الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأسبح لك يا مازدا والحق بأعمالي الفكر الخير، ولو كنت سيد مصيري كما أريد إذا، ليتجه التفكير نحو حماية العقلاء بنفس السبيل، تلك الأعمال التي سأصل إليها، وتلك التي تمت من قبل، وتلك أيها الفكر الخير، التي هي ثمينة في العين أشعة الشمس، وانبثاق الأيام الوضاحة، هي جميعا تسبح لك أيها الحق أهورا مازدا، سأعلن نفسي مادحا لك مازدا، وأظل أيها الحق كذلك ما دامت في قوة وقدرة، وأرجو أن يتم خالق العالم بالفكر الخير تحقيقا، وكل ما هو استجابة تامة لإرادته".
ففي هذا النص يبدو ظاهره، أن الحق والفكر الخير صفتان لأهورا مازدا، كما في العبارة الثانية، وذوا كيان مستقل عن أهورا مازدا في غيرها، ولكن المتأمل في النص يلاحظ فيه اضطرابا، ذلك لأن الفكر الخير في النص، يقوم بتعليم الحكمة، وبجهده في التعليم يكون السعي إلى أهورا مازدا، وشخصية على هذا الوجه المستقلة، وليست صفة لأهورا مازدا، فكيف إذا يكون صفة، اللهم إلا إذا كانت الرواية الشفوية، حرفت النص فشوهته، على أنه يمكن التماس تفسير، أن الفكر الخير في كل حالة شخصية مستقلة، بتقدير أنه ممثل لأهورا مازدا، وهذا يؤيد الرأي القائل، باستقلال شخصيته ويزيل اللبس والغموض.
فكرة الحساب والشفاعة، والأعياد والأخلاق عند الزرادشتيين
فكرة الحساب والشفاعة:
فنجد في الياسنا الرابعة والأربعين نصا، ننقله عن ترجمة الدكتور مولتن، يقول: "عن هذا أسألك فأبلغني يقينا، وقل على التحقيق أيها الإله المقدس، كيف أقوم بعبادة تليق بك أيها الملك المعبود، علمني أيها الواحد الحكيم كما يعلم السماوي الأرضي، كصديق حدثني كصديق، أو يأتي الحق الرءوف بعونه في حينه، ومع
الفكر الخير السماوي، تنزل إلينا الحماية بقدرته الرحيمة، قل لي على التحقيق وأبلغني يقينا، فأنا أتوسل أيها الملك المقدس، عندما تنبلج أسمى الحياة عند مدخل مملكتك، هل من مقدرات الحكمة السماوية، إعطاء كل امرئ حقه، حقا إنه هو النبي المرسل، الذي توضع لروحه الساهرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق، تحيا عوالم الحياة من جديد"، وهنا نجد الزرادشتية تعترف بيوم الحساب، إلا أنها تجعل في يدي نبيها، تقرير المصير لأخطاء البشر، وغير واضح إن كان هذا يتأتى عن طريق الشفاعة، فهو حق مقرر لنبي الزرادشتية كما يعلنه هذا النص.
ويخط ئ بولكيه في تشبيه هذه العقيدة بالعقيدة الإسلامية عن الشفاعة، التي تجعل مصير خطيئة الإنسان في يد الله، وهو سبحانه الذي يقرر الحكم فيها أولا وأخيرا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالشفاعة في الإسلام مقصورة على المسلمين وحدهم، لا على البشر كافة كما هي في النص الزرادشتي، هذه الفكرة الدينية فكرة الشفاعة، لا تنسب إلا لرسول، وهذه الرسالة تقررها الياسنا الحادية والثلاثون، في قولها:"العبادة للحق ولمازدا، أو لأي من الآلهة يكون هناك، القدر والواجب يحثانني أيها الفكر الخير، فالتمس لي كل قوة الله حربا على الفساد حتى ينال النصر".
