الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن أوجه الخلاف كذلك:
مسألة الألوهية ففي الهندوسية مجموعة كبيرة من الآلهة، وأنكرت الجينية الإله، ورفضت البوذية الحديثة عنه، ولكن هذه الهوة لم يطل عمرها، فسرعان ما أله الجينيون مهاوير، والبوذيون بوذا، واختلطت التماثيل والآلهة؛ إذ وجد الجينيون أن التدليل على عدم الإله أصعب من التدليل على وجوده، ومما يتصل بالإله ما تقوله الجينية من عدم الاعتراف بوحدة الوجود، ومن أنها ترى أن كل روح وحدة مستقلة خالدة، وليس مصيرها أن تندمج في روح عام؛ بل ستبقى مستقلة خالدة، وهي بذلك تخالف الهندوسية.
ولا تعترف البوذية بسلطان الكهنة ولا بقانون لويدا، وتختلف البوذية عن الجينية في أن الأولى تسعى لإنقاذ المجموع، والثانية لإنقاذ الفرد، ومن الواضح أن أديان الهند فيما يتعلق بالإله وعلاقته بالكون والإنسان تختلف عن الأديان السماوية، فهذه ترى أن الكون والبشر وكل شيء مخلوق لله، وهناك حد فاصل بين الخالق والمخلوق، فليس الإنسان جزءًا من الله، وليس الكون جزءًا من الله، وهناك حد فاصل كذلك بين الإنسان والإنسان.
أديان الهند في الميزان
وأختم بأديان الهند في الميزان:
أسطورة الكارما، الكارما أو قانون الجزاء وما يترتب عليه من تناسخ للأرواح، أو تكرار للمولد أهم المبادئ التي تعد محورًا للفكر الهندي، ولا يكاد العقل يقبل مثل هذه الأسطورة، وقد سبق أن أوردنا تردد بوذا في الخوض فيها.
وقوله في ذلك هل تكلم ميت قط، والعقل يقره أنه لا بد من جزاء لما يرتكبه الإنسان من أخطاء، ولكن الإسلام اتخذ طريقًا رائعًا حيال هذا الموضوع، فجعل الجزاء يتم أحيانًا في الدنيا وأحيانًا في الأخر، وكان القرآن الكريم مرشدًا للمسلمين إلى هذا الفكر قال تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (البقرة: 251)،
كما قال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} (الحشر: 6)، وقال:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} (النساء: 9)، كذا قال ربنا:{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} (القارعة: 6 - 9)
ولكن الفكر الهندي اتجه اتجاهًا خاصًّا لا يمكن التدليل عليه، ولا فهمه، وبخاصة بعد أن اضطر الفكر الهندي إلى تقرير أن الروح في الحياة الجارية مقطوعة تمامًا عنها في حياتها السابقة، فلا تعرف عنها شيئًا، ومعنى هذا أن الروح تنعم أو تشقى دون أن تعرف أسباب النعيم أو الشقاء.
خرافة القول بالتناسخ: ومما يؤخذ على الكهانة سواء في ذلك كهانة الوثنيين، أو أهل الكتاب الذين صارت بهم تقاليد الجمود إلى حالة كحالة الوثنية في تعليم الصور، والتماثيل، والتعويل على المعبد والكاهن في كل كبيرة أو صغيرة من شعائر العبادة إنها تجعل المتدين قطعة من المعبد، لا تتم على انفرادها، ولا تتم لها الديانة أو الشفاعة بمعزل عنه، والتناسخ يخلق وضعًا أعمق من ذلك في عدم الاعتراف باستقلال الشخصية، ما دام الإنسان حلقة من سلسلة مر بحلقاتها الكائن الحي، ونرى أن التناسخ يعارض بوضوح نظام الطبقات الدقيق الذي تقول به الهندوسية، فنظام الطبقات يحافظ على العرق والدم، والتناسخ ينقل الروح من طبقة إلى طبقة، بل من إنسان إلى حيوان أحيانًا، وبذلك اضطر بعضهم إلى القول بأن التناسخ يتم في حدود الصفة التي عليها الإنسان، فأرواح البراهمة تُنقل إلى البراهمة وأرواح العبيد تنقل إلى عبيد، وهكذا ولكن ذلك يُفقد التناسخ قيمته، فالمقصود من التناسخ هو تحقيق الجزاء نظير خير أو شر ارتكبته الروح في حياة السابقة، ولا يتم ذلك ما دام العبد سيبقى عبد، والسيد سيبقى سيدًا.
