الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن أجل هذا التشابه اختلط أمر الجينية مثلًا على غستاف لوبون فعدها نوع من البوذية، ومن أجل هذا أيضًا لم تستطع البوذية الصمود في معركتها ضد الهنودسية، حول موضوع الطبقات وغادرت البوذية وطنها ثمنًا لهذا الخلاف، ودخل نظام الطبقات إلى البوذية بشكل عملي، وإن أنكرته نظريًّا. أما الجينية فقد اضطرت بعد فشل مقاومتها إلى العودة لقبول نظام الطبقات بشكل ما، فقررت الاعتراف بالبراهمة ورسمت إجلالهم، وبذلك استطاعت البقاء في الهند.
تأسيس ونشأة الديانة الجينية
وضع البراهمة نظام الطبقات -كما قلنا في حديثنا عن الهندوسية، وخص البراهمة أنفسهم بكثير من الامتيازات التي ذكرنا بعضها عند الكلام عن نظام الطبقات، وفي ظل هذا النظام استبدَّ البراهمة وظهر عسفهم وطغيانهم أحيانًا، وضجَّ الناس من استبداد البراهمة وجورهم، وتمنوا ظهور قائد روحي جديد يخلصهم من ظلم البراهمة وطغيانهم، وكانت طائفة الكشتريا أكثر الطوائف إحساسًا بهذا الظلم لشدة ما بين الطائفتين من تنافس كنتيجة لقرب المسافة بينهما.
ويمكننا هنا أن نشير إلى أسطورة وردت في مهاب هرتا تدل على مدى ما بين الطائفتين من أضغان، وتتصل هذه الأسطورة بالأميرة ديوياني التي سبق أن تحدثنا عنها عند التعريف الذي أوردناه بمهاب هرتا، وموجز الأسطورة أن ديوياني -وهي من طبقة البراهمة- خرجت في نزهة في فصل القيظ مع سيرمستها بنت ملك أسورا ومعها بعض الأتراب، ووصلنا ببحيرة فخلعن ملابسهن ونزلن للاستحمام، فهبت عاصفة حملت ملابسهن وخلطتها بعضها ببعض، وخرجن من البحيرة فأخطأت سيرمستها بنت الملك ولبست ملابس ديوياني البرهمية فقالت لها ديوياني: ألا تعلمين أيتها الجاهلة أن كسوة بنت الشيخ أكبر من أن
ترتديها بنت التلميذ، هل أنت بلهاء إلى هذا الحد؟! فغضبت سيرمستها وأجابت: أنا بنت ملك يذكره الناس شاكرين أياديه، وأنت بنت رجل يعيش على الإحسان، عشيرتي عشيرة البر، وعيشرتك عشيرة الاستعطاف والتسول. وأخرجت كل منهما ما في جعبتها من الحقد، ولم يقنع البراهمة بعد ذلك إلا بعقوبة قاسية تقع على بنت الملك، واختارت ديوياني العقوبة التي ترضيها، وهي أن تصبح بنت الملك خادمة لها في المنزل الذي ستتزوج فيه.
وهكذا كان هناك سخط من كل الطبقات ضد استبداد البراهمة، وكان الكشتريا أكثر الطوائف سخطًا، ثم كان لقوتهم المسئولين عن مقاومة طغيان البراهمة وجبروتهم، وكذا دب في نفوس أبناء الكشتريا إحساسًا بضرورة الثورة، وقوي هذا الإحساس على مر الزمن حتى جاء القرن السادس فإذا بالإحساس يصبح واقعًا، فهبت ثورتان كبيرتان في وجه الهندوسية يقود مهاوير إحدى هاتين الثورتين، ويقود غوتاما ثانيتهما، وكما تحدثنا عن البوذية التي قادها غوتاما الذي لقب البوذا، فنحن الآن مع مهاوير الذي تزعم الجينية.
مهاوير زعيم الجينية، ماذا عنه وعن بيته وولاته ونشأته؟
بيت مهاوير وولادته ونشأته:
ينحدر مهاوير من أسرة من طبقة الكشتريا التي تسيطر على أمور السياسة والحرب، وكانت أسرته تقيم في بيسارة وهي بالقرب من المدينة المسماه الآن بتنا بولاية بي هارب، وكان أبوه سيد هارتا عضوًا في المجلس الذي يحكم المدينة، أو قطاع المحاربين فيها، وتزوج سيد هراتا من بنت رئيس هذا المجلس واسمها تيريسالا، وارتقت مكانت وسيد هراتا حتى وصفته بعض الروايات بأنه كان أمير المدينة، أو ملكها، وكان مهاوير الابن الثاني لوالديه؛ ولذلك آلت الإمارة إلى أخيه عقب وفاة الأب.
وكان مولد مهاوير سنة خمسمائة وتسع وتسعين قبل الميلاد، وفي اليوم الثاني عشر لولادته اجتمع أعضاء الأسرة في حفل كبير، ودعيت عمت الطفل لتختار له اسمًا كالعادة غير أن والديه ذكرا أن الأسرة نعمت بالرخاء والخير منذ حملت به أمه، واقترح لذلك أن يسمى ورد هاماتا، أي: الزيادة؛ ولكن أتباعه يدعونه مهاوير مدعين أنه الاسم الذي اختارته له الآلهة، ومعناه: البطل العظيم، ويدعى كذلك جينى، أي: القاهر والتغلب، وبهذا الوصف سميت الفرقة كلها، وسميت به الديانة الجينية؛ لأن مؤسسيها عُرفوا بقهر شهواتهم والتغلب على رغباتهم المادية.