وبهذا تبدو الديانة سماوية وبشرية في آن واحد، سماوية بشر بها نبي هو زرادشت، وبشرية لما نالها من التحريف، الذي شوه بعض معالمها وأساء إليها، لأنها ظلت قرونا طويلة، تنتقل من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية، حتى دونت آخر الأمر، بعد أن عمل فيها الخيال وما ألف الناس، حقا إن هذه العقيدة وجدت لها نصيرا، في أوائل القرن الثالث الميلادي، بعد أن قامت الدولة الساسانية في إيران،
تلك الدولة التي رأت في انتصارها لهذا الدين، ما يدعم ويثبت كيانها، ولكن هذه العقيدة على الرغم من فوزها بهذا النصير، عاشت بين أيدي المجوسية، وهؤلاء إلى جانب ما نال العقيدة، من تشويه أثناء روايتها الشفوية، أضافوا إليها شروحا أتت بما يعرف بالزندا فاستا، وهذه الشروح تأثرت بوجه من الوجوه بالفكر اليوناني، الذي انتقل إلى فارس بصور مختلفة، منها هجرة بعض الإغريق إلى هذه البلاد، ثم تطورت هذه العقيدة بعد ذلك بتأثير الحكم الإسلامي، الذي بسط سلطانه على إيران منذ القرن السابع الميلادي، ونتج عن ذلك كتب دينية، ذات اتجاه يصور هذا التأثير الإسلامي.
ومهما يكن من أمر فإن العقيدة الزرادشتية، تعيش الآن في الهند بين طائفة تعرف بالبارسيس، والمعروف أن كهنة هذه الطائفة، غير ميالين إلى الاجتهاد في عقيدتهم، الأمر الذي يترتب عليه عاجلا أو آجلا، إلى إجبارهم إلى الأخذ بمعالم الحضارة الحديثة، وتنسيق الأفكار الدينية مع العقل الحديث، أو إلى ترك المثقفين لهذه العقيدة، والانحياز إلى عقيدة أخرى، تتلاءم مع تطورهم العقلي.
ونضيف قائلين: ولذا ففي الزرادشتية المتأخرة الإله الواحد، ليس متفردا في قدرته، وإنما قبالته كمصدر للخير يقف له مناوئا مصدر الشر، وعلى هذه الساحة المستعرة، كان القتال بين هاتين القوتين النور والنار والشر والظلام، وكلاهما مازدا وأهرمان يقف بجنوده المؤلفة من الملائكة أو من الشياطين، وهذا يعد حزب الإله وهذا يعد حزب الشيطان، ومن ثم آلت الزرادشتية إلى الثنائية، أو ما يعرف بالثنوية، حيث إله الخير والشر أو إله النور والظلام، كما حرصت الديانة الزرادشتية.
على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها شعلة من النار، وأن تظل هذه الشعلة متوهجة مضيئة، يتعاهدها الموابذة كبار رجال الدين، والهرابذة وهم صغار
رجال الدين، فيقومون لها خمس مرات في اليوم، وقودا من خشب ومشتملا على أعشاب ومواد عطرية، فيمتلئ الهيكل بعرفها الطيب وريحها الزكي، وترتل حولها الأدعية وتقام لها الصلوات، فانتهى الأمر في الزرادشتية، إلى تقديس وعبادة النار، والاعتقاد بأنها ابنة الإله أهورا مازدا، ولذلك فلا يمكن أن يخلو بيت من بيوت الزرادشتيين الآن، من موقد النار رمز الإله وابنة الإله في آن واحد، وكان يشارك النار في التقديس، ثلاثة عناصر أخرى من عناصر أرضية، وهي التراب والهواء والماء، وإن كانت في مستوى أقل من مستوى النار.
ورغم هذا يقول الزرادشتيون: إنهم يقدسون النار ولا يعبدونها، ومن أجل ذلك تحملوا تلك المهمة، وحافظوا على إشعال النار وإحراقها في المعابد، وكانوا يأتون الهيكل خمس مرات في اليوم، ليقدموا للنار وقودا من خشب الصندل وغيره، ولكن ما ورد في أدعيتهم وتراتيلهم، من خلال نظراتهم إلى النار يكذب هذا الادعاء، ويترتب القول بأن الزرادشتيين يتوجهون بالعبادة للنار، وقد بالغ الزرادشتيون في تقديس نار الهيكل، فأوجبوا على رجل الدين أن يتلثم عند اقترابه من النار، خشية أن يصل زفيره إليها فيلوثها، وكان عليه أن يتذكر حين يدنو منه هذه القوة الأرضية، أن هذا النور الفياض إنما يرمز إلى الإله أهورا مازدا، وهكذا قدس الزرادشتيون النار والشمس، وبقية العناصر الأربعة: التراب والهواء والماء، وقدسوا كذلك الثور والكلب.
