المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته - الأديان الوضعية - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيا

- ‌معنى الأديان الوضعية

- ‌فكرة تمهيدية عن أديان الهند الكبرى وتوزيعها جغرافيًّا

- ‌الدرس: 2 فلسفة الموت والروح، وعقيدة خلق العالم، والخلاص من الشر

- ‌تقسيم أبي الريحان البيروني لاعتقاد الهنود

- ‌فكرة تناسخ الأرواح كما يؤمن بها الهندوس

- ‌الدرس: 3 الديانة الهندوسية (1)

- ‌الأصول التاريخية للديانة الهندوسية ولسكان الهند

- ‌مسألة التقمص أو نظرية التناسخ

- ‌الدرس: 4 الديانة الهندوسية (2)

- ‌التعريف بالهندوسية، وفكرة تأسيسها

- ‌أهم الموضوعات المتعلقة بالهندوسية

- ‌الطبقات في الفكر الهندوسي، وأهم عق ائد الهندوسية

- ‌الدرس: 5 الديانة الهندوسية (3)

- ‌بقية العقائد الهندوسية

- ‌الأخلاق عند الهندوسيين

- ‌نماذج من الفقه الهندوسي

- ‌الكتب المقدسة لدى الهندوس

- ‌الدرس: 6 الديانة الهندوسية (4)

- ‌لويزا" كتاب الهندوس المقدس

- ‌من تقاليد الهندوس

- ‌اعتقاد الهندوس حول تناسخ الأرواح

- ‌العبادات الهندوسية والطقوس الدينية

- ‌الدرس: 7 الديانة البوذية (1)

- ‌الديانة البوذية: بوذا وحياته، ومبادئه، وتأسيسه للديانة

- ‌من أخلاق بوذا وأقواله

- ‌الدرس: 8 الديانة البوذية (2)

- ‌التعريف بالديانة البوذية

- ‌الأسس الفكرية للعقيدة البوذية

- ‌الدرس: 9 الديانة البوذية (3)

- ‌عقيدة البوذية وفلسفتها

- ‌من تعاليم البوذية

- ‌لمحة تاريخية عن البوذية وانتشارها، والكتب المقدسة لديهم

- ‌الدرس: 10 الديانة البوذية (4)

- ‌نشأة الرهبنة في البوذية، ووصولها وانتقالها إلى المسيحية

- ‌الآداب والنظم التي يجب أن يلتزم بها الرهبان في الديانة البوذية

- ‌موقف الإسلام من الرهبنة

- ‌الدرس: 11 الديانة البوذية (5)

- ‌حكم الرهبنة في الإسلام من حيث العزف عن الزواج

- ‌حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الفقر

- ‌حكم الرهبنة في الإسلام من حيث إهانة الجسد

- ‌حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الاعتزال والعزلة

- ‌حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الطاعة المطلقة لرجل الدين، واعتقاد عصمته

- ‌الدرس: 12 الديانة الجينية

- ‌تمهيد للديانة الجينية

- ‌تأسيس ونشأة الديانة الجينية

- ‌أهم عقائد الجينية

- ‌الدرس: 13 ديانة السيخ، والديانة البوذية الصينية

- ‌من هم السيخ؟ وما هي معتقداتهم

- ‌البوذية الصينية

- ‌أديان الهند في الميزان

- ‌الدرس: 14 الديانة المانوية (1)

- ‌من هو " مانو

- ‌النشاط التبشيري لماني

- ‌الدرس: 15 الديانة المانوية (2)

- ‌إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته

- ‌استرداد ذرات النور

- ‌أسطورة إغواء الأراكنة

- ‌المقاييس المضادة للمادة

- ‌الدرس: 16 الديانة المانوية (3)

- ‌الروح بمثابة مركز للفداء

- ‌الإيمان بالآخرة

- ‌علم التنجيم

- ‌التنظيم اللاهوتي، والتعميد المانوي، والوليمة المقدسة، والعشاء الرباني

- ‌الدرس: 17 الديانة المانوية (4)

- ‌شريعة "ماني"، والفرائض التي فرضها، وقول المانوية في الميعاد

- ‌الكتب المقدسة عند المانوية، وعقيدة التناسخ

- ‌حال الإمامة بعد "ماني"، وتنقل المانوية في البلاد، وأشهر رؤسائهم

- ‌الدرس: 18 الديانة الزرادشتية (1)

