الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس: 1 فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا
.
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الأول
(فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا)
معنى الأديان الوضعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فينبغي أن يكون الطالب ملمًا بحقيقة الأديان الوضعية التي يدين بها معظم بلدان جنوب شرق آسيا وشرق آسيا، مع التعرف على تاريخ نشأتها، وإلى من تنسب، وما هي شعائرها الدينية، مع البرهان على بطلان هذه الأديان، وموقف الإسلام منها.
وقبل أن ندخل في مفردات المادة أحب ألفت النظر إلى معنى الأديان الوضعية فأقول -وبالله التوفيق-:
الأديان الوضعية هي أحد قسمي الأديان؛ فالأديان إما سماوية أتى بها الأنبياء والرسل من عند الله عز وجل أو وضعية وضعها البشر من عند أنفسهم، لا عن طريق الوحي، ورغم أنّ رِسالَات الله توالت على البشرية تترى، منذ أول إنسان خلق على وجه الأرض، وهو آدم عليه السلام إلا أنّ البشرية أبت إلا أن تُكَذّب الرُّسل، وتعرض عن آيات الله ودينه، ولما حاد الإنسان عن الطريق السوي، واتبع شيطانه وهواه، واتخذ لنفسه آلهة متعددة؛ فمنهم من عبد الحجر، ومنهم من عبد البقر، ومنهم من عبد النجوم والشمس والقمر، ومنهم من عبد البشر
…
إلى آخره.
فانتشرت الأديان الوضعية المختلفة على وجه الأرض؛ فكانت ديانة قدماء المصريين، وكانت ديانات الهند، وديانة الفرس، وغيرها من الديانات الوضعية.
والفَرقُ بين الدين الوضعي، والدين السماوي: أنّ الدين الوضعي هو الذي يكون من وضع البشر أنفسهم، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ والقوانين العامة، وضعها بعض الناس المستنيرين لأممهم؛ ليسيروا عليها، ويعملوا بما فيها، والتي لم يستندوا في وضعها إلى وحي سماوي، ولا إلى الأخذ عن رسول مرسل، وإنما هي جملة من التعاليم والقواعد العامة، التي اصطلحوا عليها، وساروا على منوالها، وخضعوا فيها لمعبود معين، أو معبودات متعددة.
والأمثلة على الدين الوضعي كثيرة منها: الديانة البرهمية في الهند، والديانة البوذية فيها أيضًا، وفي شرق آسيا، ومنها ديانة قدماء المصريين، والديانة الفارسية القديمة وغيرها.
أما الدين السماوي؛ فهو تعاليم إلهية من وحي الله تعالى، وإرشادات سماوية من لدن العليم الخبير بنفوس العباد وطبائعهم، وما يحتاجون إليه في إصلاح حالهم في المعاش والمعاد، والدنيا والآخرة؛ إنه مجموعة التعاليم والأوامر والنواهي، التي يجيء بها رسول من البشر أوحى الله تعالى بها إليه، وفي مقدمتها: الإيمانُ بخالق واحد موجه لهذا الكون، لا شريك له في ملكه، يجب صرف العبادة كلها إليه والخضوع له.
والتذلل لهذا الإله الخالق الرازق، ووجوب إفراده وحده بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر، والحساب والجزاء، وبالثواب في الجنة والنعيم المقيم، أو النار والعذاب الأليم، وذلك مثل الديانة اليهودية في أصلها، كما جاء بها موسى عليه السلام، أو الديانة المسماة بالمسيحية، يوم أن جاء بها المسيح عليه السلام، وفي أفضل صورها وأصحها مثل الدين الإسلامي الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، وكان هذا الدين خاتمًا لجميع الرسالات السماوية؛ فلا وحي بعد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا دين بعد الإسلام.
ما الفرق بين الدين الوضعي والدين السماوي؟:
لعله بات واضحًا الفرق بين الدين السماوي، والدين الوضعي، ونستطيع أن نجمل القول بأنّ الدين السماوي ما توافرت له دلائل صحة سنده، وسلامه متنه، بينما الدين الوضعي هو الذي لم تتوفر له دلالة صحة السند، كما لم تتوفر له دلائل سلامة المتن.
وعلى ذلك أرى أن الدين قد يكون باعتبار أصله سماويًّا: لأنّ له نسبة إلى الوحي مثلًا، ولكن يحكم على بعضه بالوضع؛ لما أصاب المتن من تحريف وتغيير، أي: لم تتوفر له سلامة المتن.
يوجز الدكتور عوض الله حجازي الفروق بين الدين السماوي والوضعي قائلًا: إن الدين السماوي دين قائم على وحي الله تعالى إلى البشر، بواسطة رسول يختاره الله منهم، أما الدين الوضعي؛ فهو جملة من التعاليم، وضعها البَشرُ أنفسهم، واتفقوا عليها، واصطلحوا على التمسك بها، والعمل بما فيها، إنه تعاليم ناشئة عن تفكير الإنسان نفسه.
والدين السماوي يدعو دائمًا وباستمرار إلى وحدانية الله تعالى، واختصاص هذا الواحد بالعبادة؛ فلا يخضعُ المَرءُ إلا لله، ولا يستعين إلا به، ولا يذبح إلا بأسمه جل شأنه.
أما الدين الوضعي؛ فإنّه قد يُقَدّس الأحجار والأصنام، ويجيز تعدد الألهة فيجعلها كثيرة ومتغايرة، بل قد تكون متنافرة ومتخالفة، مثل: إله الخير وإله والشر، أو إله الحرب وإله السلم
…
إلى آخره.