يقول صاحب كتاب (الديانة الزرادشتية): "إن احترام النور يحتل مكانا قدسيا مرموقا في الديانة الزرادشتية، لاعتقادهم أن الإله أهورا مازدا قد خلق النور والإنسان في آن احد، وقدسوا كذلك الكلب، فالكلب في الديانة الزرادشتية له أكرم منزلة، أما عن بقية المقدسات، فالزرادشتيون ينظرون إلى الماء والتراب والهواء والنار نظرة تقديس".
يقول صاحب كتاب (زرادشت الحكيم): "وتكاد الطقوس والتعاليم الدينية الزرادشتية، تدور على محور واحد هو تقديس النار"، وفي موضع آخر يقول:"في جميع أنحاء إيران تقاد النيران، التي نظروا إليها نظرة قدسية خاصة، الأولى نار العظمة الربانية، التي كانت بهيكل كابول، والثانية نار الأبطال، وكانت تشعل في هيكل على جبل أزنون، على سواحل جزيرة أورمية على مقربة من مسقط رأس زرادشت، والثالثة نار العمال، وكانت تشعل على جبل يوتنت بخراسان، فالنار أصبحت مقدسة عند كل زرادشتي، بل توجهوا إليها بالعبادة والتضرع في صلواتهم".
أما عن تقديس بقية العناصر، فلم يقف الزرادشتيون عند تقديس الشمس والنار، بل إنهم كانوا يقدسون سائر العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء، ولأمر ما لم تدفن جثة الميت في التراب، ولم تحرق في النار، ولم يذر رمادها في الهواء، كما يفعل بعض أرباب الديانات الأخرى قبل الهندوسية، ولكن الزرادشتيين نظرا لاعتقادهم نجاسة الميت، فإنهم لا يضعونه في العناصر المقدسة، ولا يجعلونه يمسك خشبة، أن ينجس الميت في اعتقادهم هذه العناصر الطاهرة.
ورغم كل هذا يزعم الزرادشتيون أنهم موحدون، لا يعبدون ولا يقدسون إلا إلها واحدا، وكان أول عهد يأخذه الزرادشتي على نفسه، كما جاء في الأفستا المقدسة:"لن أقدم على سلب أو نهب ولا تخريب أو تدمير، ولن آخذ بالثأر، وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورا مازدا، وأني أعتقد دين زرادشت، وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح".
وهكذا انتهت عقيدة الزرادشتيين، إلى عبادة المخلوقات مع الإله أهورا مازدا، ووصفه بصفات النقص، وتقديس بعض أمور الطبيعة، من نار وماء وتراب وهواء
وشمس، وأشياء أخرى مثل الثور والكلب، كما ينظر الزرادشتيون نظرة تقديس إلى العناصر الأربعة، وبهذا توجد سمة اعتقاد بأشياء طيبة وأخرى خبيثة، ويؤمن الزرادشتيون أيضا بالملائكة والشياطين، ففي الزرادشتية يوجد فضائل سبع تمثل الملائكة السبع الخيرة، هذه الفضائل هي: العقل الخير والنور والحكمة والخير والتقوى والخلود والأمر الصالح، وهناك جماعة الأرواح المقدسة، التي تتألف من ستة ملائكة ذكور وست ملائكة من الإناث، وتبيح الزرادشتية أن تتولى النساء وظائف الكهنوت، ويوجد في الزرادشتية ملائكة كثيرة.
وأما بالنسبة للشياطين؛ فالشيطان في الزرادشتية يدعى بأهرمان وله جنود كثيرون، فهو إله الشر الذي يقف ضد أهورا مازدا، وهو يستنهض عددا من الكائنات الشريرة، فراحوا يتهيئون للانقضاض على كل عمل طيب يصدر عن أهورا مازدا، فبعد خلق الكون كما يعتقد الزرادشتيون، حاول أهرمان إفساد نظام الكون، فاقتحم قبة السماء فشدها، وشتت النجوم وأفسد ماء البحر وجفف الينابيع وسم النبات، وبث الأفاعي في الصحارى وعاث في الأرض فسادا.
وهكذا يعتقد الزرادشتيون نفاذ قدرة أهرمان الشيطان، على إفساد الكون وعلى إلحاق الضرر، وقتما شاء بالمخلوقات وكما شاء، وعن عدد هؤلاء الشياطين كثر، يبلغ كما ذكر أحد الباحثين تسعة آلاف ومائة وتسع وتسعون شيطانا أسودا يساعدون روح الشر، ولكن هذه العقيدة وهذا العدد مخالف للمعتقد الصحيح، إذ إن الشيطان ليس له القدرة على ما زعمه الزرادشتيون، من إفساد نظام الكون الذي ينسبونه لأهرمان، فليس للشيطان سبيل على تشويه السماء، أو تشتيت النجوم أو إفساد ماء البحر، إلى غير ذلك من أمور الكون، وما هو إلا مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.