- ‌أديان الفرس

- ‌الزرادشتية من حيث التأسيس والنشأة والتطور

- ‌الدرس: 19 الديانة الزرادشتية (2)

- ‌أهم المصادر المقدسة للزرادشتية

- ‌فكرة الحساب والشفاعة، والأعياد والأخلاق عند الزرادشتيين

- ‌الدرس: 20 مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية في: الله، والنفس، والمصير

- ‌عقائد المانوية والزرادشتية في الله - عز جل

- ‌عقائد المانوية والزرادشتية في النفس

- ‌عقائد المانوية والزرادشتية في المصير

الفصل: ‌إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الخامس عشر

(الديانة المانوية (2))

‌إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فتعال بنا الآن نتحدث عن تعاليم ماني ومبادئه والوصول إلى القول بالاثنينية، أو القول بإله الخير وإله الشر؛ فنجد في تعاليم ماني هذه المبادئ؛ إرسال الإنسان الأول وهزيمته، عودة الإنسان الأول، استعادة ذرات النور، أسطورة إغواء الحكام الأراكنة، المقاييس المضادة للمادة، الروح بمثابة مركز للفداء، الإيمان بالآخرة، الفلك.

فنقول حول إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته:

يجعل أوغستين في إحدى المناقشات التي دارت مع المانويين، فاوست ينطق بالكلمات التالية: إنني أبشر أن هناك عنصرين رئيسين هما: الرب والمادة فأعزو كل ما هو شرير إلى المادة، كما أعزوا إلى الرب كل قوة خيرة، كما هو لائق به، ويتصرف فاوست هنا بمثابة تلميذ مخلص لماني؛ لأن عقيدة العنصرين الأسايين الرب والمادة قد قامت في محور نظام ماني الديني، ويمكن لهاتين المادتين الأبديتين اللتين لم تخضعا لأية عملية خلق أن تستمرا باسم النور والظلام، أو الحقيقة والكذب، وبالتالي يمكن اعتبار المفاهيم المجردة لحقيقة النور على أنها كائن هو الرب، في حين أن الكذب والظلام أي: المادة لم يلتقيا بشكل مطابق في تسمية مجردة فحسب، بل يمكن تجسيدهما على أنهما أمير الظلام، ومع ذلك فهو لا يعني أن المانويين قد اعترفوا بوجود إلهين، فيقول فاوست بخصوص ذلك: "لم يكن هناك أبدًا اسمان لإلهين في تفسيراتنا، فنحن نتعرف بوجود عنصرين رئيسن نسمي أحدهما الرب والآخر المادة، أو كما أقول عادة وبشكل مألوف الشيطان، يساوي هذا الرفض لمنح

ص: 361

العنصر الشرير أي: المادة اسم الرب بالطبع ازدواجية ذات نوعية تامة" كما أشار إلى ذلك فرندناند كريستيان بور منذ مائة وخمسين سنة مضت.

واعترافه بأن العنصر الخير أسمى من الشر، وهو مسئول عن حجب المنطق. ومن الواضح تمامًا كما أكد بور أن ماني قد اتخذ الثانوية الإيرانية القديمة نقطة انطلاق، وقد قامت هذه على أساس فكرة الصراع المستمر بين قوتين رئيستين هما: هرمزد أو أهورامزدا، وأهرومان، أو أهرامينو أي: الشر، وكان هذان العنصران الرئيسان توأمين أو قرينين، وكان عليهما أن يختارا بين الخير والشر، وذلك في البدايات الأولى للزمن؛ حيث اختار أهموزد الخير؛ بينما اختار أهرومان الشر.

وطبعًا تبدو فكرة مثل هذه التوائم السماوية موحية بمساواة الأصلية في المنزلة، كما أن هذا لا يفتقر إلى المساواة؛ إذ يجب إدراك حدود التفسير الواسع المتنوع القائم بوحدة الوجود، الكامن وراء غاثا لدى زرابشت، والذي تم وفقه إيجاد هرموزد، وأهرامان بوساطة مخلوق سماوي بدائي، هو زروان الذي كان إلهًا زمانيًا مكانيًا أنوثويًا، وأيد الرهبان الماجوس الماديون هذه العقيدة الزروانية بقوة فريدة أيام ماني حينما كانت مسيطرة في العهود الأخمينية، وكان هذا أيضًا الحد الفاصل للدين الإيراني الذي تصادمت معه الديانة المسيحية في أرمينيا، وبلاد الرافدين الشمالية، فقد كان كهان الكنيسة ينتقدون الزروانية، وذلك عندما هاجموا تعاليم المجوس.

