا. وَلم أجد الِاثْنَيْنِ المظهرين يعْنى بهما الْجمع وَالْكَثْرَة مكثرة عَلامَة الضَّمِير. فَإِن كَانَ كَذَلِك جعلت هما مُبْتَدأ وَجعلت أَخَوان خَبره وَحَمَلته على لفظ هما دون مَعْنَاهُ.
وَلَو جعلت هما فصلا وَكَانَ الاسمان معرفتين وَمَا قرب مِنْهُمَا وَجعلت أَخَوان خبر كل لم يمْتَنع لِأَن الِاثْنَيْنِ المظهرين قد عني بهما الْكَثْرَة أَيْضا.
أَلا ترى أَن فِي نفس هَذَا الْبَيْت: وكل رفيقي كل رَحل وَلَيْسَ الرفيقان بِاثْنَيْنِ فَقَط وَإِنَّمَا يُرَاد بهما الْكَثْرَة. فَكَذَلِك يُرَاد بأخوان الْكَثْرَة.
إِلَّا أَن قَوْله: وكل رفيقي فِي الْحمل على الْجمع أحسن من حمل أَخَوان على الْجمع لِأَن الْمَعْنى فِي قَوْله: وكل رفيقي كل رَحل كل الرفقاء إِذا كَانُوا رَفِيقَيْنِ رَفِيقَيْنِ فهما أَخَوان وَإِن تعاطى كل وَاحِد مغالبة الآخر لاجتماعهما فِي السفرة والصحبة.
فَالْقَوْل الأول فِي هَذَا هُوَ الْوَجْه وَمثل هَذَا قَوْلهم: هَذَانِ خير اثْنَيْنِ فِي النَّاس وَهَذَانِ أفضل اثْنَيْنِ فِي الْعلمَاء.
فيدلك على أَن الِاثْنَيْنِ فِي قَوْلنَا: هَذَانِ خير اثْنَيْنِ فِي النَّاس والرفيقين فِي هَذَا الْبَيْت مَا يذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أَن الْمَعْنى: إِذا كَانَ النَّاس اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَهَذَا أفضلهم وَإِضَافَة رَفِيقَيْنِ فِي هَذَا الْبَيْت إِلَى كل رَحل لَو كَانَ المُرَاد بهما اثْنَيْنِ فَقَط لكَانَتْ هَذِه
الْإِضَافَة مستحيلة لِأَن رَفِيقَيْنِ اثْنَيْنِ لَا يكونَانِ لكل رَحل. فَفِي هَذَا الْبَيْت دليلٌ على أَن رَفِيقَيْنِ يُرَاد بهما الْكَثْرَة. وَفِيه أَنه حملهما على معنى كل وَفِيه الْوَجْهَانِ اللَّذَان حملناهما فِي تعاطى.
فَأَما قَوْله: قوما فَيحْتَمل ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون بَدَلا من القنا لِأَن قومهما من سببهما وَمَا يتَعَلَّق بهما. وَيحْتَمل أَن يكون مَفْعُولا لَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِن هما تعاطيا القنا للمقاومة أَي: لمقاومة كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه)
ومغالبته. وَيحْتَمل أَن يكون مصدرا من بَاب صنع
الله ووعد الله لِأَن تعاطى القنا يدل على مقاومة. فَتحمل قوما على هَذَا كَمَا حملت وعد الله على مَا تقدم فِي الْكَلَام مِمَّا فِيهِ وعدٌ.
هَذَا آخر كَلَامه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: هَذَا الْبَيْت من المشكلات لفظا وإعراباً وَمعنى. فلنشرحه.
وتعاطى أَصله تعاطيا فحذفت لامه للضَّرُورَة. وَعَكسه إِثْبَات اللَّام للضَّرُورَة فِيمَن قَالَ: لَهَا متنتان خظاتا إِذا قيل: إِن خظاتا فعل وفاعل أَو ألف تعاطى لَام الْفِعْل ووحد الضَّمِير لِأَن الرفيقين ليسَا بِاثْنَيْنِ مُعينين بل هما كثير كَقَوْلِه تَعَالَى:
وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا ثمَّ حمل على اللَّفْظ إِذْ قَالَ: هما أَخَوان كَمَا قيل: فأصلحوا بَينهمَا. وَجُمْلَة: هما أَخَوان خبر كل.