والدين السماوي ينزه الإله المعبود عن مشابهته لخلقه، فالله عز وجل لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص: 1 - 4).
أما الدين الوضعي: فإنه يجيز أن يكو الإله بشرًا مثلهم، أو حيوانًا، أو حجرًا يعبدونه ويخضعون له، ويقدمون له القرابين والهديا؛ فقد عبد بعض الناس الشمس، وعبدوا العجل، واتخذوا فرعون الذي قال لهم:"أنا ربكم الأعلى" إلهًا وعبدوا الأصنام والأوثان، ولا يزال الناس حتى أواخر هذا القرن العشرين عصر العلم والحضارة والمدنية، يُقَدّسون بعض الأشخاص، ويتقربون إليهم، ويعبدون البقر والغنم، كما هو حاصل الآن في الهند وغيرها.
مع أنّ هذه الألهة كلها، التي عبدها ويعبدها البشر من دون الله لا تستطيع أن تخلق شيئًا، ولا أن توجد أضعف المخلوقات، بل أنها لا تملك لنفسها نفعًا أو ضرًّا، قال تعالى في سورة الحج:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 73، 74).
هذا؛ والدين السماوي بالنسبة لمسائل العقيدة غيرُ قابل للنسخ والتبديل أو التغيير؛ فعقيدة الرُّسل جميعهم واحدة، فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، والرسل وعصمتهم واليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب أو عقاب، إنّ الخالق عند جميع الرسل واحد، إنّ هذا الخالق تجب عبادته واختصاصه جل شأنه وحده بهذه العبادة، وأن هذا الإله يجب أن يثبت له صفات الكمال، وأن ينزه عن جميع صفات النقص، وأنه سيحاسب النّاس جميعًا على أعمالهم، ويُجازيهم
عليها إن خيرًا فالجزاء خيرًا، وإن شرًا فيكون الجزاء شرًّا وكل هذا قدر مشترك بين جميع الرسالات السماوية.
أما الدين الوضعي؛ فالمعبود فيه قد يتغير من جيل إلى جيل، ومن قبيلة إلى أخرى، كذلك الدين الوضعي يُلازمه النقص وعدم الكمال؛ ذلك أنه من وضع الإنسان، والإنسان لا يمكنه أن يُحيط بجميع حاجات البشر ومتطلباتهم المتجددة دائمًا.
أما الدين السماوي فهو كامل أنه تامًا شامل؛ لأنه من وضع خالق السماوات والأرض، عَلّام الغُيوب الذي لا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة، والذي يحيط بكل شيء علمًا.
وهكذا نَلحظُ أن هذه الفروق إما مردها إلى دلائل السند كالفارق الأول، أو إلى دلائل المتن كالفروق الأخرى. ومما تجدر الإشارة إليه أن الدارس للأديان الوضعية مثل: أديان البرهمية، والبوذية، والجينية مثلًا أو الديانة الفارسية القديمة، أو ديانة قدماء المصريين، مما اصطلح على تسميته دينًا وضعيًّا يجدُ فيها ذكر لصفات الرب المتفرد بالكمال والجلال، أو ذكر اليوم الآخر والجزاء؛ مِمّا لا إمكانية للعقل معه من علم الغيب، ولا قدرة له عليه؛ فلا سبيل لإدراك شيء منه إلا بالسماع والنقل أو الوحي.
وهذا يعني: أنه دليل على بقاء آثار دين صحيح، وهو يتكامل مع قول الله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: 36)، وقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر: 24).
وعلى هذا نستطيع القول: بأن اجتهادات الناس التي وضعت لإصلاح حياة أمة بعينها، مِمّا اصطُلِحَ عليه فيما بعد دينًا وضعيًّا، إنّما هي نتاج عقل في موروث جمع بين حق آثار وبقايا دين صحيح وباطل، مما أسفر عنه تدخل العقول في النصوص والتحريف لهذا الدين باتباع الأهواء؛ فكان هذا المزيج وإن كان لاعتبار نسبته إلى إنسان معين؛ عرفناه بأنه دين وضعي.
كذلك الرِّسَالاتُ السَّماوية، مثل اليهودية والنصرانية مثلًا؛ فهي سماوية باعتبار أصلها، لكن واقعها كما هي اليوم بأيدي أربابها نجد فيه أمارات التحريف والكتمان، والزيادة والتغيير؛ كما ثبت ذلك، أعني فيها إمارات للوضع، وإن كانت باعتبارها وحيًا صادقًا، ودينًا سماويًّا صحيحًا؛ فهي بنصوصها شيء آخر.
وخلاصة القول: فإن العلماء اصطلحوا على تقسيم الأديان إلى:
سماوية: وهي ما نُسبت إلى الله وحيًا لرسله.
ووضعية: وهي ما نُسبت إلى الإنسان، ولكن تبقى الدراسة رهينة تحقق دلائل الصحة للسند، والسلامة للمتن للحكم على المضمون والنص، كما أن الفروق بين السماوي والوضعي على هذا الاعتبار يَحْكُمها صفات تنسب إليه، فما لله ذاتي كامل أبدي أزلي، وما للإنسان مكتسب ناقص زائل حادث.
وصدق الله العظيم حيث قال: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأنعام: 149)، وقال سبحانه:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 19).