لقد عالجت الماسيولوجيا الزروانية الرئيسة مولد التوائم السماوية بدقة، وقالت: إن زوران أراد أن يكون له ابن، فقدم الأضاحي لفترة طويلة من الزمن؛ لتحقيق هذا الهدف، ثم استولت الشكوك فيما إذا كان بالفعل سيخلف ذرية له، وأدى هذا إلى حمله بأهرامان الشرير الذي أنجبه في البداية، وكان أسودًا وكريهًا، ثم ولد التوأم الثاني أهرامزد، وكان جميلًا وطيبًا، وبما أن أهرامان قد خلق أولًا،

ص: 362

فقد كان باستطاعته أن يكون بحقوق البكورة في الإرث كله، وتلقى الكثير من قوة أبيه زروان على نصف مجالات هذا العالم، وأصبح ملكًا هناك أي: شاه، وأصبح من ناحية أخرى أهرامزد حاكمًا مطلقًا أي: فاستكس شاه، ومنح من جانبه نفوذًا وسيطرة على النصف الثاني من العالم، ولذلك فإن الانتصار على توأمه سيكون في النهاية انتصارًا له.

وإلى هذا الحد نجد أن وجهة النظر الازدواجية الموجودة في تطور الزروانية، والداعية إلى وحدة الوجود تخفف من غلواء الثانوية المتزمتة، بجعل أهرامان شاه فقط، وبجعل أهرامزد فاتكس شاه، هذا من ناحية، وتقضي من ناحية أخرى بأن يكون الانتصار النهائي لأهرامزد، وعليه قُدر من قبل أن يكون أهرامزد المنتصر في النزاع بين حاكمي العالم، وأنه صاحب الأفضلية منذ البداية. وليس هناك من شك أن أهرامان قد اعتبر ربًّا حقيقيًا في هذا النظام الديني، وليس مجرد شيطان فقط، وكان الكتاب الإغريق قد أعلنوا مرارًا أن أهرامان لم يكن ربًّا، بل شيطانًا، ومع ذلك فإن المجادلات المسيحية تؤكد أنه قد نظر إليه بمثابة رب، وبجل، واعتبر ربًّا قادرًا في غضبه، كما أن المسراوية التي كان قد تحقق أمر ارتباطها مع الزروانية منذ وقت طويل قد أكدت ذلك، وكرثت له المذابح، وقد كتب عليها إلى الرب أهرامان، وقدمت الأضاحي على هذه المذابح إليه باعتباره ربًّا.

وبالنتيجة يمكن القول أن ماني قد وسع نزعة كانت موجودة من قبل في الدين الإيراني، وكثفها؛ لأن المانوية قد مقتت بشدة الجدل القائل: إن قوتي الخير والشر كانتا أختين،

ص: 363

وتقول صيغة الاعتراف المانوية لو كنا قد قلنا: إن أهرامزد وأهرامان كانا أخوين أحدهما أكبر من الآخر، إذن أعلن توبتي الآن، وآمل بالمغفرة من الذنوب، وكان النور العنصر الهام للمخلوق الأسمى؛ حيث سيطر عليه، واعتقد أنه مادة المخلوق السماوي أو بشكل أدق مادة يمكن فهمها، وهي مختلفة كليًّا عن العقل أو المادة، وله النور في الوقت ذاته، صفة التجلي؛ فقد كان الرب أبو النور المبارك، وحيث كان عرابًا فقد سيطر على مملكة النور، وبينما كانت هذه المملكة في الوقت ذاته مؤلفة من نور الأرض وضوء الفضاء، فهي مندمجة تمامًا ومتطابقة بشكل جوهري مع الإله الأسمى.