وَقَوله: قوما إِمَّا بدل من القنا لِأَن قومهما من سببهما إِذْ مَعْنَاهُ تقاومهما فحذفت الزَّوَائِد فَهُوَ بدل اشْتِمَال. وَإِمَّا مفعول لأَجله أَي: تعاطيا القنا لمقاومة كل مِنْهُمَا للْآخر أَو مفعول مُطلق من بَاب صنع الله لِأَن تعَاطِي القنا يدل على تقاومهما.
وَمعنى الْبَيْت: أَن كل الرفقاء فِي السّفر إِذا استقروا رَفِيقَيْنِ رَفِيقَيْنِ فهما كالأخوين لاجتماعهما فِي السّفر والصحبة وَإِن تعاطى كلٌّ مِنْهُمَا مغالبة الآخر. انْتهى كَلَامه.
وَهَذَا كُله كَمَا ترى فاسدٌ لفساد أساسه. وَقد تنبه لَهُ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة إِلَّا أَنه لم يقف على كَلَام أبي عَليّ وَقَالَ: أَطَالَ المُصَنّف يَعْنِي ابْن هِشَام وَفِي تقريرٍ مَا يزِيل الْإِشْكَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَكله مبنيٌّ على حرف وَاحِد وَهُوَ ثُبُوت تَنْوِين قوما من جِهَة الرِّوَايَة ولعلها لَيست كَذَلِك. وَإِنَّمَا هِيَ قوماهما تَثْنِيَة قوم والمثنى مضافٌ إِلَى ضمير الرفيقين. وَلَا إِشْكَال حينئذٍ لَا وَقد رَأَيْت فِي نُسْخَة من ديوَان الفرزدق هَذَا الْبَيْت مضبوط الْمِيم من قوماهما بفتحة وَاحِدَة وملكت هَذِه النُّسْخَة فِي جلدين. وَضبط هَذَا الْبَيْت هُوَ الَّذِي كَانَ باعثاً على شِرَائهَا. وَللَّه الْحَمد والْمنَّة. انْتهى.
وَقد نقل الْعَيْنِيّ كَلَام ابْن هِشَام بِعَيْنِه فِي شرح شَوَاهِد الألفية من غير عزوٍ إِلَيْهِ.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ للفرزدق خَاطب فِيهَا ذئباً أَتَاهُ وَهُوَ نازلٌ فِي بعض أَسْفَاره وَكَانَ قد أوقد نَارا ثمَّ رمى إِلَيْهِ من زَاده.
وَقَالَ لَهُ: تعش وَيَنْبَغِي أَن لَا يخون أحدٌ منا صَاحبه حَتَّى نَكُون مثل الصاحبين.)
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب الضيفان: ضاف الفرزدق ذئبٌ وَمَعَهُ مسلوخ فَألْقى إِلَيْهِ ربع الشَّاة وَأَرَادَ أَصْحَابه طرده فنهاهم ثمَّ ألْقى إِلَيْهِ الرّبع الآخر فشبع فَقَالَ الفرزدق هَذِه القصيدة.
وَهَذِه أبياتٌ مِنْهَا: الطَّوِيل
(وأطلس عسالٍ وَمَا كَانَ صاحباً
…
دَعَوْت لناري موهناً فَأَتَانِي)
(فَلَمَّا أَتَانِي قلت دُونك إِنَّنِي
…
وَإِيَّاك فِي زادي لمشتركان)
(فَبت أقد الزَّاد بيني وَبَينه
…
على ضوء نارٍ مرّة ودخان)
(فَقلت لَهُ لما تكشر ضَاحِكا
…
وقائم سَيفي فِي دي بمَكَان)
(وَأَنت امرؤٌ يَا ذِئْب والغدر كنتما
…
أخيين كَانَا أرضعا بلبان)