هذا؛ ويمكن القول بأن العبادات عند الزرادشتية كل ما يتوجه به المرء إلى إلهه ومعبوده يطلق عليه جانب العبادات، ومن أهم العبادات في الزرادشتية، عبادة النار وتقديسها، ويسمونها أتار، وتحاول كل أسرة أن تبقي نار بيتها متقدة أبدا، كما عبد الزرادشتيون الشمس وقدموا لها الصلوات؛ لأنها تمثل أهورا مازدا إله النور، فهم يتوجهون بالعبادة والدعاء إلى النار في تراتيلهم وصلواتهم، ويقولون: أيتها النار يا بنة أهورا مازدا.
وقد فرض زرادشت على أتباعه خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان واحدة منها عند بزوغ الشمس، وواحدة عند الظهر، وواحدة عند غروب الشمس، والصلاة عنده دعاء، يوجه إلى أهورا مازدا في شتى المناسبات، وخلاصته ترجمة دعائه المأثور:"أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير، أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات، وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قول أو عمل غير صالح، إلهي إنني أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا، حتى أحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار". وهكذا فإن من أهم أمور العبادة، الدعاء والتضرعات للنار المقدسة وعبادتها، وكذلك عبادة الصلوات الخمس، التي يقيمونها ويؤدونها أمام هيكل وموقد النار.
وليس في الزرادشتية صوم؛ لأنهم يعتقدون أن الصوم إرهاق للجسد، وتعطيل لعمل العقل، والزرادشتية دين كفاح نفس وعمل روحي ونظام دنيوي، لا يتطلب إلا عمل العقل، وعمل العقل مع صحة البدن، لهذا حرمت الزرادشتية الصوم، وعلى هذا فإن الصوم ممنوع عندهم، لأنه يتنافى في اعتقادهم مع المبادئ، التي دعت إليها الزرادشتية، من إنماء النسل والمحافظة على قوة البدن، وعلى مجابهة قوى الشر ومحاولة سحقها، ولا يستطيع أن يفعل ذلك ويقوم به إلا الرجال الأقوياء، والصوم كما يظنون يخالف ويضاد هذا.
كذلك تدعو الزرادشتية إلى التصوف وإعانة الفقراء والمعدومين، تقول صاحبة كتاب (الدين في الهند والصين وإيران) عن تعاليم زرادشت:"إنها تحث الإنسان أن يؤدي الصدقة العملية، فإن من يعاون الفقير البائس، يسهم في إقامة دولة أهورا مازدا". وعندهم شرائع تحث على الزواج، والتوالد توالد الكائن البشري، من أجل نشر الديانة الزرادشتية، وتوطيد وترسيخ دعائم المملكة الدينية الإلهية، والانتصار للقضايا الخيرة.
وأما أعياد الزرادشتيين، فعندهم عيد النيروز 21 مارس أول أيام الربيع، وعيد كهنبار الذي يحتفل به في السنة ست مرات، وواجشت وهو احتفال يقام قبل مراسم كهنبار، ويوزدي ويسمى دار طلب المدين، وعيد آخر يسمى عيد السفك، وربما لهم أعياد أخر.
وأما الأخلاق عند الزرادشتية، فقد بات واضحا أن الزرادشتية، دعت إلى أخلاق فاضلة ونهت عن أخلاق سيئة، بل شددت النكير على مرتكبها، وأول ما تنادي به الزرادشتية من أخلاق الفكر الطيب والقول الطيب والعمل الطيب، ولذلك أصبحت هذه الثلاث علامة على الزرادشتية، حتى أصبح يعرف كل من يدين بهذا الدين، إذا تكلم بدت من فلتات لسانه هذه الكلمات الثلاث، الاعتقاد الصادق والكلم الطيب والعمل الصالح، هي أمهات الفضائل الجوهرية في الديانة الزرادشتية، كما نهت عن الأخلاق السيئة، التي تتناقض مع الفكر الطيب والقول الصالح والعمل الخير، ونهت عن الكبر وعن مصادقة الأشرار وعن الانغماس في الشهوات والملذات، وغير ذلك من الأخلاق السيئة، فيما يتوافق في اسمه وظاهره مع الإسلام الحنيف، الذي دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رذيلة.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.