لقد كانا متطابقين، لأن مملكة النور بأملكها هي في الوقت نفسه جسد الله، وعلاوة على ذلك تم التأكيد على أن مملكة النور هذه لم تكن إيداعًا سماويًّا، بل كانت موجودة منذ الأزل كتعبير صادق مع وجود الله الكائن الدائم الوجود، فلو كانت نشأة ذرة واحدة في مملكة النور من الفيض أو الإبداع؛ لما تم منح عاصفة الديمومة ودعا ماني جسد الله الممكن فهمه باسم المنازل، أو الحدود الخمسة، وهي الإدراك، والعقل، والتروي، والرأي، والنية. واعتبرت نشاطات العقل هذه على أنها تشكل جوهره وثماره، وأن مصطلح الدار موجود في البحوث التأملية اليهودية الأولى وفي النصوص المندعية، ونصب الإله على عشره في مملكة النور، وأحاط نوره به، كما أحاطت قوته وحكمته به أيضًا، وقد مثلت هذه السمات الثلاثة ثلاث صفات مختلفة له، وشكلت معه مجموعة رباعية وُجدت مرارًا في التراتيل المانوية، كما ظهرت أيضًا في مصدر عربي الفهرس، وشكلت السمات الثلاثة لطبيعة الله فيض وجوده، فيض تمَّ إعلانه في مفهوم الله.

ص: 364

ووصفت هذه الوحدة الأخيرة الكاملة إلى جانب السمات الثلاثة كوجود فردي، وهي طريقة خاصة للحساب ظهرت مرارًا بمثابة مبدأ خاص في النظام الديني الإيراني الهندي، كان ممكنًا بواسطتها إضافة مجموع الأجزاء كجزء قائم بذاته إلى بقية الأجزاء، أو حتى مواجهتها ككمية مستقلة تمامًا، كما أنه ظهر بمثابة مبدأ كان له أصل هندي آلي، وسيتضح فيما بعد إن شاء الله أن هذا المبدأ قد شغل دورًا أساسيًّا في المانوية، وهكذا كان لله أربعة جوانب، كما كان ذلك في تعليم ماني، وقد سمته صيغة الشجب الإغريقية رب العظمة في الوجوه الأربعة، وهكذا نجد أن هذا المفهوم للكائن الأسمى الإله ذا وجوه أربعة، وقد اتصل بالطريقة الأكثر احتمالًا وقربًا من الصورة الزروانية لله؛ لأن زروان كان بالفعل كائنًا إلاهيًّا ذا أربعة وجوه، كما أن الارتباط التاريخي هنا هو حقيقة ثابتة بين المانوية والزروانية.

ومن الجلي أن هذه الصلة أكثر وضوحًا بالطبع في النفوس الإيرانية المتوسطة، حيث يظهر الله في اللسان الفارسي المتوسط اللغة الصدغية باسم زروان، وتتخذ المجموعة الرباعية المظهر التالي: الفارسية المتوسطة زروان، الله، وفي الصدغية زروا، والزروانية زروان أو زمان، في الفارسية المتوسطة روشن، النور، وفي الصدغية ليوسوك، وفي الزروانية النور.

في الفارسية المتوسطة زور القوة، وفي الصدغية زروا، في الزروانية القوة، في الفارسية المتوسطة وهي الحكمة، وفي الصدغية يرب كاي، وفي الزروانية الحكمة، أو اكسرات.

وكانت مملكة النور مترامية الأطراف غير محدودة على ثلاث جهات إلى الشمال وإلى الشرق وإلى الغرب، وقد تلاقت مع الظلام في الجنوب، وكان نطاق سلطة الإله العظمة، كما دعاه ماني عندئذٍ، محدودًا في هذه المرحلة.

وكان نطاق سلطان إله العظمة، كما دعاه ماني عندئذٍ محدودًا في هذه المرحلة،

ص: 365

ولقد ساد السلام والانسجام المطلقان في مملكة النور، كما تم وصف جمال الإله المكلل بالورود بأقوال جزلة، ووقف أمامه اثنا عشر فصلًا جميعها مغطاة بالورود أيضًا، وقد غطته بالمزيد من الورود والأزهار، ودعيت هذه الفصول باسم أبنائه، وقد جرت توزيعهم بأن قام ثلاثة أرباب منهم في منطقة سماوية محددة، وذلك ضمن مخطط ذي مجموعات ثلاثية أربع تتوافق من جديد مع النموذج الرباعي، وتم دفع ريح لطيفة واهبة للرخاء عبر المناطق السماوية؛ حيث جرى الرحيق باستمرار من خلالها، وتباينت حالة مملكة الظلام تباينًا تامًّا وحادًّا مع تناسق ووئام مملكة النور؛ حيث سار سكان عالم المادة، ودفع بعضهم بعضًا إلى هنا وهناك، وكانوا دائمًا يركضون باستمرار، وأدت حركة الدوران وعدم استقرار هذه فيما مضى إلى ديمومة عدو الظلام نحو الحافة القصوى للملكة؛ حيث ارتكز الظلام على النور عندما لمح الشيطان وأعوانه مملكة النور، استبد بهم شوق عنيف إلى هذه المملكة السامية الرائعة، لهذا أوقفوا نزعاته، وتشاور بعضهم مع بعض حول كيفية التسرب إلى وسط النور، ومن ثم الاندماج به، وأعدوا أنفسهم وسلحوها استعدادًا للهجوم، وانقضوا من أسفل على مملكة النور، فأصبحت بذلك محاطة بالتهديد والاضطراب الخطير.