والتناسخ يعارض كل الدراسات العلمية وعلم الأجناس، حيث تقرر أن الولد بعض أبويه، واستمرار لهما إنه يماثلهما جسمًا ويماثلهما روحًا ومواهب، فهو يرث عن ذويه لون الجسم والعيون والشعر، ويرث القامة والصحة والمرض، ويرث المواهب والأخلاق غالبًا، ولذلك فالتناسخ شذوذ عن الفكر العلمي والطبيعي، وإذا كان التناسخ للجزاء، فماذا يقول الفكر الهندي عن الطفل الذي يموت عقب الولادة؟
إن الروح به لم تستمتع، ولم تعاقب، فليست ولادته إذًا وبعث روح شخص آخر به إلا عبثًا والتناسخ لا يفسر لنا الزيادة المطردة في التعداد، والهبوط الواسع أحيانًا في أثناء الحروب. من أين تجيء الأرواح الجديدة، وإلى أين تذهب أرواح القتلى في الحروب حيث يكون المواليد أقل من الموتى، والقول بالتناسخ تفكيك للأسرة، وتصوير لها على أنها أشتات من الناس لا روابط بينها، فكل فرد من أفرادها منحدر من فرد لا نعرفه، وعلى ما في هذا من الارتباك الاجتماعي فهو أيضًا يُخالف الملاحظ غالبًا من تقارب حظوظ أفراد الأسرة الواحدة، مما يدل على صلاتها الأسرية لا على أنها أشتات كما يرى مبدأ التناسخ.
كذا اضطراب الفكر الهندي فيما يتعلق بالإله: فيما يتعلق بالإله نجد الفكر الهندي يتراوح بين التعدد وبين الإنكار أو الإهمال، والعجيب أن موقف الجينيين والبوذيين من الاعتراف بإله كان رد فعل لسوء تصرف لطبقة من البراهمة واستبدادهم، فخاف الجينيون والبوذيون أن تتكون عندهم طبقة لاهوتية كالبراهمة إن قالوا بالإله؛ فأنكروه، أو أهملوا الكلام عنه لهذا الغرض، وذلك موقف لا يرتضى، وقد ترتب على إنكارهم الإله، أو إهمالهم الكلام عنهم أن أله الجينيون مهاوير، وأله البوذيون بوذا، كما سبق القول، وامتلأت معابدهم بالآلهة.
وانحدر الفكر الهندي إلى عبادة الأوثان، ويعتبر علماء الأديان أن الوثنية نتيجة حتمية لإنكار الإله، فكل دين ينبني على إنكار الإله ينتهي بالفشل، وسبب ذلك أن الناس مفطورون على الإيمان بالآلهة، وهم دائمًا يفكرون فيمن خلق السموات والأرض، ومن يحيي ويميت، فإذا خلت عقيدة من الإله بادر أتباعها، فابتكروا الإله على النحو الذي يتفق مع ثقافتهم، ومستواهم العقلي والعلمي، وكذا ننكر عليهم إنكار العبادات وأسطورة النيرفانا والنجاة، والتشاؤم، وما في البوذية من مفاسد، وتردد البوذية في قبول المرأة، وموافقة الأب ضرورة قبول الابن، والاستجزاء والمهانة، كل هذه إذا من الأشياء التي ينبغي أن ننكرها.
وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.