ونشأ مهاوير في بيته المجيد وسط الرخاء وطيب العيش، وكانت أسرته تستقبل من حين لآخر وفود الرهبان، وجماعات النساك؛ حيث يجدون في دار الأمير إقامة طيبة وحسن ترحيب، وكان مهاوير منذ نعومة أظفاره يحب مجالستهم ويستمع إلى حكمهم، وإرشاداتهم، وتأثر مهاوير بهم وبفلسفاتهم؛ فعزف عن المتع والملاذ الدنيوية، ومال إلى الرهبانية والتبتل والزهد، ولكن الظروف لم تكن تسمح له بالتعمق في الرهبنة، والخوض في الزهد؛ نظرًا لمكانة أسرته التي كانت ترعى شئون السياسة والنضال، وتعيش في الترف والبزخ، ودفعته حياة أسرته إلى الزواج، فتزوج بفتاة اسمها ياسودا وولدت له بنتًا اسمها أبوجا، وظل مهاوير طيلة حياة والديه يكبت إحساسه وشوقه للرهبنة، ويعيش في الظاهر كما يعيش أبناء طائفته، وينطوي باطنة على رغبة في الزهد والصفاء، فلما توفي والداه أتيحت له الفرصة ليعلن ما أخفى، وكان أخوه الأمير قد تولى الإمارة فطلب منه مهاوير أن يأذن له في الرهبنة، ولكن الأمير خشي أن يظن الناس أن تصرف مهاوي كان نتيجة لقسوة أخيه عليه، أو تقصيره في مطالبه، فطلب الأمير من مهاوير أن يؤجل ذلك عامًا فاستجاب له مهاوير.
وفي الموعد المحدد عقد اجتماع كبير تحت شجرة أشوكا، اشترك فيه أفراد الأسرة وأهالي البلدة، وأعلن مهاوير فيه رغبته في التخلي عن الملك والألقاب ومتاع الدنيا ليخلو للزهد والتبتل، وكان هذا مطلع حياته الروحية الصريحة، فخلع ملابسه الفاخرة ونزع حليه وحلق رأسه، وبدأ حياتًا جديدة وكانت سنه آنذاك ثلاثين عامًا.
ترهب مهاوير ودعوته:
صام مهاوير يومين ونصف يوم، ونتف شعر جسمه، وبدأ يجوب البلاد حافيًا وفي زيِّ الزهاد والنساك، ولجأ إلى الزهد والجوع والتقشف، وغرق في التفكير، واهتم بالرياضة الصعبة القاسية، والتأملات النفسية العميقة، وبعد ثلاثة عشر شهرًا من ترهبه، خلع ملابسه دون حياء، إذ كان قد قتل في نفسه عواطف الجوع والإحساس والحياء، وكان أحيانًا يعتكف في المقابر، ولكن أكثر وقته كان يمضيه متجولًا في طول البلاد وعرضها، وكان يغرق في المراقبة إلى حد لا يشعر فيه بالحزن أو السرور، ولا بالألم أو الراحة، وكان يعيش على الصدقات الطفيفة التي تقدم إليه.
ويرى الجينية أن مهاوير ولد مزودًا بثلاث منها، فلما وصل بتأملاته وتقشفه حصل على الدرجة الرابعة، واستمر مهاوير يصارع المادة ويزيد في تبتله؛ فراح يجوب البلاد دون راحة، وحرص كل الحرص على أن لا يقتل حيًّا، وكان يراقب نفسه مراقبة دقيقة في صمت تام، وبعد اثني عشر عامًا أصبح كما يقول عنه أتباعه: سيره مستقيمًا كسير الحياة، لا يبالي بالعراقيل كالعاصفة، وكان قلبه نقيًّا كماء البركة في الشتاء لا يلوثه شيء كورق اللوتس مشاعره محمية كأعضاء
السلحفاة، وحيدًا فريدًا كقرن الخرتيت، حرًّا كالطير، جسورًا كالفيل، قويًّا كالثور، مهيبًا كالأسد، ثابتًا كالجمل، عميقًا كالبحر، وديعًا كالقمر، بهيًّا كالشمس، طاهرًا كالإبريز.
ووصل مهاوير إلى حالة الذهول وعدم الإحساس بما حوله، وأفنى كل اتجاه مادي، فحصل من درجات العلم على الدرجة الخامسة، وهي درجة العلم المطلق، ونيل البصيرة أو النجاة، وبعد سنة أخرى من الصراع والتأملات فاز بدرجة المرشد، أو ترسانكارة؛ وبهذا بدأ مهاوير مرحلة جديدة هي الدعوة لعقيدته.
وقد اتجه أول الأمر إلى أسرته وعشيرته فاستجابوا له، ثم استجاب له أهل مدينته، وأخذت دعوته تنتشر بين الملوك والقواد الذين رأوا في هذه الدعوة ما يعبر عن خواطرهم في الثورة على البراهمة وسار في دعوته بنجاح حتى بلغ الثانية والسبعين، فنزل مدينة بنابوني في ولاية بتنا فألقى على الناس خمسة وخمسين خطبة وأجاب عن ستة وثلاثين سؤالًا غير مسئولة، ولما تمت خطبه حان أجله فقضى نحبه سنة خمس وسبعين وعشرين قبل الميلاد.
في خلوة وحيدًا فتحرر من قيود الحياة وتسلسل الولادة والشيخوخة والموت، وترك تراثًا ضخمًا من الوصايا والحكم والفلسفات جديرة بالتقدير.
جينا الرابع والعشرون:
ويرى الجينيون أن الجينية مذهب قديم جدًّا وأنه قد تم نضجه على يد أربع وعشرين من الجينين، وكان جينى الأول اسمه رساب ها وقد ظهر منذ أمد بعيد ولا يحفظ التاريخ عنه شيئًا، ولا ترتبط به إلا بعض الأساطير، وتتابع