وتحتم الآن على ملك النور وإلهه أن يخرج عن صمته المهيب، وركوده الذاتي عن فيض وجوده؛ لكي يدافع عن نفسه وعن مملكته، حيث يجب عليه أن ينتقل من وجود التأمل إلى وجود العمل. وكان بور قد لفت الانتباه إلى الأصل الإيراني لموضوع النزاع المثيولوجي الذي سيظهر بشكل أكثر وضوحًا في الكتابات البهلوية، كما أن الفقرات المناسبة الموجودة هناك ذات ملامح زروانية صرفة،

ص: 366

فقد تمَّ صدور إلههم الأسمى، واشتقاقهم من زروان الخنسي الذي مارس أثناء عملية الخلق دور الأب والأم، وواصلت الكتابات قولها: إن أهرامان الذي جاب عالم الظلام وصل في إحدى المرات إلى النور ولمحه. عند هذا خلق عالم النور من الأسفل بصحبة الجماعات المسلحة من شياطين الظلام التي استدعاها، ومع ذلك فإن موضوع النزاع نفسه كان أقدم بكثير من تاريخ تدوينه في هذيه المصدرين، فقد روى المؤرخ الكلاسيكي بلوتاخ أثناء اقتباسه من مذكرات الكاتب شيوبو مبوس كيف هاجم أهرامان مع شياطينه العالم العلوي، وكيف اختلط بذلك الخير مع الشر وفق وجهة النظر الزرواني، التي شهد بصحتها كتاب (الحكمة)، المكتوب باللغة الإيرانية الوسيطة، وهي تقول: إن العالم كان على شكل بيضة، وذكر بلتاخ هذا أيضًا.

ومن ناحية أخرى كان الإله الكائن الأسمى نقيًّا، ولذلك لم يكن أهلًا للصراع والنزاع، إذن ماذا كان عليه أن يعمل ليحبط قوة الشر، لقد استدعى أم الحياة، ويلاحظ هنا أن ماني لم يستخدم قط تعابير مثل يخلق، بل استخدم دائمًا فعل يستدعي، مثلما جرى استخدام كلمة "قرا" باللغة السريانية، ومثلما استخدم المدعيون الاسم نفسه بهذا المعنى الخاص، ثم إن تسمية أم الحياة تذكر بحقيقة الحياة الأولى والحياة الثانية، وعلى الأرجح الحياة الثالثة، وهي تسميات ظهرت مرتبطة مع الطهارة، وهي الحركة الغنطوسية التي انبسقت عنها المانوية نفسها.

ويتطلب التشبيه بشكل موائم أن يكون هناك أب للحياة، وعوضًا عن ذلك هنالك إله العظمة، جرى ذكره بمثابة كائن أسمى في النصوص المتبقية للتقاليد السريانية، وهنا لا يمكن فقط تخمين الصلات في الخلفية مع المفاهيم الرافدية التي

ص: 367

شغلت الحياة فيها دورًا رئيسًا، بل أيضًا مع التقاليد الإيرانية حيث توجد بعض الإشارات الغامضة إلى الحياة الأولى، وذلك في المواعظ المسجوعة العائدة لزرادشت، وتتطابق أم الحياة في النظام الزرواني عند مستوى ديني صرف مع الإله الأنثوي القائم إلى جانب زروان، والمسمى على الأرجح باسم أكسوا شيزخ الذي يبدو من المحتمل أن الآلهة العظيمة أناهيد تحتجب وراءه، وبعدما تم استدعاؤهم من الحياة إلى الوجود استدعت بدورها الإنسان الأول المعروف باللغة السريانية باسم نشا قدا مايا، وهي عبارة تعني حرفيًّا الإنسان القديم الذي كان من ناحية أخرى هو أهارموزد في التقاليد الإيرانية أي: ابن زروان، الأب ذو الوجوه الأربعة، إن نظرة لهذه الثالوث إله العظمة أم الحياة الإنسان القديم تظهره للوهلة الأولى أنه تمثيل للأب، والأم، والابن، ولا تظهر هذه المجموعة فقط في الدين الشرق أوسطي بشكل هام، بل تظهر في أغنية اللؤلؤة السريانية بشكل محدد؛ حيث يصور لابنه المخلص على أنه شباب أو الأمير الشاب، وكان هذا هو النموذج المخلص المانوي في مظهره الرمزي للشباب، كما أن النصوص المكتوبة باللغة الإيرانية البسيطة قد تحدثت عن الابن الحنون، أو استخدمت الكلمة الفارسية كومارا، وهي كلمة دخيلة من اللغة السنسكريتية تعني: الشاب المراهق، وهي تعني في الدين الهندوسي: الشباب أو إله الحرب، الشاب المسمى شندرا.

وقد ألحت إحدى القصائد الموجودة بين المزامير القبطية إلحاحًا خاصًّا على مهمة المخلص باعتبار كونه محاربًا شجاعًا، ورأته بشكل رئيسي في ضوء المنتصر الذي انتصر على قوى الظلام بسبب جلده وجرائته، ومع ذلك استلزم وجوده وجود

ص: 368

سمة أخرى له، وهي سمة المعاناة؛ لأن مخلص الإنسان الأول لم يحقق انتصاراه إلى بعد هزيمة ظاهرية فقط.

لقد ارتدى الإنسان الأول درعه وشرع بالقتال مع قوى المادة والظلام والشر، وتكون درعه من خمسة من عناصره النورانية لم يشكل مجموعها درعه فحسب، بل شكل أيضًا جوهره وذاته الحقيقة وروحه، ولذلك يمكن وصفها بشكل رمزي على أنها أبناؤه الخمسة، وقد بذل الجهد خلال عملية انتقاء مجموعة متنوعة من الرموز والتعبير عن علاقة كانت في الحقيقة صعبة ومستحيلة فعلًا، ولا يمكن تحديدها داخل إطار صيغة منطقية.

عرفت العناصر النورانية باللغة السريانية باسم زيواني، وهي الهواء والريح والضوء والنار، وهزم الشيطان أمير الظلام، وحشوده أمام الإنسان الأول، وسلبوه درعه، أو وفق ما ذكرته رواية رمزية أخرى التهمت الشياطين أبناءه الخمسة، ومع ذلك كانت هذه الهزيمة مقدمة لانتصار، فقد اعتبرت طوعية إذا جاز التعبير؛ إذ نزل الإنسان الأول بمحض إرادته الحرة إلى عالم الظلام والمادة، وسمح بتبديل عناصره النورانية، وكانت نيته أن يصبح بذلك سمًّا قاتلًا للمادة، لقد التهم الظلام العناصر النورانية، وقدم لنفسه بفعله هذا مادة ذات اختلاف جوهري كانت لا تطاق كما أنها لم تفتقر إلى التشابية الأخرى، وحصل هنا كما يحصل مع القائد الذي يضحي بطليعة الجيش ويقدمها لقمة سائغة لعدو متقدم؛ لكي ينقذ الجزء الأساسي من جنوده، أو باستعارة عبارة ريفية مثل: الراعي الذي يتخلى للذئب عن شاة من قطيعه؛ كي لا يخسر القطيع كله.

وبالطريقة نفسها ضحى الإنسان الأول بروحه لشياطين الظلام، وسمح لها أن تلتهم أبناءه الخمسة، ومع هذا فقد كان ما حدث ضربة مروعة، فكثيرًا ما اتخذت

ص: 369

المزامير والتراتيب المانوية موضوعًا لها الحالة المخيفة التي وجد الإنسان الأول نفسه فيها، فقد وقع في هوة عميقة كانت أعمق بكثير من هوة المادة؛ إذ سلب من درعه النورانية وصعقته الضربة، وأحاطت به الحيوانات المفترسة، والشياطين المخيفة، وقيدته، وباتت مستعدة لأن تلتهمه، وصحى الإنسان الأول من غيبوبته، وأطلق دعاءً تكرر سبع مرات، وعندها استدعى إله العظمة مخلوقًا ثانيًا إلى حيز الوجود إنه صديق النور الذي استدعى البناء العظيم الذي استدعى الروح الحية.

وتقدمت الروح الحية نحو حدود الظلام مع أبنائها الخمسة الذين استدعتهم، وأطلقت من ذلك المكان صيحة مدوية إلى الإنسان الأول المحتجز تحت الأرض، والذي أجاب بدوره بهتاف مدوٍّ، واعتبرت هذه الدعوة وهذه الاستجابة على أنهما شخصيات سماويتان مقدستان، وتعرف دعوة واستجابة، أو بشكل أدق ما تم استدعاؤه، وما تم إجابته باللغة الإيرانية الوسيطة، وفي اللغة السريانية قريا وأنيا، وهما ستتحدان وتصعدان إلى أم الحياة، وإلى الروح الحية.

كان الحوار الذي تطور بين الدعوة والاستجابة ذا أهمية كبيرة، لأنه أرسى أساس الحالة التي تتكرر مرارًا، وفي كل مرة تجد روحًا على الأرض ذاتها في ضيق، فتطلق صيحة تنشد فيها الخلاص، تتلقى هتاف الحرية. ولقد حفظ الكاتب السرياني فيدور بار كونيه للأجيال أقوال ماني حول هذا، وما زال بالإمكان فهم نبرات صوته في المقطوعة الشعرية الصغير حيث يقول: "ثم صرخت صوت الحية بصوت عال، وكان صوت الروح الحية كالسيف الحاد، وقد كشف عن شكل الإنسان الأول، وقال مخاطبًا إياه، السلام عليك أيها الممتاز بين الأشرار، يا أيها اللامع وسط الظلام، رب قائم وسط وحوش

ص: 370

الغضب لا يعرف شيئًا عن عظمته، وأجابه الإنسان الأول بعد ذلك مباشرة وقال: تعالى مع السلام، وأحضر أسباب الطمأنينة والسلام، وتكلم معه قائلًا كيف هي الأحوال مع آبائنا أو آلهتنا أبناء النور في مساكنهم".

لقد حددت تحية الروح الحية التباين بين وضع الحال للإنسان الأول وبين أصل الحقيقي وقدره، وأن أول سؤال يدل على قلق الإنسان الأول قد خص به أقرباءه أبناء النور، يعني: هل كانت تضحياته عديمة الجدوى، أم تم إنقاذه.

عودة الإنسان الأول القديم: مادة الروح الحية التي كانت بصحبة أم الحياة يدها اليمنى الإنسان الأول، حيث أمسك بها، وتم انتشاله من أعماق عالم الظلام، وارتفع عاليًا وعاليًا مع أم الحياة والروح الحية، وحلق مثل النور المنتصر المبنثق من الظلام حتى تمت إعادته إلى جنة النعيم مسكنه السماوي؛ حيث كان ينتظره أنسباؤه، كما أنه يوجد وصف آخر في تعليم المانوية يتعلق بهذه العودة، فقد جرى وصف هذه العودة في أحد المزامير المكتوبة كما يلي: كان ابنًا للأب الأول، وكان أميرًا ابنًا لملك، لقد سلم نفسه للأعداء، وتخلى عن ملكه جميعًا، ووضعه في القيود، وحزنت من أجله جميع المعاقل والممالك، وتوجه بالدعاء إلى الأم الحية، فتوسلت من أجله إلى رب الخليقة، إنه الابن الوسيم والبريء، فلماذا فعلت به الشياطين هكذا؟

ولسوء الحظ هنالك سقط في النص عند هذه النقطة، حيث كان من المفروض أن يكون هناك وصفًا لإنقاذ الإنسان الأول، ويستمر النص في نصحه له؛ ليجمع عناصره النورانية المبعثرة قائلًا: أجمع أطرافك، فلقد أعد الجمال السرمدي مطيته عن مظهر نوراني، ليبدأ زحفه، وأمسكته الأم وقبلته قائلة: ها قد عدت أيها الابن المنفي، أسرع واعبر إلى النور، فلطفك وعظمتك متلهفان إلى لقياها.

ص: 371

ومن الواضح أن الوضع متطابق هنا مع الوضع الذي شاهدناه في أغنية اللؤلؤة، غير أن بهجة العودة تمت ممارستها هنا، وذلك عندما يتحد الابن الشاب مع أمه، كما أن الأثر العاطفي الجياش والنبيل بشكل غير اعتيادي أخاذ بهذا التصوير.

فالشاب الذي يشرع بالكفاح بشجاعة هو بطل فتى متوقد يرتدي درعًا متلألئًا، والهزيمة الفجائية ومرارتها، والضربة المميتة تنبه المفزع عندما يدرك حالته المخيفة وصيحة النجدة اليائسة والرعب في موطنه إزاء مصيره البشع والمشئوم، ثم وصول المنقذ والحوار القصير الرشيق بين المنقذ والمنقذ، والمشهد الحي للعودة عندما تعانقه الأم وتقبله، والابن الوحيد الذي اعتقدت أنه رحل إلى الأبد. كل ذلك سلسلة كاملة من الأحاسيس الملونة، والمسيرة بواسطة هذه المشاهد المتغيرة بشكل مثير، وتأثير المشهد الأخير مثير بشكل لا يمكن وصف وقعه على مستمعي المذمور، ويمكن تخيل ذلك إذا فهمت الطريقة التي تم من خلالها نيل إعجاب قلوب المؤمنين بهذه الأغاني المانوية.

ويعتبر موضوع الأم الإنسان الأول وتخليصه الموضوع الرئيسي في المسيولوجيا المانوية؛ فالإنسان الأول هو المخلص، وهو بنفسه بحاجة إلى افتدا، ء فتلك هي العقيدة القنطوسية للمخلص المفتدي، وأما بالنسبة لمظهر الإيجاب والافتداء للمخلص، فإن النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة تستخدم عبارة واهمان، وزلوخ، وعبارة مانوا هميت وزروخ في الفارسية الوسيطة، ويشير كل منهما إلى نئوس العظيم، وهو مفهوم متأصل في الدين الإيراني القديم، ووجه نظر متطابقة مع وجهة نظر ماني، وموجودة إلى حد ما في غسا الزرادشتية.

وهو دليل يشير بالفعل إلى أن النظرية تعود للعهود الإيرانية الهندية؛ لأنها تتكرر في كتابات أوبانشاد الهندية بمثابة عنصر في خط أتمان براهمان في التفكير

ص: 372

المسيولوجي، ويبرز مفهوم نئوس العظيم في مجموع الفصول القبطية، ونتيجة لقهر قوى الظلام لذرات النور فقد نشأت حالة من الامتزاج مع الظلام بعد القتال، وهذا ثانية مصطلح من المصطلحات الإيرانية القديمة، وكلمة قومجشن تعني الامتزاج في النصوص الزرادشتية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة، وهي تعني حالة من الحالات عندما يتداخل فيها الخير والشر بعضهما في بعض.

وهكذا تسميها النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة قومجشن أو أمجشن وبالطبع إن مفهوم المزج بين النور والظلام بين الفضاء المفهوم والمادة تُشكل أيضًا جزءًا من التراث الإيراني القديم للمانوية، ومن المؤكد أن فكرة وجود إله قاسى من المعاناة قد كانت عنصرًا من عناصر الدين الشعبي الإيراني، وذلك باعتماد هذه التسمية لتلك التطورات التي لا يمكن عزوها إلى الزرادشتية.

هذا؛ ويمكن إيجاد آثار ضعيفة لهذه الفكرة على نحو غير مميز في أرمينيا على حافة الحضارة الإيرانية، فقد وُجدت عقيدة شعبية تمحورت حول شخصية اسمها أرتوازد وهذا اسم إيراني صرف، وهو رمز مثبت للمعاناة، ويجب أن يضاف إلى هذا حقيقة أن الحقيقة الشعبية ليست متطابقة مع الدين، ومع ذلك فمن المحتمل أن الحكايات الشعبية الأرمينية القديمة تردد بالفعل المعتقدات المسيولوجية في هذه الحالة الخاصة. وعلى النقيض إن الشكل العاطفي القوي الذي اتخذه موضوع الإله المتألم في المانوية، يمكن عزوه لوضوح لتأثير عقيدة تموز الرافضية، التي ستتم الإشارة إليه ثانية في وقت لاحق إن شاء الله. غير أن هذا لا يدعو إلى إنكار أن بعض الأفكار من نوع مشابه كانت موجودة في الدين الإيراني. كان هذا عن فكرة الإنسان الأول القديم وهزيمته في أسطورة المانوية.

ص: 373